تفسير سورة آل عمران الآية ١٦١ عند زاد المسير

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 3 آل عمران > الآية ١٦١

وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ١٦١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ قَطِيفَةً مِنَ المَغْنَمِ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ ناسٌ: لَعَلَّ النَّبِيَّ  أخَذَها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ رَجُلًا غَلَّ مِن غَنائِمِ هَوازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ قَوْمًا مِن أشْرافِ النّاسِ طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ  أنْ يَخُصَّهم بِشَيْءٍ مِنَ الغَنائِمِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ  بَعَثَ طَلائِعًا، فَغَنِمَ النَّبِيُّ  غَنِيمَةً، ولَمْ يُقَسِّمْ لِلطَّلائِعِ، فَقالُوا: قَسَمَ الفَيْءَ ولَمْ يَقْسِمْ لَنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أنَّ قَوْمًا غَلُّوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والسّادِسُ: أنَّها «نَزَلَتْ في الَّذِينَ تَرَكُوا مَرْكَزَهم يَوْمَ أُحُدٍ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ، وقالُوا: نَخافُ أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ  : "مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ" فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ  : "ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم ألّا تَبْرَحُوا؟!

أظْنَنْتُمْ أنّا نَغُلُّ؟!" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والسّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في غُلُولِ الوَحْيِ، قالَهُ القُرَظِيُّ، وابْنُ إسْحاقَ.

وَذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهم كانُوا يُكْرَهُونَ ما في القُرْآَنِ مِن عَيْبِ دِينِهِمْ وآَلِهَتِهِمْ، فَسَألُوهُ أنْ يَطْوِيَ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في "يَغُلَّ" فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ، ومَعْناها: يَخُونُ.

وفي هَذِهِ الخِيانَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: خِيانَةُ المالِ عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: خِيانَةُ الوَحْيِ عَلى قَوْلِ القُرَظِيِّ، وابْنِ إسْحاقَ.

وقَرَأ الباقُونَ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ، ولَها وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى يُخانُ، [وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُلْفى خائِنًا، يُقالُ: أغْلَلْتُ فُلانًا، أيْ: وجَدْتُهُ غالًّا، كَما يُقالُ: أحْمَقْتُهُ: وجَدْتُهُ أحْمَقَ، وأحْمَدْتُهُ: وجَدْتُهُ مَحْمُودًا ] قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: يَخُونُ، قالَهُ الفَرّاءُ، وأجازَهُ الزَّجّاجُ، ورَدَّهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: لَوْ أرادَ، يَخُونُ لَقالَ: يَغْلُلْ كَما يُقالُ: يَفْسُقُ، ويَخُونُ، ويَفْجُرُ.

وَقِيلَ: "اللّامُ" في قَوْلِهِ "لِنَبِيٍّ" مَنقُولَةٌ، ومَعْنى الآَيَةِ: وما كانَ النَّبِيُّ لِيَغُلَّ، ومِثْلُهُ: ﴿ ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ  ﴾ ، أيْ: ما كانَ اللَّهُ لِيَتَّخِذَ ولَدًا.

وَهَذِهِ الآَيَةُ مِنَ ألْطَفِ التَّعْرِيضِ، إذْ قَدْ ثَبَتَتْ بَراءَةُ ساحَةِ النَّبِيِّ  ، مِنَ الغُلُولِ فَدَلَّ عَلى أنَّ الغُلُولَ في غَيْرِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿ وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ  ﴾ وقَدْ ذُكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوُ هَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ الغُلُولُ: أخْذُ شَيْءٍ مِنَ المَغْنَمِ خِفْيَةً، ومِنهُ الغِلالَةُ، وهي ثَوْبٌ يُلْبَسُ تَحْتَ الثِّيابِ، والغَلَلُ: وهو الماءُ الَّذِي يَجْرِي بَيْنَ الشَّجَرِ، والغِلُّ: وهو الحِقْدُ الكامِنُ في الصَّدْرِ، وأصْلُ البابِ الِاخْتِفاءُ.

وفي إتْيانِهِ بِما غَلَّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ يَأْتِي بِما غَلَّهُ، يَحْمِلُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ  يَوْمًا فَذَكَرَ الغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ، وعَظَّمَ أمْرَهُ، ثُمَّ قالَ: "لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغاءٌ، يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ فُرْسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أُمَلِّكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ شاةٌ لَها ثُغاءٌ، يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ.

لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَها صِياحٌ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ.

لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ رِقاعٌ تَخْفُقُ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ.

لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ صامِتٌ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ" .» الرُّغاءُ: صَوْتُ البَعِيرِ، والثُّغاءُ: صَوْتُ الشّاةِ، والنَّفْسُ: ما يُغَلُّ مِنَ السَّبْيِ، والرِّقاعُ: الثِّيابُ والصّامِتُ: المالُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ يَأْتِي حامِلًا إثْمَ ما غَلَّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يَرُدُّ عِوَضَ ما غَلَّ مِن حَسَناتِهِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ لِمَكانِ الأثَرِ الصَّحِيحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ﴾ أيْ: تُعْطى جَزاءَ ما كَسَبَتْ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله