الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > تفسير سورة الانفطار
تفسيرُ سورةِ الانفطار كاملةً من زاد المسير (ابن الجوزي) (جمال الدين ابن الجوزي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةسُورَةُ الِانْفِطارِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ﴾ انْفِطارُها: انْشِقاقُها.
و ﴿ انْتَثَرَتْ ﴾ بِمَعْنى تَساقَطَتْ.
و ﴿ فُجِّرَتْ ﴾ بِمَعْنى فُتِحَ بَعْضُها في بَعْضٍ فَصارَتْ بَحْرًا واحِدًا.
وقالَ الحَسَنُ: ذَهَبَ ماؤُها، و ﴿ بُعْثِرَتْ ﴾ بِمَعْنى أُثِيرَتْ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قُلِبَتْ فَأُخْرِجَ ما فِيها.
يُقالُ: بَعْثَرْتُ المَتاعَ وبَحْثَرَتْهُ: إذا جَعَلْتَ أسْفَلَهُ أعْلاهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ ﴾ هَذا جَوابُ الكَلامِ.
وقَدْ شَرَحْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عُنِيَ بِهِ أبُو الأشَدَّيْنِ، وكانَ كافِرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
وقَدْ ذَكَرْنا اسْمَهُ في [المُدَّثِّرِ: ٣٠] .
والثّانِي: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ أشارَ إلى كُلِّ كافِرٍ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما غَرَّكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ما خَدَعَكَ وسَوَّلَ لَكَ حَتّى أضَعْتَ ما وجَبَ عَلَيْكَ؟
.
وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: ما الَّذِي أمَّنَكَ مِن عِقابِهِ وهو كَرِيمٌ مُتَجاوِزٌ إذْ لَمْ يُعاقِبْكَ عاجِلًا؟
وقِيلَ لِلْفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ: لَوْ أقامَكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ: ما غَرَّكَ بِرَبِّكِ الكَرِيمِ، ماذا كُنْتَ تَقُولُ؟
قالَ: أقُولُ: غَرَّنِي سُتُورُكَ المُرْخاةُ.
وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: لَوْ قالَ لِي: ما غَرَّكَ بِي؟
قُلْتُ: بِرُّكَ سالِفًا وآنِفًا.
قِيلَ: لَمّا ذَكَرَ الصِّفَةَ الَّتِي هي الكَرَمُ هاهُنا دُونَ سائِرِ صِفاتِهِ، كانَ كَأنَّهُ لَقَّنَ عَبْدَهُ الجَوابَ، لِيَقُولَ: غَرَّنِي كَرَمُ الكَرِيمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ ﴾ ولَمْ تَكْ شَيْئًا ﴿ فَسَوّاكَ ﴾ إنْسانًا تَسْمَعُ وتُبْصِرُ ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " فَعَدَلَكَ " بِالتَّخْفِيفِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ، فَوَجْهُهُ -واللَّهُ أعْلَمُ-: فَصَوَّرَكَ إلى أيِّ صُورَةٍ شاءَ، إمّا حَسَنٌ، وإمّا قَبِيحٌ، وإمّا طَوِيلٌ، وإمّا قَصِيرٌ.
وقِيلَ: في صُورَةِ أبٍ، في صُورَةِ عَمٍّ، في صُورَةِ بَعْضِ القَراباتِ تَشْبِيهًا.
ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَإنَّهُ أرادَ -واللَّهُ أعْلَمُ-: جَعَلَكَ مُعْتَدِلًا، مُعَدَّلَ الخِلْقَةِ.
وقالَ غَيْرُهُ: عَدَّلَ أعْضاءَكَ فَلَمْ تَفْضُلْ يَدٌ عَلى يَدٍ، ولا رِجْلٌ عَلى رِجْلٍ، وعَدَلَ بِكَ أنْ يَجْعَلَكَ حَيَوانًا بَهِيمًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " زائِدَةً.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، فَيَكُونُ المَعْنى: في أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ أنْ يُرَكِّبَكَ فِيها رَكَّبَكَ.
