الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 17 الإسراء > الآيات ٧١-٧٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى: اذْكُرْ، ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ ﴾ والمُرادُ بِهِ: يَوْمَ القِيامَةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ( يَوْمَ يَدْعُو ) بِالياءِ، ( كُلَّ ) بِالنَّصْبِ.
وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( يَوْمَ يُدْعى ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ، وفَتْحِ العَيْنِ، وبَعْدها ألِفٌ، ( كُلُّ ) بِالرَّفْعِ.
وَفِي المُرادِ بِإمامِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ رَئِيسُهُمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: إمامُ هُدًى، أوْ إمامُ ضَلالَةٍ.
والثّانِي: عَمَلُهُمْ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: نَبِيُّهُمْ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ.
والرّابِعُ: كِتابُهُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كِتابُهُمُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: كِتابُهُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ.
فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يُقالُ: يا مُتَّبِعِي مُوسى، يا مُتَّبِعِي عِيسى، يا مُتَّبِعِي مُحَمَّدٍ، ويُقالُ: يا مُتَّبِعِي رُؤَساءِ الضَّلالَةِ.
وعَلى الثّانِي: يا مَن عَمِلَ كَذا وكَذا.
وعَلى الثّالِثِ: يا أُمَّةَ مُوسى، يا أُمَّةَ عِيسى، يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ.
وعَلى الرّابِعِ: يا أهْلَ التَّوْراةِ، يا أهْلَ الإنْجِيلِ، يا أهْلَ القُرْآَنِ.
أوْ يا صاحِبَ الكِتابِ الَّذِي فِيهِ عَمِلَ كَذا وكَذا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: يَقْرَؤُونَ حَسَناتِهِمْ؛ لِأنَّهم أخَذُوا كُتُبَهم بِإيمانِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ ؛ أيْ: لا يَنْقُصُونَ مِن ثَوابِهِمْ بِقَدْرِ الفَتِيلِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في سُورَةِ ( النِّساءِ: ٤٩ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( أعْمى فَهو في الآَخِرَةِ أعْمى ) مَفْتُوحَتَيِ المِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ المِيمَيْنِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( في هَذِهِ أعْمى ) بِكَسْرِ المِيمِ، ( فَهو في الآَخَرَةِ أعْمى ) بِفَتْحِها.
وَفِي المُشارِ إلَيْها بـِ " هَذِهِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَنْ مَعْرِفَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ في خَلْقِ الأشْياءِ، فَهو عَمّا وُصِفَ لَهُ في الآَخِرَةِ أعْمى، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى بِالكُفْرِ فَهو في الآَخِرَةِ أعْمى؛ لِأنَّهُ في الدُّنْيا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وفي الآَخِرَةِ لا تُقْبَلُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: مَن عَمِيَ عَنْ آَياتِ اللَّهِ في الدُّنْيا، فَهو عَنِ الَّذِي غَيَّبَ عَنْهُ مِن أُمُورِ الآَخِرَةِ أشَدُّ عَمًى.
والرّابِعُ: مَن عَمِيَ عَنْ نِعَمِ اللَّهِ الَّتِي بَيَّنَها في قَوْلِهِ: ﴿ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ تَفْضِيلا ﴾ ، فَهو في الآَخِرَةِ أعْمى عَنْ رَشادِهِ وصَلاحِهِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والخامِسُ: مَن كانَ فِيها أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، فَهو في الآَخِرَةِ أعْمى عَنِ الجَنَّةِ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.
والثّانِي: أنَّها النِّعَمُ.
ثُمَّ في الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَن كانَ أعْمى عَنِ النِّعَمِ الَّتِي تُرى وتُشاهَدُ، فَهو في الآَخِرَةِ الَّتِي لَمْ تَرَ أعْمى، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مَن كانَ أعْمى عَنْ مَعْرِفَةِ حَقِّ اللَّهِ في هَذِهِ النِّعَمِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ﴾ ولَمْ يُؤَدِّ شُكْرَها، فَهو فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ مِمّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْهِ أعْمى " وأضَلُّ سَبِيلًا "، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فِي الآخِرَةِ أعْمى ﴾ ؛ أيْ: أشَدُّ عَمى؛ لِأنَّهُ كانَ في الدُّنْيا يُمْكِنُهُ الخُرُوجَ عَنْ عَماهُ بِالِاسْتِدْلالِ، ولا سَبِيلَ لَهُ في الآَخِرَةِ إلى الخُرُوجِ مِن عَماهُ.
وقِيلَ: مَعْنى العَمى في الآَخِرَةِ: أنَّهُ لا يَهْتَدِي إلى طَرِيقِ الثَّوابِ، وهَذا كُلُّهُ مِن عَمى القَلْبِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى ﴾ ، ولَمْ يَقُلْ: أشَدُّ عَمًى؛ لِأنَّ العَمى خِلْقَةٌ بِمَنزِلَةِ الحُمْرَةِ والزُّرْقَةِ، والعَرَبُ تَقُولُ: ما أشَدَّ سَوادَ زَيْدٍ، وما أبْيَنَ زُرْقَةَ عَمْرٍو، وقَلَّما يَقُولُونَ: ما أسْوَدَ زَيْدًا، وما أزْرَقَ عَمْرًا ؟
فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ بِهَذا العَمى: عَمى القَلْبِ، وذَلِكَ يَتَزايَدُ ويَحْدُثُ مِنهُ شَيْءٌ بَعْدَ شَيْءٍ، فَيُخالِفُ الخِلَقَ اللّازِمَةَ الَّتِي لا تَزِيدُ، نَحْوُ عَمى العَيْنِ، والبَياضِ، والحُمْرَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
<div class="verse-tafsir"