الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > تفسير سورة التكاثر
تفسيرُ سورةِ التكاثر كاملةً من التفسير الوسيط (محمد سيد طنطاوي). آيةً آية: نصُّ الآية ثم تفسيرُها؛ اضغط على أيِّ آيةٍ لقراءة تفسيرها وحدها.
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقوله - سبحانه - : ( أَلْهَاكُمُ ) من اللهو وهو الغفلة عن مواطن الخير ، والانشغال عما هو نافع .والتكاثر : التبارى والتباهى بالكثرة فى شئ مرغوب فيه كالمال والجاه .
.أى : شغلكم - أيها الناس - التباهى والتفاخر بكثرة الأموال والأولاد والعشيرة ، كما ألهاكم حب الدنيا عن القيام بما كلفناكم به .
.
( حتى زُرْتُمُ المقابر ) أى : بقيتم على هذه الحال ، حتى أتاكم الموت ، ودفنتم فى قبوركم ، وانصرف عنكم أحب الناس إليكم ، وبقيتم وحدكم .والخطاب عام لكل عاقل ، ويدخل فيه المشركون والفاسقون ، الذين آثروا الدنيا على الآخرة دخولا أوليا .فالمراد بزيارة المقابر : انتهاء الآجال ، والدفن فى القبور بعد الموت .
وعبر - سبحانه - عن ذلك بالزيارة .
لأن الميت يأتى إلى القبر كالزائر له ، ثم بعد ذلك يخرج منه يوم البعث والنشور ، للحساب والجزاء ، فوجوده فى القبر إنما هو وجود مؤقت بوقت يعلمه الله - تعالى - .وقد روى أن أعرابيا عندما سمع هذه الآية قال : بعثوا ورب الكعبة ، فقيل له كيف ذلك؟
فقال : لأن الزائر لابد أن يرتحل .وقد نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن التهالك على حطام الدنيا ، فى أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم فى صحيحه عن عبد الله بن الشَّخَّير قال : انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : " ألهاكم التكاثر قال : يقول ابن آدم مالى مالى ، وهل لك من مالك يابن آدم ، آدم إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت " .
وقوله - تعالى - : ( كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ .
ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ردع وزجر عن الانشغال عن طاعة الله ، وعن التكاثر بالأموال والأولاد .وكرر لفظ " كلا " ثلاث مرات فى هذه السورة ، لتأكيد هذا الزجر والردع عن كل ما يشغل الإِنسان عن وجوه الخير والبر .والتبعير بقوله : ( سَوْفَ ) لزيادة الزجر ، ولتحقيق حصول العلم ، وحذف مفعول ( تَعْلَمُونَ ) لظهوره من المقام .
أى : اتركوا التشاغل بالدنيا والتفاخر بالأموال ، فإنكم إن بقيتم على ذلك بدون توبة صادقة ، فسوف تعرفون سوء عاقبة ذلك معرفة لا يخامرهها شك ، ولا يفارقها ريب .
وجملة ( ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) مؤكدة تأكيدا لفظيا للجملة التى قبلها ، وهذا التأكيد المقصود منه المبالغة فى الردع والزجر والتحذير من التكاثر والتفاخر .
.
ثم أضاف - سبحانه - إلى كل ما سبق من تحذيرات ، زواجر أخرى فقال : ( كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين .
لَتَرَوُنَّ الجحيم .
ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين ) .
.وجواب " لو " محذوف لقصد التهويل ، و " اليقين " فعيل بمعنى مفعول ، وعلم اليقين هو العلم الجازم المطابق للواقع الذى لا شك فيه .
والإِضافة فيه من إضافة الموصوف إلى الصفة ، أو من إضافة العام إلى الخاص .أى : لو تعلمون - علما موثوقا به - سوء عاقبة انشغالكم عن ذكر الله - تعالى - وتكاثركم وتفاخركم بالأموال والأولاد .
.
لشغلكم هذا العلم اليقينى عما أنتم عليه من التشاغل والتكاثر .فالمقصود بهذه الجملة الكريمة : الزيادة فى ردعهم ، لأنه من عادة الغافلين المكابرين .
أنك إذا ذكرتهم بالحق وبالرشاد .
.
زعموا أنهم ليسوا فى حاجة إلى هذا الإرشاد ، لأنهم أهل علم ومعرفة بالعواقب ، فكانت هذه الآية الكريمة بمثابة تنبيههم بأنهم ليسوا على شئ من العلم الصحيح ، لأنهم لو كانوا كذلك لما تفاخروا ، ولما تكاثروا .
وقوله - سبحانه - : ( لَتَرَوُنَّ الجحيم ) جواب قسم مقدر ، قصد به تأكيد الوعيد الشديد فى التهديد ، وبيان أن المهدد به رؤية الجحيم فى الآخرة ، أى : والله لترون الجحيم فى الآخرة .
ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى تأكيدا قويا فقال : ( ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين ) أى : ثم لترون الجحيم رؤية هى ذات اليقين ونفسه وعينه ، وذلك لأن تشاهدوها مشاهدة حقيقية ، بحيث لا يلتبس عليكم أمرها .وقد قالوا إن مراتب العلم ثلاثة : علم اليقين وهو ما كان ناتجا عن الأدلة والبراهين .وعين اليقين : وهو ما كان عن مشاهدة وانكشاف .وحق اليقين : وهو ما كان عن ملابسة ومخالطة .ومثال ذلك أن تعلم بالأدلة أن العبة موجودة ، فذلك علم اليقين ، فإذا رأيتها بعينيك فذلك عين اليقين ، فإذا ما دخلت فى جوفها فذلك حق اليقين .
.فأنت ترى أنه - سبحانه - قد حذر الناس من الاشتغال عن طاعته ، ومن التباهى والتكاثر ، بأبلغ أساليب التأكيد وأقواها .
ثم ختم - سبحانه - السورة بقوله : ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم ) ، والمراد بالنعيم هنا : ما يتنعم به الإِنسان خلال حياته الدنيوية من مال وولد ، ومن طعام وشراب ، ومن متعه وشهوة .
.
من النعومة التى هى ضد الخشونة .أى : ثم إنكم بعد ذلك - أيها الناس - والله لتسألن يوم القيامة عن ألوان النعم التى منحكم الله - تعالى - إياها ، فمن أدى ما يجب عليه نحوها من شكر الله - تعالى - عليها كان من السعداء ، ومن جحدها وغمطها وشغلته عن طاعة ربه ، وتباهى وتفاخر بها .
.
كان من الأشقياء ، كما قال - تعالى - : ( وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) فالمراد بالسؤال إنما هو سؤال التكريم والتبشير للمؤمنين الشاكرين ، وسؤال الإِهانة والتوبيخ للفاسقين الجاحدين .والآية الكريمة دعوة حارة للناس ، إلى شكر نعمه - تعالى - واستعمالها فيما خلقت له .قال القرطبى ما ملخصه : والسؤال يكون للمؤمن والكافر .
.
والجمع بين الأخبار التى وردت فى ذلك : أن الكل يسألون ، ولكن سؤال الكافر توبيخ ، لأنه قد ترك الشكر ، وسؤال المؤمن سؤال تشريف ، لأنه قد شكر ، وهذا النعيم فى كل نعمة .
.نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده الشاكرين .
.وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .