تفسير سورة الناس الآيات ١-٦ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 114 الناس > الآيات ١-٦

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ ١ مَلِكِ ٱلنَّاسِ ٢ إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ ٣ مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ ٤ ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ ٥ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ ٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 7 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

هذه السورة مكية -كالسورة التي قبلها في قول من ذكرنا- ولا علاقة لها بسحر ولا بما هو من ناحيته.

وإنما هي أمر إلهي بالاستعاذة بالله والالتجاء إليه والاستعانة به على دفع شر عظيم يشبه الشرور التي ذكرت في الآية المتقدمة، ولكنه شر قد يسهو عنه الناس فلا يبالون به لأنه يأتيهم من ناحية شهواتهم وتلتبس به قواهم من حيث لا يشعرون فيقعون به في سيئات الأعمال، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.

ولما كان من الخفاء بحيث تضعف قوة الإنسان عن دفعه بسهولة احتاج إلى الاستعانة عليه بالله واللياذ بجواره منه، وذلك الشر هو شر الوسواس قال: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ  ﴾ أي ألجأ إليه وأستعين به.

ورب الناس الذي يربيهم بالنعم ويؤدبهم بالنقم.

(ملك الناس) الذي يحكمهم ويضبط أعمالهم، ويدبر قواهم، ويضع لهم الشرائع، ويحدد لهم الحدود العامة التي لا يباح لهم الخروج عنها، (إله الناس) المستولي على قلوبهم بعظمته فلا يحيطون بكنه سلطته، وإنما يخشعون لها: يحيط بنواحي قلوبهم ولا يدرون من أي جانب يأتيهم.

فهو معبودهم الحق، وملاذهم إذا ضاق بهم الأمر.

وإنما خص هذه الصفات، صفات الألوهية، بالإضافة إلى الناس -مع أن الله رب كل شيء وملك كل شيء وإله كل شيء- لأن الناس هم الذين وهموا في صفاته وضلوا فيها عن حقيقة معانيها، فجعلوا لهم أربابًا ينسبون إليهم بعض النعم أو كلها، ويلجأون إليهم في استدرارها، ولقبوهم بالشفعاء..

وهم الذين تخيلوا لهم ملوكًا روحانيين يظنون أنهم هم الذين يدبرون حركاتهم، وهم الذين يرسمون لهم حدود أعمالهم بما يؤثرون عنهم من أقوالهم فيعرضون عن كتاب الله إلى كتبهم، وربما ضيعوا الكتب الإلهية فمحي أثرها اكتفاء بما يبقى في أيديهم من مبتدعات أولئك الرؤساء.

ثم إنهم لذلك يجدون في أنفسهم خشية لرؤسائهم هؤلاء، ويخيلون لهم منها سلطة روحية فيخنعون لهم خنوعهم للسلطان الإلهي، ولذلك عدوا آلهة لهم، سواء لقبوهم بهذا اللقب أم لم يلقبوهم به.

فالناس هم الذين اخترعوا بأوهامهم هؤلاء الأرباب والملوك والآلهة، فلذلك خصهم بالذكر.

أما ما يقال عن الجن من أنهم فعلوا مثل الناس فذلك مما لا يظهر للناس، ولهذا لم يعتبرهم.

وإنما كرر ذكر الناس باللفظ الظاهر دون الضمير لتقرير الأمر فضل تقرير لشدة تعلق الجمهور الأعظم من الناس بخيالاتهم، وتمسكهم بأوهامهم، وظنهم أنهم -لكونهم ناسًا أي بشرًا، عقلاء متفكرين- قد وصلوا فيما تعلقوا به إلى ما هو الصحيح المنطبق على الواقع.

فأراد أن ينبه -بذكر اللفظ الدال عليهم بجانب كل صفة- إلى أن الله هو ربهم، وهم أناس متفكرون، وملكهم وهم كذلك، وإلههم وهم كذلك.

وباطل ما اخترعوا لأنفسهم بعقولهم من حيث هم بشر.

فإذا لم يكن للإنسان رب، ولا ملك ولا إله إلا الله فاستعذ به وحده (من شر الوسواس).

أصل الوسوسة الصوت الخفي.

وقد قيل لأصوات الحلي عند الحركة وسوسة.

والوسواس ههنا صفة كالثرثار، أو اسم مصدر استعمل استعمال الصفة.

والمراد منه الذي يلقي الحديث في النفس، حديث السوء.

(الخناس): ممن خنس إذا رجع.

وهذه الأحاديث النفسية إذا سلط عليها نظر العقل في العواقب خفيت واضمحلت وسكن الموسوس عن إلقائها.

وحديث النفس بالفواحش، وضروب الأذى بالناس -إذا ذكر دين الله وأحضرت النفس مثال شرعه- ذهب ذلك الحديث هباء وخشي الموسوس وكذلك إذا وسوس لك أحد من الناس، وبعثك على فعل سوء، وذكرت ذلك وذكرته به، رأيته يخنس ويمسك عن القول إلى أن يجد فرصة أخرى.

فالموسوس بالشر كثير الخنوس لأنه من ناحية الباطل لا مكنة له على مقاومة الحق إذا صدمه، ولكنه يذهب بالنفس إلى أسوأ المصائر إذا انجرت مع الوسوسة، وانساقت بها إلى تحقيق الخاطر بالفعل.

وإنما ذكر الله لنا هذا الوصف (الخناس) لينبهنا إلى مكان الموسوس من الضعف لنلتمس السبيل إلى دفعه مع الاستعانة بالله عليه، وليدلنا على أن ما أصاب الناس من قبله إنما كان من ضعف عزائمهم وعشا بصائرهم، ولو استعملوا قواهم فيما جعلها الله له ما نجع الوسواس في نفوسهم، ولا جرهم إلى سوء مصيرهم.

وقد وصف الله الوسواس الخناس بقوله: ﴿ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ  مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ  ﴾ من الجنة والناس بيان للذي يوسوس أو بيان للوسواس الخناس.

فالموسوسون قسمان: قسم الجنة وهم الخلق المستترون الذين لا نعرفهم، وإنما نجد في أنفسنا أثرًا ينسب إليهم.

ولكل واحد من الناس شيطان.

وهي قوة نازعة إلى الشر يحدث منها في نفسه خواطر السوء.

وإنما جعل الوسوسة في الصدور على ما عهد في كلام العرب من أن الخواطر في القلب، والقلب مما حواه الصدر عندهم.

وكثيرًا ما يقال: إن الشك يحوك في صدره، وما الشك إلا في نفسه وعقله.

وأفاعيل العقل في المخ وإن كان يظهر لها أثر في حركات الدم، وضربات القلب، وضيق الصدر أو انبساطه.

وكل ما أوردوه في خرطوم الشيطان، وخطمه ومنقاره وجثومه على الصدر أو القلب ونحو ذلك -فهو من التمثيل والتصوير.

وإلا فليجعلوا مثل ذلك للقسم الثاني من الوسواس أو الموسوسين -وهم الناس- فإن الله نسب الوسوسة إليهم على السواء، فقال : ﴿ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ  ﴾ فليكن للناس الذين يوسوسون في صدور الناس خرطوم وخطم ومنقار يدخل في الصدور ويوضع على أذن القلب.

فإذا ذكر الله خنس الخرطوم، كما ذكروه في الجنة، ولكنهم يكثرون الوصف ويخترعون ما يشاءون بأوهامهم فيما لا يراه الناس -وإن كانوا لا يعقلونه- ويجترئون على الغيب فيذكرون من شؤونه ما استأثر الله بعلمه، ثم لا يكفيهم ذلك حتى يخترعوا من الأحاديث ما يسند أوهامهم، وينسبون إلى السلف ما يظنون أنه يقوي مزاعمهم.

والله يشهد أن النبي  والسلف الصالح براء مما ينسب إليهم من ذلك كله.

وإنما هو من اختراع من لم يرض لنفسه أن يقترف جريمة واحده: جريمة الجرأة على الغيب بوهمه، حتى يضم إلى ذلك جريمة الكذب على رسول الله  وسلف الأمة ..

أولئك الذين إذا انجر القول بهم إلى ما يعرفه الناس ويمكنهم أن يكذبوهم فيه سكتوا سكوت البكم، ولجأوا إلى سلاحهم الذي يشرعونه في وجوه الجبناء، وقالوا: هكذا مذهب أهل السنة، كأنه السنة عندهم مذهب جسماني محض لا شائبة من الروحانية فيه، وافتروا على أهل السنة -وهم السلف- ما لا يعرفونه.

وماذا عليهم لو أخذوا السنة والكتاب، ونظروا إلى الدين جملة، وفسروا بعض نصوصه ببعض كما هو الواجب على المسلم الذي يؤمن بالكتاب كله، وليس من الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض؟.

نعوذ بالله من الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس.

والله أعلم.

كــشــاف مصادر الدراسة والتحقيق فهرس تحليلي للموضوعات والأفكار..

فهرس عام للأعلام..

والأماكن..

والفرق والمذاهب والجمعيات..

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله