الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 35 فاطر > الآيات ٣٢-٣٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴾ في " ثُمَّ " وجْهانِ؛ أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى الواوِ، والثّانِي: أنَّها لِلتَّرْتِيبِ.
والمَعْنى: أنْزَلْنا الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ، ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴿ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ وأتْباعُهُمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي الكِتابِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ والمُرادُ بِهِ الكُتُبُ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا يُخَرَّجُ عَلى القَوْلَيْنِ.
فَإنْ قُلْنا: الَّذِينَ اصْطُفُوا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، فَقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ أوْرَثَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ كُلَّ كِتابٍ أنْزَلَهُ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: ومَعْنى ذَلِكَ: أوْرَثَهُمُ الإيمانَ بِالكُتُبِ كُلِّها- وجَمِيعُ الكُتُبِ تَأْمُرُ بِاتِّباعِ القُرْآنِ- فَهم مُؤْمِنُونَ بِها عامِلُونَ بِمُقْتَضاها؛ واسْتَدَلَّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ: ﴿ والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ ﴾ وأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴾ فَعَلِمْنا أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، إذْ كانَ مَعْنى المِيراثِ: انْتِقالَ شَيْءٍ مِن قَوْمٍ، إلى قَوْمٍ ولَمْ تَكُنْ أُمَّةٌ عَلى عَهْدِ نَبِيِّنا انْتَقَلَ إلَيْهِمْ كِتابٌ مِن قَوْمٍ كانُوا قَبْلَهم غَيْرُ أُمَّتِهِ.
فَإنْ قُلْنا: هُمُ الأنْبِياءُ وأتْباعُهُمْ، كانَ المَعْنى: أوْرَثْنا كُلَّ كِتابٍ أُنْزِلَ عَلى نَبِيٍّ ذَلِكَ النَّبِيَّ وأتْباعَهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ القُرْآنُ.
وَفِي مَعْنى ﴿ أوْرَثْنا ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أعْطَيْنا، لِأنَّ المِيراثَ عَطاءٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أخَّرْنا، ومِنهُ المِيراثُ، لِأنَّهُ تَأخَّرَ عَنِ المَيِّتِ فالمَعْنى: أخَّرْنا القُرْآنَ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ وأعْطَيْناهُ هَذِهِ الأُمَّةَ، إكْرامًا لَها، ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ صاحِبُ الصَّغائِرِ؛ رَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " سابِقُنا سابِقٌ، ومُقْتَصِدُنا ناجٍ، وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ» " .
ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: " كُلُّهم في الجَنَّةِ "» .
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي ماتَ عَلى كَبِيرَةٍ ولَمْ يَتُبْ مِنها، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الكافِرُ، رَواهُ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ رَواهُ ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ .
فَعَلى هَذا يَكُونُ الِاصْطِفاءُ لِجُمْلَةِ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ الكِتابُ، كَما قالَ: ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ ﴾ أيْ: لَشَرَفٌ لَكُمْ، وكَمْ مِن مُكْرَمٍ لَمْ يَقْبَلِ الكَرامَةَ!
والرّابِعُ: أنَّهُ المُنافِقُ: حُكِيَ عَنِ الحَسَنِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الظّالِمُ: الَّذِي تَرْجَحُ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ، والمُقْتَصِدُ: الَّذِي قَدِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ، والسّابِقُ: مَن رَجَحَتْ حَسَناتُهُ.
ورُوِيَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: سابِقُنا أهْلُ جِهادِنا، ومُقْتَصِدُنا أهْلُ حَضَرِنا، وظالِمُنا أهْلَ بَدْوِنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم سابِقٌ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " سَبّاقٌ " مِثْلُ: فَعّالٍ ﴿ بِالخَيْراتِ ﴾ أيْ: بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ إلى الجَنَّةِ، أوْ إلى الرَّحْمَةِ ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ أيْ: بِإرادَتِهِ وأمْرِهِ ﴿ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ يَعْنِي إيراثَهُمُ الكِتابَ.
ثُمَّ أخْبَرَ بِثَوابِهِمْ، فَجَمَعَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ فَقالَ: ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: " يُدْخَلُونَها " بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتَحَها الباقُونَ وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: (وَلُؤْلُؤًا) بِالنَّصْبِ.
ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ كانَ يَهْمِزُ الواوَ الثّانِيَةَ ولا يَهْمِزُ الأُولى؛ وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهُ كانَ يَهْمِزُ الأُولى ولا يَهْمِزُ الثّانِيَةَ.
والآيَةُ مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ (الحَجِّ: ٢٣) .
قالَ كَعْبٌ: تَحاكَّتْ مَناكِبُهم ورَبِّ الكَعْبَةِ، ثُمَّ أُعْطُوا الفَضْلَ بِأعْمالِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"