الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 38 ص > الآيات ٤-١١
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَجِبُوا ﴾ يَعْنِي الكُفّارُ ﴿ أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ يُنْذِرُهُمُ النّارَ.
﴿ أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا ﴾ لِأنَّهُ دَعاهم إلى اللَّهِ وحْدَهُ وأبْطَلَ عِبادَةَ آَلِهَتِهِمْ؛ وهَذا قَوْلُهم لَمّا اجْتَمَعُوا عِنْدَ أبِي طالِبٍ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ: "أتُعْطُونِي كَلِمَةً تَمْلِكُونَ بِها العَرَبَ وتَدِينُ لَكم بِها العَجَمُ، وهي "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، فَقامُوا يَقُولُونَ: "أجَعَلَ الآَلِهَةَ إلَهًا واحِدًا"، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ فِيهِمْ.
﴿ إنَّ هَذا ﴾ \[الَّذِي\] يَقُولُ مُحَمَّدٌ مِن أنَّ الآَلِهَةَ إلَهًا واحِدًا ﴿ لَشَيْءٌ عُجابٌ ﴾ أيْ: لَأمْرٌ عَجَبٌ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو العالِيَةَ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "عُجّابٌ" بِتَشْدِيدِ الجِيمِ.
قالَ اللُّغَوِيُّونَ: العُجابُ والعُجابُ والعَجِيبُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَما تَقُولُ: كَبِيرٌ وكِبارٌ وكُبّارٌ، وكَرِيمٌ وكِرامٌ وكُرّامٌ، وطَوِيلٌ وطِوالٌ وطُوّالٌ؛ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: جاؤُوا بِصَيْدٍ عَجَبٍ مِنَ العَجَبِ أُزَيْرِقِ العَيْنَيْنِ طُوّالِ الذَّنْبِ قالَ قَتادَةُ: عَجِبَ المُشْرِكُونَ أنْ دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ، وقالُوا: أيَسْمَعُ لِحاجَتِنا جَمِيعًا إلَهٌ واحِدٌ؟!
وَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا اجْتَمَعَ أشْرافُ قُرَيْشٍ عِنْدَ أبِي طالِبٍ وشَكَوا إلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ عَلى ما سَبَقَ بَيانُهُ، نَفَرُوا مِن قَوْلِ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، وخَرَجُوا مِن عِنْدِ أبِي طالِبٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ "وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهُمْ" .
﴾ الِانْطِلاقُ: الذَّهابُ بِسُهُولَةٍ، ومِنهُ طَلاقَةُ الوَجْهِ.
والمَلَأُ: أشْرافُ قُرَيْشٍ.
فَخَرَجُوا يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ امْشُوا ﴾ .
و " أنْ " بِمَعْنى "أيْ"؛ فالمَعْنى: أيِ: امْشُوا.
قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: انْطَلِقُوا بِأنِ امْشُوا، أيِ: انْطَلِقُوا بِهَذا القَوْلِ.
وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: انْطَلِقُوا يَقُولُونَ: امْشُوا إلى أبِي طالِبٍ فاشْكُوا إلَيْهِ ابْنَ أخِيهِ، ﴿ واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ ﴾ أيِ: اثْبُتُوا عَلى عِبادَتِها ﴿ إنَّ هَذا ﴾ الَّذِي نَراهُ مِن زِيادَةِ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﴿ لَشَيْءٌ يُرادُ ﴾ أيْ: لَأمْرٌ يُرادُ بِنا.
﴿ ما سَمِعْنا بِهَذا ﴾ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ ﴿ فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: النَّصْرانِيَّةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ بْنُ المُهاجِرِ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّها مِلَّةُ قُرَيْشٍ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ؛ والمَعْنى أنَّ اليَهُودَ أشْرَكَتْ بِعُزَيْرٍ، والنَّصارى قالَتْ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، فَلِهَذا أنْكَرَتِ التَّوْحِيدَ.
﴿ إنْ هَذا ﴾ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﴿ إلا اخْتِلاقٌ ﴾ أيْ: كَذِبَ.
﴿ أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ﴾ يَعْنُونَ القُرْآَنَ.
"عَلَيْهِ" يَعْنُونَ رَسُولَ اللَّهِ ، ﴿ مِن بَيْنِنا ﴾ أيْ: كَيْفَ خُصَّ بِهَذا دُونَنا ولَيْسَ بِأعْلانا نَسَبًا ولا أعْظَمَنا شَرَفًا؟!
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآَنِ؛ والمَعْنى أنَّهم لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ مِمّا يَقُولُونَ، إنَّما هم شاكُّونَ ﴿ بَلْ لَمّا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: "لَمًّا" بِمَعْنى "لَمْ" كَقَوْلِهِ: ﴿ وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ ﴾ .
وقالَ غَيْرُهُ: هَذا تَهْدِيدٌ لَهُمْ؛ والمَعْنى أنَّهُ لَوْ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ، عَلِمُوا أنَّ ما قالَهُ مُحَمَّدٌ حَقٌّ.
وأثْبَتَ ياءَ " عَذابِي " في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ.
قالَ الزَّجّاجُ: ولَمّا دَلَّ قَوْلُهُمْ: ﴿ أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ﴾ عَلى حَسَدِهِمْ لَهُ، أعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ المُلْكَ والرِّسالَةَ إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴾ ؟!
قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآَيَةِ: أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ النُّبُوَّةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاؤُوا؟!
والمَعْنى: لَيْسَتْ بِأيْدِيهِمْ، ولا مُلْكُ السَّمَواتِ والأرْضِ لَهُمْ، فَإنِ ادَّعَوْا شَيْئًا مِن ذَلِكَ ﴿ فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أيْ في أبْوابِ السَّماءِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: فَلْيَصْعَدُوا في الأسْبابِ الَّتِي تُوَصِّلُهم إلى السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جُنْدٌ ﴾ أيْ: هم جُنْدٌ.
والجُنْدُ: الأتْباعُ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: هم أتْباعٌ مُقَلِّدُونَ لَيْسَ فِيهِمْ عالِمٌ راشِدٌ.
و ﴿ ما ﴾ زائِدَةٌ، و ﴿ هُنالِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى بَدْرٍ.
والأحْزابُ: جَمِيعُ مَن تَقَدَّمَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الأنْبِياءِ.
قالَ قَتادَةُ: أخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وهو بِمَكَّةَ أنَّهُ سَيَهْزِمُ جُنْدَ المُشْرِكِينَ، فَجاءَ تَأْوِيلُها يَوْمَ بَدْرٍ.
<div class="verse-tafsir"