الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 25 الفرقان > الآيات ٣٥-٣٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ .
إنْ قِيلَ: إنَّما عايَنُوا الآياتِ بَعْدَ [وُجُودِ] الرِّسالَةِ، فَكَيْفَ يَقَعُ التَّكْذِيبُ مِنهم قَبْلَ وُجُودِ الآياتِ؟
فالجَوابُ: أنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ أنْبِياءَ اللَّهِ وكُتُبَهُ المُتَقَدِّمَةَ، ومَن كَذَّبَ نَبِيًّا فَقَدْ كَذَّبَ سائِرَ الأنْبِياءِ ولِهَذا قالَ: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ ﴾ ، وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ نُوحٌ وحْدَهُ، وقَدْ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجِنْسِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ يَرْكَبُ الدَّوابَّ، وإنْ لَمْ يَرْكَبْ إلّا دابَّةً واحِدَةً؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا في (هُودٍ: ٥٩) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَعَصَوْا رُسُلَهُ ﴾ .
وقَدْ سَبَقَ مَعْنى التَّدْمِيرِ [الأعْرافِ: ١٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأصْحابَ الرَّسِّ ﴾ في الرَّسِّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها بِئْرٌ كانَتْ تُسَمّى الرَّسَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ العَوْفِيِّ.
وَقالَ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ: هي بِئْرٌ بِأذْرَبِيجانَ.
وزَعَمَ ابْنُ السّائِبِ أنَّها بِئْرٌ دُونَ اليَمامَةِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: بِئْرٌ بِأنْطاكِيَّةَ.
والثّانِي: أنَّ الرَّسَّ قَرْيَةٌ مِن قُرى اليَمامَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها المَعْدِنُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَفِي تَسْمِيَتِها بِالرَّسِّ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم رُسُّوا نَبِيَّهم في البِئْرِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ: رُسُوهُ، أيْ: دَسُّوهُ فِيها.
والثّانِي: أنَّ كُلَّ رَكِيَّةٍ لَمْ تُطْوَ فَهي رَسٌّ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
واخْتَلَفُوا في أصْحابِ الرَّسِّ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ كانُوا يَعْبُدُونَ شَجَرَةً، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ نَبِيًّا مِن ولَدِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ، فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا وألْقَوْهُ فِيها، فَهَلَكُوا، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ كانَ لَهم نَبِيٌّ يُقالُ لَهُ: حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوانَ، فَقَتَلُوا نَبِيَّهم فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا أهْلَ بِئْرٍ يَنْزِلُونَ عَلَيْها، وكانَتْ لَهم مَواشٍ، وكانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا، فَتَمادَوْا في طُغْيانِهِمْ، فانْهارَتِ البِئْرُ، فَخُسِفَ بِهِمْ وبِمَنازِلِهِمْ، قالَهُ وهَبَّ بْن مُنَبِّه.
والرّابِعُ: أنَّهم الَّذِينَ قَتَلُوا حَبِيبًا النَّجّارَ، قَتَلُوهُ في بِئْرٍ لَهم، وهو الَّذِي قالَ: ﴿ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ ﴾ ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والخامِسُ: أنَّهم قَوْمٌ قَتَلُوا نَبِيَّهم وأكَلُوهُ وأوَّلُ مَن عَمِلَ السِّحْرَ نِساؤُهم، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُرُونًا ﴾ المَعْنى: وأهْلَكْنا قُرُونًا ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ﴾ أيْ: بَيْنَ عادٍ وأصْحابِ الرَّسِّ.
وقَدْ سَبَقَ بَيانُ القَرْنِ [الأنْعامِ: ٦] .
وفي هَذِهِ القَصَصِ تَهْدِيدٌ لِقُرَيْشٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ ﴾ أيْ: أعْذَرْنا إلَيْهِ بِالمَوْعِظَةِ وإقامَةِ الحُجَّةِ ﴿ وَكُلا تَبَّرْنا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: التَّتْبِيرُ: التَّدْمِيرُ، وكُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ وفَتَّتْتَهُ فَقَدْ تَبَّرْتَهُ، وكُسارَتُهُ: التِّبْرُ، ومِن هَذا قِيلَ لِمَكْسُورِ الزُّجاجِ: التِّبْرُ، وكَذَلِكَ تِبْرُ الذَّهَبِ.
<div class="verse-tafsir"