الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 11 هود > الآيات ٢٥-٢٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ " أنِّي " بِفَتْحِ الألِفِ، والتَّقْدِيرُ: أرْسَلْناهُ بِأنِّي، وكَأنَّ الوَجْهَ بِأنَّهُ لَهم نَذِيرٌ، ولَكِنَّهُ عَلى الرُّجُوعِ مِنَ الإخْبارِ عَنِ الغائِبِ إلى خِطابِ نُوحٍ قَوْمَهُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ " إنِّي " بِكَسْرِ الألِفِ، فَحَمَلُوهُ عَلى القَوْلِ المُضْمَرِ، والتَّقْدِيرُ فَقالَ لَهم: إنِّي لَكم نَذِيرٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا ﴾ أيْ: إنْسانًا مِثْلَنا، لا فَضْلَ لَكَ عَلَيْنا.
فَأمّا الأراذِلُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ السَّفِلَةُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هم جَمْعُ " أرْذَلَ "، يُقالُ: رَجُلٌ رَذْلٌ، وقَدْ رَذُلَ رَذالَةً ورُذُولَةً.
ومَعْنى الأراذِلِ: الشِّرارُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بادِيَ الرَّأْيِ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ " بادِيَ " بِغَيْرِ هَمْزٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالهَمْزِ بَعْدَ الدّالِ.
وكُلُّهم هَمَزَ " الرَّأْيَ " غَيْرَ أبِي عَمْرٍو.
ولِلْعُلَماءِ في مَعْنى " بادِي " إذا لَمْ يُهْمَزُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: ما نَرى أتْباعَكَ إلّا سَفِلَتَنا وأرْذالَنا في بادِي الرَّأْيِ لِكُلِّ ناظِرٍ، يَعْنُونَ أنَّ ما وصَفْناهم بِهِ مِنَ النَّقْصِ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ فَيُخالِفَنا، هَذا مَذْهَبُ مُقاتِلٍ في آخَرِينَ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ اتَّبَعُوكَ في ظاهِرِ ما يُرى مِنهم، وطَوِيَّتُهم عَلى خِلافِكَ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: اتَّبَعُوكَ في ظاهِرِ رَأْيِهِمْ، ولَمْ يَتَدَبَّرُوا ما قُلْتَ، ولَوْ رَجَعُوا إلى التَّفَكُّرِ لَمْ يَتَّبِعُوكَ، ذَكَرَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذِهِ الثَّلاثَةُ الأقْوالِ عَلى قِراءَةِ مَن لَمْ يَهْمِزْ، لِأنَّهُ مِن بَدا، يَبْدُو: إذا ظَهَرَ.
فَأمّا مَن هَمَزَ " بادِئَ " فَمَعْناهُ: ابْتِداءُ الرَّأْيِ، أيِ: اتَّبَعُوكَ أوَّلَ ما ابْتَدَؤُوا يَنْظُرُونَ، ولَوْ فَكَّرُوا لَمْ يَعْدِلُوا عَنْ مُوافَقَتِنا في تَكْذِيبِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مِن فَضْلٍ في الخَلْقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: في المُلْكِ والمالِ ونَحْوِ ذَلِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: ما فُضِّلْتُمْ بِاتِّباعِكم نُوحًا، ومُخالَفَتِكم لَنا بِفَضِيلَةٍ نَتْبَعُكم طَلَبًا لَها، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَتَيَقَّنُكم، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: نَحْسَبُكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ أيْ: عَلى يَقِينٍ وبَصِيرَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَوْلُهُ: " إنْ كُنْتُ " شَرْطٌ لا يُوجِبُ شَكًّا يَلْحَقُهُ، لَكِنَّ الشَّكَّ يَلْحَقُ المُخاطَبِينَ مِن أهْلِ الزَّيْغِ، فَتَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي عِنْدَكم.
﴿ وَآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الهِدايَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " فَعَمِيَتْ " بِتَخْفِيفِ المِيمِ وفَتْحِ العَيْنِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى عَمِيتُمْ عَنْها، يُقالُ عَمِيَ عَلَيَّ هَذا الأمْرُ: إذا لَمْ أفْهَمْهُ، وعَمِيتُ عَنْهُ بِمَعْنًى.
قالَ الفَرّاءُ: وهَذا مِمّا حَوَّلَتِ العَرَبُ الفِعْلَ إلَيْهِ، وهو في الأصْلِ لِغَيْرِهِ، كَقَوْلِهِمْ: دَخَلَ الخاتَمُ في يَدِي، والخُفُّ في رِجْلِي، وإنَّما الإصْبَعُ تَدَخُلُ في الخاتَمِ، والرِّجْلُ في الخُفِّ، واسْتَجازُوا ذَلِكَ إذْ كانَ المَعْنى مَعْرُوفًا.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " فَعُمِّيَتْ " بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْنى ذَلِكَ: فَعَمّاها اللَّهُ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ مِمَّنْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالشَّقاءِ.
وكَذَلِكَ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والأعْمَشُ: " فَعَمّاها عَلَيْكم " .
وَفِي المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ: أحَدُهُما: البَيِّنَةُ والثّانِي: الرَّحْمَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنُلْزِمُكُمُوها ﴾ أيْ: أنُلْزِمُكم قَبُولَها ؟
وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، يَقُولُ: لا نَقْدِرُ أنْ نُلْزِمَكم مِن ذاتِ أنْفُسِنا.
قالَ قَتادَةُ: واللَّهِ لَوِ اسْتَطاعَ نَبِيُّ اللَّهِ لَألْزَمَها قَوْمَهُ، ولَكِنْ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ.
وقِيلَ: كانَ مُرادُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدَّ قَوْلِهِمْ: ﴿ وَما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ فَبَيَّنَ فَضْلَهُ وفَضْلَ مَن آمَنَ بِهِ بِأنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وقَدْ آتاهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ وسُلِبَ المُكَذِّبُونَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا أسْألُكم عَلَيْهِ ﴾ أيْ: عَلى نُصْحِي ودُعائِي إيّاكم ﴿ مالا ﴾ فَتَتَّهِمُونِي.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا كانَتِ الرَّحْمَةُ بِمَعْنى الهُدى والإيمانِ، جازَ تَذْكِيرُها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَألُوهُ طَرْدَهم أنَفَةً مِنهم، فَقالَ: لا يَجُوزُ لِي طَرْدُهم، إذْ كانُوا يَلْقَوْنَ اللَّهَ فَيَجْزِيهِمْ بِإيمانِهِمْ، ويَأْخُذُ لَهم مِمَّنْ ظَلَمَهم وصَغَّرَ شُؤُونَهم.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَجْهَلُونَ أنَّ هَذا الأمْرَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: تَجْهَلُونَ لِأمْرِكم إيّايَ بِطَرْدِ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.
<div class="verse-tafsir"