الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 17 الإسراء > الآيات ٦٦-٧٠
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ ﴾ ؛ أيْ: يُسَيِّرُها.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: زَجَيْتُ الشَّيْءَ؛ أيْ: قَدَّمْتُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ ؛ أيْ: في طَلَبِ التِّجارَةِ.
وَفِي " مِن " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها زائِدَةٌ.
والثّانِي: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ.
والثّالِثُ: أنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ الرِّزْقَ والخَيْرَ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا ﴾ هَذا الخِطابُ خاصٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ خاطَبَ المُشْرِكِينَ فَقالَ: ﴿ وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ﴾ يَعْنِي: خَوْفَ الغَرَقِ، ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ ﴾ ؛ أيْ: يَضِلُّ مَن يَدْعُونَ مِنَ الآَلِهَةِ، إلّا اللَّهَ تَعالى.
ويُقالُ: ضَلَّ بِمَعْنى غابَ، يُقالُ: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ: إذا غابَ، والمَعْنى: أنَّكم أخْلَصْتُمُ الدُّعاءَ [ لِلَّهِ ]، ونَسِيتُمُ الأنْدادَ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( ضَلَّ مَن يَدْعُونَ ) بِالياءِ.
﴿ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ ﴾ عَنِ الإيمانِ والإخْلاصِ، ﴿ وَكانَ الإنْسانُ ﴾ يَعْنِي: الكافِرَ ﴿ كَفُورًا ﴾ بِنِعْمَةِ رَبِّهِ.
﴿ أفَأمِنتُمْ ﴾ إذا خَرَجْتُمْ مِنَ البَحْرِ ﴿ أنْ يَخْسِفَ بِكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( نَخْسِفُ بِكُمْ، أوْ نُرْسِلُ، أنْ نُعِيدَكُمْ، فَنُرْسِلُ، فَنُغْرِقُكم ) بِالنُّونِ في الكُلِّ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالياءِ في الكُلِّ.
ومَعْنى " نَخْسِفُ بِكم جانِبَ البَرِّ "؛ أيْ: نُغَيِّبُكم ونُذْهِبُكم في ناحِيَةِ البَرِّ، والمَعْنى: إنَّ حُكْمِيَ نافِذٌ في البَرِّ نُفُوذُهُ في البَحْرِ.
" أوْ نُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا " فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الحاصِبَ: حِجارَةٌ مِن السَّماءِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ الرِّيحُ العاصِفُ تَحْصِبُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِلْفَرَزْدَقِ: مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الرِّيحِ تَضْرِبُهم بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحاصِبُ: الرِّيحُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَحْصِبُ؛ أيْ: تَرْمِي بِالحَصْباءِ، وهي الحَصى الصِّغارُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الحاصِبُ: الرِّيحُ الَّتِي فِيها الحَصى.
وإنَّما قالَ في الرِّيحِ: " حاصِبًا "، ولَمْ يَقُلْ: ( حاصِبَةً )؛ لِأنَّهُ وصْفٌ لَزِمَ الرِّيحَ، ولَمْ يَكُنْ لَها مُذَكَّرٌ تَنْتَقِلُ إلَيْهِ في حالٍ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: ( حائِضٌ ) لِلْمَرْأةِ، حِينَ لَمْ يَقُلْ: رَجُلٌ حائِضٌ.
قالَ: وفِيهِ جَوابٌ آَخَرُ: وَهُوَ أنَّ نَعْتَ الرِّيحِ عُرِّيَ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ، فَأشْبَهَتْ بِذَلِكَ أسْماءَ المُذَكَّرِ، كَما قالُوا: السَّماءُ أمْطَرَ، والأرْضُ أنْبَتَ.
والثّالِثُ: أنَّ الحاصِبَ: التُّرابُ الَّذِي فِيهِ حَصْباءُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلا ﴾ ؛ أيْ: مانِعًا وناصِرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ ﴾ ؛ أيْ: في البَحْرِ ﴿ تارَةً أُخْرى ﴾ ؛ أيْ: مَرَّةً أُخْرى، والجُمَعُ: تارّاتٍ.
﴿ فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي الَّتِي تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القاصِفُ: [ الرِّيحُ الَّتِي ] تَقْصِفُ الشَّجَرَ؛ أيْ: تَكْسِرُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُغْرِقَكُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ و[ أبُو ] جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ورُوَيْسٌ: ( فَتُغْرِقُكم ) بِالتّاءِ، وسُكُونِ الغَيْنِ، وتَخْفِيفِ الرّاءِ.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وأيُّوبُ: ( فَيُغَرِّقُكم ) بِالياءِ،وَفَتْحِ الغَيْنِ، وتَشْدِيدِها.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ.
﴿ بِما كَفَرْتُمْ ﴾ ؛ أيْ: بِكُفْرِكم حَيْثُ نَجَوْتُمْ في المَرَّةِ الأُولى، " ثُمَّ تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا " قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مَن يَتْبَعُ بِدِمائِكم؛ أيْ: يُطالِبُنا.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: رِيحُ العَذابِ أرْبَعٌ، اثْنَتانِ في البَرِّ، واثْنَتانِ في البَحْرِ؛ فاللَّتانِ في البِرِّ: الصَّرْصَرُ والعَقِيمُ، واللَّتانِ في البَحْرِ: العاصِفُ والقاصِفُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ﴾ ؛ أيْ: فَضَّلْناهم.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و ﴿ كَرَّمْنا ﴾ أشَدُّ مُبالَغَةً مِن أكْرَمْنا.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيما فُضِّلُوا بِهِ أحَدَ عَشَرَ قَوْلًا: أحَدُها: أنَّهم فُضِّلُوا عَلى سائِرِ الخَلْقِ غَيْرَ طائِفَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ: جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ، وأشْباهُهُمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ: المُؤْمِنِينَ مِنهُمْ، ويَكُونُ تَفْضِيلُهم بِالإيمانِ.
والثّانِي: أنَّ سائِرَ الحَيَوانِ يَأْكُلُ بِفِيهِ، إلّا ابْنَ آَدَمَ فَإنَّهُ يَأْكُلُ بِيَدِهِ، رَواهُ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهَذا التَّفْضِيلِ: أكْلُهم بِأيْدِيهِمْ ونَظافَةِ ما يَقْتاتُونَهُ؛ إذِ الجِنُّ يَقْتاتُونَ العِظامَ والرَّوَثَ.
والثّالِثُ: فُضِّلُوا بِالعَقْلِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: بِالنُّطْقِ والتَّمْيِيزِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والخامِسُ: بِتَعْدِيلِ القامَةِ وامْتِدادِها، قالَهُ عَطاءٌ.
والسّادِسُ: بِأنْ جَعَلَ مُحَمَّدًا مِنهُمْ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
والسّابِعُ: فُضِلُّوا بِالمَطاعِمِ واللَّذّاتِ في الدُّنْيا، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّامِنُ: بِحُسْنِ الصُّورَةِ، قالَهُ يَمانُ.
والتّاسِعُ: بِتَسْلِيطِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الخَلْقِ وتَسْخِيرِ سائِرِ الخَلْقِ لَهُمْ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ.
والعاشِرُ: بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والحادِي عَشَرَ: بِأنْ جُعِلَتِ اللِّحى لِلرِّجالِ والذَّوائِبُ لِلنِّساءِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أطْلَقَ ذِكْرَ الكَرامَةِ عَلى الكُلِّ وفِيهِمُ الكافِرُ المُهانُ ؟
فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عامَلَ الكُلَّ مُعامَلَةَ المُكَرَّمِ بِالنِّعَمِ الوافِرَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِمْ مَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ، أجْرى الصِّفَةَ عَلى جَماعَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَمَلْناهم في البَرِّ ﴾ عَلى أكْبادٍ رَطْبَةٍ، وهِيَ: الإبِلُ والخَيْلُ، والبِغالُ والحَمِيرُ، وفي " البَحْرِ " عَلى أعْوادٍ يابِسَةٍ، وهِيَ: السُّفُنُ.
﴿ وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الحَلالُ.
والثّانِي: المُسْتَطابُ في الذَّوْقِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى لَفْظِهِ، وأنَّهم لَمْ يُفَضَّلُوا عَلى سائِرِ المَخْلُوقاتِ.
وقَدْ ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم فُضِّلُوا عَلى سائِرِ الخَلْقِ غَيْرَ طائِفَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ المَلائِكَةُ أفْضَلُ.
والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: وفَضَّلْناهم عَلى جَمِيعِ مَن خَلَقْنا، والعَرَبُ تَضَعُ الأكْثَرَ والكَثِيرَ في مَوْضِعِ الجَمْعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ ﴾ .
وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ أنَّهُ قالَ: " «المُؤْمِنُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ عِنْدَهُ» " .
<div class="verse-tafsir"