زاد المسير سورة الإخلاص

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > تفسير سورة الإخلاص

تفسيرُ سورةِ الإخلاص كاملةً من زاد المسير (ابن الجوزي) (جمال الدين ابن الجوزي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

تفسير سورة الإخلاص كاملةً (جمال الدين ابن الجوزي)

قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ١ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ٢ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ٣ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌۢ ٤

سُورَةُ الإخْلاصِ وَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ.

والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ.

وقَدْ رَوى البُخارِيُّ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ.» ورَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: إنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ.» وَفِي سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ انْسِبْ لَنا رَبَّكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

والثّانِي: «أنَّ عامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ  : إلامَ تَدْعُونا يا مُحَمَّدُ؟

قالَ: إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قالَ: صِفْهُ لِي، أمِن ذَهَبٍ هُوَ، أوْ مِن فِضَّةٍ، أوْ مِن حَدِيدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الَّذِينَ قالُوا هَذا، قَوْمٌ مِن أحْبارِ اليَهُودِ قالُوا: مِن أيِّ جِنْسٍ هُوَ، ومِمَّنْ ورِثَ الدُّنْيا، ولِمَن يُوَرِّثُها؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والضَّحّاكُ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " أحَدُ اللَّهُ " وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " أحَدٌ اللَّهُ " بِضَمِّ الدّالِ، ووَصْلِها بِاسْمِ اللَّهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: هو كِنايَةٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

والمَعْنى: الَّذِي سَألْتُمْ تَبْيِينَ نِسْبَتِهِ هو اللَّهُ.

و " أحَدٌ " مَرْفُوعٌ عَلى مَعْنى: هو أحَدٌ، فالمَعْنى: هو اللَّهُ، وهو أحَدٌ.

وقُرِئَتْ " أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ " بِتَنْوِينِ أحَدٍ.

وقُرِئَتْ " أحَدُ اللَّهُ " بِتَرْكِ التَّنْوِينِ، وقُرِئَتْ بِإسْكانِ الدّالِ " أحَدْ اللَّهُ " وأجْوَدُها الرَّفْعُ بِإثْباتِ التَّنْوِينِ، وكَسْرِ التَّنْوِينِ لِسُكُونِهِ وسُكُونِ اللّامِ في " اللَّهِ " ومَن حَذَفَ التَّنْوِينَ، فَلِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ أيْضًا، ومَن أسْكَنَ أرادَ الوَقْفَ ثُمَّ ابْتَدَأ " اللَّهُ الصَّمَدُ " وهو أرْدَؤُها.

فَأمّا " الأحَدُ " فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ: هو الواحِدُ.

وفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَهُما.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: [الواحِدُ]: هو المُنْفَرِدُ بِالذّاتِ، فَلا يُضاهِيهِ أحَدٌ.

والأحَدُ: هو المُنْفَرِدُ بِالمَعْنى، فَلا يُشارِكُهُ فِيهِ أحَدٌ.

وأصْلُ " الأحَدِ " عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ: الوَحَدُ، ثُمَّ أبْدَلُوا مِنَ الواوِ الهَمْزَةَ.

وَفِي ﴿ الصَّمَدُ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الصَّمَدُ: السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في سُؤْدُدِهِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو السَّيِّدُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ.

والعَرَبُ تُسَمِّي أشْرافَها: الصَّمَدُ.

قالَ الأسَدِيُّ: لَقَدْ بَكَّرَ النّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ وَقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ السُّؤْدُدُ، فَقَدْ صَمَدَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ قَصَدَ قَصْدَهُ.

وتَأْوِيلُ صُمُودِ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ: أنَّ في كُلِّ شَيْءٍ أثَرَ صُنْعِهِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الصَّمَدَ: السَّيِّدُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ يَصْمُدُ إلَيْهِ النّاسُ في أُمُورِهِمْ وحَوائِجِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ لا جَوْفَ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَكَأنَّ الدّالَ مِن هَذا التَّفْسِيرِ مُبْدَلَةٌ مِن تاءٍ: والمُصْمَتُ مِن هَذا.

والثّالِثُ: أنَّهُ الدّائِمُ.

والرّابِعُ: الباقِي بَعْدَ فَناءِ الخَلْقِ، حَكاهُما الخَطّابِيُّ وقالَ: أصَحُّ الوُجُوهِ الأوَّلُ، لِأنَّ الِاشْتِقاقَ يَشْهَدُ لَهُ، فَإنَّ أصْلَ الصَّمَدِ: القَصْدُ.

يُقالُ: اصْمُدْ صَمْدَ فُلانٍ، أيِ: اقْصِدْ قَصْدَهُ.

فالصَّمَدُ: السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ في الأُمُورِ، ويُقْصَدُ في الحَوائِجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَلِدْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ يَلِدْ فَيُوَرَّثُ، ﴿ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ فَيُشارَكُ.

وَذَلِكَ أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ الرَّحْمَنِ.

وقالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، فَبَرَّأ نَفْسَهُ مِن ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِالتَّثْقِيلِ والهَمْزِ.

ورَواهُ حَفْصٌ بِالتَّثْقِيلِ وقَلْبِ الهَمْزِ واوًا.

وقَرَأ حَمْزَةُ بِسُكُونِ الفاءِ.

والكُفْءُ: المِثْلُ المُكافِئُ.

وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ كُفُوًا، فَقَدَّمَ وأخَّرَ لِتَتَّفِقَ رُؤُوسُ الآياتِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله