الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 3 آل عمران > الآية ١٥٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: "إذْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ﴾ وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى ضَمِّ التّاءِ، وكَسْرِ العَيْنِ، مِن قَوْلِهِ: "تُصْعِدُونَ" وهو مِنَ الإصْعادِ.
ورَوى أبانُ عَنْ ثَعْلَبٍ، عَنْ عاصِمٍ فَتْحَها، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وهو مِنَ الصُّعُودِ.
قالَ الفَرّاءُ: الإصْعادُ في ابْتِداءِ الأسْفارِ، والمَخارِجِ، تَقُولُ: أصْعَدْنا مِن بَغْدادَ إلى خُراسانَ، فَإذا صَعِدْتَ عَلى سُلَّمٍ أوْ دَرَجَةٍ، قُلْتَ: صَعِدْتُ، ولا تَقُولُ: أُصْعِدْتُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَنِ ابْتَدَأ مَسِيرًا مِن مَكانٍ، فَقَدْ أُصْعِدَ، فَأمّا الصُّعُودُ، فَهو مِن أسْفَلَ إلى فَوْقَ.
ومَن فَتَحَ التّاءَ والعَيْنَ، أرادَ الصُّعُودَ في الجَبَلِ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الآَيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ صُعُودُهم في الجَبَلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ الإبْعادُ في الهَزِيمَةِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، و"تَلْوُونَ" بِمَعْنى "تَعْرُجُونَ" .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى أحَدٍ ﴾ عامٌّ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ النَّبِيُّ قالَ: «والنَّبِيُّ يُنادِيهِمْ مِن خَلْفِهِمْ: "إلى عِبادِ اللَّهِ، أنا رَسُولُ اللَّهِ"» وقَرَأتْ عائِشَةُ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وحُمَيْدُ، عَلى أحَدٍ" بِضَمِّ الألِفِ والحاءِ، يَعْنُونَ الجَبَلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأثابَكُمْ ﴾ أيْ: جازاكم.
قالَ الفَرّاءُ الإثابَةُ هاهُنا بِمَعْنى عِقابٍ، ولَكِنَّهُ كَما قالَ الشّاعِرُ: أخافُ زِيادًا أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُ أداهِمَ سُودًا أوْ مُحَدْرَجَةً سُمْرًا المُحَدْرَجَةُ: السِّياطُ.
والسُّودُ فِيما يُقالُ: القُيُودُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَمًّا بِغَمٍّ ﴾ في هَذِهِ الباءِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى "مَعَ" .
والثّانِي: بِمَعْنى "بَعْدُ" .
والثّالِثُ: بِمَعْنى "عَلى"، فَعَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ الأقْوالِ يَتَعَلَّقُ الغَمّانِ بِالصَّحابَةِ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذَيْنَ الغَمَّيْنِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ ما أصابَهم مِنَ الهَزِيمَةِ والقَتْلِ.
والثّانِي: إشْرافُ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ بِخَيْلِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّ الأوَّلَ فِرارُهُمُ الأوَّلُ، والثّانِي: فِرارُهم حِينَ سَمِعُوا أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الأوَّلَ ما فاتَهم مِنَ الغَنِيمَةِ وأصابَهم مِنَ القَتْلِ والجِراحِ، والثّانِي: حِينَ سَمِعُوا أنَّ النَّبِيَّ قَدْ قُتِلَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: أنَّ الأوَّلَ ما فاتَهم مِنَ الغَنِيمَةِ، والفَتْحِ، والثّانِي: إشْرافُ أبِي سُفْيانَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والخامِسُ: أنَ الأوَّلَ إشْرافُ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ عَلَيْهِمْ، والثّانِي: إشْرافُ أبِي سُفْيانَ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ الباءَ بِمَعْنى الجَزاءِ، فَتَقْدِيرُهُ: غَمَّكم كَما غَمَمْتُمْ غَيْرَكم، فَيَكُونُ أحَدُ الغَمَّيْنِ لِلصَّحابَةِ، وهو أحَدُ غُمُومِهِمُ الَّتِي ذَكَرْناها عَنِ المُفَسِّرِينَ، ويَكُونُ الغَمُّ الَّذِي جُوزُوا لِأجْلِهِ لِغَيْرِهِمْ.
وفي المُرادِ بِغَيْرِهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ غَمُّوهم يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ النَّبِيُّ غَمُّوهُ حَيْثُ خالَفُوهُ، فَجُوزُوا عَلى ذَلِكَ، بِأنَّ غُمُّو بِما أصابَهم، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكَيْلا تَحْزَنُوا ﴾ في "لا" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها باقِيَةٌ عَلى أصْلِها، ومَعْناها النَّفْيُ، فَعَلى هَذا في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: فَأثابَكم غَمًّا أنْساكُمُ الحُزْنَ عَلى ما فاتَكم وما أصابَكم، وقَدْ رُوِيَ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا أنَّ النَّبِيَّ قَدْ قُتِلَ، نَسُوا ما أصابَهم وما فاتَهم.
والثّانِي: أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ﴾ فَمَعْنى الكَلامِ: عَفا عَنْكم، لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم وأصابَكم، لِأنَّ عَفْوَهُ يُذْهِبُ كُلَّ غَمٍّ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها صِلَةٌ، ومَعْنى الكَلامِ: لِكَيْ تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم وأصابَكم عُقُوبَةً لَكم في خِلافِكم.
ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ أيْ: لِيَعْلَمَ.
هَذا قَوْلُ المُفَضَّلِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والَّذِي فاتَهُمُ: الغَنِيمَةُ، والَّذِي أصابَهُمُ: القَتْلُ والهَزِيمَةُ.
<div class="verse-tafsir"