الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٠١٤
الحديث رقم ١٠١٤ من كتاب «كتاب الاستسقاء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٢٩⦘
الشَّجَرِ. قَالَ: فَأَقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ قَالَ شَرِيكٌ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ؟ فَقَالَ: مَا أَدْرِي.»
بَابُ الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى الْمِنْبَرِ
١٠١٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْمِنْبَرِ وَلَا تَحْوِيلَ فِيهِ وَلَا اسْتِقْبَالَ، وَالِاجْتِزَاءُ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَنْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ نَوَاهَا مَعَ الْجُمُعَةِ، وَفِيهِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ فِي إِجَابَةِ اللَّهِ دُعَاءَ نَبِيِّهِ ﵊ عَقِبَهُ أَوْ مَعَهُ ابْتِدَاءً فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَانْتِهَاءً فِي الِاسْتِصْحَاءِ وَامْتِثَالِ السَّحَابِ أَمْرَهُ بِمُجَرَّدِ الْإِشَارَةِ، وَفِيهِ الْأَدَبُ فِي الدُّعَاءِ حَيْثُ لَمْ يَدْعُ بِرَفْعِ الْمَطَرِ مُطْلَقًا لِاحْتِمَالِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى اسْتِمْرَارِهِ فَاحْتَرَزَ فِيهِ بِمَا يَقْتَضِي رَفْعَ الضَّرَرِ وَبَقَاءَ النَّفْعِ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَسَخَّطَهَا لِعَارِضٍ يَعْرِضُ فِيهَا، بَلْ يَسْأَلُ اللَّهَ رَفْعَ ذَلِكَ
الْعَارِضِ وَإِبْقَاءَ النِّعْمَةِ. وَفِيهِ أَنَّ الدُّعَاءَ بِرَفْعِ الضَّرَرِ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ وَإِنْ كَانَ مَقَامُ الْأَفْضَلِ التَّفْوِيض (١)؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ عَالِمًا بِمَا وَقَعَ لَهُمْ مِنَ الْجَدْبِ، وَأَخَّرَ السُّؤَالَ فِي ذَلِكَ تَفْوِيضًا لِرَبِّهِ، ثُمَّ أَجَابَهُمْ إِلَى الدُّعَاءِ لَمَّا سَأَلُوهُ فِي ذَلِكَ بَيَانًا لِلْجَوَازِ وَتَقْرِيرَ السُّنَّةِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ الْخَاصَّةِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَبَسُّمِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ تَعَجُّبًا مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ، وَجَوَازُ الصِّيَاحِ فِي الْمَسْجِدِ بِسَبَبِ الْحَاجَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ. وَفِيهِ الْيَمِينُ لِتَأْكِيدِ الْكَلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَرَى عَلَى لِسَانِ أَنَسٍ بِغَيْرِ قَصْدِ الْيَمِينِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِسْقَاءِ بِغَيْرِ صَلَاةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَعَلَى أَنَّ الِاسْتِسْقَاءَ لَا تُشْرَعُ فِيهِ صَلَاةٌ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَكَرِهَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مُجَرَّدُ دُعَاءٍ لَا يُنَافِي مَشْرُوعِيَّةَ الصَّلَاةِ لَهَا، وَقَدْ بُيِّنَتْ فِي وَاقِعَةٍ أُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِدُعَاءِ الْإِمَامِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَتُعُقِّبَ بِمَا سَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونَ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الدَّعَوَاتِ عَلَى رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي كُلِّ دُعَاءٍ.
وَفِي الْبَابِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ جَمَعَهَا الْمُنْذِرِيُّ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ وَأَوْرَدَ مِنْهَا النَّوَوِيُّ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَدْرَ ثَلَاثِينَ حَدِيثًا، وَسَنَذْكُرُ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قَوْلِ أَنَسٍ كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ بَعْدَ أَرْبَعَةَ عَشْرَ بَابًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ بِالِاسْتِصْحَاءِ لِلْحَاجَةِ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ الْبُخَارِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ.
٧ - بَاب الِاسْتِسْقَاءِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةِ
١٠١٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ باب دَارِ الْقَضَاءِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعْتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةً وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٠١٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ شَرِيكٍ) هو ابن عبد الله بن أبي نَمِرٍ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁: (أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ) النَّبويَّ بالمدينة (يَوْمَ جُمُعَةٍ) بالتَّنكير لكريمة كما في «الفتح» ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «يوم الجمعة» (مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ القَضَاءِ) الَّتي بيعت في قضاء دين عمر بن الخطَّاب ﵁ الَّذي كان أنفقه من بيت المال، وكتبه على نفسه، وكان ستَّةً وثمانين ألفًا، وأوصى ابنه عبد الله أن يُباع فيه مالُه، فباع ابنه هذه الدَّار من معاوية، وكان يقال لها: دار قضاء (١) دين عمر، ثمَّ طال ذلك فقيل لها: دار القضاء (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ) حال كونه (يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ) الرَّجلُ (رَسُولَ اللهِ ﷺ) حال كونه (قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ) أي: المواشي (وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) الطُّرق (فَادْعُ اللهَ يَُغِثُنَا) بضمِّ أوَّله مِن أغاث، أي: أجاب، وفتحِه، مِن: غاث المطر (٢)، كذا ثبت الوجهان هنا في فرع (٣) «اليونينيَّة»، وبرفع المثلَّثة بتقدير: هو، أو أنَّ أصله: أَنْ يغيثَنا كرواية أبي ذرٍّ في السَّابقة، فحُذِفَت «أَنْ» فارتفع الفعل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يغثْنا» بالجزم على الجواب كما مرَّ (فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ) زاد ابن خزيمة من رواية حُميدٍ عن أنسٍ: «حتَّى رأيتُ بياض إبطَيه» وللنَّسائيِّ: «ورفع النَّاس أيديَهم مع رسول الله ﷺ يدعون» (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا) ثلاث مرَّاتٍ كما في السَّابقة، لكنَّه قال فيها: «اسقِنا» قال الزَّركشيُّ: كذا الرِّواية «أَغثنا» بالهمز رباعيًّا، أي: هب لنا غيثًا، والهمزة فيه للتَّعدية، وقيل: صوابه: «غِثْنَا» مِن غَاث، قالوا: وأمَّا أغثنا فإنَّه (٤) من الإغاثة وليس من طلب الغيث، قال في «المصابيح»: وعلى تقدير تسليمه لا يضرُّ اعتبار الإغاثة من الغَوث في هذا المقام، ولا ثَمَّ ما ينافيه، والرِّواية ثابتةٌ به، ولها وجهٌ، فلا
سبيل إلى دفعها بمجرَّد ما قيل. انتهى. وأشار بقوله: ولها وجهٌ، إلى ما مرَّ في الباب السَّابق أنَّه يقال: غاث وأغاث بمعنًى، وقال ابن دريدٍ: الأصل: غاثه الله يغوثه غوثًا، فأُمِيْتَ، واستُعمِلَ: أغاثه، ويحتمل أن يكون معنى «أغثنا»: أعطنا غوثًا وغَيثًا (قَالَ أَنَسٌ: وَلَا) بالواو، وللأَصيليِّ: «فلا» (وَاللهِ، مَا نَرَى) كرر النَّفي قبل القَسَم، وبعده للتَّأكيد (١)، وإلَّا فلو قال: فوالله (٢) ما نرى لكان الكلام مستقيمًا، وكذا لو قال: فلا نرى والله (فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ) مجتمعٍ (وَلَا قَزَعَةً) بالقاف والزَّاي والمهملة المفتوحات، والنَّصب على التَّبعيَّة لـ «سحابٍ» من جهة المحلِّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قَزَعةٍ» بالجرِّ على التَّبعيَّة له من جهة اللَّفظ، وهي القطعة الرَّقيقة من السَّحاب كما مرَّ (وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ) الجبل المعروف (مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ) يحجب عن الرُّؤية (قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ) أي: الجبل (سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ) في الاستدارة والكثافة (فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ) السَّحابة (السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ) وسقط عند الأربعة لفظ: «السَّماء» (ثُمَّ أَمْطَرَتْ، فَلَا وَاللهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا) بكسر السِّين، أي: ستَّة أيَّامٍ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «سَبْتًا» بفتح السِّين وسكون الموحَّدة، أي: مِن سبتٍ إلى سبتٍ بدليل الرِّواية الأخرى: «من جمعةٍ إلى جمعةٍ»، أو (٣) السَّبت قطعةٌ من الزَّمان، وقد (٤) استدلَّ الأُبِّيُّ لتصحيح رواية: «سِتًّا» بالكسر، برواية (٥): «مِن (٦) جمعةٍ إلى جمعةٍ» قال: لأنَّه إذا أُزيلَت الجمعتان اللَّتان (٧) دعا فيهما صحَّ ذلك. انتهى. وقد مرَّ أنَّه
لا تنافي بين الرِّوايتَين، وحينئذٍ فرواية: «سِتًّا» بكسر السِّين، لا تصحيف فيها -كما زعم بعضهم- وكيف يقال ذلك مع رواية الثِّقات الأثبات لها والتَّوجيه الصَّحيح، فتأمَّل، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ هنا (١): «سبعًا» بالعين بعد الموحِّدة أي: سبعة أيَّامٍ (٢) (ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ) آخرُ، أو هو الأوَّل (مِنْ ذَلِكَ البَابِ فِي الجُمُعَةِ) زاد في رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «يعني الثَّانية» (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ) حال كونه (يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ) حال كونه (قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ) بسببٍ غير السَّبب الأوَّل، وهو كثرة الماء المانع للماشية مِن الرَّعي (٣)، أو لعدم ما يكنُّها (وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) لتعذُّر سلوكها مِن كثرة المطر (فَادْعُ اللهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا) بالجزم على الطَّلب، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «أَنْ يمسِكَها» وفي رواية قتادةَ: «فادعُ ربَّك يحبسْها عنَّا، فضحك» وفي رواية ثابتٍ: «فتبسَّم» وزاد في رواية حُميدٍ: «لسرعة مَلال ابن آدم» (قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا) فيه حذفٌ، أي: أمطرْ في الأماكن الَّتي حوالينا، ولا تمطرْ علينا، وفي إدخال الواو في قوله: «ولا علينا» معنًى دقيقٌ؛ وذلك أنَّه لو أسقطها لكان مستسقيًا للآكام والظِّراب ونحوها ممَّا لا يستسقى له لقلَّة الحاجة إلى الماء هنالك، وحيث أدخل الواو آذن بأنَّ طلب المطر على هذه الجهات ليس مقصودًا لعينه ولكن ليكون وقايةً من أذى المطر على نفس المدينة، فليست الواو متمحِّضةً (٤) للعطف، ولكنَّها كواو التَّعليل (٥)،
وهو كقولهم: تجوع الحرَّة ولا تأكل (١) بثديَيْها، فإنَّ الجوع ليس مقصودًا لعينه، ولكن لكونه مانعًا من الرَّضاعة بأجرةٍ إذ كانوا يكرهون ذلك. انتهى. قال (٢) الدَّمامينيُّ -بعد أن نقل ذلك عن ابن المنيِّر-: فليست (٣) الواو مخلصةً للعطف، ولكنَّها كواو التَّعليل وفائِهِ، فالمراد أنَّه إِنْ (٤) سبق في قضائك أَنْ لا بدَّ من المطر فاجعلْه حول المدينة، ويدلُّ على أنَّ الواو ليست لمحض العطف اقترانُها بحرف النَّفي، ولم يتقدَّم مثلُه، ولو قلت: اِضرب زيدًا ولا عمرًا، ما استقام على العطف، قلت: لم يستقم لي إجراء هذا الكلام على القواعد، وليس لنا في كلام العرب واوٌ وُضعَت للتَّعليل، وليست «لا» هنا للنَّفي، وإنَّما هي الدُّعائيَّة مثل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] والمراد: أنزلِ المطر حوالينا حيث لا نستضرُّ به، ولا تنزله علينا حيث نستضرُّ به، فلم يطلب منع الغيث بالكليَّة، وهو من حسن الأدب في الدُّعاء لأنَّ الغيث رحمةُ الله ونعمته المطلوبة، فكيف يطلب منه رفع نعمته، وكشف رحمته؟ وإنَّما يُسأل (٥) سبحانه كشف البلاء، والمزيد من النَّعماء، وكذا (٦) فَعَلَ ﵊، فإنَّما سأل جلب النَّفع، ودفع الضَّرر، فهو استسقاءٌ بالنِّسبة إلى محلَّين، والواو: لمحض العطف، و «لا»: جازمةٌ لا نافيةٌ، ولا إشكالَ ألبتَّة، ولو حُذِفَت الواو، وجعلت «لا» نافيةً وهي مع ذلك للعطف، لاستقام الكلام، لكن أوثر الأوَّل -والله أعلم- لاشتماله على جملتَين طلبيَّتين، والمقام يناسبه (اللَّهُمَّ) أَنْزِله (عَلَى
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْمِنْبَرِ وَلَا تَحْوِيلَ فِيهِ وَلَا اسْتِقْبَالَ، وَالِاجْتِزَاءُ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَنْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ نَوَاهَا مَعَ الْجُمُعَةِ، وَفِيهِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ فِي إِجَابَةِ اللَّهِ دُعَاءَ نَبِيِّهِ ﵊ عَقِبَهُ أَوْ مَعَهُ ابْتِدَاءً فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَانْتِهَاءً فِي الِاسْتِصْحَاءِ وَامْتِثَالِ السَّحَابِ أَمْرَهُ بِمُجَرَّدِ الْإِشَارَةِ، وَفِيهِ الْأَدَبُ فِي الدُّعَاءِ حَيْثُ لَمْ يَدْعُ بِرَفْعِ الْمَطَرِ مُطْلَقًا لِاحْتِمَالِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى اسْتِمْرَارِهِ فَاحْتَرَزَ فِيهِ بِمَا يَقْتَضِي رَفْعَ الضَّرَرِ وَبَقَاءَ النَّفْعِ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَسَخَّطَهَا لِعَارِضٍ يَعْرِضُ فِيهَا، بَلْ يَسْأَلُ اللَّهَ رَفْعَ ذَلِكَ
الْعَارِضِ وَإِبْقَاءَ النِّعْمَةِ. وَفِيهِ أَنَّ الدُّعَاءَ بِرَفْعِ الضَّرَرِ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ وَإِنْ كَانَ مَقَامُ الْأَفْضَلِ التَّفْوِيض (١)؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ عَالِمًا بِمَا وَقَعَ لَهُمْ مِنَ الْجَدْبِ، وَأَخَّرَ السُّؤَالَ فِي ذَلِكَ تَفْوِيضًا لِرَبِّهِ، ثُمَّ أَجَابَهُمْ إِلَى الدُّعَاءِ لَمَّا سَأَلُوهُ فِي ذَلِكَ بَيَانًا لِلْجَوَازِ وَتَقْرِيرَ السُّنَّةِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ الْخَاصَّةِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَبَسُّمِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ تَعَجُّبًا مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ، وَجَوَازُ الصِّيَاحِ فِي الْمَسْجِدِ بِسَبَبِ الْحَاجَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ. وَفِيهِ الْيَمِينُ لِتَأْكِيدِ الْكَلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَرَى عَلَى لِسَانِ أَنَسٍ بِغَيْرِ قَصْدِ الْيَمِينِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِسْقَاءِ بِغَيْرِ صَلَاةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَعَلَى أَنَّ الِاسْتِسْقَاءَ لَا تُشْرَعُ فِيهِ صَلَاةٌ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَكَرِهَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مُجَرَّدُ دُعَاءٍ لَا يُنَافِي مَشْرُوعِيَّةَ الصَّلَاةِ لَهَا، وَقَدْ بُيِّنَتْ فِي وَاقِعَةٍ أُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِدُعَاءِ الْإِمَامِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَتُعُقِّبَ بِمَا سَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونَ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الدَّعَوَاتِ عَلَى رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي كُلِّ دُعَاءٍ.
وَفِي الْبَابِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ جَمَعَهَا الْمُنْذِرِيُّ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ وَأَوْرَدَ مِنْهَا النَّوَوِيُّ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَدْرَ ثَلَاثِينَ حَدِيثًا، وَسَنَذْكُرُ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قَوْلِ أَنَسٍ كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ بَعْدَ أَرْبَعَةَ عَشْرَ بَابًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ بِالِاسْتِصْحَاءِ لِلْحَاجَةِ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ الْبُخَارِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ.
