تفسير سورة التغابن الآيات ١-٤ عند المحرر الوجيز

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 64 التغابن > الآيات ١-٤

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ١ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌۭ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌۭ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ٢ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ٣ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَغابُنِ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي مَدَنِيَّةٌ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: هي مَكِّيَّةٌ، إلّا مِن قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكُمْ  ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ فَإنَّهُ مَدَنِيٌّ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا وفي تَشابِيكِ رَأْسِهِ خَمْسُ آياتٍ مِن فاتِحَةِ سُورَةِ التَغابُنِ.» قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ ﴿ يَعْلَمُ ما في السَماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ عُمُومُ مَعْناهُ التَنْبِيهُ، و"الشَيْءُ" هو المَوْجُودُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، والمَعْنى: فَمِنكم كافِرٌ لِنِعْمَتِهِ في الإيجادِ حِينَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ لِجَهْلِهِ بِاللهِ، ومِنكم مُؤْمِنٌ بِاللهِ، والإيمانُ بِهِ شُكْرٌ لِنِعْمَتِهِ، فالإشارَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ في الإيمانِ والكُفْرِ- هي إلى اكْتِسابِ العَبْدِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وحُجَّتُهم قَوْلُ النَبِيِّ  : « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"،» وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها  ﴾ ، وكَأنَّ العِبارَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَمِنكُمْ" تُعْطِي هَذا كُلَّهُ، وكَذَلِكَ يُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .

وقِيلَ: المَعْنى خَلَقَكم مِنكم مُؤْمِنٌ ومِنكم كافِرٌ في أصْلِ الخَلْقِ، فَهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، فالإشارَةُ -عَلى هَذا- في الإيمانِ والكُفْرِ هي إلى اخْتِراعِ اللهِ تَعالى وخَلْقِهِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويَجْرِي مَعَ هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّ أحَدَكم يَكُونُ في بَطْنِ أُمِّهِ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مُضْغَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَجِيءُ المَلِكُ فَيَقُولُ: يا رَبِّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟

أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟

فَما الرِزْقُ؟

فَما الأجَلُ، فَيَكْتُبُ ذَلِكَ في بَطْنِ أُمِّهِ"،» فَقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: "أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ "؟

هو في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ ﴾ ، ويَجْرِي مَعَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ في الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ: « "إنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا"،» وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "خَلَقَ اللهُ فِرْعَوْنَ في البَطْنِ كافِرًا، وخَلَقَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّاءَ مُؤْمِنًا"،» وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: مَعْنى الآيَةِ: فَمِنكم كافِرٌ بِاللهِ مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومُؤْمِنٌ بِاللهِ كافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وقُدِّمَ الكافِرُ لِأنَّهُ أعْرَفُ مِن جِهَةِ الكَثْرَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالحَقِّ" أيْ: حِينَ خَلَقَها مَحْقُوقًا في نَفْسِهِ لَيْسَتْ عَبَثًا ولا لِغَيْرِ مَعْنًى، وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "صَوَّرَكُمْ" بِضَمِّ الصادِ، وقَرَأ أبُو رَزِينٍ: "صَوَّرَكُمْ" بِكَسْرِها، وهَذا تَعْدِيدُ النِعْمَةِ في حُسْنِ الخِلْقَةِ لِأنَّ أعْضاءَ ابْنِ آدَمَ مُتَصَرِّفَةٌ في جَمِيعِ ما تَتَصَرَّفُ بِهِ أعْضاءُ الحَيَوانِ وبِزِياداتٍ كَثِيرَةٍ فُضِّلَ بِها، ثُمَّ هو مُفَضَّلٌ بِحُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، وحُجَّةُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ  ﴾ ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: النِعْمَةُ المُعَدَّدَةُ هُنا إنَّما هي صُورَةُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ مُدْرِكٌ عاقِلٌ، فَهَذا هو الَّذِي حَسُنَ لَهُ حَتّى لَحِقَ ذَلِكَ كِمالاتٌ كَثِيرَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أحْرى في لُغَةِ العَرَبِ لِأنَّها لا تَعْرِفُ الصُوَرَ إلّا الشَكْلَ.

وذَكَرَ تَعالى عِلْمَهُ بِما في السَماواتِ والأرْضِ، فَعَلِمَ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ تَدَرَّجَ القَوْلُ إلى أخْفى مِن ذَلِكَ وهو جَمِيعُ ما يَقُولُهُ الناسُ في سِرٍّ وعَلَنٍ، ثُمَّ تَدَرَّجَ إلى خَفِيٍّ وهو ما يَهْجِسُ بِالخَواطِرِ، و"ذاتِ الصُدُورِ": ما فِيهِ مِن خَطِراتٍ واعْتِقاداتٍ، كَما يُقالُ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، والصَدْرُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ القَلْبِ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 38%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله