«جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٠٦٥

الحديث رقم ١٠٦٥ من كتاب «كتاب الكسوف» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الجهر بالقراءة في الكسوف.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٠٦٥ في صحيح البخاري

«جَهَرَ النَّبِيُّ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. ثُمَّ يُعَاوِدُ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَِ سَجَدَاتٍ.»

إسناد حديث رقم ١٠٦٥ من صحيح البخاري

١٠٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ نَمِرٍ: سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٠٦٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْقِيَامَ الثَّانِيَ وَرُكُوعَهُ فِيهِمَا أَقْصَرُ مِنَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ وَرُكُوعِهِ فِيهِمَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ مِنَ الثَّانِيَةِ وَرُكُوعِهِ هَلْ هُمَا أَقْصَرُ مِنَ الْقِيَامِ الثَّانِي مِنَ الْأُولَى وَرُكُوعِهِ أَوْ يَكُونَانِ سَوَاءً؟ قِيلَ: وَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ فَهْمُ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ هَلِ الْمُرَادُ بِهِ الْأَوَّلُ مِنَ الثَّانِيَةِ أَوْ يَرْجِعُ إِلَى الْجَمِيعِ فَيَكُونَ كُلُّ قِيَامٍ دُونَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَرِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ تُعَيِّنُ هَذَا الثَّانِيَ، وَيُرَجِّحُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ الْقِيَامُ الْأَوَّلُ أَوَّلُ قِيَامٍ مِنَ الْأُولَى فَقَطْ لَكَانَ الْقِيَامُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ مَسْكُوتًا عَنْ مِقْدَارِهِمَا، فَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ فَائِدَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٩ - بَاب الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْكُسُوفِ

١٠٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ نَمِرٍ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ : جَهَرَ النَّبِيُّ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ مِنْ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. ثُمَّ يُعَاوِدُ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ.

١٠٦٦ - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا بالصَّلَاةِ جَامِعَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ مِثْلَهُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ مَا صَنَعَ أَخُوكَ ذَلِكَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَا صَلَّى إِلَّا رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ إِذْ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: أَجَلْ، إِنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ. تَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي الْجَهْرِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْكُسُوفِ) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ لِلشَّمْسِ أَوِ الْقَمَرِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا ابْنُ نَمِرٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ دِمَشْقِيٌّ وَثَّقَهُ دُحَيْمٌ، وَالذُّهْلِيُّ، وَابْنُ الْبَرْقِيِّ وَآخَرُونَ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ الْوَلِيدِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ غَيرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: (جَهَرَ النَّبِيُّ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْجَهْرِ فِيهَا بِالنَّهَارِ، وَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ لَمْ يَرَ بِذَلِكَ عَلَى كُسُوفِ الْقَمَرِ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْوَلِيدِ بِلَفْظِ كَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَكَذَا رِوَايَةُ الْأَوْزَاعِيِّ الَّتِي بَعْدَهُ صَرِيحَةٌ فِي الشَّمْسِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ إِلَخْ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ فَذَكَرَهُ، وَأَعَادَ الْإِسْنَادَ إِلَى الْوَلِيدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ فَذَكَرَهُ، وَزَادَ فِيهِ مُسْلِمٌ طَرِيقَ كَثِيرِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَخِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى ضَعْفِ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَمِرٍ فِي الْجَهْرِ بِأَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ لَمْ يَذْكُرْ فِي رِوَايَتِهِ الْجَهْرَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ مَنْ ذَكَرَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَذْكُرْ، لَا سِيَّمَا وَالَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ الْجَهْرُ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مَزِيدٍ عَنْهُ، وَوَافَقَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ كَمَا تَرَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَجَلْ) أَيْ نَعَمْ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ أَجْلٍ بِسُكُونِ الْجِيمِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَقَوْلُهُ:

إِنَّهُ أَخْطَأَ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إِنَّهُ وَعَلَى الثَّانِي بِفَتْحِهَا.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْجَهْرِ) يَعْنِي بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ، وَرِوَايَةُ سُلَيْمَانَ وَصَلَهَا أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْهُ بِلَفْظِ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ فَأَتَى النَّبِيُّ فَكَبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ النَّاسُ ثُمَّ قَرَأَ فَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ الْحَدِيثَ، وَرَوَيْنَاهُ فِي مُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُخْتَصَرًا أَنَّ النَّبِيَّ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَأَمَّا رِوَايَةُ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ فَوَصَلَهَا التِّرْمِذِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ بِلَفْظِ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا وَقَدْ تَابَعَهُمْ عَلَى ذِكْرِ الْجَهْرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عُقَيْلٌ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَهَذِهِ طُرُقٌ يُعَضِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا يُفِيدُ مَجْمُوعُهَا الْجَزْمَ بِذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِتَعْلِيلِ مَنْ أَعَلَّهُ بِتَضْعِيفِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ وَغَيْرِهِ، فَلَوْ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ إِلَّا رِوَايَةُ الْأَوْزَاعِيِّ لَكَانَتْ كَافِيَةً، وَقَدْ وَرَدَ الْجَهْرُ فِيهَا عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ.

وَقَالَ بِهِ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: يُخَيَّرُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ، وَقَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ: يُسِرُّ فِي الشَّمْسِ وَيَجْهَرُ فِي الْقَمَرِ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَرَأَ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لِأَنَّهُ لَوْ جَهَرَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَقْدِيرٍ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا مِنْهُ، لَكِنْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ تَعْلِيقًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى بِجَنْبِ النَّبِيِّ فِي الْكُسُوفِ فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ حَرْفًا، وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ أَسَانِيدُهَا وَاهِيَةٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهَا فَمُثْبِتُ الْجَهْرِ مَعَهُ قَدْرٌ زَائِدَةٌ فَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى، وَإِنْ ثَبَتَ الْعَدَدُ فَيَكُونُ فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَهَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَالتِّرْمِذِيِّ لَمْ يَسْمَعْ لَهُ صَوْتًا وَأَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْجَهْرِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْجَهْرُ عِنْدِي أَوْلَى لِأَنَّهَا صَلَاةٌ جَامِعَةٌ يُنَادَى لَهَا وَيُخْطَبُ فَأَشْبَهَتِ الْعِيدَ وَالِاسْتِسْقَاءَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَتْ أَبْوَابُ الْكُسُوفِ عَلَى أَرْبَعِينَ حَدِيثًا نِصْفُهَا مَوْصُولٌ وَنِصْفُهَا مُعَلَّقٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ، وَالْخَالِصُ ثَمَانِيَةٌ. وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ، وَحَدِيثِ أَسْمَاءَ فِي الْعَتَاقَةِ، وَرِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ الْأُولَى أَطْوَلُ لَكِنَّهُ أَخْرَجَ أَصْلَهُ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ خَمْسَةُ آثَارٍ فِيهَا أَثَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَفِيهَا أَثَرُ عُرْوَةَ فِي تَخْطِئَتِهِ، وَهُمَا مَوْصُولَانِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٠٦٥ - ١٠٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ) بكسر الميم، الجَمَّال -بالجيم- الرَّازيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) القرشيُّ الأمويُّ الدِّمشقيُّ، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «ابن مسلم» (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (ابْنُ نَمِرٍ) بفتح النُّون وكسر الميم، عبد الرَّحمن الدِّمشقيِّ، وثَّقه دحيم و (١) الذُّهليُّ وابن البرقيِّ، وضعَّفه ابن معين لأنَّه لم يروِ عنه غيرُ الوليد، وليس له في «الصَّحيحين» غيرُ هذا الحديث، وقد تابعه عليه الأوزاعيُّ وغيره أنَّه (سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ) الزَّهريَّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها قالت: (جَهَرَ النَّبِيُّ فِي صَلَاةِ الخُسُوفِ) بالخاء (بِقِرَاءَتِهِ) حمل الشَّافعيَّة والمالكيَّة وأبو حنيفة وجمهور الفقهاء هذا الإطلاق على صلاة خسوف القمر لا الشَّمس لأنَّها نهاريَّة، بخلاف الأولى فإنَّها ليليَّةٌ، وتُعقِّبَ بأنَّ الإسماعيليَّ روى حديث الباب من وجهٍ آخَر عن الوليد بلفظ: «كسفت الشَّمس في عهد رسول الله … »