٧ - بَاب الِاسْتِسْقَاءِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةِ
١٠١٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ باب دَارِ الْقَضَاءِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعْتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةً وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٠١٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ شَرِيكٍ) هو ابن عبد الله بن أبي نَمِرٍ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁: (أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ) النَّبويَّ بالمدينة (يَوْمَ جُمُعَةٍ) بالتَّنكير لكريمة كما في «الفتح» ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «يوم الجمعة» (مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ القَضَاءِ) الَّتي بيعت في قضاء دين عمر بن الخطَّاب ﵁ الَّذي كان أنفقه من بيت المال، وكتبه على نفسه، وكان ستَّةً وثمانين ألفًا، وأوصى ابنه عبد الله أن يُباع فيه مالُه، فباع ابنه هذه الدَّار من معاوية، وكان يقال لها: دار قضاء (١) دين عمر، ثمَّ طال ذلك فقيل لها: دار القضاء (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ) حال كونه (يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ) الرَّجلُ (رَسُولَ اللهِ ﷺ) حال كونه (قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ) أي: المواشي (وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) الطُّرق (فَادْعُ اللهَ يَُغِثُنَا) بضمِّ أوَّله مِن أغاث، أي: أجاب، وفتحِه، مِن: غاث المطر (٢)، كذا ثبت الوجهان هنا في فرع (٣) «اليونينيَّة»، وبرفع المثلَّثة بتقدير: هو، أو أنَّ أصله: أَنْ يغيثَنا كرواية أبي ذرٍّ في السَّابقة، فحُذِفَت «أَنْ» فارتفع الفعل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يغثْنا» بالجزم على الجواب كما مرَّ (فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ) زاد ابن خزيمة من رواية حُميدٍ عن أنسٍ: «حتَّى رأيتُ بياض إبطَيه» وللنَّسائيِّ: «ورفع النَّاس أيديَهم مع رسول الله ﷺ يدعون» (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا) ثلاث مرَّاتٍ كما في السَّابقة، لكنَّه قال فيها: «اسقِنا» قال الزَّركشيُّ: كذا الرِّواية «أَغثنا» بالهمز رباعيًّا، أي: هب لنا غيثًا، والهمزة فيه للتَّعدية، وقيل: صوابه: «غِثْنَا» مِن غَاث، قالوا: وأمَّا أغثنا فإنَّه (٤) من الإغاثة وليس من طلب الغيث، قال في «المصابيح»: وعلى تقدير تسليمه لا يضرُّ اعتبار الإغاثة من الغَوث في هذا المقام، ولا ثَمَّ ما ينافيه، والرِّواية ثابتةٌ به، ولها وجهٌ، فلا
سبيل إلى دفعها بمجرَّد ما قيل. انتهى. وأشار بقوله: ولها وجهٌ، إلى ما مرَّ في الباب السَّابق أنَّه يقال: غاث وأغاث بمعنًى، وقال ابن دريدٍ: الأصل: غاثه الله يغوثه غوثًا، فأُمِيْتَ، واستُعمِلَ: أغاثه، ويحتمل أن يكون معنى «أغثنا»: أعطنا غوثًا وغَيثًا (قَالَ أَنَسٌ: وَلَا) بالواو، وللأَصيليِّ: «فلا» (وَاللهِ، مَا نَرَى) كرر النَّفي قبل القَسَم، وبعده للتَّأكيد (١)، وإلَّا فلو قال: فوالله (٢) ما نرى لكان الكلام مستقيمًا، وكذا لو قال: فلا نرى والله (فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ) مجتمعٍ (وَلَا قَزَعَةً) بالقاف والزَّاي والمهملة المفتوحات، والنَّصب على التَّبعيَّة لـ «سحابٍ» من جهة المحلِّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قَزَعةٍ» بالجرِّ على التَّبعيَّة له من جهة اللَّفظ، وهي القطعة الرَّقيقة من السَّحاب كما مرَّ (وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ) الجبل المعروف (مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ) يحجب عن الرُّؤية (قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ) أي: الجبل (سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ) في الاستدارة والكثافة (فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ) السَّحابة (السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ) وسقط عند الأربعة لفظ: «السَّماء» (ثُمَّ أَمْطَرَتْ، فَلَا وَاللهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا) بكسر السِّين، أي: ستَّة أيَّامٍ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «سَبْتًا» بفتح السِّين وسكون الموحَّدة، أي: مِن سبتٍ إلى سبتٍ بدليل الرِّواية الأخرى: «من جمعةٍ إلى جمعةٍ»، أو (٣) السَّبت قطعةٌ من الزَّمان، وقد (٤) استدلَّ الأُبِّيُّ لتصحيح رواية: «سِتًّا» بالكسر، برواية (٥): «مِن (٦) جمعةٍ إلى جمعةٍ» قال: لأنَّه إذا أُزيلَت الجمعتان اللَّتان (٧) دعا فيهما صحَّ ذلك. انتهى. وقد مرَّ أنَّه
لا تنافي بين الرِّوايتَين، وحينئذٍ فرواية: «سِتًّا» بكسر السِّين، لا تصحيف فيها -كما زعم بعضهم- وكيف يقال ذلك مع رواية الثِّقات الأثبات لها والتَّوجيه الصَّحيح، فتأمَّل، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ هنا (١): «سبعًا» بالعين بعد الموحِّدة أي: سبعة أيَّامٍ (٢) (ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ) آخرُ، أو هو الأوَّل (مِنْ ذَلِكَ البَابِ فِي الجُمُعَةِ) زاد في رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «يعني الثَّانية» (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ) حال كونه (يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ) حال كونه (قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ) بسببٍ غير السَّبب الأوَّل، وهو كثرة الماء المانع للماشية مِن الرَّعي (٣)، أو لعدم ما يكنُّها (وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) لتعذُّر سلوكها مِن كثرة المطر (فَادْعُ اللهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا) بالجزم على الطَّلب، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «أَنْ يمسِكَها» وفي رواية قتادةَ: «فادعُ ربَّك يحبسْها عنَّا، فضحك» وفي رواية ثابتٍ: «فتبسَّم» وزاد في رواية حُميدٍ: «لسرعة مَلال ابن آدم» (قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا) فيه حذفٌ، أي: أمطرْ في الأماكن الَّتي حوالينا، ولا تمطرْ علينا، وفي إدخال الواو في قوله: «ولا علينا» معنًى دقيقٌ؛ وذلك أنَّه لو أسقطها لكان مستسقيًا للآكام والظِّراب ونحوها ممَّا لا يستسقى له لقلَّة الحاجة إلى الماء هنالك، وحيث أدخل الواو آذن بأنَّ طلب المطر على هذه الجهات ليس مقصودًا لعينه ولكن ليكون وقايةً من أذى المطر على نفس المدينة، فليست الواو متمحِّضةً (٤) للعطف، ولكنَّها كواو التَّعليل (٥)،
وهو كقولهم: تجوع الحرَّة ولا تأكل (١) بثديَيْها، فإنَّ الجوع ليس مقصودًا لعينه، ولكن لكونه مانعًا من الرَّضاعة بأجرةٍ إذ كانوا يكرهون ذلك. انتهى. قال (٢) الدَّمامينيُّ -بعد أن نقل ذلك عن ابن المنيِّر-: فليست (٣) الواو مخلصةً للعطف، ولكنَّها كواو التَّعليل وفائِهِ، فالمراد أنَّه إِنْ (٤) سبق في قضائك أَنْ لا بدَّ من المطر فاجعلْه حول المدينة، ويدلُّ على أنَّ الواو ليست لمحض العطف اقترانُها بحرف النَّفي، ولم يتقدَّم مثلُه، ولو قلت: اِضرب زيدًا ولا عمرًا، ما استقام على العطف، قلت: لم يستقم لي إجراء هذا الكلام على القواعد، وليس لنا في كلام العرب واوٌ وُضعَت للتَّعليل، وليست «لا» هنا للنَّفي، وإنَّما هي الدُّعائيَّة مثل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] والمراد: أنزلِ المطر حوالينا حيث لا نستضرُّ به، ولا تنزله علينا حيث نستضرُّ به، فلم يطلب منع الغيث بالكليَّة، وهو من حسن الأدب في الدُّعاء لأنَّ الغيث رحمةُ الله ونعمته المطلوبة، فكيف يطلب منه رفع نعمته، وكشف رحمته؟ وإنَّما يُسأل (٥) سبحانه كشف البلاء، والمزيد من النَّعماء، وكذا (٦) فَعَلَ ﵊، فإنَّما سأل جلب النَّفع، ودفع الضَّرر، فهو استسقاءٌ بالنِّسبة إلى محلَّين، والواو: لمحض العطف، و «لا»: جازمةٌ لا نافيةٌ، ولا إشكالَ ألبتَّة، ولو حُذِفَت الواو، وجعلت «لا» نافيةً وهي مع ذلك للعطف، لاستقام الكلام، لكن أوثر الأوَّل -والله أعلم- لاشتماله على جملتَين طلبيَّتين، والمقام يناسبه (اللَّهُمَّ) أَنْزِله (عَلَى