الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 17 الإسراء > الآيات ١٠٥-١٠٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ ﴾ الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ القُرْآَنِ، والمَعْنى: أنْزَلْنا القُرْآَنَ بِالأمْرِ الثّابِتِ والدِّينِ المُسْتَقِيمِ، فَهو حَقٌّ، ونُزُولُهُ حَقٌّ، وما تَضَمَّنَهُ حَقٌّ.
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ﴿ وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ ﴾ ؛ أيْ: بِالتَّوْحِيدِ، ﴿ وَبِالحَقِّ نَزَلَ ﴾ يَعْنِي: بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، والأمْرِ والنَّهْيِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ ﴾ قَرَأ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( فَرَّقْناهُ ) بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ.
فَأمّا قِراءَةُ التَّخْفِيفِ فَفي مَعْناها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بَيَّنّا حَلالَهُ وحَرامَهُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: فَرَّقْنا فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، [ قالَهُ الحَسَنُ ] .
والثّالِثُ: أحْكَمْناهُ وفَصَّلْناهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وأمّا المُشَدَّدَةُ فَمَعْناها: أنَّهُ أُنْزِلَ مُتَفَرِّقًا ولَمْ يَنْزِلْ جُمْلَةً واحِدَةً.
وقَدْ بَيَّنّا في أوَّلِ كِتابِنا هَذا مِقْدارُ المُدَّةِ الَّتِي نَزَلَ فِيها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ﴾ قَرَأ أنَسٌ، والشَّعْبِيُّ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ المِيمِ، والمَعْنى: عَلى تُؤَدَةٍ وتَرَسُّلٍ لِيَتَدَبَّرُوا مَعْناهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ لِكُفّارِ [ أهْلِ ] مَكَّةَ، والهاءُ كِنايَةٌ عَنِ القُرْآَنِ.
﴿ إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم ناسٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: طُلّابُ الدِّينِ، كَأبِي ذَرٍّ، وسَلْمانَ، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وزَيْدِ بْنِ عَمْرٍو، قالَهُ الواحِدِيُّ.
وَفِي هاءِ الكِنايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن قَبْلِهِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآَنِ، والمَعْنى: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ.
والثّانِي: تَرْجِعُ إلى رَسُولِ اللهِ ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
فَعَلى الأوَّلِ ﴿ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ﴾ : القُرْآَنُ، وعَلى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ﴾ : ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ ﴾ اللّامُ هاهُنا بِمَعْنى ( عَلى ) .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهُ: ﴿ لِلأذْقانِ ﴾ ؛ أيْ: لِلْوُجُوهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي يَخِرُّ وهو قائِمٌ، إنَّما يَخِرُّ لِوَجْهِهِ، والذَّقْنُ مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ، وهو عُضْوٌ مِن أعْضاءِ الوَجْهِ، فَإذا ابْتَدَأ يَخِرُّ، فَأقْرَبُ الأشْياءِ مِن وجْهِهِ إلى الأرْضِ الذَّقْنُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أوَّلُ ما يَلْقى الأرْضَ مَنِ الَّذِي يَخِرُّ قَبْلَ أنْ يُصَوِّبَ جَبْهَتَهُ ذَقْنُهُ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: " لِلْأذْقانِ " .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَخِرُّونَ لِلْوُجُوهِ، فاكْتَفى بِالذَّقَنِ مِنَ الوَجْهِ كَما يُكْتَفى بِالبَعْضِ مِنَ الكُلِّ، وبِالنَّوْعِ مِنَ الجِنْسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا ﴾ نَزَّهُوا اللَّهَ تَعالى عَنْ تَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ بِالقُرْآَنِ، وقالُوا: ﴿ إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا ﴾ بِإنْزالِ القُرْآَنِ وبَعْثِ مُحَمَّدٍ ﴿ لَمَفْعُولا ﴾ ، واللّامُ دَخَلَتْ لِلتَّوْكِيدِ.
وهَؤُلاءِ قَوْمٌ كانُوا يَسْمَعُونَ أنَّ اللَّهَ باعِثٌ نَبِيًّا مِنَ العَرَبِ، ومُنْزِلٌ عَلَيْهِ كِتابًا، فَلَمّا عايَنُوا ذَلِكَ حَمِدُوا اللَّهَ تَعالى عَلى إنْجازِ الوَعْدِ.
﴿ وَيَخِرُّونَ لِلأذْقانِ ﴾ كَرَّرَ القَوْلَ لِيَدُلَّ عَلى تَكْرارِ الفِعْلِ مِنهم.
﴿ وَيَزِيدُهم خُشُوعًا ﴾ ؛ أيْ: يَزِيدُهُمُ القُرْآَنُ تَواضُعًا.
وكانَ عَبْدُ الأعْلى التَّيْمِيُّ يَقُولُ: مَن أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ ما لا يُبْكِيهِ، لَخَلِيقٌ أنْ لا يَكُونُ أُوتِيَ عِلْمًا يَنْفَعُهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَعَتَ العُلَماءَ فَقالَ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ.
.
.
﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَبْكُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"