«إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٠٤٨

الحديث رقم ١٠٤٨ من كتاب «كتاب الكسوف» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي ﷺ يخوف الله عباده بالكسوف.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٠٤٨ في صحيح البخاري

«إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ». وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: لَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ الْوَارِثِ، وَشُعْبَةُ، وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ: يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ. وَتَابَعَهُ مُوسَى، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ : إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ وَتَابَعَهُ أَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ.

بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْكُسُوفِ

إسناد حديث رقم ١٠٤٨ من صحيح البخاري

١٠٤٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٠٤٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْقَمَرُ كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا يُقَالُ كَسَفَ، وَإِذَا اخْتَصَّ الْقَمَرُ بِالْخُسُوفِ أَشْعَرَ بِاخْتِصَاصِ الشَّمْسِ بِالْكُسُوفِ.

وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ الَّذِي يَتَّفِقُ لِلشَّمْسِ كَالَّذِي يَتَّفِقُ لِلْقَمَرِ، وَقَدْ سُمِّيَ فِي الْقُرْآنِ بِالْخَاءِ فِي الْقَمَرِ فَلْيَكُنِ الَّذِي لِلشَّمْسِ كَذَلِكَ. ثُمَّ سَاقَ الْمُؤَلِّفُ حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ خَسَفَتِ الشَّمْسُ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَالَ عُرْوَةُ، لَكِنْ رِوَايَاتُ غَيْرِهِ بِلَفْظِ كَسَفَتْ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

قَوْلُهُ فِيهِ: (ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ تَطْوِيلُ السُّجُودِ فِي الْكُسُوفِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.

٦ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ يُخَوِّفُ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالْكُسُوفِ قَالَ أَبُو مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ

١٠٤٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهما عِبَادَهُ. وقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ الْوَارِثِ وَشُعْبَةُ وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ: يُخَوِّفُ بِهما عِبَادَهُ. وَتَابَعَهُ أَشْعَثُ عَنْ الْحَسَنِ. وَتَابَعَهُ مُوسَى عَنْ مُبَارَكٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : يُخَوِّفُ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالْكُسُوفِ، قَالَهُ أَبُو مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ) سَيَأْتِي حَدِيثُهُ مَوْصُولًا بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ وَفِيهِ: وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْكُسُوفِ.

قَوْلُهُ: (لَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ الْوَارِثِ وَشُعْبَةُ وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ: يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ) أَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ الْوَارِثِ فَأَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ بَعْدَ عَشَرَةِ أَبْوَابٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْهُ وَلَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ وَذَكَرَ فِيهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو مَعْمَرٍ، وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ شُعْبَةَ فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ وَلَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ، وَأَمَّا رِوَايَةُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَسَبَقَتْ فِي أَوَّلِ الْكُسُوفِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَوَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ عَنْهُ بِلَفْظِ رِوَايَةِ خَالِدٍ وَمَعْنَاهُ وَقَالَ فِيهِ: فَإِذَا كَسَفَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا.

قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ أَشْعَثُ) يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيَّ (عَنِ الْحَسَنِ) يَعْنِي فِي حَذْفِ قَوْلِهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ وَقَدْ وَصَلَ النَّسَائِيُّ هَذِهِ الطَّرِيقَ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ وَلَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ مُوسَى، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرة عَنِ النَّبِيِّ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى. وَمُوسَى هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ، وَقَالَ الدِّمْيَاطِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ: هُوَ ابْنُ دَاوُدَ الضَّبِّيُّ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِأَنَّ ابْنَ إِسْمَاعِيلَ مَعْرُوفٌ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ دُونَ ابْنِ دَاوُدَ، وَلَمْ تَقَعْ لِي هَذِهِ الرِّوَايَةُ إِلَى الْآنِ مِنْ طَرِيقِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْوَلِيدِ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ هُدْبَةَ، وَقَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ كُلُّهُمْ عَنْ مُبَارَكٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ، إِلَّا أَنَّ رِوَايَةَ هُدْبَةَ لَيْسَ فِيهَا يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ قَوْلُهُ تَابَعَهُ أَشْعَثُ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ عَقِبَ مُتَابَعَةِ مُوسَى، وَالصَّوَابُ تَقْدِيمُهُ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ خُلُوِّ رِوَايَةِ أَشْعَثَ مِنْ قَوْلِهِ: يُخَوِّفُ

اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ.

قَوْلُهُ: (يُخَوِّفُ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ مِنْ أَهْلِ الْهَيْئَةِ أَنَّ الْكُسُوفَ أَمْرٌ عَادِيٌّ لَا يَتَأَخَّرُ وَلَا يَتَقَدَّمُ، إِذْ لَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُونَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَخْوِيفٌ وَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْجَزْرِ وَالْمَدِّ فِي الْبَحْرِ، وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْآتِي حَيْثُ قَالَ: فَقَامَ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةَ. قَالُوا: فَلَوْ كَانَ الْكُسُوفُ بِالْحِسَابِ لَمْ يَقَعِ الْفَزَعُ، وَلَوْ كَانَ بِالْحِسَابِ لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِالْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ مَعْنًى، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ التَّخْوِيفَ، وَأَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَةِ يُرْجَى أَنْ يُدْفَعَ بِهِ مَا يُخْشَى مِنْ أَثَرِ ذَلِكَ الْكُسُوفِ. وَمِمَّا نَقَصَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْسَ لَا تَنْكَسِفُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا يَحُولُ الْقَمَرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا فِي الْعُقْدَتَيْنِ، فَقَالَ: هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْسَ أَضْعَافُ الْقَمَرِ فِي الْجِرْمِ، فَكَيْفَ يَحْجُبُ الصَّغِيرُ الْكَبِيرَ إِذَا قَابَلَهُ، أَمْ كَيْفَ يُظْلَمُ الْكَثِيرُ بِالْقَلِيلِ، وَلَا سِيَّمَا وَهُوَ مِنْ جِنْسِهِ؟ وَكَيْفَ تَحْجُبُ الْأَرْضُ نُورَ الشَّمْسِ وَهِيَ فِي زَاوِيَةٍ مِنْهَا لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْسَ أَكْبَرُ مِنَ الْأَرْضِ بِتِسْعِينَ ضِعْفًا.

وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَغَيْرِهِ لِلْكُسُوفِ سَبَبٌ آخَرُ غَيْرُ مَا يَزْعُمُهُ أَهْلُ الْهَيْئَةِ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ بِلَفْظِ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ إِذَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْغَزَالِيُّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَقَالَ: إِنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ فَيَجِبُ تَكْذِيبُ نَاقِلِهَا. قَالَ: وَلَوْ صَحَّتْ لَكَانَ تَأْوِيلُهَا أَهْوَنَ مِنْ مُكَابَرَةِ أُمُورٍ قَطْعِيَّةٍ لَا تُصَادِمُ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ. قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: هَذَا عَجَبٌ مِنْهُ، كَيْفَ يُسَلِّمُ دَعْوَى الْفَلَاسِفَةِ وَيَزْعُمُ أَنَّهَا لَا تَصَادِمُ الشَّرِيعَةَ مَعَ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْعَالَمَ كري الشَّكْلِ وَظَاهِرُ الشَّرْعِ يُعْطِي خِلَافَ ذَلِكَ وَالثَّابِتُ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْكُسُوفَ أَثَرُ الْإِرَادَةِ الْقَدِيمَةِ وَفِعْلُ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ، فَيَخْلُقُ فِي هَذَيْنِ الْجِرْمَيْنِ النُّورَ مَتَى شَاءَ وَالظُّلْمَةَ مَتَى شَاءَ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى سَبَبٍ أَوْ رَبْطٍ بِاقْتِرَابٍ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَدَّهُ الْغَزَالِيُّ قَدْ أَثْبَتَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا، لِأَنَّ النُّورِيَّةَ وَالْإِضَاءَةَ مِنْ عَالَمِ الْجَمَالِ الْحِسِّيِّ، فَإِذَا تَجَلَّتْ صِفَةُ الْجَلَالِ انْطَمَسَتْ الْأَنْوَارُ لِهَيْبَتِهِ.

وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ اهـ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَدِيثَ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى الشَّمْسِ وَقَدِ انْكَسَفَتْ فَبَكَى حَتَّى كَادَ أَنْ يَمُوتَ وَقَالَ: هِيَ أَخْوَفُ لِلَّهِ مِنَّا. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: رُبَّمَا يَعْتَقِدُ بَعْضُهُمْ أَنَّ الَّذِي يَذْكُرُهُ أَهْلُ الْحِسَابِ يُنَافِي قَوْلَهُ: يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ (١) لِأَنَّ لِلَّهِ أَفْعَالًا عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ، وَأَفْعَالًا خَارِجَةً عَنْ ذَلِكَ، وَقُدْرَتَهُ حَاكِمَةٌ عَلَى كُلِّ سَبَبٍ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَطِعَ مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبِّبَاتِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْعُلَمَاءُ بِاللَّهِ لِقُوَّةِ اعْتِقَادِهِمْ فِي عُمُومِ قُدْرَتِهِ عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ وَأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ إِذَا وَقَعَ شَيْءٌ غَرِيبٌ حَدَثَ عِنْدَهُمُ الْخَوْفُ لِقُوَّةِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ أَسْبَابٌ تَجْرِي عَلَيْهَا الْعَادَةُ إِلَى أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ خَرَقَهَا. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الَّذِي يَذْكُرُهُ أَهْلُ الْحِسَابِ حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يُنَافِي كَوْنَ ذَلِكَ مُخَوِّفًا لِعِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى.

٧ - بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْكُسُوفِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٠٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء الثَّقفيُّ البغلانيُّ، وسقط «بن سعيد» لأبي ذَرٍّ في نسخةٍ ولأبي الوقت وابن عساكر والأَصيليِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهمٍ الأزديُّ الجهضميُّ البصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن عبيدٍ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ) لمَّا كسفت الشَّمس، وقالوا: إنَّما كسفت لموت إبراهيم: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ) أي: كسوفهما؛ لأنَّ التَّخويف إنَّما هو بخسوفهما (١) لا بذاتهما، وإن كان في (٢) كلِّ شيءٍ من خلقه آيةٌ من آياته، ولذا قال الشَّافعيُّ -فيما رأيته في «سنن البيهقيِّ» - في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ الاية [فصلت: ٣٧] وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ الاية [البقرة: ١٦٤] مع ما (٣) ذكر الله من الآيات في كتابه: ذكر الله الآيات ولم يذكر معها سجودًا إلَّا مع الشَّمس والقمر، فأمر ألَّا يسجد لهما، وأمر بأن يُسجَد له، فاحتمل أمره أن يسجد له عند ذكر حادث في الشَّمس والقمر، واحتمل أن يكون إنَّما نهى عن السُّجود لهما كما نهى عن عبادة ما سواه، فدلَّ رسول الله على أن يصلِّي لله عند كسوفهما، ولا يفعل ذلك في شيء من الآيات (٤) غيرهما. انتهى. (لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ) إذ هما خلقان مسخَّران، ليس

لهما سلطانٌ في غيرهما، ولا قدرة على الدَّفع عن أنفسهما، وزاد أبو ذرٍّ هنا: «ولا لحياته» بلام قبل الحاء، وله في أخرى: «ولا حياته» بحذفها (وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا) أي: بالكسفة، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «بهما» (عِبَادَهُ) ولأبي ذَرٍّ، عن الحَمُّويي (١) والمُستملي: «ولكن يخوِّف الله بهما عباده» ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولكن الله يخوِّف بها (٢) عباده» (٣)، فالكسوف من آياته تعالى المخوِّفة، أمَّا إنِّه آية من آيات الله فلأنَّ الخلق عاجزون عن ذلك، وأمَّا إنَّه من الآيات المخوِّفة (٤) فلأنَّ تبديل (٥) النُّور بالظُّلمة تخويفٌ، والله تعالى إنَّما يخوِّف عباده (٦) ليتركوا المعاصي، ويرجعوا لطاعته (٧) الَّتي بها (٨) فوزُهم، وأفضلُ الطَّاعات بعد الإيمان الصَّلاة، وفيه: ردٌّ على أهل الهيئة حيث قالوا: إنَّ الكسوف أمرٌ عاديٌّ لا تأخير فيه ولا تقديم لأنَّه لو كان كما زعموا لم يكن فيه تخويفٌ ولا فزعٌ، ولم يكن للأمر بالصَّلاة والصَّدقة معنًى، ولَئِن سلَّمنا ذلك فالتَّخويف باعتبار أنَّه يذكِّر بالقيامة (٩) لكونه أُنموذجًا (١٠)، قال الله تعالى:

﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ. وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ الاية [القيامة: ٧ - ٨] ومن ثمَّ قام فزعًا يخشى (١) أن تكون السَّاعة كما في روايةٍ أخرى، وكان إذا اشتدَّ هبوب الرِّياح تغيَّر، ودخل وخرج خشية أن يكون كريح عادٍ وإن كان هبوب الرِّياح أمرًا عاديًّا، وقد كان أرباب الخشية والمراقبة يفزعون من أقلَّ من ذلك؛ إذ كلُّ ما في العالم عُلْويِّه وسُفْلِيِّه دليلٌ على نفوذ قدرة الله تعالى وتمام قهره، فإن قلت: التَّخويف عبارةٌ عن إحداث الخوف بسببٍ، ثمَّ قد يقع الخوف وقد لا يقع، وحينئذٍ يلزم الخلف في الوعيد، فالجواب كما في «المصابيح» المنعُ لأنَّ الخلف وضدُّه من عوارض الأقوال، وأمَّا الأفعال فلا، إنَّما هي من جنس المعاريض، والصَّحيح عندنا -فيما يتميَّز به الواجب- أنَّه التَّخويف، ولهذا لم يلزم الخلف على تقدير المغفرة، فإن قيل: الوعيد لفظٌ فكيف يخلُص من الخُلْف؟ فالجواب أنَّ لفظ الوعيد عامٌّ أريد به الخصوص، غير أنَّ كلَّ واحدٍ يقول: لعلِّي داخلٌ في العموم، فيحصل له التَّخويف، فيحصل الخوف (٢) وإن كان الله تعالى لم يرده في العموم، ولكن (٣) أراد تخويفه بإيراد العموم، وستر العاقبة عنه (٤) في بيان أنَّه خارجٌ منه، فيجتمع حينئذٍ الوعيد والمغفرة، ولا خُلْفَ، ومصداقه في قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] قاله الدَّمامينيُّ. (وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ، وسقط ذلك كلُّه للأربعة (لَمْ) ولأبي الوقت (٥) والأَصيليِّ وابن عساكر (٦): «ولم» (يَذْكُرْ عَبْدُ الوَارِثِ) (٧) بن سعيدٍ التَّنُّوريُّ، بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وتشديد النُّون، البصريُّ فيما أخرجه المؤلِّف في «صلاة كسوف القمر» [خ¦١٠٦٣] (وَشُعْبَةُ) بن الحجَّاج مَّا سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «كسوف القمر» [خ¦١٠٦٢]

(وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطَّحَّان الواسطيُّ -ممَّا سبق- (١) في «أوَّل الكسوف» [خ¦١٠٤٠] (وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، ابن دينار الرَّبعيُّ ممَّا وصله الطَّبرانيُّ من رواية حجَّاج بن منهالٍ عنه (عَنْ يُونُسَ) بن عُبيد (٢) المذكور: (يُخَوِّفُ اللهُ بِهَا) وللحَمُّويي: «بهما» (عِبَادَهُ) وسقطت الجلالة لغير أبي ذَرٍّ (٣) (وَتَابَعَهُ) أي: تابع يونسَ في روايته عن الحسن (أَشْعَثُ) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح المهملة وبالمثلَّثة، ابن عبد الملك الحُمرانيُّ، بضمِّ الحاء المهملة، البصريُّ، ممَّا وصله النَّسائيُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ يعني: في حذف قوله: «يخوِّف الله بهما عباده» (وَتَابَعَهُ مُوسَى) هو ابن إسماعيل التَّبوذكيُّ كما جزم به المزِّيُّ، أو هو ابن داود الضَّبِّيُّ كما (٤) قاله الدُّمياطيُّ، لكن رجَّح الحافظ ابن حجرٍ الأوَّل بأنَّ ابن (٥) إسماعيل معروفٌ في رجال البخاريِّ، بخلاف ابن داود (عَنْ مُبَارَكٍ) بضمِّ الميم وفتح الموحَّدة، هو ابن فَضَالة بن أبي أميَّة القرشيُّ العدويُّ البصريُّ، وقد روى هذا الطَّبرانيُّ من رواية أبي الوليد، وقاسم بن أصبغٍ من (٦) رواية سليمان بن حربٍ، كلاهما عن مباركٍ (عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ : إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهِمَا) أي: بالكسوفين، ولابن عساكر: «بها» أي: بالكسفة، ولأبي الوقت: «عن النَّبيِّ ، يخوِّف الله بهما» ولأبي ذَرٍّ كذلك إلَّا أنَّه قال: «يخوِّف بهما» (عِبَادَهُ) فأسقط لفظَ الجلالة بعد «يخوِّف»، ولفظَ: «إنَّ الله تعالى» قبلها كأبي الوقت، وفي هذه المتابعة الرَّدُّ على ابن أبي

خيثمة حيث نفى سماع الحسن من (١) أبي بكرة، فإنَّه قال فيها: أخبرني أبو بكرة، والمثبِتُ مقدَّمٌ على النَّافي، وقد سبق مزيدٌ لذلك قريبًا، ووقع في «اليونينيَّة» (٢) في رواية غير أبي ذَرٍّ: متابعة أشعث عن الحسن عَقِب قوله في آخر متابعة موسى: «يخوِّف (٣) بهما (٤) عباده»، قال في الفتح: والصَّواب تقديمها لخلوِّ رواية أشعث من قوله: «يخوِّف بهما عباده». نعم في بعض النُّسخ سقوط متابعة أشعث، وثبتت في هامش «اليونينيَّة» لأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر متقدِّمةً على متابعة موسى، والله أعلم.

(٧) (بابُ التَّعَوُّذِ) بالله (مِنْ عَذَابِ القَبْرِ فِي) صلاة (الكُسُوفِ) حين يدعو فيها، أو بعد الفراغ منها.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْقَمَرُ كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا يُقَالُ كَسَفَ، وَإِذَا اخْتَصَّ الْقَمَرُ بِالْخُسُوفِ أَشْعَرَ بِاخْتِصَاصِ الشَّمْسِ بِالْكُسُوفِ.

وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ الَّذِي يَتَّفِقُ لِلشَّمْسِ كَالَّذِي يَتَّفِقُ لِلْقَمَرِ، وَقَدْ سُمِّيَ فِي الْقُرْآنِ بِالْخَاءِ فِي الْقَمَرِ فَلْيَكُنِ الَّذِي لِلشَّمْسِ كَذَلِكَ. ثُمَّ سَاقَ الْمُؤَلِّفُ حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ خَسَفَتِ الشَّمْسُ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَالَ عُرْوَةُ، لَكِنْ رِوَايَاتُ غَيْرِهِ بِلَفْظِ كَسَفَتْ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

قَوْلُهُ فِيهِ: (ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ تَطْوِيلُ السُّجُودِ فِي الْكُسُوفِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.

٦ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ يُخَوِّفُ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالْكُسُوفِ قَالَ أَبُو مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ

١٠٤٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهما عِبَادَهُ. وقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ الْوَارِثِ وَشُعْبَةُ وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ: يُخَوِّفُ بِهما عِبَادَهُ. وَتَابَعَهُ أَشْعَثُ عَنْ الْحَسَنِ. وَتَابَعَهُ مُوسَى عَنْ مُبَارَكٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : يُخَوِّفُ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالْكُسُوفِ، قَالَهُ أَبُو مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ) سَيَأْتِي حَدِيثُهُ مَوْصُولًا بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ وَفِيهِ: وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْكُسُوفِ.

قَوْلُهُ: (لَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ الْوَارِثِ وَشُعْبَةُ وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ: يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ) أَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ الْوَارِثِ فَأَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ بَعْدَ عَشَرَةِ أَبْوَابٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْهُ وَلَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ وَذَكَرَ فِيهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو مَعْمَرٍ، وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ شُعْبَةَ فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ وَلَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ، وَأَمَّا رِوَايَةُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَسَبَقَتْ فِي أَوَّلِ الْكُسُوفِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَوَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ عَنْهُ بِلَفْظِ رِوَايَةِ خَالِدٍ وَمَعْنَاهُ وَقَالَ فِيهِ: فَإِذَا كَسَفَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا.

قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ أَشْعَثُ) يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيَّ (عَنِ الْحَسَنِ) يَعْنِي فِي حَذْفِ قَوْلِهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ وَقَدْ وَصَلَ النَّسَائِيُّ هَذِهِ الطَّرِيقَ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ وَلَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ مُوسَى، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرة عَنِ النَّبِيِّ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى. وَمُوسَى هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ، وَقَالَ الدِّمْيَاطِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ: هُوَ ابْنُ دَاوُدَ الضَّبِّيُّ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِأَنَّ ابْنَ إِسْمَاعِيلَ مَعْرُوفٌ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ دُونَ ابْنِ دَاوُدَ، وَلَمْ تَقَعْ لِي هَذِهِ الرِّوَايَةُ إِلَى الْآنِ مِنْ طَرِيقِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْوَلِيدِ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ هُدْبَةَ، وَقَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ كُلُّهُمْ عَنْ مُبَارَكٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ، إِلَّا أَنَّ رِوَايَةَ هُدْبَةَ لَيْسَ فِيهَا يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ قَوْلُهُ تَابَعَهُ أَشْعَثُ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ عَقِبَ مُتَابَعَةِ مُوسَى، وَالصَّوَابُ تَقْدِيمُهُ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ خُلُوِّ رِوَايَةِ أَشْعَثَ مِنْ قَوْلِهِ: يُخَوِّفُ

اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ.

قَوْلُهُ: (يُخَوِّفُ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ مِنْ أَهْلِ الْهَيْئَةِ أَنَّ الْكُسُوفَ أَمْرٌ عَادِيٌّ لَا يَتَأَخَّرُ وَلَا يَتَقَدَّمُ، إِذْ لَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُونَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَخْوِيفٌ وَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْجَزْرِ وَالْمَدِّ فِي الْبَحْرِ، وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْآتِي حَيْثُ قَالَ: فَقَامَ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةَ. قَالُوا: فَلَوْ كَانَ الْكُسُوفُ بِالْحِسَابِ لَمْ يَقَعِ الْفَزَعُ، وَلَوْ كَانَ بِالْحِسَابِ لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِالْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ مَعْنًى، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ التَّخْوِيفَ، وَأَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَةِ يُرْجَى أَنْ يُدْفَعَ بِهِ مَا يُخْشَى مِنْ أَثَرِ ذَلِكَ الْكُسُوفِ. وَمِمَّا نَقَصَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْسَ لَا تَنْكَسِفُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا يَحُولُ الْقَمَرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا فِي الْعُقْدَتَيْنِ، فَقَالَ: هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْسَ أَضْعَافُ الْقَمَرِ فِي الْجِرْمِ، فَكَيْفَ يَحْجُبُ الصَّغِيرُ الْكَبِيرَ إِذَا قَابَلَهُ، أَمْ كَيْفَ يُظْلَمُ الْكَثِيرُ بِالْقَلِيلِ، وَلَا سِيَّمَا وَهُوَ مِنْ جِنْسِهِ؟ وَكَيْفَ تَحْجُبُ الْأَرْضُ نُورَ الشَّمْسِ وَهِيَ فِي زَاوِيَةٍ مِنْهَا لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْسَ أَكْبَرُ مِنَ الْأَرْضِ بِتِسْعِينَ ضِعْفًا.

وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَغَيْرِهِ لِلْكُسُوفِ سَبَبٌ آخَرُ غَيْرُ مَا يَزْعُمُهُ أَهْلُ الْهَيْئَةِ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ بِلَفْظِ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ إِذَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْغَزَالِيُّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَقَالَ: إِنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ فَيَجِبُ تَكْذِيبُ نَاقِلِهَا. قَالَ: وَلَوْ صَحَّتْ لَكَانَ تَأْوِيلُهَا أَهْوَنَ مِنْ مُكَابَرَةِ أُمُورٍ قَطْعِيَّةٍ لَا تُصَادِمُ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ. قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: هَذَا عَجَبٌ مِنْهُ، كَيْفَ يُسَلِّمُ دَعْوَى الْفَلَاسِفَةِ وَيَزْعُمُ أَنَّهَا لَا تَصَادِمُ الشَّرِيعَةَ مَعَ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْعَالَمَ كري الشَّكْلِ وَظَاهِرُ الشَّرْعِ يُعْطِي خِلَافَ ذَلِكَ وَالثَّابِتُ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْكُسُوفَ أَثَرُ الْإِرَادَةِ الْقَدِيمَةِ وَفِعْلُ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ، فَيَخْلُقُ فِي هَذَيْنِ الْجِرْمَيْنِ النُّورَ مَتَى شَاءَ وَالظُّلْمَةَ مَتَى شَاءَ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى سَبَبٍ أَوْ رَبْطٍ بِاقْتِرَابٍ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَدَّهُ الْغَزَالِيُّ قَدْ أَثْبَتَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا، لِأَنَّ النُّورِيَّةَ وَالْإِضَاءَةَ مِنْ عَالَمِ الْجَمَالِ الْحِسِّيِّ، فَإِذَا تَجَلَّتْ صِفَةُ الْجَلَالِ انْطَمَسَتْ الْأَنْوَارُ لِهَيْبَتِهِ.

وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ اهـ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَدِيثَ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى الشَّمْسِ وَقَدِ انْكَسَفَتْ فَبَكَى حَتَّى كَادَ أَنْ يَمُوتَ وَقَالَ: هِيَ أَخْوَفُ لِلَّهِ مِنَّا. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: رُبَّمَا يَعْتَقِدُ بَعْضُهُمْ أَنَّ الَّذِي يَذْكُرُهُ أَهْلُ الْحِسَابِ يُنَافِي قَوْلَهُ: يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ (١) لِأَنَّ لِلَّهِ أَفْعَالًا عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ، وَأَفْعَالًا خَارِجَةً عَنْ ذَلِكَ، وَقُدْرَتَهُ حَاكِمَةٌ عَلَى كُلِّ سَبَبٍ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَطِعَ مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبِّبَاتِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْعُلَمَاءُ بِاللَّهِ لِقُوَّةِ اعْتِقَادِهِمْ فِي عُمُومِ قُدْرَتِهِ عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ وَأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ إِذَا وَقَعَ شَيْءٌ غَرِيبٌ حَدَثَ عِنْدَهُمُ الْخَوْفُ لِقُوَّةِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ أَسْبَابٌ تَجْرِي عَلَيْهَا الْعَادَةُ إِلَى أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ خَرَقَهَا. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الَّذِي يَذْكُرُهُ أَهْلُ الْحِسَابِ حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يُنَافِي كَوْنَ ذَلِكَ مُخَوِّفًا لِعِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى.

٧ - بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْكُسُوفِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٠٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء الثَّقفيُّ البغلانيُّ، وسقط «بن سعيد» لأبي ذَرٍّ في نسخةٍ ولأبي الوقت وابن عساكر والأَصيليِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهمٍ الأزديُّ الجهضميُّ البصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن عبيدٍ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ) لمَّا كسفت الشَّمس، وقالوا: إنَّما كسفت لموت إبراهيم: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ) أي: كسوفهما؛ لأنَّ التَّخويف إنَّما هو بخسوفهما (١) لا بذاتهما، وإن كان في (٢) كلِّ شيءٍ من خلقه آيةٌ من آياته، ولذا قال الشَّافعيُّ -فيما رأيته في «سنن البيهقيِّ» - في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ الاية [فصلت: ٣٧] وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ الاية [البقرة: ١٦٤] مع ما (٣) ذكر الله من الآيات في كتابه: ذكر الله الآيات ولم يذكر معها سجودًا إلَّا مع الشَّمس والقمر، فأمر ألَّا يسجد لهما، وأمر بأن يُسجَد له، فاحتمل أمره أن يسجد له عند ذكر حادث في الشَّمس والقمر، واحتمل أن يكون إنَّما نهى عن السُّجود لهما كما نهى عن عبادة ما سواه، فدلَّ رسول الله على أن يصلِّي لله عند كسوفهما، ولا يفعل ذلك في شيء من الآيات (٤) غيرهما. انتهى. (لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ) إذ هما خلقان مسخَّران، ليس

لهما سلطانٌ في غيرهما، ولا قدرة على الدَّفع عن أنفسهما، وزاد أبو ذرٍّ هنا: «ولا لحياته» بلام قبل الحاء، وله في أخرى: «ولا حياته» بحذفها (وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا) أي: بالكسفة، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «بهما» (عِبَادَهُ) ولأبي ذَرٍّ، عن الحَمُّويي (١) والمُستملي: «ولكن يخوِّف الله بهما عباده» ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولكن الله يخوِّف بها (٢) عباده» (٣)، فالكسوف من آياته تعالى المخوِّفة، أمَّا إنِّه آية من آيات الله فلأنَّ الخلق عاجزون عن ذلك، وأمَّا إنَّه من الآيات المخوِّفة (٤) فلأنَّ تبديل (٥) النُّور بالظُّلمة تخويفٌ، والله تعالى إنَّما يخوِّف عباده (٦) ليتركوا المعاصي، ويرجعوا لطاعته (٧) الَّتي بها (٨) فوزُهم، وأفضلُ الطَّاعات بعد الإيمان الصَّلاة، وفيه: ردٌّ على أهل الهيئة حيث قالوا: إنَّ الكسوف أمرٌ عاديٌّ لا تأخير فيه ولا تقديم لأنَّه لو كان كما زعموا لم يكن فيه تخويفٌ ولا فزعٌ، ولم يكن للأمر بالصَّلاة والصَّدقة معنًى، ولَئِن سلَّمنا ذلك فالتَّخويف باعتبار أنَّه يذكِّر بالقيامة (٩) لكونه أُنموذجًا (١٠)، قال الله تعالى:

﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ. وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ الاية [القيامة: ٧ - ٨] ومن ثمَّ قام فزعًا يخشى (١) أن تكون السَّاعة كما في روايةٍ أخرى، وكان إذا اشتدَّ هبوب الرِّياح تغيَّر، ودخل وخرج خشية أن يكون كريح عادٍ وإن كان هبوب الرِّياح أمرًا عاديًّا، وقد كان أرباب الخشية والمراقبة يفزعون من أقلَّ من ذلك؛ إذ كلُّ ما في العالم عُلْويِّه وسُفْلِيِّه دليلٌ على نفوذ قدرة الله تعالى وتمام قهره، فإن قلت: التَّخويف عبارةٌ عن إحداث الخوف بسببٍ، ثمَّ قد يقع الخوف وقد لا يقع، وحينئذٍ يلزم الخلف في الوعيد، فالجواب كما في «المصابيح» المنعُ لأنَّ الخلف وضدُّه من عوارض الأقوال، وأمَّا الأفعال فلا، إنَّما هي من جنس المعاريض، والصَّحيح عندنا -فيما يتميَّز به الواجب- أنَّه التَّخويف، ولهذا لم يلزم الخلف على تقدير المغفرة، فإن قيل: الوعيد لفظٌ فكيف يخلُص من الخُلْف؟ فالجواب أنَّ لفظ الوعيد عامٌّ أريد به الخصوص، غير أنَّ كلَّ واحدٍ يقول: لعلِّي داخلٌ في العموم، فيحصل له التَّخويف، فيحصل الخوف (٢) وإن كان الله تعالى لم يرده في العموم، ولكن (٣) أراد تخويفه بإيراد العموم، وستر العاقبة عنه (٤) في بيان أنَّه خارجٌ منه، فيجتمع حينئذٍ الوعيد والمغفرة، ولا خُلْفَ، ومصداقه في قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] قاله الدَّمامينيُّ. (وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ، وسقط ذلك كلُّه للأربعة (لَمْ) ولأبي الوقت (٥) والأَصيليِّ وابن عساكر (٦): «ولم» (يَذْكُرْ عَبْدُ الوَارِثِ) (٧) بن سعيدٍ التَّنُّوريُّ، بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وتشديد النُّون، البصريُّ فيما أخرجه المؤلِّف في «صلاة كسوف القمر» [خ¦١٠٦٣] (وَشُعْبَةُ) بن الحجَّاج مَّا سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «كسوف القمر» [خ¦١٠٦٢]

(وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطَّحَّان الواسطيُّ -ممَّا سبق- (١) في «أوَّل الكسوف» [خ¦١٠٤٠] (وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، ابن دينار الرَّبعيُّ ممَّا وصله الطَّبرانيُّ من رواية حجَّاج بن منهالٍ عنه (عَنْ يُونُسَ) بن عُبيد (٢) المذكور: (يُخَوِّفُ اللهُ بِهَا) وللحَمُّويي: «بهما» (عِبَادَهُ) وسقطت الجلالة لغير أبي ذَرٍّ (٣) (وَتَابَعَهُ) أي: تابع يونسَ في روايته عن الحسن (أَشْعَثُ) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح المهملة وبالمثلَّثة، ابن عبد الملك الحُمرانيُّ، بضمِّ الحاء المهملة، البصريُّ، ممَّا وصله النَّسائيُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ يعني: في حذف قوله: «يخوِّف الله بهما عباده» (وَتَابَعَهُ مُوسَى) هو ابن إسماعيل التَّبوذكيُّ كما جزم به المزِّيُّ، أو هو ابن داود الضَّبِّيُّ كما (٤) قاله الدُّمياطيُّ، لكن رجَّح الحافظ ابن حجرٍ الأوَّل بأنَّ ابن (٥) إسماعيل معروفٌ في رجال البخاريِّ، بخلاف ابن داود (عَنْ مُبَارَكٍ) بضمِّ الميم وفتح الموحَّدة، هو ابن فَضَالة بن أبي أميَّة القرشيُّ العدويُّ البصريُّ، وقد روى هذا الطَّبرانيُّ من رواية أبي الوليد، وقاسم بن أصبغٍ من (٦) رواية سليمان بن حربٍ، كلاهما عن مباركٍ (عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ : إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهِمَا) أي: بالكسوفين، ولابن عساكر: «بها» أي: بالكسفة، ولأبي الوقت: «عن النَّبيِّ ، يخوِّف الله بهما» ولأبي ذَرٍّ كذلك إلَّا أنَّه قال: «يخوِّف بهما» (عِبَادَهُ) فأسقط لفظَ الجلالة بعد «يخوِّف»، ولفظَ: «إنَّ الله تعالى» قبلها كأبي الوقت، وفي هذه المتابعة الرَّدُّ على ابن أبي

خيثمة حيث نفى سماع الحسن من (١) أبي بكرة، فإنَّه قال فيها: أخبرني أبو بكرة، والمثبِتُ مقدَّمٌ على النَّافي، وقد سبق مزيدٌ لذلك قريبًا، ووقع في «اليونينيَّة» (٢) في رواية غير أبي ذَرٍّ: متابعة أشعث عن الحسن عَقِب قوله في آخر متابعة موسى: «يخوِّف (٣) بهما (٤) عباده»، قال في الفتح: والصَّواب تقديمها لخلوِّ رواية أشعث من قوله: «يخوِّف بهما عباده». نعم في بعض النُّسخ سقوط متابعة أشعث، وثبتت في هامش «اليونينيَّة» لأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر متقدِّمةً على متابعة موسى، والله أعلم.

(٧) (بابُ التَّعَوُّذِ) بالله (مِنْ عَذَابِ القَبْرِ فِي) صلاة (الكُسُوفِ) حين يدعو فيها، أو بعد الفراغ منها.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله