الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 69 الحاقة > الآيات ١٣-٣٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 9 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها النَّفْخَةُ الأُولى، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّانِي: الأخِيرَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
﴿ وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ ﴾ أيْ: حُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ وما فِيها ﴿ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ﴾ أيْ: كُسِرَتا، ودُقَّتا دَقَّةً واحِدَةً، لا يُثَنّى عَلَيْها حَتّى تَسْتَوِيَ بِما عَلَيْها مِن شَيْءٍ، فَتَصِيرَ كالأدِيمِ المَمْدُودِ.
وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الأعْرافِ] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَعَلَهُ دَكًّا ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: فَدُكَّتا، ولَمْ يَقُلْ: فَدُكِكْنَ، لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كالشَّيْءِ الواحِدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا ﴾ ، وأنْشَدُوا: هُما سَيِّدانا يَزْعُمانِ وإنَّما يَسُودانِنا أنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُما والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَّرَتِ الغَنَمُ: إذا ولَدَتْ، أوْ تَهَيَّأتْ لِلْوِلادَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ ﴿ وانْشَقَّتِ السَّماءُ ﴾ لِنُزُولِ مَن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ ﴿ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ وهْيَها: ضَعْفُها وتَمَزُّقُها مِنَ الخَوْفِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ تَشَقُّقُها، قالَهُ الفَرّاءُ ﴿ والمَلَكُ ﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ، فَهو اسْمُ جِنْسٍ ﴿ عَلى أرْجائِها ﴾ أيْ: عَلى جَوانِبِها.
قالَ الزَّجّاجُ: ورَجاءُ كُلِّ شَيْءٍ: ناحِيَتُهُ، مَقْصُورٌ.
والتَّثْنِيَةُ: رَجَوانِ، والجَمْعُ: أرْجاءٌ.
وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْها السَّماءُ.
قالَ الضَّحّاكُ: إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ كانَتِ المَلائِكَةُ عَلى حافَّتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، فَيُحِيطُونَ بِها، ومَن عَلَيْها.
ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: عَلى أرْجاءِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، أيِ: العَرْشُ عَلى رُؤُوسِ الحَمَلَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: فَوْقَ الَّذِينَ عَلى أرْجائِها، أيْ: أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى أرْجائِها.
والثّالِثُ: أنَّهم فَوْقَ أهْلِ القِيامَةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ "يَوْمَئِذٍ" أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ "ثَمانِيَةٌ" فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ.
وجاءَ في الحَدِيثِ «أنَّهُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمُدَّهُمُ اللَّهُ بِأرْبَعَةِ أمْلاكٍ آخَرِينَ،» هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِنَ الكَرُوبِيِّينَ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في "سُنَنِهِ" مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ مِن حَمَلَةِ العَرْشِ، أنَّ ما بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى عاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عامٍ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ عَلى اللَّهِ لِحِسابِكم (لا تَخْفى) عَلَيْهِ.
قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لا يَخْفى" بِالياءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ.
والمَعْنى: لا يَخْفى عَلَيْهِ (مِنكم خافِيَةٌ) أيْ: نَفْسٌ خافِيَةٌ، أوْ فَعْلَةٌ خافِيَةٌ.
وفي حَدِيثِ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ « "يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ، ومَعاذِيرُ وأمّا الثّالِثَةُ، فَعِنْدَها تَتَطايَرُ الصُّحُفُ في الأيْدِي، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ بِشِمالِهِ،» وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ: حاسِبُوا أنْفُسَكم قَبْلَ أنْ تُحاسَبُوا، وزِنُوها قَبْلَ أنْ تُوزَنُوا، وتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأكْبَرِ، يَوْمَئِذٍ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ.
﴿ فَيَقُولُ هاؤُمُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "هاؤُمُ" أمْرٌ مِنَ الجَماعَةِ.
بِمَنزِلَةِ هاكم.
تَقُولُ لِلْواحِدِ: ها يا رَجُلُ، ولِلِاثْنَيْنِ: هاؤُما يا رَجُلانِ.
ولِلثَّلاثَةِ: هاؤُمُ يا رِجالٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما يَقُولُ هَذا ثِقَةً بِسَلامَتِهِ وسُرُورًا بِنَجاتِهِ.
وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي ظَنَنْتُ ﴾ أيْ: عَلِمْتُ وأيْقَنْتُ في الدُّنْيا "أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ" أيْ: أُبْعَثُ، وأُحاسَبُ في الآخِرَةِ ﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ ﴾ أيْ: حالَةٍ مِنَ العَيْشِ ﴿ راضِيَةٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: فِيها الرِّضى.
وَقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذاتُ رِضًى يَرْضاها مَن يَعِيشُ فِيها.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها مَجازُ مَرَضِيَّةٍ ﴿ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ﴾ أيْ: عالِيَةِ المَنازِلِ ﴿ قُطُوفُها ﴾ أيْ: ثِمارُها ﴿ دانِيَةٌ ﴾ أيْ: قَرِيبَةٌ مِمَّنْ يَتَناوَلُها، وهي جَمْعُ قِطْفٍ.
والقِطْفُ: ما يُقْطَفُ مِنَ الثِّمارِ.
قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: يَتَناوَلُ الثَّمَرَةَ وهو نائِمٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُوا ﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿ واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ ﴾ أيْ: قَدَّمْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في ﴿ الأيّامِ الخالِيَةِ ﴾ الماضِيَةِ، وهي أيّامُ الدُّنْيا.
﴿ وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الأسْوَدِ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بِبَدْرٍ، وهو أخُو أبِي سَلَمَةَ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ﴾ وذَلِكَ لِما يَرى فِيهِ مِنَ القَبائِحِ ﴿ وَلَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ ﴾ لِأنَّهُ لا حاصِلَ لَهُ في ذَلِكَ الحِسابِ، إنَّما كُلُّهُ عَلَيْهِ.
وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، ويَعْقُوبُ، يَحْذِفُونَ الهاءَ مِن "كِتابِيَهْ" و"حِسابِيَهْ" في الوَصْلِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والوَجْهُ أنْ يُوقَفَ عَلى هَذِهِ الهاآتِ، ولا تُوصَلَ، لِأنَّها أُدْخِلَتْ لِلْوَقْفِ.
وقَدْ حَذَفَها قَوْمٌ في الوَصْلِ، ولا أُحِبُّ مُخالَفَةَ المُصْحَفِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما هِيَهْ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا لَيْتَها ﴾ يَعْنِي: المَوْتَةَ الَّتِي ماتَها في الدُّنْيا ﴿ كانَتِ القاضِيَةَ ﴾ أيِ: القاطِعَةَ لِلْحَياةِ، فَكَأنَّهُ تَمَنّى دَوامَ المَوْتِ، وأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ لِلْحِسابِ ﴿ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: زالَ عَنِّي مُلْكِي، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ ﴾ أيْ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴾ أيِ: اجْمَعُوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ ﴿ ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ النّارَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: اجْعَلُوهُ يَصْلى النّارَ ﴿ ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ﴾ وهي حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ ﴿ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِذِراعِ المَلِكِ.
وقالَ نَوْفٌ الشّامِيُّ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ باعًا، الباعُ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَكَ وبَيْنَ مَكَّةَ، وكانَ في رَحْبَةِ الكُوفَةِ.
وقالَ سُفْيانُ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ ذِراعًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا بِالذِّراعِ الأوَّلِ.
ويُقالُ: إنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْلُكُوهُ ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ.
قالَ الفَرّاءُ: وذُكِرَ أنَّها تَدْخُلُ في دُبُرِ الكافِرِ فَتَخْرُجُ مِن رَأْسِهِ، فَذَلِكَ سَلْكُهُ فِيها.
والمَعْنى: ثُمَّ اسْلُكُوا فِيهِ السِّلْسِلَةَ، ولَكِنَّ العَرَبَ تَقُولُ: أدْخَلْتُ رَأْسِي في القَلَنْسُوَةِ، وأدْخَلْتُها في رَأْسِي.
ويُقالُ: الخاتَمُ لا يَدْخُلُ في يَدِي، وإنَّما اليَدُ تَدْخُلُ في الخاتَمِ، وإنَّما اسْتَجازُوا ذَلِكَ، لِأنَّ مَعْناهُ مَعْرُوفٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ ﴾ أيْ: لا يُصَدِّقُ بِوَحْدانِيَّتِهِ وعَظَمَتِهِ ﴿ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ أيْ: لا يُطْعِمُهُ، ولا يَأْمُرُ بِإطْعامِهِ ﴿ فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ ﴾ أيْ: قَرِيبٌ يَنْفَعُهُ، أيْ: يَشْفَعُ لَهُ ﴿ وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: إذا سالَ القَيْحُ، والدَّمُ بادَرُوا أكْلَهُ قَبْلَ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ.
والثّانِي: شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ: .
والثّالِثُ: أنَّهُ غُسالَةُ أجْوافِهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو "فِعْلِينٌ" مِن "غَسَلْتُ" كَأنَّهُ غُسالَةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الخاطِئُونَ ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ.
<div class="verse-tafsir"