تفسير سورة ص الآيات ١-٣ عند زاد المسير

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 38 ص > الآيات ١-٣

صٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ ١ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى عِزَّةٍۢ وَشِقَاقٍۢ ٢ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ فَنَادَوا۟ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍۢ ٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

سُورَةُ صَ وَيُقالُ لَها: سُورَةُ داوُدَ، وهي مَكِّيَّةٌ [كُلُّها] بِإجْماعِهِمْ فَأمّا سَبَبُ نُزُولِ أوَّلِها، فَرَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ قُرَيْشًا شَكَوا رَسُولَ اللَّهِ  إلى أبِي طالِبٍ، فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، ما تُرِيدُ مِن قَوْمِكَ؟

فَقالَ: "يا عَمِّ، إنَّما أُرِيدُ مِنهم كَلِمَةً تَذِلُّ لَهم بِها العَرَبُ وتُؤَدِّي إلَيْهِمُ الجِزْيَةَ بِها العَجَمُ"، قالَ: كَلِمَةٌ؟

قالَ: "كَلِمَةٌ واحِدَةٌ"، قالَ: ما هِيَ؟

قالَ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، فَقالُوا: أجْعَلَ الآَلِهَةَ إلَهًا واحِدًا؟!

فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ ص والقُرْآنِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنْ هَذا إلا اخْتِلاقٌ ﴾ » .

واخْتَلَفُوا في مَعْنى "صَ" عَلى سَبْعَةِ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى: صَدَقَ مُحَمَّدٌ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: صَدَقَ اللَّهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ: صادِقٌ فِيما وعَدَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: الصّادِقُ اللَّهُ تَعالى.

والرّابِعُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآَنِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّهُ اسْمُ حَيَّةٍ رَأْسُها تَحْتَ العَرْشِ وذَنَبُها تَحْتَ الأرْضِ السُّفْلى، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وقالَ: أظُنُّهُ عَنْ عِكْرِمَةَ.

والسّادِسُ: أنَّهُ بِمَعْنى: حادِثِ القُرْآَنِ، أيِ: انْظُرْ فِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وهَذا عَلى قِراءَةِ مَن كَسَرُوا، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، [والحَسَنُ]، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَيَكُونُ المَعْنى: صادِ بِعَمَلِكَ القُرْآَنُ، أيْ: عارَضَهُ.

وقِيلَ: اعْرِضْهُ عَلى عَمَلِكَ، فانْظُرْ أيْنَ هو [مِنهُ] .

والسّابِعُ: أنَّهُ بِمَعْنى: صادَ مُحَمَّدٌ قُلُوبَ الخَلْقِ واسْتَمالَها حَتّى آَمَنُوا بِهِ وأحَبُّوهُ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ، وهَذا عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ، وهي قِراءَةُ أبِي رَجاءٍ، وأبِي الجَوْزاءِ، وَحَمِيدٍ، ومَحْبُوبٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو.

قالَ الزَّجّاجُ: والقِراءَةُ "صادْ" بِتَسْكِينِ الدّالِّ، لِأنَّها مِن حُرُوفِ التَّهَجِّي.

وقَدْ قُرِئَتْ بِالفَتْحِ وبِالكَسْرِ؛ فَمَن فَتَحَها، فَعَلى ضَرْبَيْنِ.

أحَدُهُما: لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.

والثّانِي: عَلى مَعْنى: أُتْلُ "صادْ"، ويَكُونُ [صادْ] اسْمًا لِلسُّورَةِ يَنْصَرِفُ؛ ومَن كَسَرَ، فَعَلى ضَرْبَيْنِ.

أحَدُهُما: لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ أيْضًا.

والثّانِي: عَلى مَعْنى: صادِ القُرْآَنُ بِعَمَلِكَ، مِن قَوْلِكَ: صادى يُصادِي: إذا قابَلَ وعادَلَ، يُقالُ: صادَيْتُهُ: إذا قابَلَتْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذِي الذِّكْرِ ﴾ في المُرادِ بِالذِّكْرِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الشَّرَفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: البَيانُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: التَّذْكِيرُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

فَإنْ قِيلَ: أيْنَ جَوابُ القَسَمِ بِقَوْلِهِ: "صَ والقُرْآَنِ ذِي الذَّكَرِ"؟

فَعَنْهُ خَمْسَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنْ "صَ" جَوابٌ لِقَوْلِهِ: "والقُرْآَنِ"، فَـ "صَ" في مَعْناها، كَقَوْلِكَ: وجَبَ واللَّهِ، نَزَلَ واللَّهِ، حُقٌّ واللَّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وثَعْلَبُ.

والثّانِي: أنَّ جَوابَ "صَ" قَوْلُهُ: "كَمْ أهْلَكْنا مَن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ"، ومَعْناهُ: لَكُمْ، فَلَمّا طالَ الكَلامُ، حُذِفَتِ اللّامُ، ومِثْلُهُ، ﴿ والشَّمْسِ وضُحاها ﴾ ﴿ قَدْ أفْلَحَ  ﴾ ، فَإنَّ المَعْنى: لَقَدْ أفْلَحَ، غَيْرَ أنَّهُ لَمّا اعْتَرَضَ بَيْنَهُما كَلامٌ، تَبِعَهُ قَوْلُهُ: "قَدْ أفْلَحَ"، حَكاهُ الفَرّاءُ، وثَعْلَبٌ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُهُ: "إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ" [ص: ١٤]، حَكاهُ الأخْفَشُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ  ﴾ ، قالَهُ الكِسائِيُّ، وقالَ الفَرّاءُ: لا نَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا في العَرَبِيَّةِ، لِتَأخُّرِهِ جِدًّا عَنْ قَوْلِهِ: "والقُرْآَنُ" .

