الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة المدثر
تفسيرُ سورةِ المدثر كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 38 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُدَّثِّرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ ﴿ قُمْ فَأنْذِرْ ﴾ ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ ﴿ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ ﴿ والرُجْزَ فاهْجُرْ ﴾ ﴿ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ ﴿ وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ ﴾ ﴿ فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ ﴾ ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴾ ﴿ عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في "المُدَّثِّرِ" عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ في [المُزَّمِّلِ]، وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [المُدَّثِّرُ] ومَعْناهُ: المُتَدَثِّرُ بِثِيابِهِ، والدِثارُ: ما يَتَغَطّى الإنْسانُ بِهِ مِنَ الثِيابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ ناداهُ بِالمُدَّثِّرِ؟
فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِما ورَدَ في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِن رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ فَرُعِبَ مِنهُ ورَجَعَ إلى خَدِيجَةَ، قالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"، ﴾ » وقالَتْ عائِشَةُ، وَقالَ النَخْعِيُّ وقَتادَةُ: نُودِيَ وهو في حالٍ تَدَثُّرٍ فَدُعِي بِحالٍ مِن أحْوالِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَدَّثِرُ في قَطِيفَةٍ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أيُّها النائِمُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ لِلنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
واخْتَلَفَ الناسُ في أوَّلِ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، فَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وأبُو سَلَمَةَ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ" ﴾ الآياتُ، وقالَ الزُهْرِيُّ والجُمْهُورُ: "هُوَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"، وهَذا هو الأصَحُّ، وحَدِيثُ صَدْرِ البُخارِيِّ نَصَّ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قُمْ فَأنْذِرْ" بِعْثَةٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، قالَ قَتادَةُ، المَعْنى: أنْذِرْ عَذابَ اللهِ ووَقائِعَهُ بِالأُمَمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ" مَعْناهُ: عَظِّمْهُ بِالعِبادَةِ وبُثَّ شَرْعَهُ، ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ قالَ: بِمَ نَفْتَتِحُ صَلاتَنا؟
فَنَزَلَتْ: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ".
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ "وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ"، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ زَيْدٍ بْنِ أسْلَمَ، والشافِعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ الثِيابِ حَقِيقَةً، وذَهَبَ الشافِعِيُّ وغَيْرُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلى وُجُوبِ غَسْلِ النَجاساتِ مِنَ الثِيابِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هَذِهِ الألْفاظُ اسْتِعارَةٌ في تَنْقِيَةِ الأفْعالِ والنَفْسِ وأعْرِضْ وهَذا كَما تَقُولُ: فُلانٌ طاهِرُ الثَوْبِ، ويُقالُ لِلْفاجِرِ: دَنَسُ الثَوْبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ..
لَبِسَتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنِّعُ وقالَ الآخَرُ: لا هُمَّ إنَّ عامِرَ ابْنَ جَهْمِ ∗∗∗ ∗∗∗ أوذَمَ حَجًّا في ثِيابِ دُهْمِ أيْ: دَنَّسَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُما: المَعْنى: ولا تَلْبَسُها عَلى غَدْرَةٍ ولا فُجُورٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: المَعْنى: لا تَلْبَسُها مِن مَكْسَبٍ خَبِيثٍ، وقالَ النَخْعِيُّ: المَعْنى: طَهِّرْها مِنَ الذُنُوبِ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وقالَ طاوُسٌ: المَعْنى: قَصَرَها وشَمَّرَها، فَذَلِكَ طُهْرَةٌ لِلثِّيابِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "والرِجْزَ فاهْجُرْ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجُ: و"الرُجْزَ فاهْجُرْ" بِضَمِّ الراءِ، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنى يُرادُ بِهِما الأصْنامُ والأوثانُ، وقِيلَ: لِلْأصْنامِ عُمُومًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والزَهْرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الرِجْزَ": السُخْطُ، فالمَعْنى: اهْجُرْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ ويُوجِبُهُ، وَقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَعْصِيَةِ رِجْزٌ، ورَوى جابِرٌ أنَّ النَبِيَّ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِالأوثانِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: لا تُعْطِ عَطاءً لِتُعْطى أكْثَرُ مِنهُ، فَكَأنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ: "مَن إذا أعْطى"، قالَ الضَحّاكُ: وهَذا خاصٌّ بِالنَبِيِّ ومُباحٌ لِأُمَّتِهِ لَكِنْ لا أجْرَ لَهم فِيهِ، قالَ مَكِّيٌّ: وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ الناسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَعْنًى أجْنَبِيٌّ مِن مَعْنى هَذِهِ السُورَةِ.
وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: ﴿ "وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ": ﴾ لا تَقُلْ: دَعَوْتُ فَلَمْ أُجَبْ ورَوى قَتادَةُ أنَّ المَعْنى: لا تُدْلِ بِعَمَلِكَ، فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَحْرِيض عَلى الجِدِّ وتَخْوِيف، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: ولا تَمْنُنْ عَلى الناسِ بِنُبُوءَتِك تَسْتَكْثِرُ بِأجْرٍ أو بِكَسْبٍ تَطْلُبُهُ مِنهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: عَلى اللهِ تَعالى بِجَدِّكَ تَسْتَكْثِرُ أعْمالَكَ ويَقَعُ لَكَ بِها إعْجابٌ، فَهَذِهِ كُلُّها مِنَ المَنِّ الَّذِي هو تَعْدِيدُ اليَدِ وذِكْرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: ولا تَضْعُفْ تَسْتَكْثِرُ ما حَمَلْناكَ مِن أعْباءِ الرِسالَةِ وتَسْتَكْثِرُ مِنَ الخَيْرِ، فَهَذِهِ مِن قَوْلِهِمْ: "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ: ضَعِيفٌ.
وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَسْتَكْثِرُ" بِنَصْبِ الراءِ عَلى تَقْدِيرِ "أنَّ" مُضْمَرَةً، وضَعَّفَ أبُو حاتِمٍ الجَزْمَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا تَمْنُنْ فَتَسْتَكْثِرُ" بِالفاءِ العاطِفَةِ والجَزْمِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "وَلا تَمْنَّ" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.
"وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ"، أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ وطَلَبِ رِضاهُ، كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى: عَلى الأدْنى مِنَ الكُفّارِ، وعَلى العِبادَةِ، وعَنِ الشَهَواتِ، وعَلى تَكالِيفِ النُبُوَّةِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وعَلى حَرْبِ الأحْمَرِ والأسْوَدِ، لَقَدْ حَمَلَ أمْرًا عَظِيمًا.
و"الناقُورِ": الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ، وهو الصُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، وقالَ خِفافُ بْنُ نُدْبَةَ: إذا ناقُورُهم يَوْمًا تَبَدّى ∗∗∗ أجابَ الناسُ مِن شَرْقٍ وغَرْبِ وهُوَ" فاعُولٌ" مِنَ النَقْرِ، وقالَ أبُو حُبابٍ: أمِنّا زُرارَةُ بْنُ أوفى فَلَمّا بَلَغَ " فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ" خَرَّ مَيِّتًا، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ قالَ لِأصْحابِهِ: "كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَهُ وحَنى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ بِالنَفْخِ"؟
فَفَزِعَ فَقالُوا: كَيْفَ نَقُولُ يا رَسُولَ اللهِ؟
قالَ: "قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا".» ويَوْمٌ عَسِيرٌ مَعْناهُ: في عُسْرٍ في الأُمُورِ الجارِيَةِ عَلى الكَفّارِ، فَوَصَفَ اللهُ تَعالى اليَوْمَ بِالعَسِرِ لِكَوْنِهِ ظَرْفَ زَمانٍ لَهُ، وكَذَلِكَ تَجِيءُ صِفَتُهُ بِاليُسْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ "عُسْرٍ" بِغَيْرِ ياءٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا ﴾ ﴿ وَبَنِينَ شُهُودًا ﴾ ﴿ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴾ ﴿ ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ ﴾ ﴿ كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا ﴾ ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾ ﴿ إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ ﴾ ﴿ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ ﴿ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ ﴿ ثُمَّ نَظَرَ ﴾ ﴿ ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ ﴾ ﴿ فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ ﴿ إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: أنا أكْفِي عِقابَهُ وشَأْنَهُ كُلَّهُ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، فَيَرْوِي أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ أيْ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في مالِهِ وشَرَفِهِ في بَيْتِهِ، فَذَكَرَ "الوَحِيدَ" في الآيَةِ في جُمْلَةِ النِعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَ، وإنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: "خَلَقْتُ وحِيدًا" مَعْناهُ: مُنْفَرِدًا قَلِيلًا ذَلِيلًا، فَجَعَلْتُ لَهُ المالَ والبَنِينَ، فَجاءَ ذِكْرُ الوَحْدَةِ مُقَدَّمَةً حَسُنَ مَعَها مَوْقِعُ المالَ والبَنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أحَدٌ، فـ "وَحِيدًا" حالٌ مِنَ التاءِ في "خَلَقْتُ".
و"المالُ المَمْدُودُ" قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو ألْفُ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ: بَلَغَنِي أنَّهُ أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا مَدٌّ في العَدَدِ.
وقالَ النُعْمانُ بْنُ سالِمٍ: هي الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المالُ المَمْدُودُ: الرِيعُ المُسْتَغَلُّ مُشاهَرَةً، فَهو مَدٌّ في الزَمانِ لا يَنْقَطِعُ.
"وَبَنِينَ شُهُودًا" مَعْناهُ: حُضُورًا مُتَلاحِقِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: كانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، و"التَمْهِيدُ" التَوْطِئَةُ والتَهْيِئَةُ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ بَسْطًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" وصَفَهُ لِجَشَعِ الوَلِيدِ ورَغْبَتِهِ في الِازْدِيادِ مِنَ الدُنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ عَلى أُمْنِيَةِ هَذا المَذْكُورِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ كانَ مُعانِدًا مُخالِفًا لِآياتِ اللهِ وعِبَرِهِ، يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ لِلَّذِي يَمْشِي مُخالِفًا لِلْإبِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ آياتِ القُرْآنِ، وهو الأصَحُّ في التَأْوِيلِ سَبَبُ كَلامِ الوَلِيدِ في القُرْآنِ بِأنَّهُ سْحْرٌ، و"أُرْهِقُهُ" مَعْناهُ: أُكَلِّفُهُ بِمَشَقَّةٍ وعُسْرٍ، «وَ"صَعُودًا" عَقَبَةٌ في جَهَنَّمَ، ورَوى ذَلِكَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ،» كُلَّما وضَعَ عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ ذابَ، والصُعُودُ في اللُغَةِ: العَقَبَةُ الشاقَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الوَلِيدِ "إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ" الآيَةُ.
رَوى جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الوَلِيدَ سَمِعَ مِنَ القُرْآنِ ما أعْجَبَهُ ومَدَحَهُ، ثُمَّ سَمِعَ كَذَلِكَ مِرارًا حَتّى كادَ أنْ يُقارِبَ الإسْلامَ، ودَخَلَ إلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِرارًا، فَجاءَهُ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا ولِيدُ، أشْعَرْتَ أنَّ قُرَيْشًا قَدْ ذَمَّتْكَ بِدُخُولِكَ إلى ابْنِ أبِي قُحافَةَ، وزَعَمْتَ أنَّكَ إنَّما تَقْصِدُ أنْ تَأْكُلَ طَعامَهُ؟
وقَدْ أبْغَضَتْكَ لِمُقارَبَتِكَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وما يُخَلِّصُكَ عِنْدَهم إلّا أنْ تَقُولَ في هَذا الكَلامِ قَوْلًا يُرْضِيهِمْ، فَفَتَنَهُ أبُو جَهْلٍ فافْتُتِنَ، وقالَ: افْعِلْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيما عَسى أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ، فَقالَ: أقُولُ هو شِعْرٌ، ما هو بِشِعْرٍ، أقُولُ: هو كاهِنٌ، ما هو بِكاهِنٍ، أقُولُ: هو سِحْرٌ يُؤْثَرُ، هو قَوْلُ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ مُنْزَلًا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ ﴿ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ هو دُعاءٌ عَلَيْهِ وتَقْبِيحٌ لِحالِهِ، أيْ أنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ.
ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ وجَماعَةٍ غَيْرِهِ أنَّ الوَلِيدَ حاجَّ أبا جَهْلِ وجَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ في أمْرِ القُرْآنِ، وقالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ أصْلَهُ لِعَذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناهُ، وإنَّهُ لِيَحْكُمُ ما تَحْتَهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ ولا يُعْلى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ، فَخالَفُوهُ فَقالُوا لَهُ: هو شِعْرٌ، فَقالَ: واللهِ ما هو بِشِعْرٍ، ولَقَدْ عَرَفْنا الشِعْرَ هَزْجَهُ وبَسِيطَهُ، قالُوا: فَهو مَجْنُونٌ، قالَ: واللهِ ما هو بِمَجْنُونٍ، ولَقَدْ رَأيْنا الجُنُونَ وخَنَقَهُ، قالُوا: هو سِحْرٌ، قالَ أمّا هَذا فَيُشْبِهُ أنَّهُ سِحْرٌ ويَقُولُ أقَوّالُ نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِ عَلى مَعْنى تَقْبِيحِ حالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُقْتَضاهُ اسْتِحْسانُ مَنزَعِهِ الأوَّلِ في مَدْحِهِ القُرْآنَ، وفي نَفْيِهِ الشِعْرَ والكَهانَةِ والجُنُونِ عنهُ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِ النَبِيِّ لِأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ: « "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ"،» ومَجْرى قَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قاتَلَ اللهُ كَثِيرًا، كَأنَّهُ رَآنا حِينَ قالَ كَذا، وهَذا مَعْنًى مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى إدْبارَهُ واسْتِكْبارَهُ وأنَّهُ ضَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ وكَفَرَ، وإذا قُلْنا إنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ عَلى مُسْتَحْسِنٍ فَعْلَهُ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ نَظَرَ" فِيما احْتَجَّ بِهِ القُرْآنُ فَرَأى ما فِيهِ مِن عُلُوِّ مَرْتَبَةِ مُحَمَّدٍ فَعَبَسَ لِذَلِكَ وبَسَرَ، أيْ قَطَبَ وقَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وأرْبَدَ وجْهَهُ حَسَدًا لَهُ فَأدْبَرَ، أيِ ارْتَكَسَ في ضَلالِهِ، وزالَ إقْبالُهُ أوَّلًا لِيَهْتَدِيَ ولَحِقَتْهُ الكِبْرِياءُ، وقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، ومَعْناهُ: يُرْوى ويُحْمَلُ، أيْ يَحْمِلُهُ مُحَمَّدٌ عن غَيْرِهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِ دُعاءٌ عَلى مُسْتَقْبَحِ فِعْلِهِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى "ثُمَّ نَظَرَ" مَعْنًى مُعادًا بِعَيْنِهِ؛ "لِأنَّ فَكَّرَ" وقَدَّرَ يَقْتَضِيهِ لَكِنَّهُ إخْبارٌ بِتَرْدِيدِهِ النَظَرَ في الأمْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ دَعا الوَلِيدَ، فَقالَ لَهُ: انْظُرْ وفَكِّرْ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما تَقَدَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما سَقَرُ ﴾ ﴿ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ ﴾ ﴿ لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴾ ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ "سَقَرُ" هو الدَرْكُ السادِسُ مِن جَهَنَّمَ عَلى ما رُوِيَ، و"أُصْلِيهِ" مَعْناهُ: أجْعَلُهُ فِيها مُباشِرًا لِنارِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما سَقَرُ ﴾ المَعْنى: لا تُبْقِي عَلى مَن أُلْقِيَ فِيها، ولا تَذَرُ غايَةً مِنَ العَذابِ إلّا أوصَلَتْهُ إلَيْها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ"، ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: مَعْناهُ: مُغَيِّرَةٌ لِلْبَشَراتِ، مُحْرِقَةٌ لِلْجُلُودِ مُسَوَّدَةٌ لَها، فـَ "البَشَرُ" جَمْعُ بَشْرَةٍ، وتَقُولُ العَرَبُ: لاحَتِ النارُ الشَيْءَ إذا أحْرَقَتْهُ وسَوَّدَتْهُ، وقالَ الشاعِرُ: لاحَّةُ الصَيْفِ والغِيارُ وإشْفا قٌ عَلى سِقْبَةٍ كَقَوْسِ الضالِّ وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: ..........
∗∗∗ يا بِنْتَ عَمِّي لاحِنِي الهَواجِرَ وَقالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: "لَوّاحَةٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن "لاحَ يَلُوحُ" إذا ظَهَرَ، فالمَعْنى أنَّها تَظْهَرُ لِلنّاسِ وهُمُ البَشَرُ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وذَلِكَ لِعَظْمِها وهَوْلِها وزَفِيرِها، وقَرَأ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ "لَوّاحَةً" بِالنَصْبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ مُقَدَّمٌ في المَجْرُورِ، ولا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ المُحِيطُونَ بِأمْرِها، الَّذِينَ إلَيْهِمْ جِماعُ أمْرِ زَبانِيَتِها، وقَدْ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّهم عَلى عَدَدِ حُرُوفِ "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ" لِأنَّ بِها تَقْوُوا، ورُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَمِعَتْ هَذا كَثُرَ إلْغاطُهم فِيهِ وقالُوا: لَوْ كانَ هَذا حَقًّا فَإنَّ هَذا العَدَدَ قَلِيلٌ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَؤُلاءِ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدُهْمُ، أفَيَعْجَزُ عَشْرَةٌ مِنّا عن رَجُلٍ مِنهُمْ؟
وقالَ أبُو الأشَدِّ الجُمَحِيُّ: أنا أُجْهِضُهم عَلى النارِ، إلى غَيْرِ هَذا مِن أقْوالِهِمُ السَخِيفَةِ، فَنَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ: ﴿ أولى لَكَ فَأولى ﴾ الآيَةُ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ "تِسْعَةَ عَشْرَ" بِسُكُونِ العَيْنِ مِن "عَشْرَ" لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "تِسْعَةُ عَشَرَ" بِرَفْعِ التاءِ، ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَرَأ: "تِسْعَةَ أعُشْرَ"، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً ﴾ تَبْيِينٌ لِفَسادِ أقْوالِ قُرَيْشٍ، أيْ: إنّا جَعَلْناهم خَلْقًا لا قِبَلَ لِأحَدٍ مِنَ الناسِ بِهِمْ، وجَعَلْنا عِدَّتَهم هَذا القَدْرَ فِتْنَةً لِلْكُفّارِ، لِيَقَعَ مِنهم مَنِ التَعاطِي والطَمَعِ في المُبالَغَةِ ما وقَعَ ويَسْتَيْقِنَ أهْلُ -الكِتابِ: التَوْراةِ والإنْجِيلِ- أنَّ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى؛ إذْ يَجِدُونَ هَذِهِ العُدَّةَ في كُتُبِهِمُ المُنَزَّلَةِ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْها مُحَمَّدٌ ولا هو مَن أهْلِها، ولَكِنَّ كِتابَهُ يُصَدِّقُ ما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ وسَلَّمَ؛ إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ حَقٌّ يَتَعاضَدُ، مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما، وبِوُرُودِ الحَقائِقِ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ يَزْدادُ كُلُّ مَن آمَنَ إيمانًا، ويَزُولُ الرَيْبُ عَنِ المُصَدِّقِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ الآيَةُ...
نَوْعٌ مِنَ الفِتْنَةِ لِهَذا الصِنْفِ المُنافِقِ أوِ الكافِرِ، أيْ: جارُوا وضَلُّوا ولَمْ يَهْتَدُوا لِقَصْدِ الحَقِّ، فَجَعَلُوا يَسْتَفْهِمُ بَعْضُهم بَعْضًا عن مُرادِ اللهِ تَعالى بِهَذا المَثَلِ اسْتِبْعادًا أنْ يَكُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: السُورَةُ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ، وإنَّما المَرَضُ في هَذِهِ الآيَةِ الِاضْطِرابُ وضَعْفُ الإيمانِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللهُ بِهَذا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هو وما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ﴾ ﴿ كَلا والقَمَرِ ﴾ ﴿ واللَيْلِ إذْ أدْبَرَ ﴾ ﴿ والصُبْحِ إذا أسْفَرَ ﴾ ﴿ إنَّها لإحْدى الكُبَرِ ﴾ ﴿ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ﴾ ﴿ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ ﴾ ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ ﴿ إلا أصْحابَ اليَمِينِ ﴾ ﴿ فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ ما سَلَكَكم في سَقَرَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ﴾ ، أيْ: بِهَذِهِ الصِفَةِ وهَذا الرَيْنُ عَلى القُلُوبِ يَضِلُّ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ مِنَ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ لِما ورَدَ، وذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِالقُدْرَةِ، ووُقُوفِ عُقُولِهِمْ عَلى كُنْهِ سُلْطانِ اللهِ تَعالى، فَهم مُوقِنُونَ مُتَصَوِّرُونَ صِحَّةَ ما أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ وكَتَبَ اللهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ ﴾ إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الخَبَرَ إنَّما هو عن بَعْضِ القُدْرَةِ لا عن كُلِّها، والسَماءُ كُلُّها عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ، كُلُّهم في عِبادَةٍ مُتَّصِلَةٍ، وخُشُوعٍ دائِمٍ وطاعَةٍ، لا فَتْرَةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا دَقِيقَةَ واحِدَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "هِيَ" لِلنّارِ المَذْكُورَةِ، أيْ يَذْكُرُها البَشَرُ فَيَخافُونَها فَيُطِيعُونَ اللهَ تَعالى، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: قَوْلُهُ تَعالى: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هى"يُرادُ نارَ الدُنْيا، أيْ: إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ بِنارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى وجَلَّ: "كَلّا" رَدٌّ عَلى الكافِرِينَ وأنْواعِ الطاعِنِينَ عَلى الحَقِّ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِالقَمَرِ، تَخْصِيصُ تَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ عَلى النَظَرِ في عَجائِبِهِ، وقُدْرَةِ اللهِ تَعالى في حَرَكاتِهِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي مَعَ كَثْرَتِها واخْتِلافِها عَلى نِظامٍ واحِدٍ لا يَخْتَلُّ، وكَذَلِكَ هو القَسَمُ بِاللَيْلِ والصُبْحِ، فَيَعُودُ التَعْظِيمُ في آخِرِ الفِكْرَةِ وتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ إلى اللهِ تَعالى، مالِكُ الكُلِّ، وقِوامُ الوُجُودِ، ونُورُ السَماءِ والأرْضِ، لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الغَفّارُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "إذْ دَبَرَ" بِفَتْحِ الدالِ والباءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُبَيْرِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي الزِنادِ، وقَتادَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، وطَلْحَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إذا أدْبَرَ" بِتَسْكِينِ الدالِ وفِعْلٍ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُمْ- والأعْرَجِ، وأبِي شَيْخٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ سِيرِينَ.
قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: "دَبَّرَ" مَعْناهُ: انْقَضى، و"أدْبَرَ" مَعْناهُ: تَوَلّى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "إذْ أدْبَرَ" بِالألِفِ في "إذا" وألِفِ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رُزَيْنٍ، وأبِي رَجاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ.
وسَألَ مُجاهِدٌ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عن "دُبُرِ اللَيْلِ"، فَتَرَكَهُ حَتّى إذا سَمِعَ المُنادِي الأوَّلَ لِلصُّبْحِ قالَ لَهُ: يا مُجاهِدٌ هَذا حِينَ دَبَرَ اللَيْلُ، وقالَ قَتادَةُ: "دَبَرَ اللَيْلُ": ولّى، قالَ الشاعِرُ: وأبِي الَّذِي تَرَكَ المُلُوكَ وجَمْعَهم ∗∗∗ بِهَضّامِ هامِدَةٍ كَأمْسِ الدابِرِ والعَرَبُ تَقُولُ في كَلامِها: "كَأمْسِ المُدَبِّرِ".
قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالقِراءَتانِ جَمِيعًا حَسَنَتانِ.
وأسْفَرَ الصُبْحُ: أضاءَ وانْتَشَرَ ضَوْءُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ بِكَثِيرٍ، والإسْفارُ رُتِّبَ: أوَّلٌ ووَسَطٌ وآخِرٌ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ السَفْرُ والسِفْرُ والسَفِيرُ وسَفَرَتِ المَرْأةُ عن وجْهِها، وكُلُّها تَرْجِعُ إلى مَعْنى الظُهُورِ والِانْجِلاءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ الفُضَيْلِ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "إذا أسْفَرَ"، فَكَأنَّ المَعْنى: طَرَحَ الظُلْمَةَ عن وجْهِهِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّها لإحْدى الكُبَرِ ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو رُزَيْنٍ، وغَيْرُهُما الضَمِيرُ لِجَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلنِّذارَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ، فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ أنْتُمْ عنهُ مُعْرِضُونَ ﴾ ، و"الكِبَرُ" جَمْعُ كَبِيرَةٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لِإحْدى" بِهَمْزَةٍ في ألِفِ "إحْدى"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: "حِدى" دُون هَمْزَةٍ، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ:التَخْفِيفُ في "لَإحْدى الكُبَرِ" أنْ تَجْعَلَ الهَمْزَةَ فِيها بَيْنَ بَيْنَ، فَأمّا حَذْفُ الهَمْزَةِ فَلَيْسَ بِقِياسٍ، وقَدْ جاءَ حَذْفُها، قالَ أبُو الأُسُودِ الدُؤَلِيُّ: يا أبا المُغِيرَةَ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ∗∗∗ فَرَّجْتُهُ بِالنُكْرِ مِنِّي والَدَّها وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ: إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبَسُونِي بُرْقُعًا..
∗∗∗ وفَتَخاتٍ في اليَدَيْنِ أرْبَعًا وقَوْلُهُ تَعالى: "نَذِيرًا لِلْبَشَرِ"، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ لا نَذِيرَ أدْهى مِنَ النارِ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "إنَّها"، أو مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَإحْدى"، وكَذَلِكَ أيْضًا عَلى الِاحْتِمالِ في أنْ تَكُونَ "إنَّها"، يُرادُ بِها قِصَّةَ الآخِرَةِ وحالَ المَعادِ.
وقالَ أبُو رُزَيْنٍ: اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ هو النَذِيرُ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اعْبُدُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ أوِ ادْعُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُحَمَّدٌ ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ، نادِ نَذِيرًا، أو بَلِّغْ نَذِيرًا، ونَحْوُ هَذا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "نَذِيرًا" مَصْدَرًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ ؟
وهَذا اخْتِيارُ الخَلِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، قالَ: ولِذَلِكَ يُوصَفُ بِهِ المُؤَنَّثُ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَذِيرٌ" بِالرَفْعِ عَلى إضْمارِ "هُوَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ، قالَ الحَسَنُ هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هُوَ بَيانٌ في النَذارَةِ، وإعْلامُ كُلِّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَظَرَ، أيْ: أو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عن هَذِهِ الرُتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ.
ثُمَّ قَوِيَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ إذْ أُلْزِمَ بِهَذا القَوْلِ أنَّ المُقَصِّرَ مُرْتَهِنٌ بِسُوءِ عَمَلِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ حَقَّتْ عَلَيْها كَلِمَةُ العَذابِ، ولا يَرْتَهِنُ اللهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
والهاءُ في "رَهِينَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، أو عَلى تَأْنِيثِ اللَفْظِ لا عَلى مَعْنى الإنْسانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أصْحابَ اليَمِينِ ﴾ اسْتِثْناءٌ ظاهِرُ الِانْفِصالِ، وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكْتَسِبُوا ما هم بِهِ مُرْتَهِنُونَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ في هَذِهِ الآيَةِ أطْفالُ المُسْلِمِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقالَ الضَحّاكُ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللهِ الحُسْنى، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، ولَيْسُوا بِمُرْتَهِنِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ أصْحابِ اليَمِينِ، وأنَّهم في جَنّاتٍ يَسْألُ بَعْضُهم بعضًا عَمَّنْ غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَلِمُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النارِ قالُوا لَهم -أو قالَتِ المَلائِكَةُ-: "ما سَلَكَكم في سَقَرَ"، و"سَلَكَ" مَعْناهُ: أدْخَلَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَعْدِيِّ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ﴾ ﴿ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ ﴾ ﴿ وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ ﴾ ﴿ وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِينِ ﴾ ﴿ حَتّى أتانا اليَقِينُ ﴾ ﴿ فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشافِعِينَ ﴾ ﴿ فَما لَهم عَنِ التَذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴾ ﴿ كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴾ ﴿ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ﴾ ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ﴾ ﴿ كَلا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ ﴾ ﴿ كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ ﴾ ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ ﴿ وَما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ هو أهْلُ التَقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ ﴾ هَذا هو اعْتِرافُ الكَفّارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وفي نَفْيِ الصَلاةِ يَدْخُلُ الإيمانُ بِالإيمانِ بِاللهِ تَعالى والمَعْرِفَةِ بِهِ، والخُشُوعِ لَهُ والعِبادَةِ.
والصَلاةُ تَنْتَظِمُ مُعْظَمَ الدِينِ وأوامِرِ اللهِ تَعالى وواجِباتِ العَقائِدِ.
وإطْعامُ المَساكِينِ يَنْتَظِمُ الصَدَقَةَ فَرْضًا وطَواعِيَةً وكَلُّ احْتِمالٍ تَنْدُبُ إلَيْهِ الشَرِيعَةُ بِقَوْلٍ أو فِعْلٍ.
والخَوْضُ مَعَ الخائِضِينَ عُرْفُهُ في الباطِلِ، قالَ قَتادَةُ: المَعْنى كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَوْا مَعَهُ، والتَكْذِيبُ بِيَوْمِ الدِينِ كُفْرٌ صَراحٌ بِاللهِ تَعالى.
و"اليَقِينُ" مَعْناهُ عِنْدِي: صِحَّةُ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ الرُجُوعِ إلى اللهِ تَعالى والدارِ الآخِرَةِ، وقالَ المُفَسِّرُونَ: اليَقِينُ المَوْتُ، وذَلِكَ عِنْدِي -هُنا- مُتَعَقِّبٌ؛ لِأنَّ نَفْسَ المَوْتِ يَقِينٌ عِنْدَ الكافِرِ وهو حَيٌّ، فَإنَّما اليَقِينُ الَّذِي عَنَوْا في هَذِهِ الآيَةِ الشَيْءَ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ وهم أحْياءٌ في الدُنْيا فَتَيَقَّنُوهُ بَعْدَ المَوْتِ، وإنَّما يُفَسِّرُ اليَقِينَ بِالمَوْتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ ﴾ .
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ شَفاعَةَ الشافِعِينَ لا تَنْفَعُهُمْ، فَتَقَرَّرَ مِن ذَلِكَ أنَّ ثَمَّ شافِعِينَ، وفي صِحَّةِ هَذا المَعْنى أحادِيثٌ، قالَ : « "يَشْفَعُ المَلائِكَةُ ثُمَّ النَبِيُّونَ ثُمَّ العُلَماءُ ثُمَّ الشُهَداءُ ثُمَّ الصالِحُونَ يَشْفَعُونَ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ تَعالى: شَفَّعَ عِبادِي وبَقِيَتْ شَفاعَةُ أرْحَمِ الراحِمِينَ، فَلا يَبْقى في النارِ مَن كانَ لَهُ إيمانٌ"،» ورَوى الحَسَنُ أنَّ اللهَ تَعالى يُدْخِلُ بِشَفاعَةِ رَجُلٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الأُمَّةَ إلى الجَنَّةِ مِثْلَ رَبِيعَةُ ومُضَرٌ، وفي رِوايَةِ أبِي قُلابَةَ: أكْثَرُ مِن بَنِي تَمِيمٍ.
وقالَ الحَسَنُ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّ الشَهِيدَ يَشْفَعُ في سَبْعِينَ مِن أهْلِ بَيْتِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى وجَلَّ: ﴿ فَما لَهم عَنِ التَذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴾ ، أيْ والحالُ المُنْتَظَرَةُ هي هَذِهِ المَوْصُوفَةُ؟
وقَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ الكُفّارِ المُعْرِضِينَ في تَوَلٍّ واجْتِهادٍ في نُفُورٍ ﴿ كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴾ إثْباتٌ لِجَهالَتِهِمْ، لِأنَّ الحُمُرَ مِن جاهِلِ الحَيَوانِ جِدًّا، وقَرَأ الأعْمَشُ: "حُمْرٌ" بِإسْكانِ المِيمِ، وفي حِرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "حُمْرٌ نافِرَةُ"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "مُسْتَنْفَرَةً" بِفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الفاءِ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ، وعَنِ الحَسَنِ، والأعْرَجِ، ومُجاهِدٍ، فَأمّا فَتْحُ الفاءِ فَمَعْناهُ: اسْتَنْفَرَها فَزَعَها مِنَ القَسْوَرَةِ، وأمّا كَسْرُ الفاءِ فَعَلى أنَّ "نَفَرَ" و"اسْتَنْفَرَ" بِمَعْنًى واحِدٍ، بِمَنزِلَةِ "عَجِبَ" و"اسْتَعْجَبَ" و"سَخِرَ" و"اسْتَسْخَرَ"، فَكَأنَّها نَفَرَتْ هِيَ، ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: "فَرَّتْ"، وبِذَلِكَ رَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قِراءَةَ الكَسْرِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى "القَسْوَرَةِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ: القَسْوَرَةُ: الرُماةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو هُرَيْرَةَ، وجُمْهُورٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ، وقَوْلُ الشاعِرِ: مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ كَأنَّهُ القَسْوَرَةُ الرِئْبالُ وَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: "القَسْوَرَةُ": رِجالُ القَنْصِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وقِيلَ: "القَسْوَرَةُ": رَكَزُ الناسِ، وقِيلَ: القَسْوَرَةُ: الرِجالُ الشِدادُ، قالَ لَبِيدُ: إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدَّيْنا ∗∗∗ أتانًا الرِجالُ العانِدُونَ القَساوِرُ وقالَ ثَعْلَبٌ: القَسْوَرَةُ: سَوادُ أوَّلِ اللَيْلِ خاصَّةً لِآخِرِهِ.
أوِ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ القَسْرِ الَّذِي هو الغَلَبَةُ والقَهْرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ﴾ مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ المُعْرِضِينَ، أيْ يُرِيدُ كُلَّ إنْسانٍ مِنهم أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ كِتابٌ مِنَ اللهِ، وكانَ هَذا مِن قَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمِّيَّةَ وغَيْرِهِ، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: إنْ كانَ يَكْتُبُ في صُحُفٍ ما يَعْمَلُ فَلْتَعْرِضْ ذَلِكَ الصُحُفَ عَلَيْنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
و"مُنَشَّرَةً" مَعْناهُ: غَيْرُ مَطْوِيَّةٍ، مَنشُورَةً وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "صُحُفًا" بِسُكُونِ الحاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمَةَ، وقَرَأ: "مُنْشَرَةٍ" بِسُكُونِ النُونِ وتَخْفِيفِ الشِينِ، وهَذا عَلى أنْ يُشْبِهَ "نَشَرْتُ الثَوْبَ" بِـ "أنْشَرَ اللهُ المَيِّتَ"؛ إذا لَطى كالمَوْتِ، وقَدْ عَكَسَ التَيْمِيُّ التَشْبِيهَ في قَوْلِهِ: رَدَّتْ صَنائِعُهُ عَلَيْهِ حَياتَهُ ∗∗∗ فَكَأنَّهُ مِن نَشْرِها مَنشُورُ ولا يُقالُ في المَيِّتِ يَحْيا: مَنشُورٌ إلّا عَلى التَشْبِيهِ بِالثَوْبِ، وأمّا مَحْفُوظُ اللُغَةِ فَهو "نَشَرَتِ الصَحِيفَةُ" و"أنْشَرَ اللهُ المَيِّتَ"، وقَدْ جاءَ عنهم "نَشَرَ اللهُ المَيِّتَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" رَدٌّ عَلى إرادَتِهِمْ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ ﴾ ، المَعْنى: هَذِهِ العِلَّةُ والسَبَبُ في إعْراضِهِمْ، فَكانَ جَهْلُهم بِالآخِرَةِ سَبَبَ امْتِناعِهِمْ مِنَ الهُدى حَتّى هَلَكُوا.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "تَخافُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ.
ثُمَّ أعادَ تَعالى الرَدَّ والزَجْرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا"، وأخْبَرَ أنَّ هَذا القَوْلَ والبَيانَ وهَذِهِ المُحاوَرَةَ بِجُمْلَتِها تَذْكِرَةٌ، فَمَن شاءَ وفَّقَهُ لِذِكْرِ مَعادِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ذِكْرَ الإنْسانِ مَعادَهُ، وجَرْيَهُ إلى فَلاحِهِ إنَّما هو كُلُّهُ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعالى، ولَيْسَ يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِها.
وقَرَأ نافِعٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وسَلامٌ، ويَعْقُوبُ: "تُذَكِّرُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعِيسى، والأعْرَجُ: "يَذَكَّرُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، ورُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وشَدِّ الذالِ، كَأنَّهُ "تَتَذَكَّرُونَ" فَأدْغَمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ أهْلُ التَقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ ﴾ خَبَرُ جَزْمٍ، مَعْناهُ أنَّ اللهَ تَعالى أهْلٌ بِصِفاتِهِ العُلى، ونِعَمِهِ الَّتِي لا تُحْصى، ونِقَمِهِ الَّتِي لا تَدْفَعُ، لِأنْ يُتَّقى ويُطاعُ، ويُحْذَرَ عِصْيانُهُ وخِلافُ أمْرِهِ، وأنَّهُ تَعالى بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ أهْلٌ لِأنْ يَغْفِرُ لِعِبادِهِ إذا اتَّقَوْهُ، ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّ النَبِيَّ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام: « "يَقُولُ رَبُّكم جَلَّتْ عَظَمَتُهُ: أنا أهْلٌ أنَّ أتْقِي فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَه غَيْرِي، ومَنِ اتَّقى أنْ يُجْعَلَ مَعِي إلَهًا غَيْرِي فَأنا أغْفِرُ لَهُ"،» وقالَ قَتادَةُ: هو أهْلٌ لِأنَّ تُتَّقى مَحارِمُهُ، وأهْلٌ أنْ يَغْفِرَ الذُنُوبَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُدَّثِّرِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