الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > تفسير سورة البلد
تفسيرُ سورةِ البلد كاملةً من زاد المسير (ابن الجوزي) (جمال الدين ابن الجوزي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 12 دقيقة قراءةسُورَةُ البَلَدِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا أُقْسِمُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أُقْسِمُ.
و " لا " دَخَلَتْ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو العالِيَةِ: " لِأُقْسِمُ " قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ " القِيامَةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
وَ " البَلَد " هاهُنا: مَكَّةُ.
أحَدُها: حِلٌّ لَكَ ما صَنَعْتَ في هَذا البَلَدِ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ حِلٌّ، وحَلالٌ، ومُحِلٌّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ نَبِيَّهُ أنْ يَفْتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْهِ بِأنْ يُحِلَّها لَهُ، فَيَكُونَ فِيها حِلًّا.
والثّانِي: فَأنْتَ مُحِلٌّ بِهَذا البَلَدِ غَيْرُ مُحْرِمٍ في دُخُولِهِ، يَعْنِي: عامَ الفَتْحَ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.
والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ بِهَذا البَلَدِ يَسْتَحِلُّونَ إخْراجَكَ وقَتْلَكَ، ويُحَرِّمُونَ قَتْلَ الصَّيْدِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوالِدٍ وما ولَدَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ وما ولَدَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أوْلادُ إبْراهِيمَ، وما ولَدَ: ذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ والِدٍ وما ولَدَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
وَفِيمَن عَنى بِالإنْسانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أبُو الأشَدَّيْنِ الجُمَحِيُّ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، [المُدَّثِّرِ: ٢٩، والِانْفِطارِ: ٥] قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أذْنَبَ ذَنْبًا، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ لَقَدْ ذَهَبَ مالِي في الكَفّاراتِ، والنَّفَقاتِ مُنْذُ دَخَلْتُ في دِينِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي كَبَدٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في نَصَبٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، فَإنَّهم قالُوا: في شِدَّةٍ.
قالَ الحَسَنُ: يُكابِدُ الشُّكْرَ عَلى السَّرّاءِ والصَّبْرَ عَلى الضَّرّاءِ، لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِهِما ويُكابِدُ مَصائِبَ الدُّنْيا، وشَدائِدَ الآخِرَةِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: في شِدَّةِ غَلَبَةٍ ومُكابَدَةٍ لِأُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن مُكابَدَةِ الأمْرِ، وهي مُعاناتُهُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: خُلِقَ مُنْتَصِبًا يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وسائِرُ الحَيَوانِ غَيْرُ مُنْتَصِبٍ، رَواهُ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وعَطِيَّةُ، والفَرّاءُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَبَدِ: الِاسْتِواءَ والِاسْتِقامَةَ.
والثّالِثُ: في وسَطِ السَّماءِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ يَعْنِي: آدَمَ ﴿ فِي كَبَدٍ ﴾ أيْ: في وسَطِ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أيْ: [أيَحْسَبُ أنْ] لَنْ نَقْدِرَ عَلى بَعْثِهِ، ومُعاقَبَتِهِ؟!
﴿ يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا ﴾ أيْ: كَثِيرًا، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، هو فُعَلٌ مِنَ التَّلَبُّدِ، وهو المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو المالُ المُتَلَبِّدُ، كَأنَّ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهو فُعَلٌ لِلْكَثْرَةِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ حُطَمٌ: إذا كانَ كَثِيرَ الحُطَمِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعائِشَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لُبَّدًا " بِضَمِّ اللّامِ، وتَشْدِيدِ الباءِ مَفْتُوحَةً.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ: " لَبْدًا " بِفَتْحِ اللّامِ وتَسْكِينِ الباءِ خَفِيفَةً.
وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: " لُبُدًا " بِرَفْعِ اللّامِ والباءِ وتَخْفِيفِهِما.
وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ أبِي الجَوْزاءِ: " لِبَدًا " بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ مُخَفَّفَةً.
وَفِيما قالَ لِأجْلِهِ ذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ: أهْلَكْتُ مالًا كَثِيرًا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، فَكَأنَّهُ اسْتَطالَ بِما أنْفَقَ.
والثّانِي: أنْفَقْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي الكَفّاراتِ مالًا كَثِيرًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
فَكَأنَّهُ نَدِمَ عَلى ما أنْفَقَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ.
والمَعْنى: أيُظَنُّ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَرَ نَفَقَتَهُ، ولَمْ يُحْصِها؟!
وكانَ قَدِ ادَّعى ما لَمْ يُنْفِقْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾ والمَعْنى: ألَمْ نَفْعَلْ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: سَبِيلُ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، والفَرّاءُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: النَّجْدانِ: الطَّرِيقانِ الواضِحانِ.
والنَّجْدُ: المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، فالمَعْنى: ألَمْ نُعَرِّفْهُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ كَتَبَيُّنِ الطَّرِيقَيْنِ العالِيَيْنِ.
والثّانِي: سَبِيلُ الهُدى والضَّلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو سَبِيلُ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ.
والثّالِثُ: الثَّدْيانِ لِيَتَغَذّى بِلَبَنِهِما، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ [فِي الدُّنْيا] .
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَلا هو اقْتَحَمَ العَقَبَةَ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَضُمَّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ﴾ كَلامًا آخَرَ فِيهِ " لا "، والعَرَبُ لا تَكادُ تُفْرِدُ " لا " في الكَلامِ حَتّى يُعِيدُوها عَلَيْهِ في كَلامٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى ﴾ ، ﴿ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ .
ومَعْنى " لا " مَأْخُوذٌ مِن آخَرِ هَذا الكَلامِ، فاكْتَفى بِواحِدَةٍ مِنَ الأُخْرى، ألا تَرى أنَّهُ فَسَّرَ اقْتِحامَ العَقَبَةِ، فَقالَ: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ.
﴾ ﴿ أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فَفَسَّرَها بِثَلاثَةِ أشْياءَ.
فَكَأنَّهُ كانَ في أوَّلِ الكَلامِ: فَلا فَعَلَ ذا، ولا ذا، وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أفَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ؟
عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: فَهَلّا أنْفَقَ مالَهُ في فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ لِيُجاوِزَ بِذَلِكَ العَقَبَةَ؟!
.
فَأمّا: الِاقْتِحامُ فَقَدْ بَيَّناهُ في [ص: ٥٩] .
وَفِي العَقَبَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
والثّانِي: عَقَبَةٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: سَبْعُونَ دَرَكَةً في جَهَنَّمَ، قالَهُ كَعْبٌ.
والرّابِعُ: الصِّراطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والخامِسُ: نارٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والسّادِسُ: طَرِيقُ النَّجاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: أنَّ ذِكْرَ العَقَبَةِ هاهُنا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمُجاهِدَةِ النَّفْسِ والهَوى والشَّيْطانِ في أعْمالِ البِرِّ، فَجَعَلَهُ كالَّذِي يَتَكَلَّفُ صُعُودَ العَقَبَةِ.
يَقُولُ: لَمْ يَحْمِلْ عَلى نَفْسِهِ المَشَقَّةَ بِعِتْقِ الرَّقَبَةِ والإطْعامِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ ما فِيهِ ﴿ وَما أدْراكَ ﴾ فَقَدْ أخْبَرَهُ بِهِ، وكُلُّ ما فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟
.
ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، إلّا عَبْدَ الوارِثِ، والكِسائِيُّ، والدّاجُونِيُّ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: " فَكَّ " بِفَتْحِ الكافِ " رَقَبَةً " بِالنَّصْبِ " أوْأطْعَمَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمِ وسُكُونِ الطّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ: " فَكُّ " بِالرَّفْعِ " رَقَبَةٍ " بِالخَفْضِ " أوْ إطْعامٌ " بِالألِفِ.
ومَعْنى فَكِّ الرَّقَبَةِ: تَخْلِيصُها مِن أسْرِ الرِّقِّ، وكُلُّ شَيْءٍ أطْلَقْتَهُ فَقَدْ فَكَكْتَهُ.
ومَن قَرَأ " فَكَّ رَقَبَةً " عَلى الفِعْلِ، فَهو تَفْسِيرُ اقْتِحامِ العَقَبَةِ بِالفِعْلِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَسْغَبَةُ: المَجاعَةُ.
يُقالُ: سَغَبَ يَسْغَبُ سُغُوبًا: إذا جاعَ ﴿ يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ ﴾ أيْ: ذا قَرابَةٍ ﴿ أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ ﴾ أيْ: ذا فَقْرٍ كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَطْرُوحُ في التُّرابِ لا يَقِيهِ شَيْءٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ القُرَبَ إنَّما تَنْفَعُ مَعَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ و " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ عَلى فَرائِضِ اللَّهِ وأمْرِهِ ﴿ وَتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ ﴾ أيْ: بِالتَّراحُمِ بَيْنَهم.
وقَدْ ذَكَرْنا أصْحابَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ في [الواقِعَةِ: ٧، ٨] قالَ الفَرّاءُ: و " المُؤْصَدَةُ " المُطْبَقَةُ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أبْوابُها عَلَيْهِمْ مُطْبَقَةٌ فَلا يُفْتَحُ لَها بابٌ، ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ، ولا يَدْخُلُ فِيها رَوْحٌ آخِرَ الأبَدِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أوْصَدْتُ البابَ وآصَدْتُهُ: إذا أطْبَقْتُهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ العَذابَ مُطْبِقٌ عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مُوصَدَةٌ " بِغَيْرِ هَمْزٍ هاهُنا وفي [الهُمَزَةِ: ٨] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالهَمْزِ في المَوْضِعَيْنِ.