الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الفجر
تفسيرُ سورةِ الفجر كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 28 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الفَجْرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ في كِتابِهِ المُؤَلَّفِ في تَنْزِيلِ القُرْآنِ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ، والأوَّلُ أشْهَرُ وأصَحُّ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والفَجْرِ ﴾ ﴿ وَلَيالٍ عَشْرٍ ﴾ ﴿ والشَفْعِ والوَتْرِ ﴾ ﴿ واللَيْلِ إذا يَسْرِ ﴾ ﴿ هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ﴾ ﴿ إرَمَ ذاتِ العِمادِ ﴾ ﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ ﴾ ﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَخْرَ بِالوادِ ﴾ ﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوتادِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ ﴾ ﴿ فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ ﴾ ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: "الفَجْرِ" هُنا هو المَشْهُورُ الطالِعُ كُلَّ يَوْمٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الفَجْرُ: النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الفَجْرُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ بِهِ: صَلاةُ الصُبْحِ، وقَرَأ: " إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ" وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما أرادَ فَجْرَ يَوْمِ النَحْرِ، وقالَ الضَحّاكُ: المُرادُ فَجْرُ ذِي الحِجَّةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ فَجْرُ لَيْلَةِ جَمْعٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المُرادُ فَجْرُ أوَّلِ يَوْمِ المُحَرَّمِ لِأنَّهُ فَجْرُ السَنَةِ، وقِيلَ: المُرادُ فَجْرُ العُيُونِ مِنَ الصُخُورِ وغَيْرِها.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المُرادُ فَجْرُ يَوْمِ الجُمْعَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "اللَيالِي العَشْرِ" -فَقالَ بَعْضُ الرُواةِ: هي العَشْرُ الأُوَلُ مِن رَمَضانَ، وابْنُ عَبّاسٍ والضَحّاكُ: هي العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، وقالَ يَمانُ وجَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هي العَشْرُ الأُوَلُ مِنَ المُحَرَّمِ، وفِيهِ يَوْمُ عاشُوراءَ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، والسُدِّيُّ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: هي عَشَرُ ذِي الحِجَّةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي عَشْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الَّتِي أتَمَّها اللهُ تَعالى لَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلَيالٍ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: [وَلَيالِي عَشْرٌ] بِالإضافَةِ، وكَأنَّ هَذا عَلى أنَّ "العَشْرَ" مُشارٌ إلَيْهِ مُعَيَّنٌ بِالعِلْمِ بِهِ، ثُمَّ وقَعَ القَسَمُ بِلَيالِيهِ، فَكَأنَّ "العَشْرَ" اسْمٌ لَزِمَهُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِمْ: "فَعَلْتُ كَذا في العَشْرِ الأوسَطِ"، فَإنَّما هَذا عَلى أنَّ "العَشْرَ" اسْمٌ لَزِمَ حَتّى عُومِلَ مُعامَلَةَ الفَرْدِ ثُمَّ وُصِفَ بِهِ، ومَن راعى فِيهِ اللَيالِي قالَ "العَشْرُ الوَسَطُ".
واخْتَلَفَ الناسُ في "الشَفْعِ والوِتْرِ" -فَقالَ جابِرٌ عَنِ النَبِيِّ : « "الشَفْعُ يَوْمُ النَحْرِ، والوِتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ"» ورَوى أبُو أيُّوبَ عنهُ أنَّهُ قالَ: « "الشَفْعُ يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الأضْحى، والوِتْرُ لَيْلَةَ النَحْرِ"»، ورَوى عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "هِيَ الصَلَواتُ مِنها الشَفْعُ ومِنها الوَتْرُ"»، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ: الشَفْعُ اليَوْمانِ مِن أيّامِ التَشْرِيقِ، والوَتْرُ اليَوْمُ الثالِثُ، وقالَ آخَرُونَ: الشَفْعُ العالِمُ، والوِتْرُ اللهُ سُبْحانُهُ؛ إذْ هو تَعالى الواحِدُ مَحْضًا وسِواهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: الشَفْعُ آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، والوِتْرُ اللهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ، ومَسْرُوقٌ، وأبُو صالِحٍ: الشَفْعُ والوِتْرُ شائِعانِ في الخَلْقِ كُلِّهِ، الإيمانُ والكُفْرُ، والإنْسُ والجِنُّ وما اطَّرَدَ نَحْوُ هَذا فَهي أضْدادٌ أو كالأضْدادِ، ووَتَرَها اللهُ تَعالى فَرْدٌ واحِدٌ، وقِيلَ: الشَفْعُ الصَفا والمَرْوَةُ، والوِتْرُ البَيْتُ، وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: الشَفْعُ أبْوابُ الجَنَّةِ لِأنَّها ثَمانِيَةٌ، والوِتْرُ أبْوابُ النارِ لِأنَّها سَبْعَةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: الشَفْعُ الأيّامُ واللَيالِي، والوِتْرُ يَوْمُ القِيامَةِ لِأنَّهُ لا لَيْلَ بَعْدَهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: الشَفْعُ تَضادُّ أوصافِ المَخْلُوقِينَ كالعِزِّ والذُلِّ ونَحْوِهِ، والوِتْرُ اتِّحادُ صِفاتِ اللهِ تَعالى، عِزٌّ مَحْضٌ وكَرَمٌ مَحْضٌ، ونَحْوُهُ، وقِيلَ: الشَفْعُ، قُرْآنُ الحَجِّ والعُمْرَةِ، والوِتْرُ الإفْرادُ بِالحَجِّ، وقالَ الحَسَنُ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالعَدَدِ لِأنَّهُ إمّا شَفَعَ وإمّا وتَرَ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الشَفْعُ حَوّاءٌ والوِتْرُ آدَمُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: الوِتْرُ صَلاةُ المَغْرِبِ والشَفْعُ صَلاةُ الصُبْحِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الشَفْعُ الرَكْعَتانِ مِنَ المَغْرِبِ والوِتْرُ الرَكْعَةُ الأخِيرَةُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشَفْعُ تَنَفُّلُ اللَيْلِ مَثْنى مَثْنى، والوِتْرُ الرَكْعَةُ الأخِيرَةُ المَعْرُوفَةُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ: "والوَتَرُ" بِفَتْحِ الواوِ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ وأهْلِ الحِجازِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والحَسَنُ -بِخِلافٍ- وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ: "والوِتْرُ" بِكَسْرِ الواوِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وبَكْرٍ، وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ الأغَرَّ رَواها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهُما لُغَتانِ في الفَرْدِ، وأمّا الذَحْلُ فَإنَّما هو "وِتْرٌ" بِالكَسْرِ لا غَيْرُ، وقَدْ ذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ الأصْمَعِيَّ حَكى فِيهِ اللُغَتَيْنِ، الفَتْحَ والكَسْرَ.
و"سَرى اللَيْلُ" ذَهابُهُ وانْقِراضُهُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والأخْفَشُ، وغَيْرُهُما: المَعْنى إذا يَسْرِي فِيهِ، فَيَخْرُجُ هَذا الكَلامُ مَخْرَجَ "لَيْلٌ نائِمٌ ونَهارٌ صائِمٌ"، وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ: أرادَ بِهَذا لَيْلَةَ جُمَعٍ لِأنَّهُ يُسْرى فِيها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَسْرِ" دُونَ ياءٍ في وصْلٍ ووَقْفٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يَسْرِي" بِالياءِ في وصْلٍ ووَقْفٍ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- عنهُ "يَسْرِي" بِياءٍ في الوَصْلِ ودُونَهُ في الوَقْفِ، وحَذْفُها تَخْفِيفٌ لِاعْتِدالِ رُؤُوسِ الآيِ إذْ هي فَواصَلُ كالقَوافِي، قالَ اليَزِيدِيُّ: الوَصْلُ في هَذا وما أشْبَهَهُ بِالياءِ، والوَقْفُ بِغَيْرِ ياءٍ عَلى خَطِّ المُصْحَفِ، ووَقَفَ تَعالى عَلى هَذِهِ الأقْسامِ العِظامِ هَلْ فِيها مُقْنِعٌ وحَسَبٌ لِذِي عَقْلٍ.
و"الحِجْرُ" العَقْلُ والنُهْيَةُ، والمَعْنى: فَيَزْدَجِرُ ذُو الحِجْرِ ويَنْظُرُ في آياتِ اللهِ تَعالى.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مُصارِعِ الأُمَمِ الخالِيَةِ الكافِرَةِ وما فَعَلَ رَبُّكَ مِنَ التَعْذِيبِ والإهْلاكِ، والمُرادُ بِذَلِكَ تَوَعُّدُ قُرَيْشٍ ونُصْبُ المَثَلِ لَها.
