الإسلام > القرآن > تفسير > النيسابوري > تفسير سورة الشورى
تفسيرُ سورةِ الشورى كاملةً من غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) (نظام الدين النيسابوري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 47 دقيقة قراءةالقراءات: ﴿ يوحي ﴾ على البناء للمفعول: ابن كثير وعباس ﴿ يكاد ﴾ بالياء التحتانية: نافع وعلي ﴿ تنفطرن ﴾ بالنون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد والمفضل ﴿ إبراهام ﴾ كنظائره.
﴿ يبشر الله ﴾ مخففاً من البشارة: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي.
الوقوف: ﴿ حم عسق ﴾ كوفي ﴿ من قبلك ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يوحى ﴾ مجهولاً كأنه قيل: من الموحي فقال الله أي هو الله ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لمن في الأرض ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ز والوصل أوجه لأن نفي ما بعده تقرير لإثبات ما قبله ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للفصل بين الاستخبار والأخبار مع دخول الفاء ﴿ الموتى ﴾ ط فصلاً بين المقدور المخصوص وبين القدرة على العموم مع اتفاق الجملتين ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أزواجاً ﴾ الثاني ط لأن ضمير ﴿ فيه ﴾ يحتمل أن يعود إلى الازدواج الذي في مدلول الأزواج أو إلى التدبير وإن لم يسبق ذكره ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال والعامل معنى الفعل في له أو في الملك.
﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ينيب ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط كذلك ما بعده ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فادع ﴾ ج ﴿ كما أمرت ﴾ ج ﴿ أهواءهم ﴾ ج ﴿ كتاب ﴾ ج كل ذلك للترتيل في القراءة وإن اتفقت الجملتان ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ أعمالكم ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بيننا ﴾ ج ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ والميزان ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ بها ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ منها ﴾ ج للعطف أو الحال ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال عطف وهو على جملة قوله ﴿ الله لطيف ﴾ وهما متفقتان ﴿ العزيز ﴾ ه ﴿ في حرثه ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ نصيب ﴾ ه ﴿ به الله ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ الجنات ﴾ ط لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ في القربى ﴾ ط ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه.
التفسير: الكلام في ﴿ حم ﴾ كما سبق وأما ﴿ عسق ﴾ فقد قيل: إنه مع ﴿ حم ﴾ اسم للسورة.
وقيل: رموز إلى فتن كان عليّ يعرفها.
وقيل: الحاء حكم الله، والميم ملكه، والعين علمه، والسين سناؤه، والقاف قدرته.
وقيل: الحاء حرب علي ومعاوية، والميم ولاية المروانية، والعين ولاية العباسية، والسين ولاية السفيانية، والقاف قدرة المهدي.
وهذه الأقاويل مما لا معول عليها.
وقال أهل التصوف: حاء حبه، وميم محبوبية محمد، وعين عشقه، وقاف قربه إلى سيده.
أقسم أنه يوحي إليه وإلى سائر الأنبياء من قبله أنه محبوبه في الأزل وبتبعيته خلق الكائنات.
والأولى تفويض علمها إلى الله كسائر الفواتح.
وإنما فصل ﴿ حم ﴾ من ﴿ عسق ﴾ حتى عدا آيتين خلاف ﴿ كهيعص ﴾ لتقدم ﴿ حم ﴾ قبله واستقلالها بنفسها، ولأن جميعها ذكر الكتاب بعدها صريحاً إلا هذه فإنها دلت عليه دلالة التضمن بذكر الوحي الذي يرجع إلى الكتاب.
روي عن ابن عباس أنه لا نبي صاحب كتاب إلا أوحى الله إليه ﴿ حم عسق ﴾ والله أعلم بصحة هذه الرواية.
والأظهر أن يقال: مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحي الله إليك وإلى الأنبياء قبلك.
والمراد المماثلة في أصول الدين كالتوحيد والعدل والنبوة والمعاد وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب في الآخرة كقوله ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ﴾ وفي ورود لفظ ﴿ يوحى ﴾ مستقبلاً لا ماضياً إشارة إلى أن إيحاء مثله عادته.
ثم بين سعة ملكه وأخبر عن غاية جلاله بقوله ﴿ له ما في السموات ﴾ الخ.
ثم أخبر عن فظاعة ما ارتكبه أهل الشرك فقال ﴿ تكاد السموات يتفطرن ﴾ وقد سبق في آخر سورة مريم.
ومعنى ﴿ من فوقهن ﴾ أن الانفطار يبتدىء من أعلى السموات أو ما فوقها من العرش والكرسي إلى أن ينتهي إلى السفلي، وفي الابتداء من جهة الفوق زيادة تفظيع وتهويل.
قال جار الله: كأنه قيل يتفطرن من الجهة التي فوقهن دع الجهة التي تحتهن.
وقيل: معناه من الجهة التي حصلت هذه السموات فيها وفيه ضعف لأنه كقول القائل: السماء فوقنا.
وقيل: الضمير للأرض وقد تقدم ذكرها أي من فوق الأرضين وروى عكرمة عن ابن عباس: يتفطرن من ثقل الرحمن.
فإن صحت الرواية كان في الظاهر دليل المجسمة.
ولأهل السنة أن يتأولوا الثقل بالهيبة والجلال أو يقدروا مضافاً محذوفاً أي من ثقل ملائكة الرحمن كقوله "أطت السماء أطأ وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد." ثم انتقل من وصف الجسمانيات إلى ذكر الروحانيات، وأنهم بالوجه الذي لهم إلى عالم الأرواح يسبحون بالوجه الذي لهم إلى عالم الأجسام يستغفرون فقال ﴿ والملائكة ﴾ قيل: هو عام.
وقيل: حملة العرش كما مر في أول سورة المؤمن إلا أنه عمم ههنا فقال ﴿ لمن في الأرض ﴾ أي يطلبون أن لا يعاجل الله أهل الأرض بالعذاب طمعاً في توبة الكفار والفساق منهم.
وقيل: هو مخصوص بما مر أي يستغفرون للمؤمنين منهم.
ثم سلى نبيه بأن المشركين إنما يحاسبهم الله وما عليك إلا البلاغ.
قوله ﴿ وكذلك أوحينا ﴾ قال ابن بحر: هو الكلام الأول أعيد لما اعترض بين الكلامين ما اعترض.
وقال جار الله: الكاف مفعول به لأوحينا، ﴿ وذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله من أن الله هو عليهم الرقيب وما أنت عليهم برقيب.
