الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 36 يس > الآيات ٧١-٧٦
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةثُمَّ ذَكَّرَهم قُدْرَتَهُ فَقالَ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مِمّا عَمِلْناهُ بِقَوَّتِنا وقُدْرَتِنا، وفي اليَدِ القُدْرَةُ والقُوَّةُ عَلى العَمَلِ، فَتُسْتَعارُ اليَدُ فَتُوضَعُ مَوْضِعَها، هَذا مَجازٌ لِلْعَرَبِ يَحْتَمِلُهُ هَذا الحَرْفُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِما أرادَ.
وقالَ غَيْرُهُ: ذِكْرُ الأيْدِي ها هُنا يَدُلُّ عَلى انْفِرادِهِ بِما خَلَقَ، والمَعْنى: لَمْ يُشارِكْنا أحَدٌ في إنْشائِنا؛ والواحِدُ مِنّا إذا قالَ: عَمِلَتُ هَذا بِيَدِي، دَلَّ ذَلِكَ عَلى انْفِرادِهِ بِعَمَلِهِ.
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: مَعْنى الآَيَةِ: مِمّا أوْجَدْناهُ بِقُدْرَتِنا وقُوَّتِنا؛ وهَذا إجْماعٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ هاهُنا إلّا ما ذَكَرْنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم لَها مالِكُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ضابِطُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومِثْلُهُ في الشِّعْرِ: أصْبَحَتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا أيْ: لا أضْبِطُ رَأْسَ البَعِيرِ.
والثّانِي: قادِرُونَ عَلَيْها بِالتَّسْخِيرِ لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَلَّلْناها لَهُمْ ﴾ أيْ: سَخَّرْناها، فَهي ذَلِيلَةٌ لَهم ﴿ فَمِنها رَكُوبُهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الرُّكُوبُ: ما يَرْكَبُونَ، والحَلُوبُ: ما يَحْلِبُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: ولَوْ قَرَأ قارِئٌ: "فَمِنها رُكُوبُهُمْ"، كانَ وجْهًا، كَما تَقُولُ: مِنها أُكُلُهم وشُرْبُهم ورُكُوبُهم.
وقَدْ قَرَأ بِضَمِّ الرّاءِ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةَ، والأعْمَشُ، وابْنُ يَعْمُرَ في آَخَرِينَ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ: "رَكُوبَتَهُمْ" بِفَتْحِ الرّاءِ والباءِ وزِيادَةِ تاءٍ مَرْفُوعَةٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: يَرْكَبُونَ مِنَ الأنْعامِ الإبِلَ، ويَأْكُلُونَ الغَنَمَ، ﴿ وَلَهم فِيها مَنافِعُ ﴾ مِنَ الأصْوافِ والأوْبارِ والأشْعارِ والنَّسْلِ ﴿ وَمَشارِبُ ﴾ \[مِن\] ألْبانِها، ﴿ أفَلا يَشْكُرُونَ ﴾ رَبُّ هَذِهِ النِّعَمِ فَيُوَحِّدُونَهُ؟!
.
ثُمَّ ذَكَرَ جَهْلَهم فَقالَ: ﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ ﴾ أيْ: لِتَمْنَعَهم مِن عَذابِ اللَّهِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ ﴾ أيْ: لا تَقْدِرُ الأصْنامُ عَلى مَنعِهِمْ مِن أمْرٍ أرادَهُ اللَّهُ بِهِمْ ﴿ وَهُمْ ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ ﴿ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ ﴿ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: جُنْدٌ في الدُّنْيا مُحْضَرُونَ في النّارِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: مُحْضَرُونَ عِنْدَ الحِسابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: المُشْرِكُونَ جُنْدٌ لِلْأصْنامِ، يَغْضَبُونَ لَها في الدُّنْيا، وهي لا تَسُوقُ إلَيْهِمْ خَيْرًا ولا تَدْفَعُ عَنْهم شَرًّا، قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: الكُفّارُ يَغْضَبُونَ لِلْآَلِهَةِ ويَحْضُرُونَها في الدُّنْيا.
وقالَ الزَّجّاجُ: هم لِلْأصْنامِ يَنْتَصِرُونَ، وهي لا تَسْتَطِيعُ نَصْرَهم.
والرّابِعُ: هم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ عِنْدَ الأصْنامِ يَعْبُدُونَها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ﴾ يَعْنِي قَوْلُ كُفّارِ مَكَّةَ في تَكْذِيبِكَ ﴿ إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ ﴾ في ضَمائِرِهِمْ مِن تَكْذِيبِكَ ﴿ وَما يُعْلِنُونَ ﴾ بِألْسِنَتِهِمْ مِن ذَلِكَ؛ والمَعْنى: إنّا نُثِيبُكَ ونُجازِيهِمْ.
<div class="verse-tafsir"