الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > سورة 16 النحل > الآية ٦٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةثم حكى - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل المشركين فقال - تعالى - ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ .
.
.
) .أى : أن هؤلاء المشركين لا يكتفون بإنكارهم البعث وبجحود نعم الله - تعالى - بل أضافوا إلى ذلك أنهم يثبتون له - سبحانه وينسبون إليه كذبا وزورا - ما يكرهونه لأنفسهم ، فهم يكرهون أن يشاركهم أحد فى أموالهم أو فى مناصبهم؛ ومع ذلك يشركون مع الله - تعالى - فى العبادة آلهة أخرى ، ويكرهون أراذل الأموال ، ومع ذلك يجعلون لله - تعالى - أراذل أموالهم .
ويجعلون لأصنامهم أكرمها ، ويكرهون البنات ، ومع ذلك ينسبونهن إليه - سبحانه - .
فالجملة الكريمة تنعى عليهم أنانيتهم ، وسوء أدبهم مع خالقهم - عز وجل - وقوله - سبحانه - ( وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب أَنَّ لَهُمُ الحسنى .
.
.
) تصوير بليغ لما جبلوا عليه من كذب صريح ، وبهتان واضح .ومعنى : ( تصف ) تقول وتذكر بشرح وبيان وتفصيل ، حتى لكأنها تذكر أوصاف الشئ ، وجملة ( أَنَّ لَهُمُ الحسنى ) بدل من ( الكذب ) .والحسنى : تأنيث الأحسن ، والمراد بها زعمهم أنه إن كانت الآخرة حقا ، فسيكون لهم فيها أحسن نصيب وأعظمه ، كما كان لهم فى الدنيا ذلك ، فقد روى أنهم قالوا : إن كان محمد صلى الله عليه وسلم صادقا فيما يخبر عنه من أمر البعث ، فلنا الجنة .
.
.والمعنى : أن هؤلاء المشركين يجعلون لله - تعالى - ما يكرهونه من الأولاد والأموال والشركاء ، وتنطق ألسنتهم بالكذب نطقا واضحا صريحا إذ زعموا أنه إن كانت الآخرة حقا ، فسيكون لهم فيها أحسن نصيب ..وهذا الزعم قد حكاه القرآن عنهم فى آيات متعددة منها قوله - تعالى - ( وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) وقوله - تعالى - : ( أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً .
.
.
) قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟
قلت : هو من فصيح الكلام وبليغه .
جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه ، فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته ، وصورته بصورته .
كقولهم : وجهها يصف الجمال ، وعينها تصف السحر .وقال بعض العلماء : والتعبير القرآنى فى قوله ( وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب ) يجعل ألسنتهم ذاتها كأنها الكذب ذاته ، أو كأنها صورة له ، تحكيه وتصفه بذاتها ، كما تقول : فلان قوامه يصف الرشاقة .
.
لأن ذلك القوام بذاته تعبير عن الرشاقة ، مفصح عنها .كذلك قال - سبحانه - ( وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب .
.
.
) فهى بذاتها تعبير عن الكذب ، لطول ما قالت الكذب ، ولكثرة ما عبرت عنه ، حتى صارت رمزا عليه ، ودلالة له .وقوله - سبحانه - : ( لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ ) تكذيب لهم فيما زعموه من أن لهم الحسنى ، ووعيد لهم بإلقائهم فى النار .وكلمة ( لا جرم ) وردت فى القرآن الكريم فى خمسة مواضع ، متلوة بأن واسمها وليس بعدها فعل .
وجمهور النحاة على أنها مركبة من " لا " و ( جرم ) تركيب خمسة عشر .
ومعناها بعد التركيب معنى حق وثبت .
والجملة بعدها فاعل ، أى : حق وثبت كونهم لهم النار وأنهم مفرطون فيها .وقوله - سبحانه - : ( مفرطون ) قرأها الجمهور - بسكون الفاء وفتح الراء - بصيغة اسم المفعول من أفرطه بمعنى قدمه .
يقال : أفرطته إلى كذا .
أى : قدمته إليه .قال القرطبى : والفارط الذى يتقدم غيره إلى الماء .
ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم : " أنا فرطكم على الحوض " أى : متقدمكم .
.
.
.أو من أفرط إذا نسيه وتركه .
تقول : أفرطت فلانا خلفى ، إذا تركته ونسيته .والمعنى : أن هؤلاء الذين يزعمون أن لهم الحسنى فى الآخرة كذبوا فى زعمهم ، وفجروا فى إفكهم ، فإنهم ليس لهم شئ من ذلك ، وإنما الأمر الثابت الذى لا شك فيه ، أن لهم فى الآخرة النار ، وأنهم مفرطون فيها ، مقدمون إليها بدون إمهال ، ومتروكون فيها بدون اكتراث بهم ، كما يترك الشئ الذى لا قيمة له .
قال - تعالى - : ( فاليوم نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هذا ) وقرأ نافع ( وأنهم مفرطون ) - بسكون الفاء وكسر الراء - بصيغة اسم الفاعل .
من أفرط اللازم بمعنى أسرف وتجاوز الحد .
يقال : أفرط فلان فى كذا ، إذا تجاوز الحدود المشروعة .فيكون المعنى : لا جرم أن لهم النار ، وأنهم مفرطون ومسرفون فى الأقوال والأعمال التى جعلتهم حطبا لها ، ووقودا لنيرانها كما قال - تعالى - :( وَأَنَّ المسرفين هُمْ أَصْحَابُ النار ).