زاد المسير سورة نوح

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > تفسير سورة نوح

تفسيرُ سورةِ نوح كاملةً من زاد المسير (ابن الجوزي) (جمال الدين ابن الجوزي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 14 دقيقة قراءة

تفسير سورة نوح كاملةً (جمال الدين ابن الجوزي)

إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١ قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ ٢ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ٣ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٤

سُورَةُ نُوحٍ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ ﴾ أيْ: بِأنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ.

و"العَذابُ الألِيمُ" الغَرَقُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو "أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ" بِضَمِّ النُّونِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو "أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ" بِكَسْرِ النُّونِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن ضَمَّ كَرِهَ الكَسْرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأطِيعُونِ ﴾ أثْبَتَ الياءَ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ "مِن" ها هُنا صِلَةٌ.

والمَعْنى: يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما دَخَلَتْ "مِن" ها هُنا لِتَخْتَصَّ الذُّنُوبَ مِن سائِرِ الأشْياءِ.

ولَمْ تَدْخُلْ لِتَبْعِيضِ الذُّنُوبِ، ومِثْلُهُ ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ  ﴾ وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي إلى أنَّها لِلتَّبْعِيضِ.

والمَعْنى: يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم إلى وقْتِ الإيمانِ "وَيُؤَخِّرْكُمْ" أيْ: عَنِ العَذابِ "إلى أجَلٍ مُسَمًّى" وهو مُنْتَهى آجالِهِمْ.

والمَعْنى: فَتَمُوتُوا عِنْدَ مُنْتَهى آجالِكم غَيْرَ مِيتَةِ المُعَذَّبِينَ "إنَّ أجَلَ اللَّهِ" فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ أجَلُ المَوْتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّ أجَلَ اللَّهِ الَّذِي أجَّلَكم إلَيْهِ لا يُؤَخَّرُ إذا جاءَ، فَلا يُمْكِنُكم حِينَئِذٍ الإيمانُ.

والثّانِي: أنَّهُ أجَلُ البَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أجَلُ العَذابِ، قالَهُ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ رَبِّ إِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًۭا وَنَهَارًۭا ٥ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآءِىٓ إِلَّا فِرَارًۭا ٦ وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوٓا۟ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْا۟ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ ٱسْتِكْبَارًۭا ٧ ثُمَّ إِنِّى دَعَوْتُهُمْ جِهَارًۭا ٨ ثُمَّ إِنِّىٓ أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًۭا ٩ فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًۭا ١٠ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا ١١ وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍۢ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍۢ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَـٰرًۭا ١٢ مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًۭا ١٣ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ١٤ أَلَمْ تَرَوْا۟ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍۢ طِبَاقًۭا ١٥ وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًۭا وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجًۭا ١٦ وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ نَبَاتًۭا ١٧ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًۭا ١٨ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ بِسَاطًۭا ١٩ لِّتَسْلُكُوا۟ مِنْهَا سُبُلًۭا فِجَاجًۭا ٢٠ قَالَ نُوحٌۭ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى وَٱتَّبَعُوا۟ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارًۭا ٢١ وَمَكَرُوا۟ مَكْرًۭا كُبَّارًۭا ٢٢ وَقَالُوا۟ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّۭا وَلَا سُوَاعًۭا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًۭا ٢٣ وَقَدْ أَضَلُّوا۟ كَثِيرًۭا ۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا ضَلَـٰلًۭا ٢٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا ﴾ ؟

فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا تَرَوْنَ لِلَّهِ عَظَمَةً، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: لا تَخافُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: لا تَرَوْنَ لِلَّهِ طاعَةً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: لا تَرْجُونَ عاقِبَةَ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا ﴾ أيْ: وقَدْ جَعَلَ لَكم في أنْفُسِكم آيَةً تَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ مِن خَلْقِهِ إيّاكم مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلى آخِرِ الخَلْقِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّوْرُ: الحالُ، وجَمْعُهُ: أطْوارٌ.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الطَّوْرُ: التّارَةُ، طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ، أيْ: تارَةً بَعْدَ تارَةٍ.

وقِيلَ: أرادَ بِالأطْوارِ: اخْتِلافَ المَناظِرِ والأخْلاقِ، مِن طَوِيلٍ، وقَصِيرٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَرَّرَهُمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "طِباقٍ" بِتَنْوِينِ القافِ، وكَسْرِها مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُلْكِ: ٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ وجْهَ القَمَرِ قِبَلَ السَّمَواتِ، وظَهَرَهُ قِبَلَ الأرْضِ يُضِيءُ لِأهْلِ السَّمَواتِ، كَما يُضِيءُ لِأهْلِ الأرْضِ، وكَذَلِكَ الشَّمْسُ، هَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.

والثّانِي: أنَّ القَمَرَ في السَّماءِ الدُّنْيا.

وإنَّما قالَ: ﴿ فِيهِنَّ ﴾ لِأنَّهُنَّ كالشَّيْءِ الواحِدِ، ذَكَرَهُ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ، وغَيْرُهُما.

وهَذا كَما تَقُولُ: أتَيْتُ بَنِي تَمِيمٍ، وإنَّما أتَيْتَ بَعْضَهُمْ، ورَكِبْتُ السُّفُنَ، ﴿ وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا ﴾ يَسْتَضِيءُ بِها العالَمُ ﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ ﴾ يَعْنِي: أنَّ مُبْتَدَأ خَلَقِكِمْ مِنَ الأرْضِ، هو آدَمُ ﴿ نَباتًا ﴾ قالَ الخَلِيلُ: مَعْناهُ: فَنَبَتُّمْ نَباتًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: "نَباتًا" مَحْمُولٌ في المَصْدَرِ عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى أنْبَتَكُمْ: جَعَلَكم تَنْبُتُونَ نَباتًا.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا مِمّا جاءَ فِيهِ المَصْدَرُ، عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ لِأنَّهُ جاءَ في نَبَتَ.

ومِثْلُهُ: ﴿ وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا  ﴾ فَجاءَ عَلى "بَتَّلَ" قالَ الشّاعِرُ: وخَيْرُ الأمْرِ ما اسْتَقْبَلْتَ مِن هُ ولَيْسَ بِأنَّ تَتَبَّعَهُ اتِّباعا فَجاءَ عَلى اتَّبَعْتُ.

وَقالَ الآخَرُ: وإنْ شِئْتُمْ تَعاوَدْنا عِوادًا فَجاءَ عَلى "عاوَدْنا" وإنَّما تَجِيءُ المَصادِرُ مُخالِفَةً الأفْعالَ، لِأنَّ الأفْعالَ وإنِ اخْتَلَفَتْ أبْنِيَتُها، واحِدَةٌ في المَعْنى.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ سُبُلا فِجاجًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هي الطُّرُقُ الواسِعَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، "وَوَلَدُهُ" بِفَتْحِ اللّامِ والواوِ.

وقَرَأ الباقُونَ "وُلْدُهُ" بِضَمِّ الواوِ، وَسُكُونِ اللّامِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ العَرَبِ، والعُرْبِ، والعَجَمِ، والعُجْمِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: "وَوِلْدُهُ" بِكَسْرِ الواوِ، وإسْكانِ اللّامِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: أنَّ الأتْباعَ، والفُقَراءَ اتَّبَعُوا رَأْيَ الرُّؤَساءِ والكُبَراءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا ﴾ قَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كُبارًا" بِرَفْعِ الكافِ وتَخْفِيفِ الباءِ.

وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ "كِبارًا" بِكَسْرِ الكافِ مَعَ تَخْفِيفِ الباءِ.

والمَعْنى "كَبِيرًا" يُقالُ: كَبِيرٌ، وكُبارٌ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ [ص] ومَعْنى "المَكْرِ": السَّعْيُ في الفَسادِ.

وذَلِكَ أنَّ الرُّؤَساءَ مَنَعُوا أتْباعَهم مِنَ الإيمانِ بِنُوحٍ ﴿ وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ﴾ أيْ: لا تَدَعُنَّ عِبادَتَها ﴿ وَلا تَذَرُنَّ ودًّا ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ بِضَمِّ الواوِ.

والباقُونَ بِفَتْحِها.

وهَذا الِاسْمُ وما بَعْدَهُ أسْماءُ آلِهَتِهِمْ.

وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ أسْماءُ قَوْمٍ صالِحِينَ، كانُوا بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، ونَشَأ قَوْمٌ بَعْدَهم يَأْخُذُونَ بِأخْذِهِمْ في العِبادَةِ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: لَوْ صَوَّرْتُمْ صُوَرَهم كانَ أنْشَطَ لَكُمْ، وأشْوَقَ لِلْعِبادَةِ، فَفَعَلُوا.

ثُمَّ نَشَأ قَوْمٌ بَعْدَهُمْ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: إنَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا يَعْبُدُونَهُمْ، فَعَبَدُوهُمْ، وكانَ ابْتِداءُ عِبادَةِ الأوْثانِ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ.

وسُمِّيَتْ تِلْكَ الصُّوَرُ بِهَذِهِ الأسْماءِ، لِأنَّهم صَوَّرُوها عَلى صُوَرِ أُولَئِكَ القَوْمِ المُسَمَّيْنَ بِهَذِهِ الأسْماءِ.

وقِيلَ: إنَّما هي أسْماءٌ لِأوْلادِ آدَمَ، ماتَ مِنهم واحِدٌ، فَجاءَ الشَّيْطانُ فَقالَ: هَلْ لَكَمَ أنْ أُصَوِّرَ لَكم صُورَتَهُ، فَتَذْكُرُونَهُ بِها؟

فَصَوَّرَها.

ثُمَّ ماتَ آخَرُ، فَصَوَّرَ لَهم صُورَتَهُ، إلى أنَّ صَوَّرَ صُوَرًا خَمْسَةً.

ثُمَّ طالَ الزَّمانُ، وتَرَكُوا عِبادَةَ اللَّهِ، فَقالَ لَهُمُ الشَّيْطانُ: ما لَكم لا تَعْبُدُونَ شَيْئًا؟

فَقالُوا: لِمَن نَعْبُدُ؟

قالَ: هَذِهِ آلِهَتُكُمْ، وآلِهَةُ آبائِكُمْ، ألا تَرَوْنَها مُصَوَّرَةً في مُصَلّاكُمْ؟!

فَعَبَدُوها.

وَقالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الأصْنامُ كانَتْ لِقَوْمِ نُوحٍ، ثُمَّ صارَتْ إلى العَرَبِ، فَكانَ "وَدٌّ" لِكَلْبٍ، "وَسُواعٌ" لِهَمَدانَ، و"يَغُوثُ" لِبَنِي غُطَيْفٌ، وهم حَيٌّ مِن مُرادٍ.

وقِيلَ: لَمّا جاءَ الطُّوفانُ غَطّى عَلى هَذِهِ الأصْنامِ وطَمَّها التُّرابُ، فَلَمّا ظَهَرَتْ بَعْدَ الطُّوفانِ صارَتْ إلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ، قالَ الواقِدِيُّ: كانَ "وَدٌّ" عَلى صُورَةِ رَجُلٍ، و"سُواعٌ" عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ، و"يَغُوثُ" عَلى صُورَةِ أسَدٍ، و"يَعُوقُ" عَلى صُورَةِ فَرَسٍ، و"نَسْرٌ" عَلى صُورَةِ النَّسْرِ مِنَ الطَّيْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وقَدْ أضَلَّتِ الأصْنامُ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، أيْ: ضَلُّوا بِسَبَبِها.

والثّانِي: وقَدْ أضَلَّ الكُبَراءُ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ ﴿ وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ ﴿ إلا ضَلالا ﴾ وهَذا دُعاءٌ مِن نُوحٍ عَلَيْهِمْ، لَمّا أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.

<div class="verse-tafsir"

مِّمَّا خَطِيٓـَٔـٰتِهِمْ أُغْرِقُوا۟ فَأُدْخِلُوا۟ نَارًۭا فَلَمْ يَجِدُوا۟ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارًۭا ٢٥ وَقَالَ نُوحٌۭ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى ٱلْأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّارًا ٢٦ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا۟ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓا۟ إِلَّا فَاجِرًۭا كَفَّارًۭا ٢٧ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًۭا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارًۢا ٢٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِمّا خَطِيئاتِهِمْ ﴾ "ما" صِلَةٌ.

والمَعْنى: مِن خَطِيآتِهِمْ: أيْ: مِن أجْلِها، وسَبَبِها.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو "مِمّا خَطاياهُمْ" وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، والجَحْدَرِيُّ "خَطِيئَتِهِمْ" مِن غَيْرِ ألِفٍ ﴿ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: المَعْنى: سَيَدْخُلُونَ في الآخِرَةِ نارًا، فَجاءَ لَفْظُ الماضِي بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، لِأنَّ الوَعْدَ حَقٌّ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وقالَ الضَّحّاكُ: فَأُدْخِلُوا نارًا في الدُّنْيا، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَغْرَقُونَ مِن جانِبٍ، ويَحْتَرِقُونَ في الماءِ مِن جانِبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا ﴾ أيْ: لَمْ يَجِدُوا أحَدًا يَمْنَعُهم مِن عَذابِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَيّارًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: أحَدًا.

يُقالُ: ما بِالمَنازِلِ دَيّارٌ أيْ: ما بِها أحَدٌ، وهو مِنَ الدّارِ، أيْ: لَيْسَ بِها نازِلٌ دارًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها: "دَيْوارٌ" فَيْعالٌ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ إحْداهُما في الأُخْرى.

وإنَّما دَعا عَلَيْهِمْ نُوحٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ ﴿ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُضِلُّوا عِبادَكَ ﴾ وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم كانَ يَنْطَلِقُ بِابْنِهِ إلى نُوحٍ فَيُحَذِّرُهُ تَصْدِيقَهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَلِدُوا إلا فاجِرًا كَفّارًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ نُوحًا أنَّهم لا يَلِدُونَ مُؤْمِنًا، فَلِذَلِكَ عَلِمَ الفاجِرَ الخارِجَ عَنِ الطّاعَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ﴾ قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ أنَّهُما كانا مُؤْمِنَيْنِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجَحْدَرِيُّ، والجَوْنِيُّ "وَلِوالِدِي" ساكِنَةَ الياءِ عَلى التَّوْحِيدِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ "وَلِوَلَدَيَّ" مِن غَيْرِ ألِفٍ عَلى التَّثْنِيَةِ "وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِي" وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "بَيْتِيَ" بِفَتْحِ الياءِ.

وفِيهِ ثَلاثَةٌ أقْوالٍ.

أحَدُها: مَنزِلُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَسْجِدُهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: سَفِينَتُهُ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ هَذا عامٌّ في كُلِّ مَن آمَنَ ﴿ وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ ﴿ إلا تَبارًا ﴾ أيْ: هَلاكًا.

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبَّرْنا تَتْبِيرًا  ﴾ .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل