الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٠٧
الحديث رقم ١٠٧ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إثم من كذب على النبي ﷺ.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
١٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَنَّ تَقْوِيلَهُ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ يَقْتَضِي الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْإِيجَابِ أَوِ النَّدْبِ، وَكَذَا مُقَابِلُهُمَا وَهُوَ الْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ. وَلَا يُعْتَدُّ بِمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ مِنَ الْكَرَامِيَّةِ حَيْثُ جَوَّزُوا وَضْعَ الْكَذِبِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فِي تَثْبِيتِ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَاحْتَجّ بِأَنَّهُ كَذِبَ لَهُ لَا عَلَيْهِ، وَهُوَ جَهْلٌ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَتَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ مِنْ زِيَادَةٍ لَمْ تَثْبُتْ وَهِيَ مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ لِيُضِلَّ بِهِ النَّاسَ الْحَدِيثَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ إِرْسَالَهُ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَلَيْسَتِ اللَّامُ فِيهِ لِلْعِلَّةِ بَلْ لِلصَّيْرُورَةِ كَمَا فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَآلَ أَمْرِهِ إِلَى الْإِضْلَالِ، أَوْ هُوَ مِنْ تَخْصِيصِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعُمُومِ بِالذِّكْرِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ - ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ فَإِنَّ قَتْلَ الْأَوْلَادِ وَمُضَاعَفَةَ الرِّبَا وَالْإِضْلَالَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ إِنَّمَا هُوَ لِتَأْكِيدِ الْأَمْرِ فِيهَا لَا لِاخْتِصَاصِ الْحُكْمِ.
قَوْلُهُ: (فَلْيَلِجِ النَّارَ) جَعَلَ الْأَمْرَ بِالْوُلُوجِ مُسَبَّبًا عَنِ الْكَذِبِ ; لِأَنَّ لَازِمَ الْأَمْرِ الْإِلْزَامُ، وَالْإِلْزَامُ بِوُلُوجِ النَّارِ سَبَبُهُ الْكَذِبُ عَلَيْهِ أَوْ هُوَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَمَعْنَاهُ الْخَبَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: مَنْ يَكْذِبُ عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ، عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: الْكَذِبُ عَلَيَّ يُولِجُ - أَيْ: يُدْخِلُ - النَّارَ.
١٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ وَ (جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ) كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ. وَفِي الْإِسْنَادِ لَطِيفَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ تَابِعِيٍّ عَنْ تَابِعِيٍّ، يَرْوِيهِ صَحَابِيٌّ عَنْ صَحَابِيٍّ. ثَانِيهُمَا: أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَبْنَاءِ عَنِ الْآبَاءِ بِخُصُوصِ رِوَايَةِ الْأَبِ عَنِ الْجَدِّ، وَقَدْ أُفْرِدَتْ بِالتَّصْنِيفِ.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ) أَيِ: ابْنِ الْعَوَّامِ.
قَوْلُهُ: (تُحَدِّثُ) حَذَفَ مَفْعُولَهَا لِيَشْمَلَ قَوْلَهُ: (كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ) سُمِّيَ مِنْهُمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ: (أَمَا) بِالْمِيمِ الْمُخَفَّفَةِ وَهِيَ مِنْ حُرُوفِ التَّنْبِيهِ وَ (إِنِّي) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ (لَمْ أُفَارِقْهُ) أَيْ: لَمْ أُفَارِقْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَالْمُرَادُ فِي الْأَغْلَبِ وَإِلَّا فَقَدْ هَاجَرَ الزُّبَيْرُ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَكَذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَالِ هِجْرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْجِيهِ لِلسُّؤَالِ ; لِأَنَّ لَازِمَ الْمُلَازَمَةِ السَّمَاعُ، وَلَازِمُهُ إعَادَةُ التَّحْدِيثِ، لَكِنْ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا خَشِيَهُ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَلِهَذَا أَتَى بِقَوْلِهِ: لَكِنْ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي كِتَابِ النَّسَبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: عَنَانِي ذَلِكَ يَعْنِي قِلَّةَ رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ: فَسَأَلْتُهُ أَيْ: عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مِنَ الْقَرَابَةِ وَالرَّحِمِ مَا عَلِمْتَ، وَعَمَّتُهُ أُمِّي، وَزَوْجَتُهُ خَدِيجَةُ عَمَّتِي، وَأُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ، وَجَدَّتِي هَالَةُ بِنْتُ وُهَيْبٍ ابْنَيْ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَعِنْدِي أُمُّكَ، وَأُخْتُهَا عَائِشَةُ عِنْدَهُ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ.
قَوْلُهُ: (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ) كَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ لَيْسَ فِيهِ مُتَعَمِّدًا وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ الْمَذْكُورَةِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِهِ وَزَادَ فِيهِ مُتَعَمِّدًا وَكَذَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ولا يُقطَع عليه بدخول (١) النَّار كسائر أصحاب الكبائر غير الكفر، وقد جعل الأمر بالولوج مُسبَّبًا عن الكذب لأنَّ لازم الأمر الإلزام، والإلزام بولوج (٢) النَّار بسبب الكذب (٣) عليه، أو هو بلفظ الأمر ومعناه الخبر، ويؤيِّده رواية مسلمٍ: «من يكذب (٤) عليَّ يلجِ النار»، ولابن ماجه: «فإنَّ الكذب عليَّ يولج النَّار»، وقيل: دعاءٌ عليه، ثمَّ أُخرِجَ مخرج الذَّمِّ.
١٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجَّاج (عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ) المحاربيِّ الكوفيِّ الثِّقة، المُتوفَّى سنة ثمانِ عشْرةَ ومئةٍ (عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام الأسديِّ القرشيِّ، اشترى نفسه من الله ستَّ مرَّاتٍ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن الزُّبَيْر الصَّحابيِّ، أوَّل مولودٍ وُلِدَ في الإسلام للمهاجرين بالمدينة، وكان أطلسَ لا لحيةَ له، وتُوفِّيَ سنة اثنتين وسبعين، أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ) بن العوَّام؛ بتشديد الواو، حواريِّ رسول الله ﷺ، وأحد العشرة المُبشَّرة (٥) بالجنَّة، المُتوفَّى بوادي السِّباع بناحية البصرة سنة ستٍّ وثلاثين، بعد منصرفه من وقعة الجمل، وله في «البخاريِّ» تسعة (٦) أحاديث: (إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا
يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ) أي: كتحديث فلانٍ وفلانٍ، وسمَّى منهما في رواية ابن ماجه: عبد الله ابن مسعود (قَالَ) أي: الزُّبَيْر: (أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم: حرف استفتاحٍ ولذا كُسِرَت همزة «إنَّ» بعدها في قوله: (إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ) ﷺ، زاد الإسماعيليُّ: «منذ أسلمت» والمُرَاد: المُفَارَقة العرفيَّة الصَّادقة بأغلب الأحوال (١)، وإلَّا فقد هاجر إلى الحبشة ولم يكن مع النَّبيِّ ﷺ في حال هجرته إلى المدينة، لكن أُجِيب عن هجرة الحبشة: بأنَّها كانت قبل ظهور شوكة الإسلام، أي: ما فارقته عند ظهور شوكته (وَلَكِنْ) وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي ذَرٍّ والحَمُّويي: «ولكنِّي» وفي روايةٍ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: «ولكنَّني» إذ يجوز في «إنَّ» وأخواتها إلحاق نون الوقاية بها وعدمه (سَمِعْتُهُ) ﷺ (يَقُولُ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلِْيَتَبَوَّأْ) بكسر اللَّام على الأصل، وبسكونها على المشهور، و «مَنْ»: موصولٌ متضمِّنٌ معنى الشَّرط، والتَّالي صلته، و «فليتبوَّأْ» جوابه، أمرٌ مِنَ التَّبوُّء، أي: فَلْيَتَّخِذْ (مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) أي: فيها، والأمر هنا معناه الخبر، أي: أنَّ الله تعالى يبوِّئه مقعده من النَّار، أو أمرٌ على سبيل التَّهكُّم والتَّغليظ، أو أمر تهديدٍ، أو دعاءٌ على معنى: بوَّأه الله، وإنَّما خشيَ الزُّبَيْر من الإكثار أن يقع في الخطأ وهو لا يشعر لأنَّه وإن لم يأثم بالخطأ لكن (٢) قد يأثم بالإكثار؛ إذِ الإكثار مظنَّة الخطأ، والثِّقة إذا حدَّث بالخطأ فَحُمِلَ عنه وهو لا يشعر أنَّه خطأٌ يُعمَل به على الدَّوام للوثوق بنقله، فيكون
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَنَّ تَقْوِيلَهُ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ يَقْتَضِي الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْإِيجَابِ أَوِ النَّدْبِ، وَكَذَا مُقَابِلُهُمَا وَهُوَ الْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ. وَلَا يُعْتَدُّ بِمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ مِنَ الْكَرَامِيَّةِ حَيْثُ جَوَّزُوا وَضْعَ الْكَذِبِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فِي تَثْبِيتِ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَاحْتَجّ بِأَنَّهُ كَذِبَ لَهُ لَا عَلَيْهِ، وَهُوَ جَهْلٌ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَتَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ مِنْ زِيَادَةٍ لَمْ تَثْبُتْ وَهِيَ مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ لِيُضِلَّ بِهِ النَّاسَ الْحَدِيثَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ إِرْسَالَهُ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَلَيْسَتِ اللَّامُ فِيهِ لِلْعِلَّةِ بَلْ لِلصَّيْرُورَةِ كَمَا فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَآلَ أَمْرِهِ إِلَى الْإِضْلَالِ، أَوْ هُوَ مِنْ تَخْصِيصِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعُمُومِ بِالذِّكْرِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ - ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ فَإِنَّ قَتْلَ الْأَوْلَادِ وَمُضَاعَفَةَ الرِّبَا وَالْإِضْلَالَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ إِنَّمَا هُوَ لِتَأْكِيدِ الْأَمْرِ فِيهَا لَا لِاخْتِصَاصِ الْحُكْمِ.
قَوْلُهُ: (فَلْيَلِجِ النَّارَ) جَعَلَ الْأَمْرَ بِالْوُلُوجِ مُسَبَّبًا عَنِ الْكَذِبِ ; لِأَنَّ لَازِمَ الْأَمْرِ الْإِلْزَامُ، وَالْإِلْزَامُ بِوُلُوجِ النَّارِ سَبَبُهُ الْكَذِبُ عَلَيْهِ أَوْ هُوَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَمَعْنَاهُ الْخَبَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: مَنْ يَكْذِبُ عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ، عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: الْكَذِبُ عَلَيَّ يُولِجُ - أَيْ: يُدْخِلُ - النَّارَ.
١٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ وَ (جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ) كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ. وَفِي الْإِسْنَادِ لَطِيفَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ تَابِعِيٍّ عَنْ تَابِعِيٍّ، يَرْوِيهِ صَحَابِيٌّ عَنْ صَحَابِيٍّ. ثَانِيهُمَا: أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَبْنَاءِ عَنِ الْآبَاءِ بِخُصُوصِ رِوَايَةِ الْأَبِ عَنِ الْجَدِّ، وَقَدْ أُفْرِدَتْ بِالتَّصْنِيفِ.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ) أَيِ: ابْنِ الْعَوَّامِ.
قَوْلُهُ: (تُحَدِّثُ) حَذَفَ مَفْعُولَهَا لِيَشْمَلَ قَوْلَهُ: (كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ) سُمِّيَ مِنْهُمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ: (أَمَا) بِالْمِيمِ الْمُخَفَّفَةِ وَهِيَ مِنْ حُرُوفِ التَّنْبِيهِ وَ (إِنِّي) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ (لَمْ أُفَارِقْهُ) أَيْ: لَمْ أُفَارِقْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَالْمُرَادُ فِي الْأَغْلَبِ وَإِلَّا فَقَدْ هَاجَرَ الزُّبَيْرُ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَكَذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَالِ هِجْرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْجِيهِ لِلسُّؤَالِ ; لِأَنَّ لَازِمَ الْمُلَازَمَةِ السَّمَاعُ، وَلَازِمُهُ إعَادَةُ التَّحْدِيثِ، لَكِنْ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا خَشِيَهُ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَلِهَذَا أَتَى بِقَوْلِهِ: لَكِنْ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي كِتَابِ النَّسَبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: عَنَانِي ذَلِكَ يَعْنِي قِلَّةَ رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ: فَسَأَلْتُهُ أَيْ: عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مِنَ الْقَرَابَةِ وَالرَّحِمِ مَا عَلِمْتَ، وَعَمَّتُهُ أُمِّي، وَزَوْجَتُهُ خَدِيجَةُ عَمَّتِي، وَأُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ، وَجَدَّتِي هَالَةُ بِنْتُ وُهَيْبٍ ابْنَيْ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَعِنْدِي أُمُّكَ، وَأُخْتُهَا عَائِشَةُ عِنْدَهُ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ.
قَوْلُهُ: (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ) كَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ لَيْسَ فِيهِ مُتَعَمِّدًا وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ الْمَذْكُورَةِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِهِ وَزَادَ فِيهِ مُتَعَمِّدًا وَكَذَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ولا يُقطَع عليه بدخول (١) النَّار كسائر أصحاب الكبائر غير الكفر، وقد جعل الأمر بالولوج مُسبَّبًا عن الكذب لأنَّ لازم الأمر الإلزام، والإلزام بولوج (٢) النَّار بسبب الكذب (٣) عليه، أو هو بلفظ الأمر ومعناه الخبر، ويؤيِّده رواية مسلمٍ: «من يكذب (٤) عليَّ يلجِ النار»، ولابن ماجه: «فإنَّ الكذب عليَّ يولج النَّار»، وقيل: دعاءٌ عليه، ثمَّ أُخرِجَ مخرج الذَّمِّ.
١٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجَّاج (عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ) المحاربيِّ الكوفيِّ الثِّقة، المُتوفَّى سنة ثمانِ عشْرةَ ومئةٍ (عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام الأسديِّ القرشيِّ، اشترى نفسه من الله ستَّ مرَّاتٍ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن الزُّبَيْر الصَّحابيِّ، أوَّل مولودٍ وُلِدَ في الإسلام للمهاجرين بالمدينة، وكان أطلسَ لا لحيةَ له، وتُوفِّيَ سنة اثنتين وسبعين، أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ) بن العوَّام؛ بتشديد الواو، حواريِّ رسول الله ﷺ، وأحد العشرة المُبشَّرة (٥) بالجنَّة، المُتوفَّى بوادي السِّباع بناحية البصرة سنة ستٍّ وثلاثين، بعد منصرفه من وقعة الجمل، وله في «البخاريِّ» تسعة (٦) أحاديث: (إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا
يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ) أي: كتحديث فلانٍ وفلانٍ، وسمَّى منهما في رواية ابن ماجه: عبد الله ابن مسعود (قَالَ) أي: الزُّبَيْر: (أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم: حرف استفتاحٍ ولذا كُسِرَت همزة «إنَّ» بعدها في قوله: (إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ) ﷺ، زاد الإسماعيليُّ: «منذ أسلمت» والمُرَاد: المُفَارَقة العرفيَّة الصَّادقة بأغلب الأحوال (١)، وإلَّا فقد هاجر إلى الحبشة ولم يكن مع النَّبيِّ ﷺ في حال هجرته إلى المدينة، لكن أُجِيب عن هجرة الحبشة: بأنَّها كانت قبل ظهور شوكة الإسلام، أي: ما فارقته عند ظهور شوكته (وَلَكِنْ) وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي ذَرٍّ والحَمُّويي: «ولكنِّي» وفي روايةٍ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: «ولكنَّني» إذ يجوز في «إنَّ» وأخواتها إلحاق نون الوقاية بها وعدمه (سَمِعْتُهُ) ﷺ (يَقُولُ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلِْيَتَبَوَّأْ) بكسر اللَّام على الأصل، وبسكونها على المشهور، و «مَنْ»: موصولٌ متضمِّنٌ معنى الشَّرط، والتَّالي صلته، و «فليتبوَّأْ» جوابه، أمرٌ مِنَ التَّبوُّء، أي: فَلْيَتَّخِذْ (مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) أي: فيها، والأمر هنا معناه الخبر، أي: أنَّ الله تعالى يبوِّئه مقعده من النَّار، أو أمرٌ على سبيل التَّهكُّم والتَّغليظ، أو أمر تهديدٍ، أو دعاءٌ على معنى: بوَّأه الله، وإنَّما خشيَ الزُّبَيْر من الإكثار أن يقع في الخطأ وهو لا يشعر لأنَّه وإن لم يأثم بالخطأ لكن (٢) قد يأثم بالإكثار؛ إذِ الإكثار مظنَّة الخطأ، والثِّقة إذا حدَّث بالخطأ فَحُمِلَ عنه وهو لا يشعر أنَّه خطأٌ يُعمَل به على الدَّوام للوثوق بنقله، فيكون