الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 21 الأنبياء > الآيات ٥١-٥٨
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ ﴾ ؛ أيْ: هُداهُ، ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مِن قَبْلِ بُلُوغِهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: آتَيْناهُ ذَلِكَ في العِلْمِ السّابِقِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: مِن قَبْلِ مُوسى وهارُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وقَدْ أشَرْنا إلى قِصَّةِ إبْراهِيمَ في ( الأنْعامِ: ٧٥ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ ﴾ ؛ أيْ: عَلِمْنا أنَّهُ مَوْضِعٌ لِإيتاءِ الرُّشْدِ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَتى آتاهُ، فَقالَ: ﴿ إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامُ.
والتِّمْثالُ: اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَصْنُوعِ مُشَبَّهًا بِخَلْقٍ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وأصْلُهُ مَن مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: إذا شَبَّهْتُهُ بِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ الَّتِي أنْتُمْ لَها ﴾ ؛ أيْ: عَلى عِبادَتِها، ﴿ عاكِفُونَ ﴾ ؛ أيْ: مُقِيمُونَ، فَأجابُوهُ أنَّهم رَأوْا آباءَهم يَعْبُدُونَها فاقْتَدَوْا بِهِمْ، فَأجابَهم بِأنَّهم فِيما فَعَلُوا وآباءَهم في ضَلالٍ مُبِينٍ.
﴿ قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ ﴾ يَعْنُونَ: أجادٌّ أنْتَ أمْ لاعِبٌ ؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ ﴾ الكَيْدُ: احْتِيالُ الكائِدِ في ضُرِّ المَكِيدِ.
والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: لَأكِيدَنَّها بِالكَسْرِ.
﴿ بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا ﴾ ؛ أيْ: تَذْهَبُوا عَنْها، وكانَ لَهم عِيدٌ في كُلِّ سَنَةٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ، ولا يَخْلُفُونَ بِالمَدِينَةِ أحَدًا، فَقالُوا لِإبْراهِيمَ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنا إلى عِيدِنا أعْجَبَكَ دِينُنا، فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قالَ: إنِّي سَقِيمٌ، وألْقى نَفْسَهُ، وقالَ سِرًّا مِنهم: ﴿ وَتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ ﴾ ، فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنهم فَأفْشاهُ عَلَيْهِ، فَرَجَعَ إلى بَيْتِ الأصْنامِ، وكانَتْ - فِيما ذَكَرَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ - اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ صَنَمًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، ونُحاسٍ وحَدِيدٍ، وخَشَبٍ، فَكَسَرَها، ثُمَّ وضَعَ الفَأْسَ في عُنُقِ الصَّنَمِ الكَبِيرِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَجَعَلَهم جُذاذًا ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( جُذاذًا ) بِضَمِّ الجِيمِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، والكِسائِيُّ: ( جِذاذًا ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( جِذاذًا ) بِفَتْحِ الجِيمِ.
وقَرَأ الضَّحّاكُ وابْنُ يَعْمُرَ: ( جَذَذًا ) بِفَتْحِ الجِيمِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو حَيَوَةَ، وابْنُ وثّابٍ: ( جُذَذًا ) بِضَمِّ الجِيمِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: مُسْتَأْصَلِينَ، قالَ جَرِيرٌ: بَنُو المُهَلَّبِ جَذَّ اللَّهُ دابِرَهم أمْسَوْا رَمادًا فَلا أصْلٌ ولا طَرَفُ أيْ: لَمْ يَبْقَ مِنهم شَيْءٌ، ولَفْظُ " جُذاذٍ " يَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمِيعِ، مِنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ جُذاذًا ﴾ ؛ أيْ: فُتاتًا، وكُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ فَقَدْ جَذَذْتَهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلسَّوِيقِ: الجَذِيذُ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ: ( جِذاذًا ) بِكَسْرِ الجِيمِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ جَذِيذٍ، مِثْلَ: ثَقِيلٍ وثِقالٍ، وخَفِيفٍ وخِفافٍ، والجَذِيذُ بِمَعْنى المَجْذُوذِ، وهو المَكْسُورُ.
﴿ إلا كَبِيرًا لَهُمْ ﴾ ؛ أيْ: كَسَرَ الأصْنامَ إلّا أكْبَرَها.
قالَ الزَّجّاجُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ أكْبَرُها في ذاتِهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أكْبَرُها عِنْدَهم في تَعْظِيمِهِمْ إيّاهُ.
﴿ لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الصَّنَمِ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ فَيُشاهِدُونَهُ، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.
والثّانِي: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ بِالتُّهْمَةِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى إبْراهِيمَ.
والمَعْنى: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى دِينِ إبْراهِيمَ بِوُجُوبِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
<div class="verse-tafsir"