الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 6 الأنعام > الآية ١١٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا ﴾ أيْ: وكَما جَعَلْنا لَكَ ولِأُمَّتِكَ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ أعْداءً، كَذَلِكَ جَعَلْنا لِمَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ؛ والمَعْنى: كَما ابْتَلَيْناكَ بِالأعْداءِ، ابْتُلِينا مِن قَبْلِكَ، لَيَعْظُمَ الثَّوابُ عِنْدَ الصَّبْرِ عَلى الأذى.
قالَ الزَّجّاجُ: "وَعَدُوٌّ" في مَعْنى أعْداءَ "وَشَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ": مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِ مِن "عَدْوٍّ" ومُفَسَّرٌ لَهُ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: "عَدُوًّا" مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، المَعْنى: وكَذَلِكَ جَعَلْنا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ أعْداءً لَأُمَمِهِمْ.
وفي شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم مَرَدَةُ الإنْسِ والجِنِّ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّ شَياطِينَ الإنْسِ: الَّذِينَ مَعَ الإنْسِ وشَياطِينَ الجِنِّ: الَّذِينَ مَعَ الجِنِّ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ: كُفّارُهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: يُوحِي أصْلُ الوَحْيِ: الإعْلامُ والدَّلالَةُ بِسَتْرٍ وإخْفاءٍ.
وَفِي المُرادِ بِهِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: يَأْمُرُ.
والثّانِي: يُوَسْوِسُ.
والثّالِثُ: يُشِيرُ.
وَأمّا ﴿ زُخْرُفَ القَوْلِ ﴾ فَهو ما زُيِّنَ مِنهُ، وحَسُنَ، ومُوِّهَ، وأصْلُ الزُّخْرُفِ: الذَّهَبُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ حَسَّنْتَهُ وزَيَّنْتَهُ وهو باطِلٌ، فَهو زُخْرُفٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: "الزُّخْرُفُ" في اللُّغَةِ: الزِّينَةُ؛ فالمَعْنى: أنَّ بَعْضَهم يُزَيِّنُ لَبَعْضِ الأعْمالِ القَبِيحَةِ؛ "وَغُرُورًا" مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ وهَذا المَصْدَرُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى إيحاءِ الزُّخْرُفِ مِنَ القَوْلِ: مَعْنى الغُرُورِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يَغُرُّونَ غُرُورًا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا": الأمانِي بِالباطِلِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وكُلُّ إبْلِيسٍ بِالإنْسِ شَياطِينٌ يُضِلُّونَهم.، فَإذا التَقى شَيْطانُ الإنْسِ بِشَيْطانِ الجِنِّ، قالَ أحَدَهُما لَصاحِبِهِ: إنِّي أضْلَلْتُ صاحِبِي بِكَذا وكَذا، فَأضْلِلْ أنْتَ صاحِبَكَ بِكَذا وكَذا، فَذَلِكَ وحْيُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ.
وقالَ غَيْرُهُ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا أعْيا شَيْطانَهُ، ذَهَبَ إلى مُتَمَرِّدٍ مِنَ الإنْسِ، وهو شَيْطانُ الإنْسِ، فَأغْراهُ بِالمُؤْمِنِ لِيَفْتِنَهُ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ مِنَ الجِنِّ شَياطِينَ، وإنَّ مِنَ الإنْسِ شَياطِينَ.
وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: إنَّ شَيْطانَ الإنْسِ أشَدُّ عَلَيَّ مِن شَيْطانِ الجِنِّ، لَأنِّي إذا تَعَوَّذْتُ مِن ذاكَ ذَهَبَ عَنِّي، وهَذا يَجُرُّنِي إلى المَعاصِي عَيانًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الوَسْوَسَةِ.
والثّانِي: تَرْجِعُ إلى الكُفْرِ.
والثّالِثُ: إلى الغُرُورِ، وأذى النَّبِيِّينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يُرِيدُ كُفّارَ مَكَّةَ وما يَفْتَرُونَ مِنَ الكَذِبِ.
وقالَ غَيْرُهُ: فَذَرِ المُشْرِكِينَ وما يُخاصِمُونَكَ بِهِ مِمّا يُوحِي إلَيْهِمْ أوْلِياؤُهم، وما يَخْتَلِقُونَ مِن كَذِبٍ، وهَذا القَدْرُ مِن هَذِهِ الآَيَةِ مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.
<div class="verse-tafsir"