وقد كرر الله هذا المعنى في كتابه في مواضع.
﴿ وقرآناً عربياً ﴾ حال.
والمعنى مثل ذلك المذكور أوحينا إليك وهو قرآن عربي بين لا لبس فيه ليفهم معناه ولا يتجاوز حد الإنذار.
ويجوز أن يكون ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الإيحاء أي كما أوحينا إلى الرسل قبلك وأوحينا إليك، فيجوز أن تكون المماثلة بالحروف المفردة وأن تكون بأصول الدين كما مر.
قال أهل اللغة: يقال أنذرته كذا وبكذا.
فمن الاستعمال الثاني قوله ﴿ لتنذر أم القرى ﴾ أي أهل مكة على حذف المضاف، والمفعول الثاني وهو القرآن محذوف.
ومن الاستعمال الأول قوله ﴿ وتنذر يوم الجمع ﴾ والمفعول الأول محذوف وتنذر الناس يوماً تجمع فيه الخلائق أو يجمع فيه بين الأرواح والأجساد أو بين كل عامل وعمله.
قلت: ومن الجائز أن يكون الكل من الاستعمال الأول ولا حذف إلا ان قوله ﴿ وتنذر ﴾ يكون مكرراً للمبالغة والتقدير الأصلي: لتنذر أم القرى يوم الجمع.
وقد مر في القصص في قوله ﴿ حتى يبعث في أمها ﴾ أن مكة لم سميت أم القرى.
وقوله ﴿ ومن حولها ﴾ يحتمل عموم أطراف الأرض لأن مكة في وسطها، ويحتمل أن يكون المراد به سائر جزيرة العرب ويدخل باقي الأمم بالتبعية أو بنص آخر كقوله ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس ﴾ وقوله ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض لا محل له أو صفة للجمع بناء على أن التعريف الجنسي قريب من النكرة.
وقوله ﴿ فريق ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي منهم فريق كذا ومنهم فريق كذا، أي هذا مآل حالهم بعد الحشر والاجتماع.
ثم بين بقوله ﴿ ولو شاء الله ﴾ الخ.
أن السعادة والشقاوة والهداية والضلالة متعلق بمشيئته وإرادته.
وهذا على مذهب أهل السنة ظاهر، وتأوله المعتزلة بمشيئة القسر والإلجاء، وقد مر نظائره مراراً.
والظاهر أن المراد بكونهم أمة واحدة أن يكونوا مسلمين كلهم.
وقيل: أن يكونوا أهل ضلالة قياساً على قوله ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ ثم أنكر على أهل الشرك بأم المنقطعة قائلاً ﴿ أم اتخذوا من دونه أولياء ﴾ إن أرادوا أولياء بحق ﴿ فالله هو الولي ﴾ الذي يجب أن يعتقد أنه المولى والسيد لا ولي سواه ومن شأنه أنه ﴿ يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ﴾ وهو الحقيق بأن يتخذ ولياً.
وحين منع الرسول من التحزن على من كفر أراد أن يمنع المؤمنين من الاختلاف والتنازع فقال ﴿ وما اختلفتم ﴾ والتقدير: قل يا محمد كذا بدليل قوله ﴿ ذلكم الله ربي ﴾ الآية.
والمراد أن الذي اختلفتم أنتم والكفرة فيه من أمور الدين فحكم ذلك المختلف فيه مفوض إلى الله وهو إثابة المحقين ومعاقبة المبطلين.
وقيل: وما اختلفتم فيه فتحاكموا إلى رسول الله كقوله ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ وقيل: وما اختلفتم فيه من الآيات المتشابهات فارجعوا في بيانه إلى المحكمات أو إلى الظاهر من السنة.
وقيل: ما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بالتكاليف فقولوا: الله أعلم كمعرفة الروح وغيره.
قال في الكشاف: ولا يندرج فيه اختلاف المجتهدين لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول .
قلت: إن لم يجز بحضرته فإنه جائز بعده.
وقوله ﴿ وما اختلفتم ﴾ شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة مثل ﴿ يا أيها الناس ﴾ ومثل ﴿ أقيموا الصلاة ﴾ والأظهر أن اختلافهم يدخل فيه، وأن المراد بحكمه تعريفه من بيان الله سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس أو بالاجتهاد.
فإن قيل: المقصود من التحاكم قطع الاختلاف ولا قطع مع القياس ولا مع الاجتهاد.
قلنا: إذا كان القياس مأموراً به وكذا الاجتهاد بل يكون كل مجتهد مصيباً، كانت المخالفة في حكم الموافقة ولهذا قال "اختلاف أمتي رحمة" ثم وصف نفسه بأوصاف الكمال ونعوت الجلال تأكيداً لصحة أحكامه فقال ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ وهو أحد أخبار ذلكم أو خبر مبتدأ محذوف.
ومعنى ﴿ ومن الأنعام أزواجاً ﴾ أنه خلق للأنعام أيضاً من أنفسها أزواجاً ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ يكثركم في هذا التدبير وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجاً حتى حصل بين الذكور والإناث التوالد والتناسل.
والضمير في ﴿ يذرؤكم ﴾ راجع إلى المخاطبين وإلى الأنعام وهو من الأحكام ذوات العلتين، وذلك أن فيه تغليبين تغليب المخاطبين على الغائبين وهم من سيوجد إلى يوم القيامة، وتغليب العقلاء على غيرهم.
وعلة الأول الخطاب، وعلة الثاني العقل.
وإنما قال ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ ولم يقل به لأنه جعل التدبير منبعاً ومعدناً للتكثير كقوله ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ ولأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض ومعنى ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ نفي المثلية عنه بطريق الالتزام وذلك أنه لو كان له مثل والله شيء لكان مثل مثله شيء وهو خلاف نص المخبر الصادق وهذا المحال إنما لزم من فرض وجود المثل له فوجود المثل محال وهو المطلوب، ولعل هذا التقرير مختص بنا.
قال في الكشاف: إنه من باب الكناية كقولهم: مثلك لا يبخل.
يعنون أنت لا تبخل.
وكذا ههنا يريد ليس كالله شيء.
وجوز أن يكون تكرير حرف التشبيه للتأكيد.
وقد يستدل بالآية على نفي الجسمية ولوازمها عنه لأن الأجسام متماثلة في حقيقة الجسمانية.
قوله ﴿ له مقاليد السموات والأرض ﴾ أي له مفاتيح خزائنها وقد مر في الزمر والباقي واضح وقد سبق أيضاً.
وحين عظم وحيه إلى محمد بقوله ﴿ كذلك يوحى إليك ﴾ إلى آخره ذكر تفصيل ذلك فقال ﴿ شرع لكم ﴾ أي أوجب وبين لأجلكم ﴿ من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ وهو أقدم الأديان بعد الطوفان ﴿ والذي أوحينا إليك ﴾ وهو ختمها ﴿ وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴾ وهي الملل المعتبرة المتوسطة.
ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأكابر من رسله فيه بقوله ﴿ أن أقيموا الدين ﴾ الحنيفي ومحله نصب بدلاً من مفعول ﴿ شرع ﴾ أو رفع على الاستئناف كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟
فقيل: هو إقامة الدين.
يعني إقامة أصوله من التوحيد والنبوة والمعاد ونحو ذلك دون الفروع التي تختلف بحسب الأوقات لقوله { ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ﴾ وفي بناء الكلام على الغيبة ثم الالتفات إلى التكلم في ﴿ أوحينا ﴾ والخطاب في ﴿ إليك ﴾ تفخيم شأن الرسول .
ثم حكى حسد أهل الشرك بقوله ﴿ كبر على المشركين ﴾ أي شق وعظم عليهم ما تدعوهم إليه من الدين المبرأ من عبادة غير الله.
ثم أجاب عن شبهتهم بأن الاجتباء والاصطفاء يتعلق بمشيئة الله لا بتمني كل واحد ولا بكثرة المال والجاه.
يقال: اجتباه إليه أي اصطفاه لنفسه، والتركيب يدل على الجمع والضم، ويحتمل أن يراد يجتبي إلى الدين.
ثم أخبر عن وقت تفرق كلمة أهل الكتاب وعن سبب ذلك فقال ﴿ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ ببعث محمد وصحة نبوته كقوله في آل عمران ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعدما جاءهم العلم بغياً بينهم ﴾ وقيل: وما تفرق الأمم الذين تقدم ذكرهم إلا بعد العلم بصحة ما أمروا به.
قال أهل البرهان: لما ذكر مبدأ كفرهم وهو قوله ﴿ إلا من بعدما جاءهم العلم ﴾ حسن ذكر نهاية إمهالهم وهو قوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ ليكون محدوداً من الطرفين.
وإنما ترك ذكر النهاية في السورة المتقدمة لعدم ذكر البداية ﴿ وإن الذين أورثوا الكتاب ﴾ هم العرب ورثوا القرآن من بعدما أورث أهل الكتابين كتابهم أو هم أهل الكتاب المعاصرون لرسول الله وقيل: جاءهم أسباب العلم فلم ينظروا فيها لأنه حكم عليهم في آخر الآية بأنهم في شك من كتابهم وهو مع العلم غير مجتمعين ﴿ فلذلك ﴾ أي فلأجل تشعب الملل وتفرق الكلم ﴿ فادع ﴾ إلى الملة الحنيفية.
وقيل: اللام بمعنى "إلى" والإشارة إلى القرآن ﴿ وأستقم ﴾ عليها كما أمرت ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ المختلفة ﴿ وقل آمنت بما أنزل الله من ﴾ أي ﴿ كتاب ﴾ كان ﴿ وأمرت لأعدل بينكم ﴾ أي في التبليغ أو إذا تحاكمتم إليّ حتى لا أفرق بين نفسي ونفس غيري.
ثم أشار إلى ما هو أصل في الدين فقال ﴿ الله ربنا وربكم لنا ﴾ جزاء ﴿ أعمالنا ولكم ﴾ جزاء ﴿ أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم ﴾ وليس المراد منه تحريم المحاجة فإنه لولا الأدلة لما توجه التكليف بل المراد أنهم بعد أن وقفوا على الحجج الباهرة والدلائل الظاهرة على حقية دين الإسلام لم يبق معهم حجة لسانية وإنما بقي السيف.
وقيل: إنه منسوخ بآية القتال وقوله ﴿ الله يجمع بيننا ﴾ إشارة إلى المهاجرة التي اقتضاها إصرارهم على الباطل وتفويض للأمر إلى المجازي المنتقم.
ثم أخبر عن وعيد المخاصمين في أمر دين الله ﴿ من بعدما استجيب له ﴾ أي من بعدما استجاب له الناس وقبلوا دينه، أو بعدما استجاب الله لرسوله ونصره يوم بدر ﴿ حجتهم داحضة ﴾ أي باطلة زائلة ﴿ عند ربهم ﴾ وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فأنتم أولى باتباعنا.
وأيضاً أنتم تقولون الأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه، ونبوة موسى وحقية التوراة متفق عليها ونبوة محمد مختلف فيها.
والجواب أن نبوّة موسى إنما صحت بالمعجزة فإن كانت المعجزة في حقه مصححة للنبوة ففي حق محمد كذلك وإلا فأنتم القادحون في نبوة نبيكم أيضاً.
ثم حث على سلوك طريقة العدل حذراً من عقاب يوم القيامة فقال ﴿ الله الذي أنزل الكتاب ﴾ أي جنسه متلبساً بالغرض الصحيح ﴿ والميزان ﴾ أي أنزل العدل والسوية في كتبه أو ألهم اتخاذ الميزان.
وقيل: هو العقل.
وقيل: الميزان نفسه وذلك في زمن نوح.
وقيل: هو محمد يقضي بينهم بالكتاب ﴿ وما يدريك ﴾ يا محمد أو أيها المكلف ﴿ لعل الساعة ﴾ أي مجيئها ﴿ قريب ﴾ أو ذكر بتأويل البعث أو الحشر ونحوه، أو أراد شيء قريب.
ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في أداء ما عليه من التكاليف.
ولا يتأنى في سلوك سبيل الإنصاف مع الخالق والخلق فإنه لا يعلم أن القيامة متى تفاجئه.
ثم قبح طريقة منكري الساعة فقال ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ﴾ يقولون على سبيل السخرية: متى تقوم الساعة؟
وليتها قامت حتى تظهر لنا جلية الحال.
ثم مدح المقربين بأنهم يخافون القيامة هيبة من الله وإجلالاً له أو حذراً من تقصير وخلل وقع في العمل إلا أن خوفهم يجب أن يكون ممتزجاً بالرجاء، وقد مر تحقيقه مراراً.
ثم هدد الشاكين المجادلين في أمر البعث بقوله ﴿ ألا إن الذين يمارون ﴾ وأصله من المرية الشك ﴿ لفي ضلال بعيد ﴾ عن الصواب لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب على فضله أو في حكمه، ولأن في إنكاره نسبة الله إلى ضد العلم والقدرة.
ثم إنه لا ريب في أن إنزال الكتاب والميزان لطف من الله على خلقه فلذلك قال ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ عمم البر ثم خصص بقوله ﴿ يرزق من يشاء ﴾ يعني الزائد على مقدار الضرورة، فلكم من إنسان فاق أقرانه في المال أو الجاه أو الأولاد أو في العلم أو في سائر أسباب المزية إلا أن أحداً منهم لا يخلو من بره الذي يتعيش به كقوله ﴿ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ وقيل: معنى لطيف يرزقهم من حيث لا يعلمون، أو يلطف بهم فلا يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا.
وقد مر معناه في الأنعام بوجه آخر في قوله ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ وأما قوله ﴿ القوي العزيز ﴾ ففيه إشارة إلى أن لطفه مقرون بقهره.
وحين ذكر أنه يرزق من يشاء الزائد على مقدار كفايته وكان فيه كسر قلوب أرباب الضنك والضيق جبر كسرهم بقوله ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ﴾ سماه حرثاً تشبيهاً للعامل الطالب لثواب الآخرة أضعافاً مضاعفة بالزارع الذي يلقي البذر في الأرض طلباً للزيادة والنماء، ومن فضائل حرث الآخرة أن طالبها قد يحصل له الدنيا بالتبعية ويرى ثواب عمله أضعافاً مضاعفة، وطالب الدنيا لا تحصل له المطالب بأسرها ولهذا قال ﴿ نؤته منها ﴾ أي بعض ذلك ﴿ وما له في الآخرة من نصيب ﴾ قط وفي زيادة لفظ الحرث فائدة أخرى وهي أن يعلم أن شيئاً من القسمين لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق.
عن النبي "من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه همه وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة" هذا لفظه أو لفظ هذا معناه.
وعن قتادة إن الله يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا.
وفي ظاهر اللفظ دلالة على أن من صلى لطلب الثواب أو لدفع العقاب فإنه تصح صلاته لأنه صلى لأجل ما يتعلق بالآخرة.
قال بعض أصحاب الشافعي: إذا توضأ بغير نية لم يصح لأن هذا الإنسان غفل عن الآخرة وعن ذكر الله، والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة فلا يحصل بالوضوء العاري عن النية، وحيث بين القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الدارين نبه على أحوال الضلال بقوله ﴿ أم لهم شركاء ﴾ وهي المنقطعة عند بعضهم.
وقال آخرون: هي المعادلة لألف الاستفهام تقديره أفيقبلون ما شرع الله لهم من الدين أم لهم آلهة.
﴿ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ﴾ أي لم يأمرهم به أو لم يعلمه كقوله ﴿ أتنبؤن الله بما لا يعلم ﴾ والأذن بالفتح العلم بالمسموعات وتحقيقه شرعوا ما ليس بشريعة إذ لو كان شريعة لعلمها الله ﴿ ولولا كلمة الفصل ﴾ أي القضاء السابق بتأخير الجزاء ﴿ لقضي بينهم ﴾ والضمير للمؤمنين والكافرين أو المشركين والشركاء ﴿ ترى الظالمين ﴾ في القيامة ﴿ مشفقين ﴾ خائفين ﴿ مما كسبوا ﴾ من الجرائم ﴿ وهو ﴾ أي وبال ذلك ﴿ واقع بهم ﴾ واصل إليهم لا محالة ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ﴾ أي منتزهاتها.
قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن غيرها من الأماكن في الجنة لغير المذكورين وغيرهم ليس إلا بالذي آمن ولم يعمل صالحاً وهو الفاسق.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون إضافة الروضات إلى الجنات من إضافة العام إلى الخاص فيكون الجنات كلها روضات.
ولكن الروضات قد لا تكون في الجنة لثبوتها في الدنيا.
والفضل الكبير قد تقدم في "فاطر".
﴿ ذلك ﴾ المذكور أو الثواب أو التبشير هو ﴿ الذي يبشر الله ﴾ به ﴿ عباده ﴾ ثم حذف الجار، ثم الراجع إلى الموصول، ثم أمر رسوله بأن يقول ﴿ لا أسألكم عليه ﴾ على هذا التبليغ ﴿ أجراً إلا المودة ﴾ الكائنة ﴿ في القربى ﴾ جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها ولهذا لم يقل "مودة القربى" أو "المودة للقربى" وهي مصدر بمعنى القرابة أي في أهل القربى وفي حقهم.
فإن قيل: استثناء المودة من الأجر دليل على أنه طلب الأجر على تبليغ الوحي وذلك غير جائز كما جاء في قصص سائر الأنبياء ولا سيما في "الشعراء".
وقد جاء في حق نبينا أيضاً ﴿ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ﴾ ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ﴾ والمعقول منه أن التبليغ واجب عليه وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بالمروءة.
وأيضاً أنه يوجب التهمة ونقصان الحشمة.
قلنا: إن من جعل الآية منسوخة باللتين لا استثناء فيهما فلا إشكال عليه، وأما الآخرون فمنهم من قال: الاستثناء متصل ولكنه من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب والمعنى لا أطلب منكم أجراً، إلا هذا وهو في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب ولا سيما في حق الأقارب كما قال عز من قائل ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ ومنهم من قال: الاستثناء منقطع أي لا أسألكم عليه أجراً ألبتة، ولكن أذكركم المودة في القربى، وفي تفسير ﴿ المودة في القربى ﴾ أربعة أقوال: الأول قال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فأجاب بأن رسول الله كان واسطة النسب في قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد كان بينهم وبينه قرابة فقال الله: قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً إلا أن تودوني لقرابتي منكم يعني أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذونني ولا تهيجوا عليّ.
القول الثاني: روى الكعبي عن ابن عباس أن النبي كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة فقال الأنصار: إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا.
ثم أتوه فرده عليهم ونزلت الآية بحثهم على مودة أقاربهم وصلة أرحامهم.
القول الثالث: عن الحسن: إلا أن توددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح.
الرابع: عن سعيد بن جبير: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم لقرابتك؟
فقال: علي وفاطمة وابناهما.
ولا ريب أن هذا فخر عظيم وشرف تام، ويؤيده ما روي أن علياً شكا إلى رسول الله حسد الناس فيه فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرياتنا خلف أزواجنا وعنه "حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة" " وكان يقول "فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" وثبت بالنقل المتواتر أنه كان يحب علياً والحسن والحسين، وإذا كان ذلك وجب علينا محبتهم لقوله ﴿ فاتبعوه ﴾ وكفى شرفاً لآل رسول الله وفخراً ختم التشهد بذكرهم والصلاة عليهم في كل صلاة.
قال بعض المذكرين: إن النبي قال "مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق" وعنه "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فنحن نركب سفينة حب آل محمد ونضع أبصارنا على الكواكب النيرة أعني آثار الصحابة لنتخلص من بحر التكليف وظلمة الجهالة ومن أمواج الشبه والضلالة.
ثم أكد إيصال الثواب على المودة بقوله ﴿ ومن يقترف حسنة ﴾ أي يكتسب طاعة، قال بعض أهل اللغة: الاقتراف مستعمل في الشر فاستعاره ههنا للخير.
عن السدي أنها المودة في آل رسول الله نزلت في أبي بكر الصديق ومودته فيهم، والظاهر العموم في كل حسنة ولا شك أن هذه مرادة قصداً أولياً لذكرها عقيبها.
ومعنى زيادة حسنها تضعيف ثوابها ﴿ إن الله غفور ﴾ لمن أذنب ﴿ شكور ﴾ لمن أطاع الله والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ما تفعلون ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وحفص ﴿ ينزل الغيث ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعاصم ﴿ ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ بما كسبت ﴾ بدون فاء الجزاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون ﴿ فبما كسبت ﴾ بالفاء ﴿ الجواري ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل.
وقرأ قتيبة ونصير وأبو عمرو بالإمالة ﴿ الرياح ﴾ نافع.على الجمع: أبو جعفر ونافع.
﴿ ويعلم الذين ﴾ بالرفع: ابن عامر وأبو جعفر ونافع.
الباقون: بالنصب ﴿ كبير الإثم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف.
﴿ أو يرسل ﴾ بالرفع ﴿ فيوحى ﴾ بالإسكان: نافع وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الآخرون: بالنصب فيهما.
الوقوف: ﴿ كذباً ﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿ قلبك ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ بكلماته ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ تفعلون ﴾ ه لا ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ دابة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ كثير ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ ولا نصير ﴾ ه ﴿ كالأعلام ﴾ ه ط ﴿ على ظهره ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه لا ﴿ كثير ﴾ ه لا لمن رفع ﴿ ويعلم ﴾ ومن نصب فوقفه مجوز ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج لعطف جملتي الشرط، ويحتمل أن يكون الوقف مطلقاً بناء على أن الثانية أخبار مستأنف ﴿ يتوكلون ﴾ ه ط ﴿ يغفرون ﴾ ه ج ﴿ الصلاة ﴾ ص لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد المقول ﴿ بينهم ﴾ ص لذلك ﴿ ينفقون ﴾ ه ج ﴿ ينتصرون ﴾ ه ﴿ مثلها ﴾ ج ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ سبيل ﴾ ه ط ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ من سبيل ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ خفي ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ سبيل ﴾ ط ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ حفيظاً ﴾ ط ﴿ البلاغ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ج ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ الذكور ﴾ ه لا ﴿ وإناثاً ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف أي وهو يجعل ﴿ عقيماً ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أمرنا ﴾ ط ﴿ عبادنا ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر في أول السورة أن هذا القرآن إنما حصل بوحي الله وانجر الكلام إلى ههنا حكى شبهة القوم وهي زعمهم أنه مفترى وليس بوحي فقال ﴿ أم يقولون افترى ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة، ومعنى الهمزة فيه التوبيخ كأنه قيل: أيتمالكون أن ينسبوا مثله إلى أعظم أنواع الفرية وهو الافتراء على الله، ثم أجابهم بقوله ﴿ فإن يشاء الله يختم على قلبك ﴾ أي يجعلك من المختوم على قلوبهم فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم.
والغرض المبالغة في استبعاد الافتراء من مثله والتعريض بأن من ينسبه إلى الافتراء فهو مختوم على قلبه.
وقيل: لأنساك ما أتاك من القرآن ولكنه لم يشأ فأثبته فيه، وقيل: لأماتك فإن قلب الميت كالمختوم عليه ومثله ﴿ لقطعنا منه الوتين ﴾ قاله قتادة.
وقال مجاهد ومقاتل: يربط على قلبك بالصبر على أذاهم فلا يدخل قلبك حزن مما قالوه.
ثم استأنف فقال ﴿ ويمح الله الباطل ﴾ أي من عادته ذلك فلو كان محمد مبطلاً لفضحه وكشف عن باطله، وحذف الواو من الخط لا للجزم كما في قوله ﴿ ويدع الإنسان ﴾ ﴿ سندع الزبانية ﴾ وفي تفسير الجبائي أن الواو حذف للجزم، والمعنى إن افتريت ختم على قلبك ومحا الباطل المفترى، فالاستئناف على هذا من قوله ﴿ ويحق الحق بكلماته ﴾ أي يثبت ما هو الحق في نفسه بوحيه أو بقضائه.
ويجوز أن يكون وعداً لرسول الله بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والتكذيب ويظهر الحق الذي أنت عليه وهو القرآن بحكمه السابق وبعلمه القديم ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ فيجازي المبطل والمحق على حسب حاليهما وحين وبخهم على البهت والتكذيب ندبهم إلى التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسيء والآية واضحة مما سلف تارات ولا سيما في أوائل البقرة في توبة آدم.
أما الضمير في قوله ﴿ ويستجيب ﴾ فعائد إلى الله وأصله ويستجيب لهم فحذف الجار، والمراد أنه إذا دعوه استجاب لهم وأعطاهم ما طلبوا وزادهم على مطلوبهم تفضلاً.
وقيل: لا ضمير فيه وإنما الظاهر بعده فاعله.
قال سعيد بن جبير: أراد أن المؤمنين يجيبونه إذا دعاهم.
وعن إبراهيم بن أدهم أنه قيل: ما بالنا ندعو فلا نجاب؟
قال: لأنه دعاكم فلو تجيبوه وقرأ ﴿ والله يدعو إلى دار السلام ويستجيب الذين آمنوا ﴾ وحيث وعد الاستجابة للمؤمنين كان لسائل أن يقول: إنا نرى المؤمن في شدة وبلية وفقر ثم إنه يدعو الله فلا يشاهد أثر الإجابة فلا جرم قال ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ﴾ أي ظلم بعضهم بعضاً وعصوا الله.
وهذه ليست بقضية كلية دائمة ولكنها أكثرية، فإن المال معين قوي على تحصيل المطالب ودفع ما لا يلائم النفس، وإذا كانت الآلة موجودة وداعية الشر في طبع الإنسان مجبولة فقلما لا يقع مقتضاه في الخارج وأيضاً إن أكثر الناس إنما يخدم مثله ويتسخره طمعاً في ماله أو جاهه التابع للمال غالباً، فلو تساويا في المال استنكف كل منهما من الانقياد لصاحبه فارتفعت رابطة التعاون وانقطعت سلسلة التمدن، وقيل: إن الآية نزلت في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وأغار بعضهم على بعض ولبعضهم شعر قوم إذا نبت الربيع بأرضهم *** نبتت عداوتهم مع البقل وقال محمد بن جرير: نزلت في أصحاب الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى.
وقوله ﴿ بقدر ﴾ أي على قدر المصلحة ووفق حال الشخص كقوله ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ وحين بين أن حكمته اقتضت عدم توسيع الرزق على كل الخلق أراد أن يبين أنه لا يترك ما يحتاجون إليه وإن بلغ أمرهم إلى حد اليأس والقنوط فقال ﴿ وهو الذي ينزل الغيث ﴾ الآية.
ونشر الرحمة عموم المطر الأرض أو هي عامة في كل رحمة سوى المطر ﴿ وهو الولي ﴾ الذي يتولى أمور عباده ﴿ الحميد ﴾ على كل ما يفعله.
ولا ريب أن هذه من جملة دلائل القدرة فلذلك عطف عليها قوله ﴿ ومن آياته خلق السموات والأرض ﴾ ومحل قوله ﴿ وما بث ﴾ إما مجرور عطفاً على السموات أو مرفوع عطفاً على خلق.
وإنما قال ﴿ فيهما من دابة ﴾ مع أن الدواب في الأرض وحدها لأن الشيء قد ينسب إلى جميع المذكور وإن كان متلبساً ببعضه كما يقال: "بنو فلان فعلوا كذا" ولعله قد فعله واحد منهم فقط.
ويجوز أن يكون للملائكة مع الطيران مشى فيتصفوا بالدبيب كالإنسان، أو يكون في السموات أنواع أخر من الخلائق يدبون كما يدب الحيوان في الأرض.
﴿ وهو على جمعهم ﴾ أي إحيائهم بعد الموت ﴿ إذا يشاء قدير ﴾ وإذا يدخل على الماضي ومعنى الاستقبال في ﴿ يشاء ﴾ يعود إلى تعلق المشيئة لا إلى نفس المشيئة القديمة.
ثم بين حال المكلفين وأن ما يصيبهم من ألم ومكروه وبلاء فهو عقوبة للمعاصي التي اكتسبوها، وأن الله يعفو عن كثير من الذنوب أو الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة رحمة أو استدراجاً.
قال الحسن: أراد إقامة الحدود على المعاصي وأنه لم يجعل لبعض الذنوب حداً.
وقيل: إن هذه في يوم القيامة فإن الدنيا دار تكليف لا دار جزاء.
ولقائل أن يقول: كون الجزاء الأوفى على الإثم مخصوصاً بالقيامة لا ينافي وصول بعض الجزاء إلى المكلف في الدنيا، ولهذا قال علي : هذه أرجى آية للمؤمنين في كتاب الله.
وذلك أنه قسم ذنوب المؤمنين صنفين: صنف يكفره عنهم بالمصائب، وصنف يعفو وهو كريم لا يرجع في عفوه، نعم لو عكست القضية وقيل ما كسبت أيديكم فإنه يصيبكم به ألم وعذاب في الدنيا لكان هذا منافياً لكون الجزاء في الآخرة ولحصول العفو أيضاً.
روي عن علي بن أبي طالب أن النبي قرأ هذه الآية فقال: "ما عفا الله عنه.
فهو أعز وأكرم من أن يعود إليه في الآخرة وما عاقب عليه في الدنيا فالله أكرم من أن يعيد عليه العذاب في الآخرة".
قال أهل التناسخ: لولا أن الأطفال والبهائم لهم حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة ما كانوا ليتألموا فإنهم لا ذنوب لهم الآن.
وأجيب بالتزام أنهم لا يتألمون من المصائب والآلام وفيه بعد، وبأن الخطاب في الآية لذوي العقول البالغين، وبأنها في البالغين عقوبة أو زيادة درجة، وفي الأطفال مثوبة لهم أو لوالديهم.
ثم خاطب المشركين بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ الآية ثم ذكر دليلاً آخر قائلاً ﴿ ومن آياته الجواري ﴾ أي السفن الجواري ﴿ في البحر كالأعلام ﴾ أي كالجبال في العظم.
ولا شك أن جريانها بواسطة هبوب الرياح فلذلك قال ﴿ إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ﴾ أي فيصرن واقفة على ظهر ماء البحر ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار ﴾ على البلاء ﴿ شكور ﴾ على الآلاء أو صبار في السفينة شكور إذا خرج منها ﴿ أو ﴾ أن يشأ ﴿ يوبقهن ﴾ أي يهلك السفينة بما فيها بالغرق أو الكسر لعصوف الريح وغيره ﴿ بما كسبوا ﴾ من كفران نعم الله وعصيانه ﴿ ويعف عن كثير ﴾ من الذنوب فلا يجازي عليها في الدنيا ولا في الآخرة.
والحاصل أنه إن يشأ يسكن الريح فتبقى الجواري واقفة على متن البحر، أو أن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً على طريق العفو عنهم.
من رفع ﴿ ويعلم ﴾ فعلى الاستئناف، ومن نصب فللعطف على تعليل محذوف أي لينتقم منهم ويعلم قاله في الكشاف.
وقال الكوفيون ومنهم الزجاج: النصب بإضمار "أن" لأن قبلها جزاء.
تقول: ما تصنع أصنع وأكرمك.
ووجهه أن هذا في تأويل المصدر المعطوف على مصدر أصنع مقدراً.
ثم استأنف قوله ﴿ ما لهم من محيص ﴾ أي لا مهرب للمجادلين عن عقابه.
ثم رغب المكلفين عن الدنيا وفي الدنيا وفي الآخرة وقد مر نظيره في القصص إلا أنه ذكر ههنا أن هذه الخيرية تحصل للموصوفين بصفات إحداها الإيمان، والثانية التوكل على الرب، والثالثة الاجتناب عن الكبائر والفواحش كقوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ ﴿ إنما حرم ربي الفواحش ﴾ ومن قرأ ﴿ كبير ﴾ على التوحيد فللجنس، وفسره ابن عباس بالشرك، الرابعة الغفران عند الغضب "وهم" تأكيد للضمير أو مبتدأ ما بعده خبره.
قال بعض العلماء: يحتمل أن يراد بالكبائر ما يتعلق بالبدع والعقائد الفاسدة وهي من فساد القوة العقلية، وبالفواحش فساد القوة الشهوية، وبالأخيرة ما يتعلق بالقوة الغضبية.
قال المفسرون: نزل قوله ﴿ والذين استجابوا لربهم ﴾ في الأنصار دعاهم الله ورسوله إلى التوحيد فأطاعوا ورضوا بقضائه وواظبوا على الصلوات الخمس، وكانوا قبل الإسلام متشاورين في كل أمر دهمهم غير منفردين برأي، والشورى مصدر كالفتيا، والمضاف محذوف أي ذو التشاور.
وليس بين قوله ﴿ هم ينتصرون ﴾ أي ينتقمون وبين قوله ﴿ يغفرون ﴾ منافاة، فإن هذه أخص من الأولى إذ البغي هو الذي يؤدي إلى الفساد ولا يصير عفوه سبباً لتسكين ثائرة الفتنة ولرجوع الجاني عن جنايته، ويجوز أن يتوجه المدح في الانتصار إلى كون المظلوم بحيث يراعي حد الشرع ولا يتجاوزه حتى لو زاد عليه لم يكن منتصراً ولا يستحق المدح، فهذه خمس صفات أخرى للراغبين في الدار الآخرة.
ثم بين أن شرعة الانتصار مشروطة برعاية المماثلة فقال ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ حتى لو قال أخزاه الله لا يزيد في الجواب عليه شيئاً.
وسمى الثاني سيئة ازدواجاً للكلام أو لأن السيئة هي التي يكرهها الإنسان طبعاً كالقصاص والقطع وسائر الحدود.
وقد لا يمكن رعاية المماثلة كما في قتل الأنفس بنفس واحدة أو كقطع الأيدي بواحدة إذا تعاونوا على قطعها ذلك في الفقه.
وإنما عرف ذلك بنص آخر أو بقياس جلي.
ثم حث مع ذلك على العفو والصبر قائلاً ﴿ فمن عفى وأصلح ﴾ ما بينه وبين خصمه بالاغضاء والعفو ﴿ فأجره على الله ﴾ فإن الانتصار حسن في نفسه ولا سيما إذا كان فيه مصلحة دينية كزجر وارتداع إلا أن العفو أحسن لأنه لا يكاد يؤمن في الانتصار والتجاوز عن حد الاعتدال ولهذا حذر منه بقوله ﴿ إنه لا يحب الظالمين ﴾ روي عن النبي : " "إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له أجر على الله فليقم فيقوم خلق فيقال لهم: ما أجركم على الله؟
فيقولون: نحن الذين عفونا عمن ظلمنا.
فيقال لهم: ادخلوا الجنة بإذن الله" ثم كرر أن الانتصار لا يؤاخذ به ولا سبيل للوم إليه لئلا يظن أن وعد الأجر على العفو يقتضي قبح الانتصار في نفسه فقال ﴿ ولمن انتصر ﴾ الآية.
وقوله ﴿ بعد ظلمه ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول والباقي واضح إلى قوله ﴿ الأمور ﴾ وإنما أدخل اللام في الخبر خلاف ما في لقمان لأن الصبر على المكروه الذي هو ظلم أشد من الصبر على الذي ليس بظلم، وتكرير الحث على الصبر لمزيد التأكيد أيضاً، ثم ذكر أن الإضلال والهداية التي هي نقيضه إنما تتعلق بمشيئته.
والمعتزلة يتأولون الإضلال بالخذلان أو بالإضلال عن طريق الجنة.
ثم حكى أن الكفار عند معاينة عذاب النار يتمنون الرجعة إلى الدنيا، ثم عقبه بذكر حالهم حين يعرضون على النار.
الخشوع بمعنى الهوان ولهذا علق بقوله ﴿ من الذل ﴾ وقد يعلق بـ ﴿ ينظرون ﴾ أي لهذا السبب يبتدىء نظرهم من تحريك أجفانهم وهو ضعيف فإن الناظر إلى المكاره لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، وقد يفسر الطرف الخفي بمعنى البصيرة بناء على أن الكفار يحشرون عمياً فلا ينظرون إلا بقلوبهم والأكثرون أجابوا عنه فقالوا: لعلهم يكونون في الابتداء هكذا ثم يجعلون عمياً، أو لعل هذا في قوم وذاك في قوم.
ثم حكى قول المؤمنين فيهم ﴿ ويوم القيامة ﴾ ظرف ﴿ لخسروا ﴾ كما في " الزمر" فيحتمل أن يكون قول المؤمنين فيه أو في الدنيا.
وجوز في الكشاف أن يكون ظرفاً لقال.
والنكير الإنكار أي ما لكم من مخلص ولا من قدرة أن تنكروا شيئاً مما دوّن في صحائف أعمالكم أو مالكم من ينكر علينا حتى يغير شيئاً من أحوالكم.
ثم سلى نبيه بقوله ﴿ فإن أعرضوا ﴾ ثم ذكر سبب إصرارهم على عقائدهم الفاسدة وهو الضعف الذي جبل عليه الإنسان من البطر عند الغنى، والفراغ في زمن الصحة، والأمن في زمن الكفران، ونسيان نعم الله عند البلاء.
وإنما جمع قوله ﴿ وإن تصبهم ﴾ لأن الإنسان جنس يشمل أهل الغفلة كلهم.
وقوله ﴿ فإن الإنسان ﴾ من وضع الظاهر موضع الضمير وفائدته التسجيل على أن هذا الجنس من شأنه ذلك إلا إذا أدّب النفس وراضها.
ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ الآية.
والمقصود أن الإنسان لا يغتر بما يملكه من الجاه والمال ولا يعتقد أنه حصل بجد أوجده فيعجب به ويعرض عن طاعة ربه.
ثم ذكر من أقسام تصرفه في ملكه أنه يخص البعض من الحيوان بالأولاد الإناث، والبعض بالذكور، والبعض بالصنفين، والبعض يجعله عديم الولد.
وقدم ذكر الإناث تطييباً لقلوب آبائهن أو لأنهن مكروهات عند العرب فناسب أن يقرن اللفظ الدال عليهن باللفظ الدال على البلاء.
أو لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء الإنسان فكان ذكر الإناث التي هي من جملة ما لا يشاء الإنسان أهم.
وفيه نقل الإنسان من الغم إلى الفرح.
ولا ريب أن هذا أولى من العكس.
وفيه أن الإنسان إذا رضي بالأنثى فإذا أعطاه الذكر علم أنه فضل من الله.
وفيه أن العجز كلما كان أتم كانت عناية الله بحاله أوفر.
ثم أراد أن يتدارك تأخيرهم وهم أحقاء بالتقديم فعرف الذكور لأنه مع رعاية الفاصلة تنويه وتشهير كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام.
ثم قال ﴿ أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ﴾ فأعطى كلا الجنسين حقه.
ونصبهما على الحال، والضمير للأولاد أو على المفعولية، والضمير لمن يشاء أي يجمع لهم كلا الصنفين سواء كانا متساويين في العدد أم لا.
وقيل: معناه أن تلد أولاً غلاماً ثم جارية ثم غلاماً ثم جارية وهكذا قاله مجاهد.
وقيل أن تلد ذكراً وأنثى في بطن واحد قاله ابن الحنفية: وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأنبياء، وهب لشعيب ولوط أناثاً، ولإبراهيم ذكوراً، ولمحمد ذكوراً وهم القاسم والطاهر وعبد الله وإبراهيم، وإناثاً هن فاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم، وجعل يحيى وعيسى عقيماً.
والحق أن هذا التقسيم وإن كان مطابقاً لحال هؤلاء الأنبياء إلا أن في التخصيص ضيق عطن.
وإن صحت الرواية عن ابن عباس فالعبرة بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب، وحمل بعض أهل التأويل الإناث على أمور الدنيا والذكور على أمور الآخرة، وتزويج الصنفين على الجامع بين الأمرين، والعقيم على من لا دين له ولا دنيا ثم أكد كمال القدرة بقوله ﴿ وما كان لبشر ﴾ أي وما صح لأحد ﴿ أن يكلمه الله إلا ﴾ على أحد ثلاثة أنحاء: الأول الوحي وهو الإلهام أو المنام كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم في ذبح ولده.
وعن مجاهد أن داود ألهمه الزبور فكتبه حفظاً.
الثاني التكليم بلا واسطة ولكن من وراء حجاب.
والمجسمة استدلوا به على أنه في جهة فإن الاحتجاب لا يصح إلا من ذي جهة ومكان، وأجيب بأن هذا مثل لأنه إذا سمع الصوت ولا يرى الشخص كان بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب كما كلم موسى ويكلم الملائكة.
وقيل: حجاب عن إدراك ذلك الكلام لا المتكلم.
وقيل: حجاب لموضع الكلام.
الثالث أن يرسل رسولاً كجبرائيل فيوحي الملك بإذن الله إلى النبي ما يشاؤه الله.
والأقسام الثلاثة كلها من قبيل الوحي ولكنه جعل الوحي في الآية خاصاً بالأول، وتقدير الكلام: وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً أو إلا وحياً أو إسماعاً أو إرسالاً، أو إلا أن يوحى أو يسمع أو يرسل.
ومن قرأ بالرفع فعلى الاستئناف بمعنى أو هو يرسل أو على الحال بمعنى مرسلاً عطفاً على ﴿ وحياً ﴾ بمعنى موحياً.
وقيل: الوحي هو الوحي إلى الرسل بواسطة الملائكة، وإرسال الرسل إرسال الأنبياء إلى الأمم، فإن الصحيح عند أهل الحق أن الشيطان لا يقدر على إلقاء الباطل في أثناء الوحي.
وقد يقال: إن توجيه التكليف إلى العبد لا يتم إلا بثلاث مراتب من المعجزات، وذلك أن التسلسل محال فلا بد من سماع الملك كلام الله بلا واسطة.
فالملك يحتاج إلى معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام الله، وإذا بلغ الملك ذلك الكلام إلى النبي فلا بد للنبي من مشاهدة معجزة تدل على صدقه، وإذا بلغ الرسول لأمته فالأمر كذلك.
وهذا الثالث مشهور متفق عليه، وأما الأولان فعلهما يعرفان بنور الباطن ولا يفتقر إلى المعجزة لا في أول الأمر ولا كل مرة.
قال أهل التصديق: إن الأقسام الثلاثة اجتمعت لنبينا ، لأنه في بدء الإسلام كان يرى الرؤيا الصادقة كفلق الصبح، وسمع الكلام من وراء الحجاب ليلة المعراج، وكان يأتيه جبرائيل إلى آخر عمره فلهذا قال عز من قائل ﴿ وكذلك أوحينا إليك ﴾ ويحتمل أن يراد كما أوحينا إلى سائر الأنبياء أوحينا إليك يعني بالطريق الأكثري وهو القسم الثالث.
ومعنى ﴿ روحاً من أمرنا ﴾ قرآنا من عندنا أو من عالم أمرنا كقوله ﴿ يلقى الروح من أمره ﴾ {غافر:15] و ﴿ ما كنت تدري ﴾ في المهد أو قبل البلوغ أو قبل الوحي ﴿ ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ يعني ما يتعلق بكمال الإيمان مما لا يكفي في معرفته مجرد العقل والنظر ويتوقف على النقل وإذن الشرع.
وقيل: أراد أهل الإيمان يعني من الذي يؤمن ومن الذي لا يؤمن والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للقرآن أو الإيمان أولهما جميعاً.
ووحد كقوله ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ وهداية الله خاصة.
وهداية النبي عامة وهي الدعوة، وصراط الله دينه، ومصير الكل إليه عبارة عن رجوعهم إلى حيث لا حكم لأحد سواه والله أعلم.