وفي مَعْنى الآيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في أيِّ صُورَةٍ مِن صُوَرِ القَراباتِ رَكَّبَكَ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: في أيِّ صُورَةٍ، مِن حُسْنٍ، أوْ قُبْحٍ، أوْ طُولٍ، أوْ قِصَرٍ، أوْ ذَكَرٍ، أوْ أُنْثى، وهو مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ.
والثّالِثُ: إنْ شاءَ أنْ يُرَكِّبَكَ في غَيْرِ صُورَةِ الإنْسانِ رَكَّبَكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: إنْ شاءَ في صُورَةِ قِرْدٍ، وإنْ شاءَ في صُورَةِ خِنْزِيرٍ.
والرّابِعُ: إنْ شاءَ في صُورَةِ إنْسانٍ بِأفْعالِ الخَيْرِ.
وإنْ شاءَ في صُورَةِ حِمارٍ بِالبَلادَةِ والبَلَهِ، وإنْ شاءَ في صُورَةِ كَلْبٍ بِالبُخْلِ، أوْ خِنْزِيرٍ بِالشَّرَهِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " بِالياءِ " أيْ بِالجَزاءِ والحِسابِ، تَزْعُمُونَ أنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ.
ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ أعْمالَهم مَحْفُوظَةٌ، فَقالَ تَعالى: ﴿ وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَ عَلَيْكم أعْمالَكم ﴿ كِرامًا ﴾ عَلى رَبِّهِمْ ﴿ كاتِبِينَ ﴾ يَكْتُبُونَ أعْمالَكم ﴿ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَيَكْتُبُونَهُ عَلَيْكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ وذَلِكَ في الآخِرَةِ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ ﴿ وَإنَّ الفُجّارَ ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ.
والثّانِي: الظَّلَمَةُ.
ونُقِلَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ أنَّهُ قالَ لِأبِي حازِمٍ: يا لَيْتَ شِعْرِي ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ؟
فَقالَ لَهُ: اعْرِضْ عَمَلَكَ عَلى كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّكَ تَعْلَمُ ما لَكَ عِنْدَهُ، فَقالَ: وأيْنَ أجِدُهُ؟
قالَ: عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ ﴾ قالَ سُلَيْمانُ: فَأيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ؟
قالَ: قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَصْلَوْنَها ﴾ يَعْنِي: يَدْخُلُونَ الجَحِيمَ مُقاسِينَ حَرَّها ﴿ يَوْمَ الدِّينِ ﴾ أيْ: يَوْمَ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ ﴿ وَما هم عَنْها ﴾ أيْ: عَنِ الجَحِيمِ ﴿ بِغائِبِينَ ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى تَخْلِيدِ الكُفّارِ.
وأجازَ بَعْضُ العُلَماءِ أنْ تَكُونَ " عَنْها " كِنايَةً عَنِ القِيامَةِ، فَتَكُونُ فائِدَةُ الكَلامِ تَحْقِيقَ البَعْثِ.
ويَشْتَمِلُ هَذا عَلى الأبْرارِ والفُجّارِ.
ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ﴾ ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، وكانَ ابْنُ السّائِبِ يَقُولُ: الخِطابُ بِهَذا لِلْإنْسانِ الكافِرِ، لا لِرَسُولِ اللَّهِ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " يَوْمُ " بِالرَّفْعِ، والباقُونَ: بِالفَتْحِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن رَفَعَ " اليَوْمَ "، فَعَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: " يَوْمُ الدِّينِ " .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ بِإضْمارِ " هو " ونَصْبُهُ عَلى مَعْنى: هَذِهِ الأشْياءُ المَذْكُورَةُ تَكُونُ ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لا يَمْلِكُ الأمْرَ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، ولَمْ يُمَلِّكْ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ شَيْئًا كَما مَلَّكَهم في الدُّنْيا.
وكانَ مُقاتِلٌ يَقُولُ: لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ كافِرَةٍ شَيْئًا مِنَ المَنفَعَةِ.
والقَوْلُ عَلى الإطْلاقِ أصَحُّ، لِأنَّ مُقاتِلًا فِيما أحْسَبُ خافَ نَفْيَ شَفاعَةِ المُؤْمِنِينَ.
والشَّفاعَةُ إنَّما تَكُونُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ وتَمْلِيكِهِ.