الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 84 الانشقاق > الآيات ١-١٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةسُورَةُ الِانْشِقاقِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: انْشِقاقُها مِن عَلاماتِ السّاعَةِ.
وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ.
[الفُرْقانِ: ٢٢٥، الرَّحْمَنِ: ٣٧، الحاقَّةِ: ١٦] ﴿ وَأذِنَتْ لِرَبِّها ﴾ أيِ: اسْتَمَعَتْ وأطاعَتْ في الِانْشِقاقِ، مِنَ الأذْنِ، وهو الِاسْتِماعُ لِلشَّيْءِ والإصْغاءُ إلَيْهِ، وأنْشَدُوا: صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ فَإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهَمْ أذِنُوا ﴿ وَحُقَّتْ ﴾ أيْ: حُقَّ لَها أنْ تُطِيعَ رَبَّها الَّذِي خَلَقَها ﴿ وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تُمَدُّ مَدَّ الأدِيمِ، ويُزادُ في سَعَتِها.
وقالَ مُقاتِلٌ: لا يَبْقى جَبَلٌ ولا بِناءٌ إلّا دَخَلَ فِيها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقَتْ ما فِيها ﴾ مِنَ المَوْتى والكُنُوزِ ﴿ وَتَخَلَّتْ ﴾ أيْ: خَلَتْ مِن ذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ في باطِنِها شَيْءٌ.
واخْتَلَفُوا في جَوابِ هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُوراتِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مَتْرُوكٌ، لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ قَدْ تَرَدَّدَ في القُرْآنِ.
والثّانِي: أنَّهُ ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ﴾ ، كَقَوْلِ القائِلِ: إذا كانَ كَذا وكَذا فَيا أيُّها النّاسُ تَرَوْنَ ما عَمِلْتُمْ، فَيُجْعَلُ: ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ﴾ هو الجَوابَ، وتُضْمَرُ فِيهِ الفاءُ، كَأنَّ المَعْنى: يَرى الثَّوابَ والعِقابَ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ، وذَكَرَ القَوْلَيْنِ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ﴾ ﴿ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ ﴾ قالَهُ المُبَرِّدُ.
والرّابِعُ: أنَّ الجَوابَ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمُلاقِيهِ ﴾ .
فالمَعْنى: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ لَقِيَ الإنْسانُ عَمَلَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إنَّكَ عامِلٌ لِرَبِّكَ عَمَلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ساعٍ إلى رَبِّكَ سَعْيًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: و" الكَدْحُ " في اللُّغَةِ: السَّعْيُ، والدَّأْبُ في العَمَلِ في بابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
قالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ: وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما ∗∗∗ أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلى رَبِّكَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عامِلٌ لِرَبِّكَ.
وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: إلى لِقاءِ رَبِّكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمُلاقِيهِ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: فَمُلاقٍ عَمَلَكَ.
والثّانِي: فَمُلاقٍ رَبَّكَ، كَما ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا ﴾ وهو أنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ سَيِّئاتُهُ، ثُمَّ يَغْفِرُها اللَّهُ لَهُ.
وفي " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَن نُوقِشَ الحِسابَ هَلَكَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: " فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا " ؟!
قالَ: ذَلِكَ العَرْضُ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ ﴾ يَعْنِي: في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ العَيْنِ والآدَمِّيّاتِ ﴿ مَسْرُورًا ﴾ بِما أُوتِيَ مِنَ الكَرامَةِ ﴿ وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: تُغَلُّ يَدُهُ اليُمْنى إلى عُنُقِهِ، وتُجْعَلُ يَدُهُ اليُسْرى وراءَ ظَهْرِهِ ﴿ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَقُولُ: يا ويْلاهُ، يا ثُبُوراهُ، وهَذا يَقُولُهُ كُلُّ مَن وقَعَ في هَلَكَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَصْلى سَعِيرًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: " ويُصَلّى " بِضَمِّ الياءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: " ويَصْلى " بِفَتْحِ الياءِ خَفِيفَةً، إلّا أنَّ حَمْزَةَ والكِسائِيَّ يُمِيلانِها.
وقَدْ شَرَحْناهُ في سُورَةِ [النِّساءُ: ١١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا ﴿ مَسْرُورًا ﴾ بِاتِّباعِ هَواهُ، ورُكُوبِ شَهَواتِهِ ﴿ إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ ﴾ أيْ: لَنْ يَرْجِعَ إلى الآخِرَةِ، ولَنْ يُبْعَثَ وهَذِهِ صِفَةُ الكافِرِ.
قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الحَوْرُ في اللُّغَةِ: الرُّجُوعُ، وأنْشَدُوا لِلْبَيْدٍ: ؎ وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ ∗∗∗ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ <div class="verse-tafsir"