التفسير الوسيط سورة الهمزة

الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > تفسير سورة الهمزة

تفسيرُ سورةِ الهمزة كاملةً من التفسير الوسيط (محمد سيد طنطاوي). آيةً آية: نصُّ الآية ثم تفسيرُها؛ اضغط على أيِّ آيةٍ لقراءة تفسيرها وحدها.

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

تفسير سورة الهمزة آيةً آية (محمد سيد طنطاوي)

وَيْلٌۭ لِّكُلِّ هُمَزَةٍۢ لُّمَزَةٍ ١

الويل : لفظ يدل على الذم وعلى طلب العذاب والهلكة .

.

وقيل : اسم لواد فى جهنم .والهُمَزة من الهَمْز ، بمعنى الطعن فى أعراض الناس ، ورميهم بما يؤذيهم .

.واللُّمَزة من اللمز ، بمعنى السخرية من الغير ، عن طريق الإِشارة باليد أو العين أو غيرهما .قال الجمل : الهمزة واللمزة : هم المشاؤون بالنميمة ، المفرقون بين الأحبة الباغون العيب للبرئ ، فعلى هذا هما بمعنى واحد .وقيل : الهمزة الذى يعيبك فى الغيب ، واللمزة الذى يعيبك فى الوجه وقيل : العكس .وحاصل هذه الأقوال يرجع إلى أصل واحد ، وهو الطعن وإظهار العيب ، ويدخل فى ذلك من يحاكى الناس فى أقوالهم وأفعالهم وأصواتهم ليضحكوا منه .

.ولفظ " ويل " مبتدأ وساغ الابتداء مع كونه نكرة ، لأنه دعاء عليهم ، وقوله : ( لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ) خبره ، وهمزة ولمزة وصفان لموصوف محذوف .أى : عذاب شديد ، وخزى عظيم ، لكل من يطعن فى أعراض الناس ، ويغض من شأنهم ، ويحقر أعمالهم وصفاتهم ، وينسب إليهم ما هم برآء منه من عيوب .والتعبير بقوله : ( هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ) يدل على أن تلك الصفات القبيحة ، كانت عادة متأصلة فيهم ، لأن اللفظ الذى بزنة فُعَلَة - بضم الفاء وفتح العين - يؤتى به للدلالة على أن الموصوف به ديدنه ودأبه الإِتيان بهذا الوصف ، ومنه قولهم : فلان ضُحَكة : إذا كان يكثر من الضحك .كما أن لفظ " فُعْلَة " - بضم الفاء وسكون العين - يؤتى به للدلالة على أن الموصوف به ، يكثر أن يفعل به ذلك ، ومنه قولهم : فلان ضُحْكة ، إذا كان الناس يكثرون الضحك منه .

ٱلَّذِى جَمَعَ مَالًۭا وَعَدَّدَهُۥ ٢

وقوله - سبحانه - : ( الذى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ ) زيادة تشنيع وتقبيح للهمزة اللمزة .

.ومعنى " عدده " : جعله عدته وذخيرته ، وأكثر من عده وإحصائه لحرصه عليه ، والجملة الكريمة فى محل نصب على الذم .أى : عذاب وهلاك لكل إنسان مكثر من الطعن فى أعراض الناس ، ومن صفاته الذميمة أنه فعل ذلك بسبب أنه جمع مالا كثيرا ، وأنفق الأوقات الطويلة فى عده مرة بعد أخرى ، حبا له وشغفا به وتوهما منه أن هذا المال الكثير هو مناط التفاضل بين الناس .وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائى ( جمَّع ) - بتشديد الميم - وهو مبالغة فى ( جمع ) بتخفيف الميم .

يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُۥٓ أَخْلَدَهُۥ ٣

وقوله - تعالى - : ( يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ) ، صفة أخرى من صفاته القبيحة ، والجملة يصح أن تكون مستأنفة استنئافا بيانيا ، جوابا لسؤال مقدر ، كأنه قيل : ما باله يجمع المال ويهتم به؟

فكان الجواب : يحسب أن ماله أخلده .ويصح أن تكون حالا من فاعل " جمع " أى : هذا الجاهل المغرور جمع المال وعدده ، حالة كونه يظن أن ماله يخلده فى الدنيا ، ويجعله فى مأمن من حوادث الدهر .قال الأستاذ الإِمام محمد عبده : أى أن الذى يحمل هذا الهمزة اللمزة على الحط من أقدار الناس ، هو جمعه المال وتعديده .

.

فكلما نظر إلى كثرة ما عنده منه ، انتفخ وظن أنه من رفعة المكانة ، بحيث يكون كل ذ فضل ومزية دونه .

.

ويظن أن ما عنده من المال ، قد حفظ له حياته التى هو فيها ، وأرصدها عليه ، فهو لا يفارقها إلى حياة أخرى ، يعاقب فيها على ما كسب من سيئ الأعمال .

.

كَلَّا ۖ لَيُنۢبَذَنَّ فِى ٱلْحُطَمَةِ ٤

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة هذا الجاهل المغرور فقال : ( كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي الحطمة .

وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحطمة ) .و " كلا " حرف زجر وردع ، والمراد به هنا إبطال ما توهمه هذا المغرور من حسبانه أن ماله سيخلده .

والنبذ : الطرح للشئ والإِلقاء به مع التحقير والتصغير من شأنه .والحُطَمة من الحَطْم ، وهو كسر الشئ بشدة وقوة ، ويقال : رجل حطمة ، إذا كان شديداً فى تحطيمه وكسره لغيره ، والمراد بالحطمة هنا : النارر الشديدة الاشتعال : التى لا تبقى على شئ إلا وأحرقته .أى : كلا ليس الأمر كما زعم هذا الهمزة واللمزة ، من أن ماله سيخلده ، بل الحق أنه والله ليطرحن بسبب أفعاله القبيحة فى النار التى تحطم كل شئ يلقى فيها ، والتى لا يعرف مقدار شدتها واشتعالها إلا الله - تعالى - .

وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ ٥

فالمقصود بالاستفهام فى قوله - تعالى - : ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحطمة ) تهويل أمر هذه النار ، وتفظيع شأنها ، وبيان أن كنهها لا تدركه عقول البشر .

.

نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ ٦

وقوله - سبحانه - ( نَارُ الله الموقدة ) بيان للحطمة وتفصيل لأمرها بعد إبهامها .أىك الحطمة هى نار الله - تعالى - الشديدة الإِحراق ، وأضيفت إلى الله - تعالى لزيادة الترويع والتخويف منها ، لأن خالقها - عز وجل - هو الذى لا يعجزه شئ .

ٱلَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى ٱلْأَفْـِٔدَةِ ٧

وقوله - تعالى - : ( التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة ) صفة أخرى من صفات هذه النار ، وقوله : ( تَطَّلِعُ ) من الاطلاع ، بمعنى الوصول إلى الشئ بسرعة ، والكشف عن خباياه ، والنفاذ إلى منتهاه .أى : سيلقى بهذا الشقى فى نار الله - تعالى - الموقدة ، التى تصل إلى أعماق الأفئدة والقلوب ، فتحيط بها ، وتنفذ إليها ، فتحرقها إحراقا تاما .وخصت الأفئدة التى هى القلوب بالذكر ، لأنها ألطف ما فى الأبدان وأشدها تألما بأدنى أذى يصيبها ، أو لأنها محل العقائد الزائفة ، والنيات الخبيثة ، ومنشأ الأعمال السيئة ، التى استحق هذا الهمزة اللمزة بسببها العقاب الشديد .

إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌۭ ٨

ثم وصف - سبحانه - هذه النار بصفة ثالثة فقال : ( إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ ) أى : إن هذه النار من صفاتها - أيضا - أنها مطبقة ومغلقة عليهم بحيث لا يستطيعون الخروج منها ، فقوله ( مُّؤْصَدَةٌ ) اسم مفعول من قولك أوصدت الباب ، إذا أغلقته بشدة ، بحيث لا يستطاع الخروج منه .

.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد