الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > تفسير سورة العلق
تفسيرُ سورةِ العلق كاملةً من زاد المسير (ابن الجوزي) (جمال الدين ابن الجوزي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةسُورَةُ العَلَقِ وَتُسَمّى: سُورَةَ القَلَمِ، وسُورَةَ العَلَقِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَهِيَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ عَلَيْهِ في أوَّلِ الوَحْيِ خَمْسُ آياتٍ مِنها، ثُمَّ نَزَلَ باقِيها في أبِي جَهْلٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اقْرَأْ ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ في الحَرْفَيْنِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ والباءُ زائِدَةٌ.
وَقالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: اذْكُرِ اسْمَهُ مُسْتَفْتِحًا بِهِ قِراءَتَكَ.
وإنَّما قالَ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ ﴾ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّهُ الخالِقُ دُونَ أصْنامِهِمْ.
والإنْسانُ هاهُنا: ابْنُ آدَمَ.
والعَلَقُ: جَمْعُ عَلَقَةٍ، وقَدْ بَيَّنّاها في سُورَةِ " الحَجِّ " قالَ الفَرّاءُ: لَمّا كانَ الإنْسانُ في مَعْنى الجَمْعِ جَمَعَ العَلَقَ مَعَ مُشاكَلَةِ رُؤُوسِ الآياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اقْرَأْ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ.
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ ﴾ قالَ الخَطّابِيُّ: الأكْرَمُ: الَّذِي لا يُوازِيهِ كَرَمٌ، ولا يُعادِلُهُ في الكَرَمِ نَظِيرٌ.
وقَدْ يَكُونُ الأكْرَمُ بِمَعْنى الكَرِيمِ، كَما جاءَ الأعَزُّ والأطْوَلُ بِمَعْنى العَزِيزِ والطَّوِيلِ.
وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الكَرِيمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ ﴾ أيْ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ ﴿ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ﴾ مِنَ الخَطِّ، والصَّنائِعِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: حَقًّا.
وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ كَلا ﴾ لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلَّمَهُ.
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى ﴾ يَعْنِي: أبا جَهْلٍ.
وكانَ إذا أصابَ مالًا أشِرَ وبَطَرَ في ثِيابِهِ، ومَراكِبِهِ، وطَعامِهِ.
﴿ أنْ رَآهُ اسْتَغْنى ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: أنْ رَأى نَفْسَهُ اسْتَغْنى.
و " الرُّجْعى " المَرْجِعُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى ﴾ مَعْنى: أرَأيْتَ: تَعْجِيبُهُ المُخاطَبَ، وإنَّما كَرَّرَها لِلتَّأْكِيدِ والتَّعْجِيبِ.
والمُرادُ بِالنّاهِي هاهُنا: أبُو جَهْلٍ.
«قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ؟
قالُوا: نَعَمْ.
قالَ: فَبِالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ لَئِنْ رَأيْتُهُ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ.
فَقِيلَ لَهُ: هاهُوَ ذاكَ يُصَلِّي.
فانْطَلَقَ لِيَطَأ عَلى رَقَبَتِهِ، فَما فَجَأهم إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ، ويَتَّقِي بِيَدَيْهِ، فَأتَوْهُ، فَقالُوا: مالَكَ ياأبا الحَكَمِ؟
فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ، وهَوْلًا وأجْنِحَةً.
وقالَ نَبِيُّ اللَّهِ : " والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا "، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ.» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا؟!
فانْصَرَفَ إلَيْهِ النَّبِيُّ فَزَبَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ ما بِها نادٍ أكْثَرُ مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ﴾ ﴿ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ دَعا نادِيَهُ لَأخَذَتْهُ زَبانِيَةُ اللَّهِ.» قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالعَبْدِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ .
وقِيلَ: كانَتِ الصَّلاةُ صَلاةَ الظُّهْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى ﴾ يَعْنِي المَنهِيَّ وهو النَّبِيُّ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ يَعْنِي: النّاهِي، وهو أبُو جَهْلٍ، قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى، وهو كاذِبٌ مُتَوَلٍّ عَنِ الذِّكْرِ، فَأيُّ شَيْءٍ أعْجَبُ مِن هَذا؟!
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقْدِيرُهُ: أرَأيْتَهُ مُصِيبًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَعْلَمْ ﴾ يَعْنِي: أبا جَهْلٍ ﴿ بِأنَّ اللَّهَ يَرى ﴾ ذَلِكَ فَيُجازِيهِ ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ ذَلِكَ ﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ ﴾ عَنْ تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ وشَتْمِهِ وإيذائِهِ ﴿ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ ﴾ السَّفْعُ: الأخْذُ، والنّاصِيَةُ: مُقَدَّمُ الرَّأْسِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: سَفَعْتُ بِيَدِهِ، أيْ: أخَذْتُ بِها.
وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَ عَلَيْهِ وجَذَبْتَهُ جَذْبًا شَدِيدًا.
والمَعْنى: لَنَجُرَنَّ ناصِيَتَهُ إلى النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ناصِيَةٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي بَدَلٌ، فَلِذَلِكَ جَرَّها.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: بِناصِيَةٍ صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ، كَما يُقالُ: نَهارُهُ صائِمٌ، ولَيْلُهُ قائِمٌ، أيْ: هو صائِمٌ في نَهارِهِ، قائِمٌ في لَيْلِهِ ﴿ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ﴾ أيْ: أهْلَ نادِيهِ، وهم أهْلُ مَجْلِسِهِ فَلْيَسْتَنْصِرْهم ﴿ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ﴾ قالَ عَطاءٌ: هُمُ المَلائِكَةُ الغِلاظُ الشِّدادُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ.
وقالَ قَتادَةُ: الزَّبانِيَةُ في كَلامِ العَرَبِ: الشُّرَطُ.
قالَ الفَرّاءُ: كانَ الكِسائِيُّ يَقُولُ: لَمْ أسْمَعْ لِلزَّبانِيَةِ بِواحِدٍ، ثُمَّ قالَ بِأخَرَةٍ: واحِدُ الزَّبانِيَةِ: زِبْنِيٌّ، فَلا أدْرِي أقِياسًا مِنهُ أوْ سَماعًا.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: واحِدُ الزَّبانِيَةِ: زِبْنِيَةٌ، وهو كُلُّ مُتَمَرِّدٍ مِن إنْسٍ، أوْ جانٍّ.
يُقالُ: فُلانٌ زِبْنِيَةٌ عِفْرِيَةٌ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّبْنِ، وهو الدَّفْعُ، كَأنَّهم يَدْفَعُونَ أهْلَ النّارِ إلَيْها.
قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الزَّبْنُ: الدَّفْعُ.
يُقالُ: ناقَةٌ زَبُونٌ: إذا زَبَنَتْ حالِبَها، ودَفَعَتْهُ بِرِجْلِها.
وتَزابَنَ القَوْمُ: تَدارَؤُوا.
واشْتِقاقُ الزَّبانِيَةِ مِنَ الزَّبْنِ.
واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما عَلَيْهِ أبُو جَهْلٍ ﴿ لا تُطِعْهُ ﴾ في تَرْكِ الصَّلاةِ ﴿ واسْجُدْ ﴾ أيْ: صِلِّ لِلَّهِ ﴿ واقْتَرِبْ ﴾ إلَيْهِ بِالطّاعَةِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ واقْتَرِبْ ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ .
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ.
ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: اسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّانِي: واقْتَرِبْ يا أبا جَهْلٍ تَهَدُّدًا لَهُ، رَواهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ بَعْضِ القُدَماءِ.
وهَذا يَشْرَحُهُ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي قَدَّمْناهُ.
ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: " «أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ فَأكْثِرُوا الدُّعاءَ» " .