و"عادٌ" قَبِيلَةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ، واخْتَلَفَ الناسُ في "إرَمَ" - فَقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هي القَبِيلَةُ بِعَيْنِها، وعَلى هَذا قالَ ابْنُ قَيْسِ الرُقَيّاتِ: مَجْدًا تَلِيدًا بَناهُ أوَّلُهُ أدْرَكَ عادًا وقَبْلَها إرْما وَقالَ زُهَيْرٌ: وآخَرِينَ تَرى الماذِيَّ عُدَّتُهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ أو ما أورَثَتْ إرَمُ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: إرَمٌ هو أبُو عادٍ كُلِّها، وهو عادُ بْنُ عَوْصَ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ غَيْرُ ابْنِ إسْحاقَ: هو أحَدُ أجْدادِها، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إرَمُ مَدِينَةٌ لَهم عَظِيمَةٌ كانَتْ عَلى وجْهِ الدَهْرِ بِاليَمَنِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هي "الإسْكَنْدَرِيَّةُ"، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ والمُقْبِرِيُّ: هي دِمَشْقُ، وهَذانَ القَوْلانِ ضَعِيفانِ، وقالَ مُجاهِدٌ "إرَمُ" مَعْناهُ: قَدِيمَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بِعادٍ إرَمَ"، فَصَرَفُوا "عادًا" عَلى إرادَةِ الحَيِّ، ونَعَتُوا بـ "إرَمَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّها القَبِيلَةُ بِعَيْنِها، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ اليَهُودِ لِلْعَرَبِ: سَيَخْرُجُ فِينا نَبِيٌّ نَتْبَعُهُ، نَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّها قَبِيلَةٌ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ "إرَمُ" أبًا لِعادٍ أو جَدًّا غَلَبَ اسْمُهُ عَلى القَبِيلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "بِعادِ إرَمَ" عَلى تَرْكِ الصَرْفِ في "عادٍ" وإضافَتِها إلى "إرَمَ"، وهَذا يَتَّجِهُ عَلى أنْ يَكُونَ "إرَمَ" أبًا أو جَدًّا، وعَلى أنْ تَكُونَ مَدِينَةً.
وقَرَأ الضَحّاكُ: "بِعادَ أرَمَ" بِفَتْحِ الدالِ والهَمْزَةِ مِن "أرَمَ" وفَتْحِ الراءِ والمِيمِ، عَلى تَرْكِ الصَرْفِ في "عادٍ" والإضافَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحّاكُ "بِعادِ إرَمَّ" بِشَدّ المِيمِ عَلى الفِعْلِ الماضِي بِمَعْنى: بَلِيَ وصارَ رَمِيمًا، يُقالُ أرِمَ العَظْمُ ورُمَّ وأرَمَّهُ اللهُ، تَعِدّى "رَمَّ" بِالهَمْزَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "أرْمِ ذاتَ" بِالنَصْبِ في التاءِ، عَلى إيقاعِ الإرْمامِ عَلَيْها، أيْ: أبْلاها رَبُّكَ وجَعَلَها رَمِيمًا، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ: "أرْمِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وَكَسْرِ الراءِ، وهي لُغَةٌ في المَدِينَةِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ "أرْمِ" بِسُكُونِ الراءِ وفَتْح الهَمْزَةِ وهي تَخْفِيفٌ في "أرُمَ" كَفَخْذَةٍ وفَخْذٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذاتِ العِمادِ ﴾ فَمَن قالَ "إرَمُ مَدِينَةٌ" قالَ: العِمادُ هي أعْمِدَةُ الحِجارَةِ الَّتِي بُنِيَتْ بِها، وقِيلَ القُصُورُ العالِيَةُ والأبْراجُ يُقالُ لَها: عِمادٌ، ومَن قالَ "إرَمَ" قَبِيلَةٌ قالَ: العِمادُ إمّا أعْمِدَةُ أبْنِيَتِهِمْ وإمّا أعْمِدَةُ بُيُوتِهِمُ الَّتِي يَرْحَلُونَ بِها؛ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عَمُودٍ يَنْتَجِعُونَ البِلادَ، قالَهُ مُقاتِلٌ وجَماعَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي كِنايَةٌ عن طُولِ أبْدانِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: " لَمْ يُخْلَقْ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللامِ "مِثُلَها" رَفْعًا، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ "لَمْ يَخْلُقْ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ اللامِ "وَمِثْلَها" نَصْبًا، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "لَمْ نَخْلُقْ" بِالنُونِ وضَمِّ اللامِ "مِثْلَها" نَصْبًا، وذَكَرَ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ عن عِكْرِمَةَ، والضَمِيرُ في مِثْلِها يَعُودُ إمّا عَلى المَدِينَةِ وإمّا عَلى القَبِيلَةِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ "وَثَمُودًا" بِتَنْوِينِ الدالِ، و"جابُوا الصَخْرَ" مَعْناهُ: خَرَقُوهُ ونَحَتُوهُ، وكانُوا في وادِيهِمْ قَدْ نَحَتُوا بُيُوتَهم في حِجارَةٍ، و"الوادِي" ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ماءٌ، هَذا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى "جابُوا الصَخْرَ بِالوادِ"، وقالَ الثَعْلَبِيُّ: يُرِيدُ: بِوادِي القُرى، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: جابُوا وادِيَهم وجَلَبُوا ماءَهم في صَخْرٍ شَقُّوهُ، وهَذا فِعْلُ ذَوِي القُوَّةِ والآمالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "بِالوادِي" بِالياءِ، وقَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ: "بِالوادِ" بِدُونِ ياءٍ، واخْتَلَفَ في ذَلِكَ نافِعٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا.
و"فِرْعَوْنَ" هو فِرْعَوْنُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، واخْتَلَفَ الناسُ في أوتادِهِ فَقِيلَ أبْنِيَتُهُ العالِيَةُ العَظِيمَةُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وقِيلَ: جُنُودُهُ الَّذِينَ بِهِمْ يَثْبُتُ مُلْكُهُ، وقِيلَ المُرادُ أوتادُ أخْبِيَةٍ عَساكِرُهُ وذُكِرَتْ لِكَثْرَتِها ودَلالَتِها عَلى غَزَواتِهِ وطَوافِهِ في البِلادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومِنهُ قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ: ..............
∗∗∗ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوتادِ وَقالَ قَتادَةُ: كانَ لَهُ أوتادٌ يَلْعَبُ عَلَيْها الرِجالُ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو مُشْرِفٌ عَلَيْهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ يُوتِدُ الناسَ بِأوتادِ الحَدِيدِ، يَقْتُلُهم بِذَلِكَ، يَضْرِبُها في أبْدانِهِمْ حَتّى تَنْفُذَ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إنَّما فُعِلَ ذَلِكَ بِزَوْجَتِهِ آسِيَةَ، وقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ بِماشِطَةِ بِنْتِهِ لِأنَّها كانَتْ آمَنَتْ بِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ، و"الصَبُّ" يُسْتَعْمَلُ في السَوْطِ لِأنَّهُ يَقْتَضِي سُرْعَةً في النُزُولِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في المَحْدُودِينَ في الإفْكِ: فَصُبَّتْ عَلَيْهِمْ مُحْصَداتٌ كَأنَّها ∗∗∗ شَآبِيبُ لَيْسَتْ مِن سَحابٍ ولا قَطْرِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ المُتَأخِّرِ في صِفَةِ الخَيْلِ: صَبَبْنا عَلَيْها ظالِمِينَ سِياطَنا ∗∗∗ فَطارَتْ بِها أيْدٍ سِراعٍ وأرْجُلِ وإنَّما خُصَّ "السَوْطُ" بِأنْ يُسْتَعارَ لِلْعَذابِ لِأنَّهُ يَقْتَضِي مِنَ التَكْرارِ والتَرْدادِ ما لا يَقْتَضِيهِ السَيْفُ ولا غَيْرُهُ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: السَوْطُ هُنا مَصْدَرٌ مَن ساطَ يَسُوطُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: خِلْطُ عَذابٍ.
و"المِرْصادُ" و"المَرْصَدُ": مَوْضِعُ الرَصْدِ، قالَهُ اللُغَوِيُّونَ، أيْ أنَّهُ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، ومَرْصَدٌ لِكُلِّ فاعِلٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ في المِرْصادِ جَوابُ عامِرِ بْنِ قَيْسٍ لِعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ قالَ لَهُ: أيْنَ رَبُّكَ يا أعْرابِيُّ؟
قالَ بِالمِرْصادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "المِرْصادُ" في الآيَةِ اسْمُ فاعِلٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَبِالراصِدِ، فَعَبَّرَ بِبِناءِ مُبالِغَةٍ، ورُوِيَ في بَعْضِ الحَدِيثِ « "إنَّ عَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ ثَلاثُ قَناطِرَ، عَلى إحْداهُما الأمانَةُ، وعَلى الأُخْرى الدَمُ، وعَلى الأخِيرَةِ الرَبُّ تَعالى، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ ﴾ ».
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ ﴾ ﴿ وَأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ ﴾ ﴿ كَلا بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ ﴾ ﴿ وَلا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ ﴿ وَتَأْكُلُونَ التُراثَ أكْلا لَمًّا ﴾ ﴿ وَتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ ﴿ كَلا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا ﴾ ﴿ وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ما كانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُهُ وتَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى إكْرامِ اللهِ تَعالى وإهانَتِهِ لِعَبْدِهِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَرَوْنَ أنَّ مِن عِنْدِهِ الغِنى والثَرْوَةَ والأولادَ فَهو المُكَرَّمُ، وبِضِدِّهِ المُهانُ، ومِن حَيْثُ كانَ هَذا المَقْطَعُ غالِبًا عَلى كَثِيرٍ مِنَ الكُفّارِ جاءَ التَوْبِيخُ في هَذِهِ الآيَةِ لِاسْمِ الجِنْسِ؛ إذْ قَدْ يَقَعُ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ في شَيْءٍ مِن هَذا المَنزَعِ، ومِن ذَلِكَ حَدِيثُ الأعْرابِ الَّذِينَ كانُوا يَقْصِدُونَ المَدِينَةَ عَلى النَبِيِّ ، فَمَن نالَ خَيْرًا قالَ: هَذا دِينٌ حَسَنٌ، ومَن نالَهُ شَرٌّ قالَ هَذا دِينُ سُوءٍ.
و"ابْتَلاهُ" مَعْناهُ: اخْتَبَرَهُ، و"نَعَّمَهُ" مَعْناهُ: جَعَلَهُ ذا نِعْمَةٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أكْرَمَنِي" بِالياءِ في وصْلٍ ووَقْفٍ، وحَذَفَها عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في الوَجْهَيْنِ، وقَرَأ نافِعٌ بِالياءِ في الوَصْلِ وحَذَفَها في الوَقْفِ، وكَذَلِكَ "أهانَنِي"، وخَيْرٌ في الوَجْهَيْنِ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَقَدَرَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، بِمَعْنًى ضَيِّقٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ- وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى، وخالِدٌ: "فَقَدَّرَ" "بِشَدِّ الدالِ"، بِمَعْنى: جَعَلَهُ عَلى قَدْرٍ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ في مَعْنى التَضْيِيقِ؛ لِأنَّهُ ضَعَّفَ "قَدَّرَ" مُبالَغَةً لا تَعْدِيَةً، ويَقْتَضِي قَوْلُ الإنْسانِ "أهانَنِ"؛ لِأنَّ "قَدْرَ" مُعَدًّى إنَّما مَعْناهُ: أعْطاهُ ما يَكْفِيهِ، ولا إهانَةَ مَعَ ذَلِكَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ ومُعْتَقَدِهِمْ، أيْ لَيْسَ إكْرامُ اللهِ تَعالى وإهانَتُهُ كَذَلِكَ، وإنَّما ذَلِكَ ابْتِلاءٌ فَحَقُّ مَنِ ابْتُلِيَ بِالغِنى أنْ يَشْكُرَ ويُطِيعَ، ومَنِ ابْتُلِيَ بِالفَقْرِ أنْ يَشْكُرَ ويَصْبِرَ، وأمّا إكْرامُ اللهِ تَعالى فَهو بِالتَقْوى، وإهانَتُهُ فَبِالمَعْصِيَةِ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِأعْمالِهِمْ مِن أنَّهم لا يُكْرِمُونَ اليَتِيمَ وهو -مِن بَنِي آدَمَ- الَّذِي فَقَدَ أباهُ وكانَ غَيْرَ بالِغٍ، ومِنَ البَهائِمِ ما فَقَدَ أمَّهُ، وقالَ النَبِيُّ : « "أحَبُّ البُيُوتِ إلى اللهِ، بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ مُكْرَّمٌ".» وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَحُضُّونَ" بِمَعْنى: يَحُضُّ بَعْضُكم بَعْضًا، أو تَحُضُّونَ أنْفُسَكُمْ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَحاضُّونَ" بِفَتْحِ التاءِ، بِمَعْنى: يَتَحاضُّونَ، أيْ يَحُضُّ قَوْمٌ قَوْمًا، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَحُضُّونَ" بِياءٍ مِن تَحْتٍ مَفْتُوحَةٍ وبِغَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبارَكِ: "تُحاضُّونِ" بِضَمِّ التاءِ -عَلى وزْنِ تُقاتِلُونَ-، أيْ أنْفُسَكُمْ، أيْ بَعْضُكم بَعْضًا، ورَواها الشَيْرَزِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ، وقَدْ يَجِيءُ "فاعَلَتْ" بِمَعْنى "فَعَلَّتْ" وهَذا مِنهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ، وأنْشَدَ: تَحاسَنْتُ بِهِ...................
أيْ حَسُنَتْ وأنْشَدُ أيْضًا: إذا تَخازَرْتُ وما بِي مِن خَزَرْ وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُفاعَلَةً، ويَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى رَجَفَ، فَتَأمَّلْهُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَتَحاضُّون" بِتاءَيْنِ.
و"طَعامِ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى إطْعامٍ، وقالَ قَوْمٌ: أرادَ نَفْسَ طَعامِهِ الَّذِي يَأْكُلُ، فَفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلى بَذْلِ طَعامِ المِسْكِينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِي[سُورَةِ بَراءَةَ] في المِسْكِينِ والفَقِيرِ بِما يُغْنِي عن إعادَتِهِ.
وعَدَّدَ تَعالى عَلَيْهِمْ جِدَّهم في أكْلِ التُراثِ لِأنَّهم لا يُورِّثُونَ النِساءَ ولا صِغارَ الأولادِ، وإنَّما كانَ يَأْخُذُ المالَ مَن يُقاتِلُ ويَحْمِي الحَوْزَةَ.
و"اللَمُّ": الجَمْعُ واللَفُّ.
قالَ الحَسَنُ: هو أنْ يَأْخُذَ في المِيراثِ حَظَّهُ وحَظَّ غَيْرِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "لَمَمْتُ ما عَلى الخَوّانِ" إذا أكَلْتُ جَمِيعَ ما عَلَيْهِ بِأسْرِهِ، ومِنهُ "لَمُّ الشَعْثِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولِسْتُ بِمُسْتَبِقٍ أخًا لا تَلُمُّهُ ∗∗∗ عَلى شَعَثِ أيِّ الرِجالِ المُهَذَّبِ و"الجَمُّ": الكَثِيرُ الشَدِيدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنْ تَغْفِرِ اللهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا؟
وَمِنهُ الجَمُّ مِنَ الناسِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ رَدًّا عَلى أفْعالِهِمْ هَذِهِ، وتَوْطِئَةً لِلْوَعِيدِ، أيْ سَتَرَوْنَ أنَّ أفْعالَهم لَيْسَتْ عَلى قِوامٍ إذا دُكَّتِ الأرْضُ، ودَكُّها هو تَسْوِيَتُها بِذَهابِ جِبالِها، والناقَةُ الدَكّاءُ الَّتِي لا سَنامَ لَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَ رَبُّكَ ﴾ مَعْناهُ: وجاءَ قَدَرُهُ وسُلْطانُهُ وقَضاؤُهُ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: مَعْناهُ: ظُهُورُهُ لِلْخَلْقِ هُنالِكَ، لَيْسَ مَجِيءُ نَقْلَةٍ، وكَذَلِكَ مَجِيءُ الصاخَّةِ ومَجِيءُ الطامَّةِ.
و"المَلَكُ" اسْم جِنْسٍ، يُرِيدُ جَمِيعَ المَلائِكَةِ، ورُوِيَ أنَّ مَلائِكَةَ كُلِّ سَماءٍ يَكُونُونَ صَفًّا حَوْلَ الأرْضِ في يَوْمِ القِيامَةِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا طَوِيلًا اخْتَصَرُتُهُ، وبِهَذا المَعْنى يَتَفَسَّرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ التَنادِ ﴾ عَلى قِراءَةٍ مِن شَدَّ الدالَ، وقَوْلُهُ تَعالى في [سُورَةِ الرَحْمَنِ]: ﴿ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا ﴾ الآيَةُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ: "تُكْرِمُونَ" بِالتاءِ، وكَذَلِكَ سائِرُ الأفْعالِ بَعْدَها عَلى الخِطابِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ: "يُكْرِمُونَ" بِالياءِ في جَمِيعِها، عَلى ذِكْرِ الغائِبِ إذْ قَدْ تَقَدَّمَ اسْمُ جِنْسِ الإنْسانِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِكْرى ﴾ ﴿ يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ﴾ ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ ﴾ ﴿ وَلا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ ﴾ ﴿ يا أيَّتُها النَفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ﴾ ﴿ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴾ ﴿ فادْخُلِي في عِبادِي ﴾ ﴿ وادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ رُوِيَ «فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ﴾ أنَّها تُساقُ إلى الحَشْرِ بِسَبْعِينَ ألْفِ زِمامٍ، يُمْسِكُ كُلَّ زِمامٍ مِنها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، فَيَخْرُجُ مِنها عُنُقٌ فَتَنْتَقِي الجَبابِرَةُ مِنَ الكُفّارِ...» في حَدِيثٍ طَوِيلٍ مُخْتَلِفِ الألْفاظِ، و"جَهَنَّمُ" هُنا: هي النارُ بِجُمْلَتِها، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ "وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ" تَغَيُّرُ لَوْنِ النَبِيِّ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ﴾ مَعْناهُ: يَتَذَكَّرُ عِصْيانَهُ وطُغْيانَهُ، ويَنْظُرُ ما فاتَهُ مِنَ العَمَلِ الصالِحِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَأنّى لَهُ الذِكْرى ﴾ أيْ: وأنّى لَهُ نَفْعُ الذِكْرى؟
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ يَقُولُ: ﴿ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ﴾ ، واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ: "لِحَياتِي" فَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: مَعْناهُ: لِحَياتِي الباقِيَةِ، يُرِيدُ الآخِرَةَ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: لِحَياتِي في قَبْرِي عِنْدَ بَعْثِي الَّذِي كُنْتُ أكْذِبُ بِهِ وأعْتَقِدُ أنِّي لَنْ أعُودَ حَيًّا، وقالَ: "لِحَياتِي" هُنا مَجازًا، أيْ: لَيْتَنِي قَدَّمْتُ عَمَلًا صالِحًا لِأنْعَمَ بِهِ اليَوْمَ وأحْيا حَياةً طَيِّبَةً، فَهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أحْيِنِي في هَذا الأمْرِ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى لِوَقْتٍ أو لِمُدَّةِ حَياتِي الماضِيَةِ في الدُنْيا، وهَذا كَما تَقُولُ: جِئْتُ لِطُلُوعِ الشَمْسِ ولِتارِيخِ كَذا ونَحْوِهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يُعَذِّبُ" و"يُوثِقُ" بِكَسْرِ الذالِ والثاءِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ في الضَمِيرِ في "عَذابِهِ" و"وِثاقِهِ" لِلَّهِ تَعالى، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ ولِذَلِكَ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما أنَّ اللهَ تَعالى لا يَكِلُ عَذابَ الكُفّارِ يَوْمَئِذٍ إلى أحَدٍ، والآخَرُ أنَّ عَذابَهُ مِنَ الشِدَّةِ في حَيِّزٍ لَمْ يُعَذَّبْ قَطُّ أحَدٌ بِمِثْلِهِ في الدُنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْكافِرِ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وسَوادُ القاضِي: "يُعَذَّبُ" و"يُوثَقُ" بِفَتْحِ الذالِ والثاءِ ورَوَيْتُ كَثِيرًا عَنِ النَبِيِّ ، فالضَمِيرانِ -عَلى هَذا- لِلْكافِرِ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ جِنْسِهِ كُلِّهِ والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ ووَضَعَ "عَذابَ" مَوْضِعَ "تَعْذِيبٍ" كَما قالَ: وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرَتّاعا؟
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرانِ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلَّهِ تَعالى، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: لا يُعَذِّبُ أحَدٌ قَطُّ في الدُنْيا عَذابَ اللهِ تَعالى لِلْكُفّارِ، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وفي هَذا التَأْوِيلِ تَحامُلٌ.
وقَرَأ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: "وِثاقَهُ" بِكَسْرِ الواوِ.
ولَمّا فَرَغَ ذَكَرُ هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ عَقَّبَ تَعالى بِذِكْرِ نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ وحالِهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿ يا أيَّتُها النَفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ﴾ الآيَةُ، و"المُطْمَئِنَّةُ" مَعْناهُ: المُوقِنَةُ غايَةَ اليَقِينِ، ألا تَرى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: "وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" ؟
فَهي دَرَجَةٌ زائِدَةٌ عَلى الإيمانِ، وهي ألّا يَبْقى عَلى النَفْسِ في يَقِينِها مَطْلَبٌ يُحَرِّكُها إلى تَحْصِيلِهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا النِداءِ مَتى يَقَعُ؟
فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هو عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِ المُؤْمِنِ مِن جَسَدِهِ في الدُنْيا، ورُوِيَ «أنَّ أبا بَكْرٍ الصَدِيقَ رَضِيَ اللهُ عنهُ سَألَ عن ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ فَقالَ لَهُ: "إنَّ المَلِكَ سَيَقُولُها لَكَ يا أبا بَكْرٍ عِنْدَ مَوْتِكَ"»، ومَعْنى ﴿ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ ﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: ارْجِعِي بِالمَوْتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي عِبادِي ﴾ مَعْناهُ: في عِدادِ عِبادِي الصالِحِينَ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِجَمْعِ "عِبادِي".
وقِيلَ: النِداءُ عِنْدَ قِيامِ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ ﴾ مَعْناهُ: بِالبَعْثِ مِن مَوْتِكَ ارْجِعِي إلى اللهِ تَعالى، وقِيلَ: "الرَبُّ" هُنا: الإنْسانُ ذُو النَفْسِ، أيِ: ادْخُلِي في الأجْسادِ، و"النَفْسُ" اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذا النِداءُ هو الآنَ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَما ذَكَرَ اللهُ تَعالى حالَ الكافِرِينَ قالَ: يا مُؤْمِنُونَ دُومُوا وجِدُّوا حَتّى تَرْجِعُوا راضِينَ مَرْضِيِّينَ، فالنَفْسُ -عَلى هَذا- اسْمُ الجِنْسِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو شَيْخٍ، والضَحّاكُ، واليَمانِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: "فادْخُلِي في عَبْدِي"، والنَفْسُ -عَلى هَذا- لَيْسَتْ بِاسْمِ الجِنْسِ، وإنَّما خاطَبَ مُفْرَدَةً.
قالَ أبُو شَيْخٍ: الرُوحُ تَدْخُلُ في البَدَنِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "يا أيَّتُها النَفْسُ الآمِنَةُ المُطْمَئِنَّةُ، الَّتِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فارْجِعِي في عَبْدِي"، وقَرَأ سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ "فادْخُلِي في عِبادِي ولِجِي جَنَّتِي"، وتَحْتَمِلُ قِراءَةُ "عَبْدِي" أنْ يَكُونَ "العَبْدُ" اسْمَ جِنْسٍ، جَعَلَ عِبادَهُ كالشَيْءِ الواحِدِ دَلالَةً عَلى الِالتِحامِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "وَهم يَدٌ عَلى مَن سِواهُمْ".» وقالَ آخَرُونَ: هَذا النِداءُ إنَّما هو في المَوْقِفِ عِنْدَ ما يَنْطَلِقُ بِأهْلِ النارِ إلى النارِ، فَنِداءُ النُفُوسِ -عَلى هَذا- إنَّما هو نِداءُ أرْبابِ النُفُوسِ مَعَ النُفُوسِ.
ومَعْنى ﴿ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ ﴾ -عَلى هَذا- إلى رَحْمَةِ رَبِّكِ، و"العِبادُ" هُنا: الصالِحُونَ المُتَّقُونَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ [سُورَةِ الفَجْرِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