فذكر الحديثَ، واحتجَّ الإمام الشَّافعيُّ بقول ابن عبَّاسٍ: «قرأ نحوًا من قراءة سورة البقرة» لأنَّه لو جهر لم يحتج إلى التَّقدير، وعُورِض باحتمال أن يكون بعيدًا منه، وأُجِيبَ بأنَّ الإمام الشَّافعيَّ ذكر تعليقًا عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّه صلَّى بجنب النَّبيِّ في الكسوف، فلم يسمع منه حرفًا» ووصله البيهقيُّ من ثلاثة طرقٍ أسانيدها واهيةٌ، وأُجِيبَ -على تقدير صحَّتها- بأنَّ مثبِتَ الجهر معه قدرٌ زائدٌ، فالأخذ به أَولى، وإن ثبت التَّعدُّد فيكون فعل ذلك لبيان الجواز، قال ابن العربيِّ: والجهر عندي أَولى لأنَّها صلاةٌ جامعةٌ، يُنادى لها ويُخطَب، فأشبهت العيد والاستسقاء، وقال أبو يوسف ومحمَّد بن الحسن وأحمد بن حنبل: يجهر فيها، وتمسَّكوا بهذا الحديث (فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ) رأسه (مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) بالواو (ثُمَّ يُعَاوِدُ القِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ، أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) بنصب «أربعَ» عطفًا على «أربعَ» السَّابق.

(وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عَمرو، هو معطوفٌ على قوله: «حدَّثنا ابن نَمِرٍ» لأنَّه مقول الوليد (وَغَيْرُهُ) أي: وقال غيرُ الأوزاعيِّ أيضًا: (سَمِعْتُ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيَّ) فيما وصله مسلمٌ، عن محمَّد بن مهران، عن الوليد بن مسلمٍ، حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ) بفتح الخاء المعجمة والسِّين (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا) يقول: (الصَّلَاةَُ جَامِعَةًٌ) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ، أي: احضُروا الصَّلاة حال كونها جامعة (١)، ورُوِيَ برفعهما مبتدأٌ وخبرٌ (٢)، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «مناديًا بالصَّلاةَُ جامعةًٌ» بإدخال الموحَّدة (٣) مع الوجهين على الحكاية (فَتَقَدَّمَ) (فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) بنصب «أربعَ» عطفًا على السَّابق، وليس في رواية الأوزاعيِّ تصريحٌ بالجهر. نعم ثبت الجهر في روايته (٤) عند أبي داود والحاكم بلفظ: «قرأ قراءةً طويلةً فجهر بها» (قَالَ الوَلِيد) ثبت: «قال الوليد»

في نسخةٍ (١): (وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ) بكسر الميم بعد النُّون المفتوحة بكذا، وأخبرني أنَّه (سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ) الزُّهريَّ (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث الأوَّل (قَالَ الزُّهْرِيُّ) ابن شهابٍ: (فَقُلْتُ) لعروة: (مَا صَنَعَ أَخُوكَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ؟) برفع «عبدُ الله» عطف بيانٍ لقوله: «أخوك» المرفوع على الفاعليَّة لـ «صنع» (٢)، والإشارة في قوله: «ذلك» لفعل أخيه المشار إليه بقوله: (مَا صَلَّى إِلَّا رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ إِذْ) أي: حين (صَلَّى بِالمَدِينَةِ) النَّبويَّة في الكسوف بركعتين (قَالَ: أَجَلْ) بفتح الجيم وسكون اللَّام، أي: نعم (إِنَّهُ) بكسر الهمزة، للابتداء (أَخْطَأَ السُّنَّةَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «قال (٣): من أجل أنَّه» بسكون الجيم وفتح الهمزة للإضافة (تَابَعَهُ) أي: تابع ابنَ نَمِرٍ (سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ) فيما وصله التِّرمذيُّ (وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ، بالموحَّدة السَّاكنة فيما وصله أحمد (عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الجَهْرِ) وسفيان وسليمان ضعيفان، لكن تابعهما على ذكر الجهر عن الزُّهريِّ عُقَيلٌ عند الطَّحاويِّ، وإسحاق بن راشدٍ عند الدَّارقُطنيِّ وغيرهما، فاعتضدا وقَويَا، ولله الحمد.

((١٧)) (بسم الله الرحمن الرحيم أبوابُ سجودِ القرآن) كذا للمُستملي، وسقطت البسملة لأبي ذَرِّ، ولغير المُستملي: «باب ما جاء في سجود القرآن» (وسنَّتها) بتاء التَّأنيث، أي: سجدة التَّلاوة، وللأَصيليِّ: «وسنَّته» بتذكير الضَّمير مع تاء التَّأنيث، أي: سنَّة السُّجود، وهي من السُّنن المؤكَّدة عند الشَّافعيَّة لحديث ابن عمر عند أبي داود والحاكم: «أنَّ النَّبيَّ كان يقرأ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسَّجدة كبَّر وسجد، وسجدنا معه» وقال المالكيَّة: وهل هي سنَّةٌ أو فضيلةٌ؟ قولان مشهوران، وقال الحنفيَّة: واجبةٌ لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت: ٣٧] وقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] ومطلق الأمر للوجوب، ولنا: «أنَّ زيد بن ثابتٍ قرأ على النَّبيِّ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلم يسجد» رواه الشَّيخان [خ¦١٠٧٢]، وقول عمر: «أُمِرنا بالسُّجود -يعني: للتِّلاوة- فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه» رواه البخاريُّ [خ¦١٠٧٧]، ووردت في القرآن في خمسةَ عشرَ موضعًا لحديث عمرو بن العاص عند أبي داود والحاكم بإسنادٍ حسنٍ: «أقرأني رسول الله خمسَ عشرةَ سجدةً في القرآن، منها: ثلاثٌ في المفصَّل، وفي الحَجِّ سجدتان»، واتَّفقت الشَّافعيَّة والحنفيَّة على السُّجود في أربعَ عشرةَ منها، إلَّا أنَّ الشَّافعية قالوا: في الحجِّ سجدتان، وليس سجدة (١) «ص» سجدة تلاوة، والحنفيَّة عدُّوها لا ثانية الحجِّ، فيسجد في الأعراف عقب آخرها [الأعراف: ٢٠٦]

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْقِيَامَ الثَّانِيَ وَرُكُوعَهُ فِيهِمَا أَقْصَرُ مِنَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ وَرُكُوعِهِ فِيهِمَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ مِنَ الثَّانِيَةِ وَرُكُوعِهِ هَلْ هُمَا أَقْصَرُ مِنَ الْقِيَامِ الثَّانِي مِنَ الْأُولَى وَرُكُوعِهِ أَوْ يَكُونَانِ سَوَاءً؟ قِيلَ: وَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ فَهْمُ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ هَلِ الْمُرَادُ بِهِ الْأَوَّلُ مِنَ الثَّانِيَةِ أَوْ يَرْجِعُ إِلَى الْجَمِيعِ فَيَكُونَ كُلُّ قِيَامٍ دُونَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَرِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ تُعَيِّنُ هَذَا الثَّانِيَ، وَيُرَجِّحُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ الْقِيَامُ الْأَوَّلُ أَوَّلُ قِيَامٍ مِنَ الْأُولَى فَقَطْ لَكَانَ الْقِيَامُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ مَسْكُوتًا عَنْ مِقْدَارِهِمَا، فَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ فَائِدَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٩ - بَاب الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْكُسُوفِ

١٠٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ نَمِرٍ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ : جَهَرَ النَّبِيُّ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ مِنْ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. ثُمَّ يُعَاوِدُ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ.

١٠٦٦ - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا بالصَّلَاةِ جَامِعَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ مِثْلَهُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ مَا صَنَعَ أَخُوكَ ذَلِكَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَا صَلَّى إِلَّا رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ إِذْ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: أَجَلْ، إِنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ. تَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي الْجَهْرِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْكُسُوفِ) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ لِلشَّمْسِ أَوِ الْقَمَرِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا ابْنُ نَمِرٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ دِمَشْقِيٌّ وَثَّقَهُ دُحَيْمٌ، وَالذُّهْلِيُّ، وَابْنُ الْبَرْقِيِّ وَآخَرُونَ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ الْوَلِيدِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ غَيرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: (جَهَرَ النَّبِيُّ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْجَهْرِ فِيهَا بِالنَّهَارِ، وَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ لَمْ يَرَ بِذَلِكَ عَلَى كُسُوفِ الْقَمَرِ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْوَلِيدِ بِلَفْظِ كَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَكَذَا رِوَايَةُ الْأَوْزَاعِيِّ الَّتِي بَعْدَهُ صَرِيحَةٌ فِي الشَّمْسِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ إِلَخْ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ فَذَكَرَهُ، وَأَعَادَ الْإِسْنَادَ إِلَى الْوَلِيدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ فَذَكَرَهُ، وَزَادَ فِيهِ مُسْلِمٌ طَرِيقَ كَثِيرِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَخِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى ضَعْفِ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَمِرٍ فِي الْجَهْرِ بِأَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ لَمْ يَذْكُرْ فِي رِوَايَتِهِ الْجَهْرَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ مَنْ ذَكَرَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَذْكُرْ، لَا سِيَّمَا وَالَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ الْجَهْرُ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مَزِيدٍ عَنْهُ، وَوَافَقَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ كَمَا تَرَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَجَلْ) أَيْ نَعَمْ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ أَجْلٍ بِسُكُونِ الْجِيمِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَقَوْلُهُ:

إِنَّهُ أَخْطَأَ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إِنَّهُ وَعَلَى الثَّانِي بِفَتْحِهَا.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْجَهْرِ) يَعْنِي بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ، وَرِوَايَةُ سُلَيْمَانَ وَصَلَهَا أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْهُ بِلَفْظِ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ فَأَتَى النَّبِيُّ فَكَبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ النَّاسُ ثُمَّ قَرَأَ فَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ الْحَدِيثَ، وَرَوَيْنَاهُ فِي مُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُخْتَصَرًا أَنَّ النَّبِيَّ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَأَمَّا رِوَايَةُ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ فَوَصَلَهَا التِّرْمِذِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ بِلَفْظِ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا وَقَدْ تَابَعَهُمْ عَلَى ذِكْرِ الْجَهْرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عُقَيْلٌ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَهَذِهِ طُرُقٌ يُعَضِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا يُفِيدُ مَجْمُوعُهَا الْجَزْمَ بِذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِتَعْلِيلِ مَنْ أَعَلَّهُ بِتَضْعِيفِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ وَغَيْرِهِ، فَلَوْ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ إِلَّا رِوَايَةُ الْأَوْزَاعِيِّ لَكَانَتْ كَافِيَةً، وَقَدْ وَرَدَ الْجَهْرُ فِيهَا عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ.

وَقَالَ بِهِ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: يُخَيَّرُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ، وَقَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ: يُسِرُّ فِي الشَّمْسِ وَيَجْهَرُ فِي الْقَمَرِ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَرَأَ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لِأَنَّهُ لَوْ جَهَرَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَقْدِيرٍ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا مِنْهُ، لَكِنْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ تَعْلِيقًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى بِجَنْبِ النَّبِيِّ فِي الْكُسُوفِ فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ حَرْفًا، وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ أَسَانِيدُهَا وَاهِيَةٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهَا فَمُثْبِتُ الْجَهْرِ مَعَهُ قَدْرٌ زَائِدَةٌ فَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى، وَإِنْ ثَبَتَ الْعَدَدُ فَيَكُونُ فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَهَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَالتِّرْمِذِيِّ لَمْ يَسْمَعْ لَهُ صَوْتًا وَأَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْجَهْرِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْجَهْرُ عِنْدِي أَوْلَى لِأَنَّهَا صَلَاةٌ جَامِعَةٌ يُنَادَى لَهَا وَيُخْطَبُ فَأَشْبَهَتِ الْعِيدَ وَالِاسْتِسْقَاءَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَتْ أَبْوَابُ الْكُسُوفِ عَلَى أَرْبَعِينَ حَدِيثًا نِصْفُهَا مَوْصُولٌ وَنِصْفُهَا مُعَلَّقٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ، وَالْخَالِصُ ثَمَانِيَةٌ. وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ، وَحَدِيثِ أَسْمَاءَ فِي الْعَتَاقَةِ، وَرِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ الْأُولَى أَطْوَلُ لَكِنَّهُ أَخْرَجَ أَصْلَهُ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ خَمْسَةُ آثَارٍ فِيهَا أَثَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَفِيهَا أَثَرُ عُرْوَةَ فِي تَخْطِئَتِهِ، وَهُمَا مَوْصُولَانِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٠٦٥ - ١٠٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ) بكسر الميم، الجَمَّال -بالجيم- الرَّازيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) القرشيُّ الأمويُّ الدِّمشقيُّ، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «ابن مسلم» (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (ابْنُ نَمِرٍ) بفتح النُّون وكسر الميم، عبد الرَّحمن الدِّمشقيِّ، وثَّقه دحيم و (١) الذُّهليُّ وابن البرقيِّ، وضعَّفه ابن معين لأنَّه لم يروِ عنه غيرُ الوليد، وليس له في «الصَّحيحين» غيرُ هذا الحديث، وقد تابعه عليه الأوزاعيُّ وغيره أنَّه (سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ) الزَّهريَّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها قالت: (جَهَرَ النَّبِيُّ فِي صَلَاةِ الخُسُوفِ) بالخاء (بِقِرَاءَتِهِ) حمل الشَّافعيَّة والمالكيَّة وأبو حنيفة وجمهور الفقهاء هذا الإطلاق على صلاة خسوف القمر لا الشَّمس لأنَّها نهاريَّة، بخلاف الأولى فإنَّها ليليَّةٌ، وتُعقِّبَ بأنَّ الإسماعيليَّ روى حديث الباب من وجهٍ آخَر عن الوليد بلفظ: «كسفت الشَّمس في عهد رسول الله … »

فذكر الحديثَ، واحتجَّ الإمام الشَّافعيُّ بقول ابن عبَّاسٍ: «قرأ نحوًا من قراءة سورة البقرة» لأنَّه لو جهر لم يحتج إلى التَّقدير، وعُورِض باحتمال أن يكون بعيدًا منه، وأُجِيبَ بأنَّ الإمام الشَّافعيَّ ذكر تعليقًا عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّه صلَّى بجنب النَّبيِّ في الكسوف، فلم يسمع منه حرفًا» ووصله البيهقيُّ من ثلاثة طرقٍ أسانيدها واهيةٌ، وأُجِيبَ -على تقدير صحَّتها- بأنَّ مثبِتَ الجهر معه قدرٌ زائدٌ، فالأخذ به أَولى، وإن ثبت التَّعدُّد فيكون فعل ذلك لبيان الجواز، قال ابن العربيِّ: والجهر عندي أَولى لأنَّها صلاةٌ جامعةٌ، يُنادى لها ويُخطَب، فأشبهت العيد والاستسقاء، وقال أبو يوسف ومحمَّد بن الحسن وأحمد بن حنبل: يجهر فيها، وتمسَّكوا بهذا الحديث (فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ) رأسه (مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) بالواو (ثُمَّ يُعَاوِدُ القِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ، أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) بنصب «أربعَ» عطفًا على «أربعَ» السَّابق.

(وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عَمرو، هو معطوفٌ على قوله: «حدَّثنا ابن نَمِرٍ» لأنَّه مقول الوليد (وَغَيْرُهُ) أي: وقال غيرُ الأوزاعيِّ أيضًا: (سَمِعْتُ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيَّ) فيما وصله مسلمٌ، عن محمَّد بن مهران، عن الوليد بن مسلمٍ، حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ) بفتح الخاء المعجمة والسِّين (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا) يقول: (الصَّلَاةَُ جَامِعَةًٌ) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ، أي: احضُروا الصَّلاة حال كونها جامعة (١)، ورُوِيَ برفعهما مبتدأٌ وخبرٌ (٢)، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «مناديًا بالصَّلاةَُ جامعةًٌ» بإدخال الموحَّدة (٣) مع الوجهين على الحكاية (فَتَقَدَّمَ) (فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) بنصب «أربعَ» عطفًا على السَّابق، وليس في رواية الأوزاعيِّ تصريحٌ بالجهر. نعم ثبت الجهر في روايته (٤) عند أبي داود والحاكم بلفظ: «قرأ قراءةً طويلةً فجهر بها» (قَالَ الوَلِيد) ثبت: «قال الوليد»

في نسخةٍ (١): (وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ) بكسر الميم بعد النُّون المفتوحة بكذا، وأخبرني أنَّه (سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ) الزُّهريَّ (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث الأوَّل (قَالَ الزُّهْرِيُّ) ابن شهابٍ: (فَقُلْتُ) لعروة: (مَا صَنَعَ أَخُوكَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ؟) برفع «عبدُ الله» عطف بيانٍ لقوله: «أخوك» المرفوع على الفاعليَّة لـ «صنع» (٢)، والإشارة في قوله: «ذلك» لفعل أخيه المشار إليه بقوله: (مَا صَلَّى إِلَّا رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ إِذْ) أي: حين (صَلَّى بِالمَدِينَةِ) النَّبويَّة في الكسوف بركعتين (قَالَ: أَجَلْ) بفتح الجيم وسكون اللَّام، أي: نعم (إِنَّهُ) بكسر الهمزة، للابتداء (أَخْطَأَ السُّنَّةَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «قال (٣): من أجل أنَّه» بسكون الجيم وفتح الهمزة للإضافة (تَابَعَهُ) أي: تابع ابنَ نَمِرٍ (سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ) فيما وصله التِّرمذيُّ (وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ، بالموحَّدة السَّاكنة فيما وصله أحمد (عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الجَهْرِ) وسفيان وسليمان ضعيفان، لكن تابعهما على ذكر الجهر عن الزُّهريِّ عُقَيلٌ عند الطَّحاويِّ، وإسحاق بن راشدٍ عند الدَّارقُطنيِّ وغيرهما، فاعتضدا وقَويَا، ولله الحمد.

((١٧)) (بسم الله الرحمن الرحيم أبوابُ سجودِ القرآن) كذا للمُستملي، وسقطت البسملة لأبي ذَرِّ، ولغير المُستملي: «باب ما جاء في سجود القرآن» (وسنَّتها) بتاء التَّأنيث، أي: سجدة التَّلاوة، وللأَصيليِّ: «وسنَّته» بتذكير الضَّمير مع تاء التَّأنيث، أي: سنَّة السُّجود، وهي من السُّنن المؤكَّدة عند الشَّافعيَّة لحديث ابن عمر عند أبي داود والحاكم: «أنَّ النَّبيَّ كان يقرأ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسَّجدة كبَّر وسجد، وسجدنا معه» وقال المالكيَّة: وهل هي سنَّةٌ أو فضيلةٌ؟ قولان مشهوران، وقال الحنفيَّة: واجبةٌ لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت: ٣٧] وقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] ومطلق الأمر للوجوب، ولنا: «أنَّ زيد بن ثابتٍ قرأ على النَّبيِّ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلم يسجد» رواه الشَّيخان [خ¦١٠٧٢]، وقول عمر: «أُمِرنا بالسُّجود -يعني: للتِّلاوة- فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه» رواه البخاريُّ [خ¦١٠٧٧]، ووردت في القرآن في خمسةَ عشرَ موضعًا لحديث عمرو بن العاص عند أبي داود والحاكم بإسنادٍ حسنٍ: «أقرأني رسول الله خمسَ عشرةَ سجدةً في القرآن، منها: ثلاثٌ في المفصَّل، وفي الحَجِّ سجدتان»، واتَّفقت الشَّافعيَّة والحنفيَّة على السُّجود في أربعَ عشرةَ منها، إلَّا أنَّ الشَّافعية قالوا: في الحجِّ سجدتان، وليس سجدة (١) «ص» سجدة تلاوة، والحنفيَّة عدُّوها لا ثانية الحجِّ، فيسجد في الأعراف عقب آخرها [الأعراف: ٢٠٦]

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد