الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 74 المدثر > الآيات ٣٨-٥٦
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: كُلُّ نَفْسٍ بالِغَةٍ مُرْتَهَنَةٌ بِعَمَلِها لِتُحاسَبَ عَلَيْهِ ﴿ إلا أصْحابَ اليَمِينِ ﴾ وهم أطْفالُ المُسْلِمِينَ، فَإنَّهُ لا حِسابَ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ لا ذُنُوبَ لَهُمْ، قالَهُ عَلِيٌّ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: كُلُّ نَفْسٍ مِن أهْلِ النّارِ مُرْتَهَنَةٌ في النّارِ، إلّا أصْحابَ اليَمِينِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَإنَّهم في الجَنَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: كُلُّ نَفْسٍ مُرْتَهَنَةٌ بِعَمَلِها لَتُحاسَبَ عَلَيْهِ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ، فَإنَّهم لا يُحاسَبُونَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ المُجْرِمِينَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إذا خَرَجَ أهْلُ التَّوْحِيدِ مِنَ النّارِ قالَ المُؤْمِنُونَ لِمَن بَقِيَ في النّارِ: ﴿ ما سَلَكَكم في سَقَرَ؟
﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَلَكَكم بِمَعْنى: أدْخَلَكم.
وقالَ مُقاتِلٌ: ما حَبَسَكم فِيها؟
﴿ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ﴾ لِلَّهِ في دارِ الدُّنْيا ﴿ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ ﴾ أيْ: لَمْ نَتَصَدَّقْ لِلَّهِ ﴿ وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ ﴾ أهْلِ الباطِلِ والتَّكْذِيبِ ﴿ وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾ أيْ" بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ ﴿ حَتّى أتانا اليَقِينُ ﴾ وهو المَوْتُ.
يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ ﴾ وهَذا إنَّما جَرى بَعْدَ شَفاعَةِ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ والشُّهَداءِ والمُؤْمِنِينَ.
وهَذا يَدُلُّ عَلى نَفْعِ الشَّفاعَةِ لِمَن آمَنَ ﴿ فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ؟
﴾ يَعْنِي: كَفّارَ قُرَيْشٍ حِينَ نَفَرُوا مِنَ القُرْآنِ والتَّذْكِيرِ بِمَواعِظِهِ.
والمَعْنى: لا شَيْءَ لَهم في الآخِرَةِ إذْ أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ثُمَّ شَبَّهَهم في نُفُورِهِمْ عَنْهُ بِالحُمُرِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ الفاءِ.
والباقُونَ بِكَسْرِها.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن قَرَأ بِفَتْحِ الفاءِ أرادَ: مَذْعُورَةً، اسْتُنْفِرَتْ فَنَفَرَتْ.
ومَن قَرَأ بِكَسْرِ الفاءِ أرادَ: نافِرَةً.
قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: حُمُرٌ مُسْتَنْفَرَةٌ.
وناسٌ مِنَ العَرَبِ يَكْسِرُونَ الفاءَ.
والفَتْحُ أكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ.
وقِراءَتُنا بِالكَسْرِ.
أنْشَدَنِي الكِسائِيُّ: احْبِسْ حِمارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرٌ في إثْرِ أحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّبِ "وَغُرَّبٌ" مَوْضِعٌ.
وَفِي "القَسْوَرَةِ" سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الأسَدُ، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وبِهِ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ إذا عايَنَتِ الأسَدَ هَرَبَتْ مِنهُ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ إذا سَمِعُوا النَّبِيَّ هَرَبُوا مِنهُ، وَإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّهُ مِنَ القَسْرِ والقَهْرِ.
فالأسَدُ يَقْهَرُ السِّباعَ.
والثّانِي: أنَّ القَسْوَرَةَ: الرُّماةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ كَيْسانَ.
والثّالِثُ: أنَّ القَسْوَرَةَ: حِبالُ الصَّيّادِينَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهم عُصَبُ الرِّجالِ، رَواهُ أبُو حَمْزَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
واسْمُ أبِي حَمْزَةَ: نَصْرُ بْنُ عِمْرانَ الضَّبْعِيُّ.
والخامِسُ: أنَّهُ رِكْزُ النّاسِ، وهَذا في رِوايَةِ عَطاءٍ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ورِكْزُ النّاسِ: حِسُّهم وأصْواتُهم.
والسّادِسُ: أنَّهُ الظُّلْمَةُ واللَّيْلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والسّابِعُ: أنَّهُ النَّبْلُ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ : إنْ سَرَّكَ أنْ نَتَّبِعَكَ، فَلْيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ يُؤْمَرُ فِيهِ بِاتِّباعِكَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّهم أرادُوا بَراءَةً مِنَ النّارِ أنْ لا يُعَذَّبُوا بِها، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: كانَ الرَّجُلُ إذا أذْنَبَ في بَنِي إسْرائِيلَ وجَدَهُ مَكْتُوبًا إذا أصْبَحَ في رُقْعَةٍ.
فَما بالُنا لا نَرى ذَلِكَ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لا يُؤْتَوْنَ الصُّحُفَ ﴿ بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ ﴾ أيْ: لا يَخْشَوْنَ عَذابَها.
والمَعْنى: أنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ بَعْدَ قِيامِ الدَّلالَةِ "كَلّا" أيْ: حَقًّا.
وقِيلَ: مَعْنى ﴿ كَلا ﴾ : لَيْسَ الأمْرُ كَما يُرِيدُونَ ويَقُولُونَ ﴿ إنَّهُ تَذْكِرَةٌ ﴾ أيْ: تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ الهاءُ عائِدَةٌ عَلى القُرْآنِ فالمَعْنى: فَمَن شاءَ أنْ يَذْكُرَ القُرْآنَ ويَتَّعِظَ بِهِ ويَفْهَمَهُ، ذَكَرَهُ.
ثُمَّ رَدَّ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ أيْ: إلّا أنْ يُرِيدَ لَهُمُ الهُدى ﴿ هُوَ أهْلُ التَّقْوى ﴾ أيْ: أهْلٌ أنْ يُتَّقى ﴿ وَأهْلُ المَغْفِرَةِ ﴾ أيْ: أهْلُ أنْ يَغْفِرَ لِمَن تابَ.
رَوى أنَسٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ «أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: قالَ رَبُّكم عَزَّ وجَلَّ: أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى، فَلا يُشْرِكُ بِي غَيْرِي.
وأنا أهْلٌ لِمَنِ اتَّقى أنْ يُشْرِكَ بِي غَيْرِي أنْ أغْفِرَ لَهُ.»