الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 14 إبراهيم > الآية ٣٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ في " مِن " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ، قالَهُ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّها لِلتَّوْكِيدِ.
والمَعْنى: أسْكَنْتُ ذُرِّيَّتِي، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ يَعْنِي: مَكَّةَ، ولَمْ يَكُنْ فِيها حَرْثٌ ولا ماءٌ عِنْدَ ﴿ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ﴾ إنَّما سُمِّيَ مُحَرَّمًا، لِأنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِحْلالُ مُحَرَّماتِهِ والِاسْتِخْفافُ بِحَقِّهِ.
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ﴾ ولَمْ يَكُنْ هُناكَ بَيْتٌ حِينَئِذٍ، إنَّما بَناهُ إبْراهِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ ؟
فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ مَوْضِعَ البَيْتِ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: عِنْدَ بَيْتِكَ الَّذِي كانَ قَبْلَ أنْ يُرْفَعَ أيّامَ الطُّوفانِ.
والثّالِثُ: عِنْدَ بَيْتِكَ الَّذِي قَدْ جَرى في سابِقِ عِلْمِكَ أنَّهُ يَحْدُثُ هاهُنا ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ.
وكانَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ يَقُولُ: ظاهِرُ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الدُّعاءَ إنَّما كانَ بَعْدَ أنْ بُنِيَ البَيْتُ وصارَتْ مَكَّةُ بَلَدًا.
والمُفَسِّرُونَ عَلى خِلافِ ما قالَ.
ورَوى ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ إبْراهِيمَ خَرَجَ مِنَ الشّامِ ومَعَهُ ابْنُهُ إسْماعِيلُ وأُمُّهُ هاجَرُ ومَعَهُ جِبْرِيلُ حَتّى قَدِمَ مَكَّةَ وبِها ناسٌ يُقالُ لَهُمُ: العَمالِيقُ، خارِجًا مِن مَكَّةَ، والبَيْتُ يَوْمَئِذٍ رَبْوَةٌ حَمْراءُ، فَقالَ إبْراهِيمُ لِجِبْرِيلَ: أهاهُنا أُمِرْتُ أنْ أضَعَهُما ؟
قالَ: نَعَمْ؛ فَأنْزَلَهُما في مَكانٍ مِنَ الحِجْرِ، وأمَرَ هاجَرَ أنْ تَتَّخِذَ فِيهِ عَرِيشًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي.
.
.
﴾ الآيَةُ.
وفَتَحَ أهْلُ الحِجازِ وأبُو عَمْرٍو ياءَ " إنِّيَ أسْكَنْتُ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ في مُتَعَلَّقِ هَذِهِ اللّامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿ واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ ﴾ فالمَعْنى: جَنِّبْهُمُ الأصْنامَ لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.
والثّانِي: أنَّها تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: " أسْكَنْتُ " فالمَعْنى: أسْكَنْتُهم عِنْدَ بَيْتِكَ لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، لِأنَّ البَيْتَ قِبْلَةُ الصَّلَواتِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ ﴾ أيْ: قُلُوبُ جَماعَةٍ مِنَ النّاسِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما عَبَّرَ عَنِ القُلُوبِ بِالأفْئِدَةِ، لِقُرْبِ القَلْبِ مِنَ الفُؤادِ ومُجاوَرَتِهِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: رَمَتْنِي بِسَهْمٍ أصابَ الفُؤادَ غَداةَ الرَّحِيلِ فَلَمْ أنْتَصِرْ وَقالَ آخَرُ: كَأنَّ فُؤادِي كُلَّما مَرَّ راكِبٌ ∗∗∗ جَناحُ غُرابٍ رامَ نَهْضًا إلى وِكْرِ وَقالَ آخَرُ: وإنَّ فُؤادًا قادَنِي لِصَبابَةٍ ∗∗∗ إلَيْكِ عَلى طُولِ الهَوى لَصَبُورُ يَعْنُونَ: بِالفُؤادِ: القَلْبَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَهْوِي إلَيْهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَحِنُّ إلَيْهِمْ، وقالَ قَتادَةُ: تَنْزِعُ إلَيْهِمْ.
وقالَ الفَرّاءُ: تُرِيدُهم، كَما تَقُولُ: رَأيْتُ فُلانًا يَهْوِي نَحْوَكَ، أيْ: يُرِيدُكَ.
وقَرَأ بَعْضُهم: " تَهْوى إلَيْهِمْ " بِمَعْنى: تَهْواهم، كَقَوْلِهِ: ﴿ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ .
أيْ: رَدِفَكم.
و " إلى " تَوْكِيدٌ لِلْكَلامِ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: " تَهْوِي إلَيْهِمْ ": تَنْحَطُّ إلَيْهِمْ وتَنْحَدِرُ.
وَفِي مَعْنى هَذا المَيْلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَيْلُ إلى الحَجِّ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ حُبُّ سُكْنى مَكَّةَ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ قالَ: فاجْعَلْ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، لَحَجَّهَ اليَهُودُ والنَّصارى، ولَكِنَّهُ قالَ: مِنَ النّاسِ.
<div class="verse-tafsir"