والخامِسُ: أنَّ جَوابَهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: والقُرْآَنُ ذِي الذِّكْرِ ما الأمْرُ كَما يَقُولُ الكُفّارُ، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ ﴾ ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ قَتادَةُ.

والعِزَّةُ: الحَمِيَّةُ والتَّكَبُّرُ عَنِ الحَقِّ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ العاصِ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "فِي غِرَّةٍ" بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وراءٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ.

والشِّقاقُ: الخِلافُ والعَداوَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ الكَلِمَتَيْنِ مَشْرُوحًا [البَقَرَةِ: ٢٠٦، ١٣٨] .

ثُمَّ خَوَّفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الخالِيَةَ ﴿ فَنادَوْا ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ الهَلاكِ بِهِمْ.

وفي هَذا النِّداءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الدُّعاءُ.

والثّانِي: الِاسْتِغاثَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلاتَ حِينَ مَناصٍ ﴾ وقَرَأ الضَّحّاكُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: "وَلاتَ حِينَ" بِفَتْحِ التّاءِ ورَفْعِ النُّونِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ حِينَ يَرَوْهُ فِرارٌ.

وقالَ عَطاءٌ: في لُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ "لاتَ" بِمَعْنى "لَيْسَ" .

وقالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هي بِالسُّرْيانِيَّةِ.

وقالَ الفَرّاءُ: "لاتَ" بِمَعْنى "لَيْسَ"، والمَعْنى: لَيْسَ بِحِينِ فِرارٍ.

ومِنَ القُرّاءِ مَن يَخْفِضُ "لاتَ"، والوَجْهُ النَّصْبُ، لِأنَّها في مَعْنى "لَيْسَ"، أنْشَدَنِي المُفَضَّلُ: تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلى لاتَ حِينًا وأضْحى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ والخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ التّاءَ في قَوْلِهِ: "وَلاتَ" مُنْقَطِعَةٌ مِن "حِينَ" قالَ: وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الوَقْفُ عِنْدِي عَلى هَذا الحَرْفِ "وَلا"، والِابْتِداءِ "تَحِينُ" لِثَلاثِ حُجَجٍ.

إحْداهُنَّ: أنَّ تَفْسِيرَ ابْنِ عَبّاسٍ يَشْهَدُ لَها، لِأنَّهُ قالَ: لَيْسَ حِينَ يَرَوْهُ فِرارٌ؛ فَقَدْ عَلِمَ أنْ "لَيْسَ" هي أُخْتُ "لا" وفي مَعْناها.

والحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنّا لا نَجْدُ في شَيْءٍ مِن كَلامِ العَرَبِ "وَلاتَ"، إنَّما المَعْرُوفَةُ "لا" .

والحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ هَذِهِ التّاءَ، إنَّما وجَدْناها تَلْحَقُ مَعَ "حِينَ" ومَعَ "الآَنِ" ومَعَ الـ "أوانِ"، فَيَقُولُونَ: كانَ هَذا تَحِينَ كانَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ: "تَأوانَ"، ويُقالُ: اذْهَبْ تَلانَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ: العاطِفُونَ تَحِينُ ما مِن عاطِفٍ ∗∗∗ والمُطْعِمُونَ زَمانَ ما مِن مُطْعِمِ وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ أنَّ مَعْنى هَذا البَيْتِ: "العاطِفُونَهُ" بِالهاءِ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ: "حِينَ ما مِن عاطِفٍ"؛ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّ الهاءَ إنَّما تُقْحَمُ عَلى النُّونِ في مَواضِعِ القَطْعِ والسُّكُونِ، فَأمّا مَعَ الِاتِّصالِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيَّ: النَّحْوِيُّونَ يَقُولُونَ في قَوْلِهِ: "وَلاتَ" هي "لا" زِيدَتْ فِيها التّاءُ، كَما قالُوا: ثُمَّ وثَمَّتْ، ورُبَّ ورُبَّتْ، وأصْلُها هاءٌ وُصِلَتْ بِـ "لا"، فَقالُوا: "لاهٍ"، فَلَمّا وصَلُوها، جَعَلُوها تاءً؛ والوَقْفُ عَلَيْها بِالتّاءِ عِنْدَ الزَّجّاجِ، وأبِي عَلِيٍّ، وعِنْدَ الكِسائِيِّ بِالهاءِ، وعِنْدَ أبِي عُبَيْدٍ الوَقْفُ عَلى "لا" .

فَأمّا المَناصُ، فَهو الفِرارُ.

قالَ الفَرّاءُ: النَّوْصُ في كَلامِ العَرَبِ: التَّأخُّرُ، والبَوْصُ: التَّقَدُّمُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أمِن ذِكْرِ سَلْمى إذْ نَأتْكَ تَنُوصُ ∗∗∗ فَتَقْصُرُ عَنْها خُطْوَةً وتَبُوصُ وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَناصُ: مَصْدَرُ ناصَّ يَنُوصُ، وهو المَنجى والفَوْزُ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده