الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 49 الحجرات > الآيات ١٤-١٨
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أعْرابِ بَنِي أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ.
ووَصَفَ غَيْرُهُ حالَهُمْ، فَقالَ: قَدِمُوا المَدِينَةَ في سَنَةٍ مُجْدِبَةٍ، فَأظْهَرُوا الإسْلامَ ولَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وأفْسَدُوا طُرُقَ المَدِينَةِ بِالعُذُراتِ، وأغْلَوا أسْعارَهُمْ، وكانُوا يَمُنُّونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَيَقُولُونَ: أتَيْناكَ بِالأثْقالِ والعِيالِ، ولَمْ نُقاتِلْكَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في أعْرابِ مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ وأسْلَمَ وأشْجَعَ وغِفارٍ [وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ [الفَتْحِ] وكانُوا يَقُولُونَ: آمَنّا بِاللَّهِ، لِيَأْمَنُوا عَلى أنْفُسِهِمْ]، فَلَمّا اسْتُنْفِرُوا إلى الحُدَيْبِيَةِ تَخَلَّفُوا، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانَتْ مَنازِلُهم بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، فَكانُوا إذا مَرَّتْ بِهِمْ سَرِيَّةٌ مِن سَرايا رَسُولِ اللَّهِ قالُوا: آمَنّا، لِيَأْمَنُوا عَلى دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَلَمّا سارَ رَسُولُ اللَّهِ إلى الحُدَيْبِيَةِ اسْتَنْفَرَهم فَلَمْ يَنْفِرُوا مَعَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا ﴿ وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيِ: اسْتَسْلَمْنا مِن خَوْفِ السَّيْفِ، وانْقَدْنا.
قالَ الزَّجّاجُ: الإسْلامُ: إظْهارُ الخُضُوعِ والقَبُولِ لِما أتى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ، وبِذَلِكَ يُحْقَنُ الدَّمُ، فَإنْ كانَ مَعَهُ اعْتِقادٌ وتَصْدِيقٌ بِالقَلْبِ، فَذَلِكَ الإيمانُ، فَأخْرَجَ اللَّهُ هَؤُلاءِ مِنَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ ﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا، إنَّما أسْلَمْتُمْ تَعَوُّذًا مِنَ القَتْلِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: "وَلَمّا" بِمَعْنى "وَلَمْ" يَدْخُلِ التَّصْدِيقُ في قُلُوبِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ تُخْلِصُوا الإيمانَ ﴿ لا يَلِتْكُمْ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَأْلِتْكُمْ" بِألِفٍ وهَمْزٍ؛ ورُوِيَ عَنْهُ بِألِفٍ ساكِنَةٍ مَعَ تَرْكِ الهَمْزَةِ: وقَرَأ الباقُونَ: "يَلِتْكُمْ" بِغَيْرِ ألِفٍ ولا هَمْزٍ.
فَقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو مِن ألَتَ يَأْلِتُ، وقِراءَةُ الباقِينَ مِن لاتَ يَلِيتُ، قالَ الفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ، قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُما واحِدٌ.
والمَعْنى: لا يَنْقُصُكم.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فِيها ثَلاثُ لُغاتٍ: ألَتَ يَأْلِتُ، تَقْدِيرُها: أفَكَ يَأْفِكُ، وألاتَ يُلِيتُ، تَقْدِيرُها: أقالَ يُقِيلُ، ولاتَ يَلِيتُ، قالَ رُؤْبَةُ: ولَيْلَةٍ ذاتِ نَدًى سَرَيْتُ ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُراها لَيْتُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أعْمالِكُمْ ﴾ أيْ: مِن ثَوابِها.
ثُمَّ نَعَتَ الصّادِقِينَ في إيمانِهِمْ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ.
ومَعْنى: ﴿ يَرْتابُوا ﴾ يَشُكُّوا.
وإنَّما ذُكِرَ الجِهادُ، لِأنَّ الجِهادَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ كانَ فَرْضًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ ﴾ \[فِي إيمانِهِمْ فَلَمّا نَزَلَتْ هاتانِ الآيَتانِ أتَوا رَسُولَ اللَّهِ يَحْلِفُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ صادِقُونَ\] فَنَزَلَتْ [هَذِهِ الآيَةُ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ ﴾ و "عَلَّمَ" بِمَعْنى "أعْلَمَ"، ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الباءُ في قَوْلِهِ: "بِدِينِكُمْ" والمَعْنى: أتُخَبِّرُونَ [اللَّهَ] بِالدِّينِ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ؟!، أيْ: هو عالِمٌ بِذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلى إخْبارِكُمْ؛ وفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا ﴾ قالُوا: أسْلَمْنا ولَمْ نُقاتِلْكَ [واللَّهُ أعْلَمُ] .