تفسير سورة التحريم الآيات ١-٥ عند زاد المسير

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 66 التحريم > الآيات ١-٥

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَٰجِكَ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ ۚ وَٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ٢ وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَٰجِهِۦ حَدِيثًۭا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِۦ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُۥ وَأَعْرَضَ عَنۢ بَعْضٍۢ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتْ مَنْ أَنۢبَأَكَ هَـٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِىَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ ٣ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَـٰهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوْلَىٰهُ وَجِبْرِيلُ وَصَـٰلِحُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ٤ عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًۭا مِّنكُنَّ مُسْلِمَـٰتٍۢ مُّؤْمِنَـٰتٍۢ قَـٰنِتَـٰتٍۢ تَـٰٓئِبَـٰتٍ عَـٰبِدَٰتٍۢ سَـٰٓئِحَـٰتٍۢ ثَيِّبَـٰتٍۢ وَأَبْكَارًۭا ٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 12 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

سُورَةُ التَّحْرِيمِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ حَفْصَةً ذَهَبَتْ إلى أبِيها تَتَحَدَّثُ عِنْدَهُ، فَأرْسَلَ النَّبِيُّ  إلى جارِيَتِهِ، فَظَلَّتْ مَعَهُ في بَيْتِ حَفْصَةَ، وكانَ اليَوْمَ [الَّذِي] يَأْتِي فِيهِ عائِشَةَ، فَرَجَعَتْ حَفْصَةُ، فَوَجَدَتْها في بَيْتِها، فَجَعَلَتْ تَنْتَظِرُ خُرُوجَها، وغارَتْ غَيْرَةً شَدِيدَةً.

فَلَمّا دَخَلَتْ حَفْصَةُ قالَتْ: قَدْ رَأيْتُ مَن كانَ عِنْدَكَ.

واللَّهِ لَقَدْ سُؤْتَنِي، فَقالَ النَّبِيُّ  : "واللَّهِ لَأُرْضِيَنَّكِ، وإنِّي مُسِرٌّ إلَيْكِ سِرًّا فاحْفَظِيهِ" قالَتْ: وما هُوَ؟

قالَ "إنِّي أُشْهِدُكِ أنَّ سُرِّيَّتِي هَذِهِ عَلَيَّ حَرامٌ رِضًى لَكِ"، وكانَتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ مُتَظاهِرَتَيْنِ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ  ، فانْطَلَقَتْ حَفْصَةُ إلى عائِشَةَ، فَقالَتْ لَها: أبْشِرِي، إنَّ النَّبِيَّ  قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ فَتاتَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمْرٍ نَحْوُ هَذا المَعْنى، وقالَ فِيهِ: «فَقالَتْ حَفْصَةُ: كَيْفَ تُحَرِّمُها عَلَيْكَ، وهي جارِيَتُكَ؟!

فَحَلَفَ لَها أنْ لا يَقْرَبَها، فَقالَ لَها: "لا تَذْكُرِيهِ لِأحَدٍ" فَذَكَرَتْهُ لِعائِشَةَ، فَآلى أنْ لا يَدْخُلَ عَلى نِسائِهِ شَهْرًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» وقالَ الضَّحّاكُ: «قالَ لَها: "لا تَذْكُرِي لِعائِشَةَ ما رَأيْتِ"، فَذَكَرَتْهُ، فَغَضِبَتْ عائِشَةُ، ولَمْ تَزَلْ بِنَبِيِّ اللَّهِ حَتّى حَلَفَ أنْ لا يَقْرَبَها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» وإلى هَذا المَعْنى: ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، ومَسْرُوقٌ، ومُقاتِلٌ، والأكْثَرُونَ.

والثّانِي: ما رَوى عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُحِبُّ الحَلْواءَ والعَسَلَ، وكانَ إذا انْصَرَفَ مِن صَلاةِ العَصْرِ دَخَلَ عَلى نِسائِهِ، فَدَخَلَ عَلى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، واحْتَبَسَ عِنْدَها، فَسَألَتْ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ: أهَدَتْ لَها امْرَأةٌ مِن قَوْمِها عُكَّةً مِن عَسَلٍ، فَسَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَقُلْتُ: أما واللَّهِ لَنَحْتالَنَّ لَهُ، فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ: إنَّهُ سَيَدْنُو مِنكِ إذا دَخَلَ عَلَيْكِ، فَقُولِي لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أكَلْتَ مَغافِيرَ، فَإنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ وسَأقُولُ ذَلِكَ، وقَوْلِي أنْتِ يا صَفِيَّةُ ذَلِكَ، فَلَمّا دارَ إلى حَفْصَةَ قالَتْ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أسْقِيكَ مِنهُ؟

قالَ: لا حاجَةَ لِي فِيهِ، قالَتْ: تَقُولُ: سَوْدَةُ سُبْحانَ اللَّهِ، واللَّهِ لَقَدْ حَرَمْناهُ قُلْتُ لَها: اسْكُتِي،» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" .

وفي رِوايَةِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الَّتِي شَرِبَ عِنْدَها العَسَلَ سَوْدَةُ، فَقالَتْ لَهُ عائِشَةُ: إنِّي لَأجِدُ مِنكَ رِيحًا، ثُمَّ دَخَلَ عَلى حَفْصَةَ، فَقالَتْ: إنِّي أجِدُ مِنكَ رِيحًا فَقالَ: " إنِّي أراهُ مِن شَرابٍ شَرِبْتُهُ عِنْدَ سَوْدَةَ، واللَّهِ لا أشْرَبُهُ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وفي حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عائِشَةَ أنَّ الَّتِي شَرِبَ عِنْدَها العَسَلَ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، فَتَواطَأتْ حَفْصَةُ وعائِشَةُ أنْ تَقُولا لَهُ ذَلِكَ القَوْلَ.

قالَ أبُو عُبَيْدٍ: المَغافِيرُ: شَيْءٌ شَبِيهٌ بِالصَّمْغِ فِيهِ حَلاوَةٌ.

وخَرَجَ النّاسُ يَتَمَغْفَرُونَ: إذا خَرَجُوا يَجْتَنُونَهُ.

ويُقالُ: المَغاثِيرُ بِالثّاءِ، مِثْلُ جَدَثٍ، وجَدَفٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَغافِيرُ: صَمْغٌ مُتَغَيِّرُ الرّائِحَةِ، فَخَرَجَ في المُرادِ بِالَّذِي أحَلَّ اللَّهُ لَهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ جارِيَتُهُ.

والثّانِي: العَسَلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ ﴾ أيْ: تَطْلُبُ رِضاهُنَّ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ التَّحْرِيمَ.

﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكم ﴿ تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ ﴾ أيْ: كَفّارَةَ أيْمانِكُمْ، وذَلِكَ البَيانُ في [المائِدَةِ: ٨٩] قالَ المُفَسِّرُونَ: وأصْلُ "تَحِلَّةٍ" تَحْلِلَةٌ عَلى وزْنِ تَفْعِلَةٍ، فَأُدْغِمَتْ، والمَعْنى: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكم تَحْلِيلَ أيْمانِكم بِالكَفّارَةِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ، فَأعْتَقَ رَقَبَةً.

واخْتَلَفُوا هَلْ حَرَّمَ مارِيَّةَ عَلى نَفْسِهِ بِيَمِينٍ، أمْ لا؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: حَرَّمَها مِن غَيْرِ ذِكْرِ يَمِينٍ، فَكانَ التَّحْرِيمُ مُوجِبًا لِكَفّارَةِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ حَلَفَ يَمِينًا حَرَّمَها بِها، قالَهُ الحَسَنُ.

والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، ﴿ واللَّهُ مَوْلاكُمْ ﴾ أيْ: ولِيُّكم وناصِرُكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا ﴾ يَعْنِي: حَفْصَةَ مِن غَيْرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ.

وَفِي هَذا السِّرِّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قالَ لَها: " إنِّي مُسِرٌّ إلَيْكِ سِرًّا فاحْفَظِيهِ، سُرِّيَّتِي هَذِهِ عَلَيَّ حَرامٌ "، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ لَها: " أبُوكِ، وأبُو عائِشَةَ، والِيا النّاسِ مِن بَعْدِي، فَإيّاكِ أنْ تُخْبِرِي أحَدًا "، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أسَرَّ إلَيْها أنَّ أبا بَكْرٍ خَلِيفَتِي مِن بَعْدِي، قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ ﴾ أيْ: أخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ "وَأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ" أيْ: أطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى قَوْلِهِ حَفْصَةَ لِعائِشَةَ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ  غَضَبًا شَدِيدًا، لِأنَّهُ اسْتَكْتَمَ حَفْصَةَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَعاها، فَأخْبَرَها بِبَعْضِ ما قالَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ وفي الَّذِي عَرَّفَها إيّاهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ حَدَّثَها ما حَدَّثَتْها عائِشَةُ مِن شَأْنِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وسَكَتَ عَمّا أخْبَرَتْ عائِشَةَ مِن تَحْرِيمِ مارِيَّةَ، لِأنَّهُ لَمْ يُبالِ ما أظْهَرَتْ مِن ذَلِكَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الَّذِي عَرَّفَ: تَحْرِيمُ مارِيَّةَ، والَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ: ذِكْرُ الخِلافَةِ لِئَلّا يَنْتَشِرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

قالَ: ومَعْنى "عَرَّفَ بَعْضَهُ" عَرَّفَ حَفْصَةَ بَعْضَهُ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ، "عَرَفَ" بِالتَّخْفِيفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قَدْ عَرَفَ كُلَّ ما أسَرَّهُ، غَيْرَ أنَّ المَعْنى جارٍ عَلى بَعْضِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ  ﴾ ، أيْ: يَعْلَمْهُ ويُجازِ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  ﴾ أيْ: يَرَ جَزاءَهُ.

فَقِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ  طَلَّقَ حَفْصَةَ تَطْلِيقَةً، فَكانَ ذَلِكَ جَزاءَها عِنْدَهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُراجِعَها.

وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: لَمْ يُطَلِّقْها، وإنَّما هَمَّ بِطَلاقِها، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: لا تُطَلِّقْها، فَإنَّها صَوّامَةٌ قَوّامَةٌ.

وقالَ الحَسَنُ: ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ "عُرّافُ" بِرَفْعِ العَيْنِ، وتَشْدِيدِ الرّاءِ وبِألِفٍ "بَعْضِهِ" بِالخَفْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ ﴾ أيْ: أخْبَرَ حَفْصَةَ بِإفْشائِها السِّرَّ ﴿ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا ﴾ أيْ: مَن أخْبَرَكَ بِأنِّي أفْشَيْتُ سِرَّكَ؟

﴿ قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ ﴾ ثُمَّ خاطَبَ عائِشَةَ وحَفْصَةَ، فَقالَ: ﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ: مِنَ التَّعاوُنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  بِالإيذاءِ ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زاغَتْ، وأثِمَتْ.

قالَ الزَّجّاجُ: عَدَلَتْ، وزاغَتْ عَنِ الحَقِّ.

قالَ مُجاهِدٌ: كُنّا نَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ شَيْئًا هَيِّنًا حَتّى وجَدْناهُ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَقَدْ زاغَتْ قُلُوبُكُما.

وإنَّما جَعَلَ القَلْبَيْنِ جَماعَةً لِأنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ فَما فَوْقَهُما جَماعَةٌ.

وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ  ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ  ﴾ .

قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ أنَّهُما أحَبّا ما كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ  مِنِ اجْتِنابِ جارِيَتِهِ، "وَإنْ تَظاهَرا" وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ "تَظاهَرا" بِتَخْفِيفِ الظّاءِ، أيْ: تَعاوَنا عَلى النَّبِيِّ  بِالإيذاءِ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ ﴾ أيْ: ولِيُّهُ في العَوْنِ، والنُّصْرَةِ ﴿ وَجِبْرِيلُ ﴾ ولِيُّهُ ﴿ وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ وفي المُرادِ بِصالِحِ المُؤْمِنِينَ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أبُو بَكْرٍ، رَواهُ مَكْحُولٌ عَنْ أبِي أُمامَةَ.

والثّالِثُ: عُمَرُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: خِيارُ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والخامِسُ: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ، والعَلاءُ بْنُ زِيادٍ العَدَوِيُّ، وسُفْيانُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قالَهُ الفَرّاءُ: ﴿ وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ مُوَحَّدٌ في مَذْهَبِ جَمِيعٍ، كَما تَقُولُ: لا يَأْتِينِي إلّا سائِسُ الحَرْبِ، فَمَن كانَ ذا ساسَةٍ لِلْحَرْبِ، فَقَدْ أُمِرَ بِالمَجِيءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسّارِقُ والسّارِقَةُ  ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ  ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا  ﴾ في كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ يُؤَدِّي مَعْنى الواحِدِ عَنِ الجَمِيعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ أيْ: ظَهْرًا، وهَذا مِمّا لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، ومَعْناهُ الجَمِيعُ، ومِثْلُهُ ﴿ يُخْرِجُكم طِفْلا  ﴾ ، وقَدْ شَرَحْناهُ هُناكَ.

ثُمَّ خَوَّفَ نِساءَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ وسَبَبُ نُزُولِها ما رَوى أنَسٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: بَلَغَنِي بَعْضُ ما آذى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ نِساؤُهُ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِنَّ، فَجَعَلْتُ أسْتَقْرِئُهُنَّ واحِدَةً واحِدَةً، فَقُلْتُ: واللَّهِ لَتَنْتَهِنَّ، أوْ لَيُبَدِّلَنَّهُ اللَّهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

والمَعْنى: واجِبٌ مِنَ اللَّهِ ﴿ إنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ رَسُولُهُ ﴿ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ ﴾ أيْ: خاضِعاتٍ لِلَّهِ بِالطّاعَةِ ﴿ مُؤْمِناتٍ ﴾ مُصَدِّقاتٍ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿ قانِتاتٍ ﴾ أيْ: طائِعاتٍ ﴿ سائِحاتٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: صائِماتٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ السّائِحُونَ  ﴾ .

والثّانِي: مُهاجِراتٌ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ.

"والثَّيِّباتُ" جَمْعُ ثَيِّبٍ، وهي المَرْأةُ الَّتِي قَدْ تَزَوَّجَتْ، ثُمَّ ثابَتْ إلى بَيْتِ أبَوَيْها، فَعادَتْ كَما كانَتْ غَيْرَ ذاتِ زَوْجٍ.

"والأبْكارُ": العَذارى.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد