الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 16 النحل > الآيات ٣٨-٤٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانَ لَهُ عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ دَيْنٌ، فَأتاهُ يَتَقاضاهُ، فَكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ: والَّذِي أرْجُوهُ بَعْدَ المَوْتِ، فَقالَ المُشْرِكُ: وإنَّكَ لَتَزْعُمُ أنَّكَ تُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ ؟!
فَأقْسَمَ بِاللَّهِ ﴿ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ ﴾ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
و ﴿ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ مُفَسَّرٌ في (المائِدَةِ:٥٣) .
وقَوْلُهُ: ﴿ بَلى ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ، قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: " بَلى " لَيَبْعَثَنَّهم " وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالبَعْثِ، فَيَكُونُ المَعْنى: بَلى يَبْعَثُهم فَيُبَيِّنُ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا ﴾ لِيُبَيِّنَ لَهم.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم جَمِيعُ النّاسِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، يُبَيِّنُ لَهم بِالبَعْثِ ما خالَفُوا المُؤْمِنِينَ فِيهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ ﴾ أيْ: فِيما أقْسَمُوا عَلَيْهِ مِن نَفْيِ البَعْثِ.
ثُمَّ أخْبَرَ بِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: " فَيَكُونُ " رَفْعًا، وكَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ " فَيَكُونَ " نَصْبًا.
قالَ مَكِّيُّ بْنُ إبْراهِيمَ: مَن رَفَعَ، قَطَعَهُ عَمّا قَبْلَهُ، والمَعْنى: فَهو يَكُونُ، ومَن نَصَبَ، عَطَفَهُ عَلى " يَقُولَ "، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ وَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وقَدْ فَسَّرْناهُ في (البَقَرَةِ:١١٧) .
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سُمِّيَ الشَّيْءُ قَبْلَ وُجُودِهِ شَيْئًا ؟
فالجَوابُ: أنَّ الشَّيْءَ وقَعَ عَلى المَعْلُومِ عِنْدَ اللَّهِ قَبْلَ الخَلْقِ، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ ما قَدْ عُويِنَ وشُوهِدَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في سِتَّةٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ، بِلالٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وعايِشٍ وجَبْرٍ مَوْلَيانِ لِقُرَيْشٍ، أخَذَهم أهْلُ مَكَّةَ فَجَعَلُوا يُعَذِّبُونَهم، لِيَرُدُّوهم عَنِ الإسْلامِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، قالَهُ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم جَمِيعُ المُهاجِرِينَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ، قالَهُ قَتادَةُ.
ومَعْنى ﴿ هاجَرُوا في اللَّهِ ﴾ ، أيْ: في طَلَبِ رِضاهُ وثَوابِهِ ﴿ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ بِما نالَ المُشْرِكُونَ مِنهم، ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ وفِيها خَمْسَةُ أقْوالٍ:أحَدُها: لَنُنْزِلَنَّهُمُ المَدِينَةَ، رَوى هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَنُبَوِّئَنَّهم دارًا حَسَنَةً وبَلْدَةً حَسَنَةً.
والثّانِي: لَنَرْزُقَنَّهم في الدُّنْيا الرِّزْقَ الحَسَنَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: النَّصْرُ عَلى العَدُوِّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ ما بَقِيَ بَعْدَهم مِنَ الثَّناءِ الحَسَنِ، وصارَ لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وقَدْ رُوِيَ مَعْناهُ عَنْ مُجاهِدٍ، فَرَوى عَنْهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ أنَّهُ قالَ: ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ قالَ: لِسانٌ صادِقٌ.
والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا، قالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: فَتَكُونُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ " لَنُبَوِّئَنَّهم "، عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، إلّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: الجَنَّةَ، ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ.
وَنُقِلَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّهُ كانَ إذا أعْطى الرَّجُلَ مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ، قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ اللَّهُ في الدُّنْيا، وما ذَخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أفْضَلُ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أثْنى عَلَيْهِمْ ومَدَحَهم بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ أيْ: عَلى دِينِهِمْ، لَمْ يَتْرُكُوهُ لِأذًى نالَهم، وهم في ذَلِكَ واثِقُونَ بِرَبِّهِمْ.
<div class="verse-tafsir"