الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٠٨٠
الحديث رقم ١٠٨٠ من كتاب «أبواب تقصير الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: أبواب تقصير الصلاة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
١٠٨٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَاصِمٍ وَحُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١٨ - كِتَاب تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ
١ - بَاب مَا جَاءَ فِي التَّقْصِيرِ، وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ
١٠٨٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، وَحُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا.
[الحديث ١٠٨٠ - طرفاه في: ٤٢٩٩. ٤٢٩٨]
١٠٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ قُلْتُ أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا قَالَ أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا "
[الحديث ١٠٨٠ - طرفه ٤٢٩٧]
قَوْلُهُ: (أَبْوَابُ التَّقْصِيرِ) ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلْمُسْتَمْلِي. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ، وَثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّقْصِيرِ) تَقُولُ: قَصَرْتُ الصَّلَاةَ بِفَتْحَتَيْنِ مُخَفَّفًا قَصْرًا، وَقَصَّرْتُهَا بِالتَّشْدِيدِ تَقْصِيرًا، وَأَقْصَرْتُهَا إِقْصَارًا، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ. وَالْمُرَادُ بِهِ تَخْفِيفُ الرُّبَاعِيَّةِ إِلَى رَكْعَتَيْنِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنْ لَا تَقْصِيرَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَا فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي كُلِّ سَفَرٍ مُبَاحٍ. وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْقَصْرِ الْخَوْفُ فِي السَّفَرِ، وَبَعْضُهُمْ كَوْنُهُ سَفَرَ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ جِهَادٍ، وَبَعْضُهُمْ كَوْنُهُ سَفَرَ طَاعَةٍ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ فِي كُلِّ سَفَرٍ سَوَاءٌ كَانَ طَاعَةً أَوْ مَعْصِيَةً.
قَوْلُهُ: (وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ) فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِشْكَالٌ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لَيْسَتْ سَبَبًا لِلْقَصْرِ، وَلَا الْقَصْرَ غَايَةٌ لِلْإِقَامَةِ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ وَأَجَابَ بِأَنَّ عَدَدَ الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ سَبَبٌ لِمَعْرِفَةِ جَوَازِ الْقَصْرِ فِيهَا وَمَنْعِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا، وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْمَعْنَى وَكَمْ أَقَامَتُهُ الْمُغَيَّاةُ بِالْقَصْرِ؟ وَحَاصِلُهُ كَمْ يُقِيمُ مُقْصِرٌ؟ وَقِيلَ الْمُرَادُ كَمْ يَقْصُرُ حَتَّى يُقِيمَ؟ أَيْ حَتَّى يُسَمَّى مُقِيمًا فَانْقَلَبَ اللَّفْظُ، أَوْ حَتَّى هُنَا بِمَعْنَى حِينَ أَيْ كَمْ يُقِيمُ حِينَ يَقْصُرُ؟ وَقِيلَ فَاعِلُ يُقِيمُ هُوَ الْمُسَافِرُ، وَالْمُرَادُ إِقَامَتُهُ فِي بَلَدٍ مَا غَايَتُهَا الَّتِي إِذَا حَصَلَتْ يَقْصُرُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَاصِمٍ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ، وَحُصَيْنٌ بِالضَّمِّ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
قَوْلُهُ: (تِسْعَةَ عَشَرَ) أَيْ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ، زَادَ فِي الْمَغَازِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَاصِمٍ وَحْدَهُ بِمَكَّةَ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ سَبْعَةَ عَشَرَ بِتَقْدِيمِ السِّينِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: وَقَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: تِسْعَ عَشْرَةَ كَذَا ذَكَرَهَا مُعَلَّقَةً، وَقَدْ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ. وَلِأَبِي دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ
فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ اب نِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ بِأَنَّ مَنْ قَالَ تِسْعَ عَشْرَةَ عَدَّ يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، وَمَنْ قَالَ سَبْعَ عَشْرَةَ حَذَفَهُمَا، وَمَنْ قَالَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ عَدَّ أَحَدَهُمَا.
وَأَمَّا رِوَايَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ فَضَعَّفَهَا النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ رُوَاتَهَا ثِقَاتٌ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا ابْنُ إِسْحَاقَ فَقَدْ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ فَلْيُحْمَلْ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ ظَنَّ أَنَّ الْأَصْلَ رِوَايَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ فَحَذَفَ مِنْهَا يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ فَذَكَرَ أَنَّهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ رِوَايَةَ تِسْعَةَ عَشَرَ أَرْجَحُ الرِّوَايَاتِ، وَبِهَذَا أَخَذَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَيُرَجِّحُهَا أَيْضًا أَنَّهَا أَكْثَرُ مَا وَرَدَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ، وَأَخَذَ الثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ بِرِوَايَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ لِكَوْنِهَا أَقَلَّ مَا وَرَدَ، فَيُحْمَلُ مَا زَادَ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ اتِّفَاقًا. وَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ لَكِنْ مَحَلُّهُ عِنْدَهُ فِيمَنْ لَمْ يُزْمِعِ الْإِقَامَةَ، فَإِنَّهُ إِذَا مَضَتْ عَلَيْهِ الْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ، فَإِنْ أَزْمَعَ الْإِقَامَةَ فِي أَوَّلِ الْحَالِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَتَمَّ، عَلَى خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي دُخُولِ يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ فِيهَا أَوْ لَا، وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي يَلِيهِ.
قَوْلُهُ: (فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَ عَشَرَ قَصَرْنَا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا) ظَاهِرُهُ أَنَّ السَّفَرَ إِذَا زَادَ عَلَى تِسْعَةَ عَشَرَ لَزِمَ الْإِتْمَامُ وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَادَ، وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو يَعْلَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالْمُرَادِ وَلَفْظِهِ إِذَا سَافَرْنَا فَأَقَمْنَا فِي مَوْضِعٍ تِسْعَةَ عَشَرَ وَيُؤَيِّدُهُ صَدْرُ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَقَامَ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَاصِمٍ: فَإِذَا أَقَمْنَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ صَلَّيْنَا أَرْبَعًا. قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: خَرَجْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِلَى الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ إِلَّا فِي الْمَغْرِبِ.
قَوْلُهُ: (أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا) لَا يُعَارِضُ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ وَحَدِيثَ أَنَسٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحٍ رَابِعَةٍ الْحَدِيثَ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ صُبْحَ الرَّابِعَ عَشَرَ فَتَكُونُ مُدَّةُ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ وَضَوَاحِيهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا كَمَا قَالَ أَنَسٌ، وَتَكُونُ مُدَّةُ إِقَامَتِهِ بِمَكَّةَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ سَوَاءً لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا أَقَامَ بِبَلْدَةٍ قَصَرَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ: إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ رَشِيدٍ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ دَاخِلٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ إِقَامَةَ عَشْرٍ دَاخِلٌ فِي إِقَامَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ - فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْأَخْذَ بِالزَّائِدِ مُتَعَيِّنٌ - فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَجِيءُ عَلَى اتِّحَادِ الْقِصَّتَيْنِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ، فَالْمُدَّةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَسُوغُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى مَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ، بَلْ كَانَ مُتَرَدِّدًا مَتَى يَتَهَيَّأُ لَهُ فَرَاغُ حَاجَتِهِ يَرْحَلُ، وَالْمُدَّةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ أَنَسٍ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَنْ نَوَى الْإِقَامَةَ لِأَنَّهُ ﷺ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ كَانَ جَازِمًا بِالْإِقَامَةِ تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ. حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ فِي الْمُقِيمِ الْإِتْمَامَ، فَلَمَّا لَمْ يَجِئْ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ أَقَامَ فِي حَالِ السَّفَرِ أَكْثَرَ مِنْ تِلْكَ الْمُدَّةِ جَعَلَهَا غَايَةً لِلْقَصْرِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ كَمَا سَيَأْتِي، وَفِيهِ أَنَّ الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ تُسَمَّى إِقَامَةً، وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْبَلَدِ عَلَى مَا جَاوَرَهَا وَقَرُبَ مِنْهَا لِأَنَّ مِنًى وَعَرَفَةَ لَيْسَا مِنْ مَكَّةَ، أَمَّا عَرَفَةُ فَلِأَنَّهَا خَارِجُ الْحَرَمِ فَلَيْسَتْ مِنْ مَكَّةَ قَطْعًا، وَأَمَّا مِنًى فَفِيهَا احْتِمَالٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مَكَّةَ إِلَّا إِنْ قُلْنَا إِنَّ اسْمَ مَكَّةَ يَشْمَلُ جَمِيعَ الْحَرَمِ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَيْسَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ وَجْهٌ إِلَّا أَنَّهُ حَسَبَ أَيَّامَ إِقَامَتِهِ ﷺ فِي حَجَّتِهِ مُنْذُ دَخَلَ مَكَّةَ إِلَى أَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الثَّعلبيِّ»: قال ابن عبَّاسٍ: أوَّل صلاةٍ قُصِرَت صلاةُ العصر، قصرها رسول الله ﷺ بعسفان في غزوة أنمارٍ (وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ؟) وفي نسخة «اليونينيَّة»: «يقصِّر» بالتَّشديد، أي: وكم يومًا يمكث المسافر لأجل القصر؟ فـ «كم» هنا استفهاميَّة بمعنى: أيُّ عددٍ، ولا يكون تمييزه إلَّا مفردًا خلافًا للكوفيِّين، ويكون مَنصوبًا، ولفظة: «حتَّى» هنا للتَّعليل لأنَّها تأتي في كلام العرب لأحد ثلاثة معانٍ: انتهاء الغاية -وهو الغالب-، والتَّعليل، وبمعنى: «إلَّا» الاستثنائيَّة (١)، وهذا أقلُّها، ولفظة: «يقيم» معناها: يمكث، وجواب «كَمْ» محذوفٌ، تقديره: تسعةَ عشرَ يومًا كما في حديث الباب، قاله العينيُّ.
١٠٨٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ عَاصِمٍ) هو ابن سليمان الأحول (وَحُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن السُّلميِّ (٢)، كلاهما (عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄
قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسولُ الله» (ﷺ) في فتح مكَّة (تِسْعَةَ عَشَرَ) بتقديم الفوقيَّة على السِّين، أي: «يومًا» بليلته حال كونه (يَقْصُرُ) الصَّلاة الرُّباعية لأنَّه كان مترِّددًا، متى تهيَّأ (١) له فراغ حاجته -وهو انجلاء حرب هوازن- ارتحل، و «يقصر» بضمِّ الصَّاد، وضبطها المنذريُّ بضمِّ الياء وتشديد الصَّاد مِن التَّقصير، وقد أخرج الحديث أبو داود من هذا الوجه بلفظ: «سبعة عشر» بتقديم السِّين على الموحَّدة، وله أيضًا من حديث عمران بن حصين: «غزوت مع رسول الله ﷺ عام الفتح، فأقام بمكَّة ثماني عشرة ليلةً، لا يصلِّي إلَّا ركعتين»، قال في «المجموع»: في سنده من لا يحتجُّ به، لكن رجَّحه الشَّافعيُّ على حديث ابن عبَّاسٍ: «تسعة عشر»، ولأبي داود أيضًا عن ابن عبَّاسٍ: «أقام ﷺ بمكَّة عام الفتح خمسة عشر، يقصر الصَّلاة»، وضعَّفها النَّوويُّ في «الخلاصة»، قال ابن حجرٍ: وليس بجيِّدٍ؛ لأنَّ رواتها ثقاتٌ، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النَّسائيُّ من رواية عِرَاك بن مالكٍ عن عبيد الله كذلك، وإذا ثبت أنَّها صحيحةٌ فليحمل على أنَّ الرَّاوي ظنَّ أنَّ الأصل رواية «سبعة عشر» فحذف منها يومي الدُّخول والخروج، فذكر أنَّها «خمسةَ عشر». انتهى. وقال البيهقيُّ: أصحُّ الرِّوايات فيه رواية ابن عبَّاسٍ وهي الَّتي ذكرها البخاريُّ، ومن ثمَّ اختارها ابن الصَّلاح والسُّبكيُّ، ويمكن الجمع كما قاله البيهقيُّ: بأنَّ راوي: «تسعة عشر» عدَّ يومي الدُّخول والخروج، وراوي: «سبعة عشر» لم يعدَّهما، وراوي: «ثماني عشرة» عدَّ أحدهما، وهذا الجمع يُشْكِل على قولهم: يقصر ثمانية عشر غير يومي الدُّخول والخروج. انتهى. قال ابن عبَّاسٍ: (فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا) فأقمنا (تِسْعَةَ عَشَرَ) يومًا (قَصَرْنَا) الصَّلاة (٢) الرُّباعية، وذلك عند توقُّع الحاجة يومًا فيومًا (وَإِنْ زِدْنَا) في الإقامة على تسعةَ عشرَ يومًا (أَتْمَمْنَا) الصَّلاة أربعًا. ورواة (٣) الحديث ما بين بصريٍّ (٤) وواسطيٍّ (٥) وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: ثلاثةٌ من التَّابعين: عاصمٌ وحصينٌ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١٨ - كِتَاب تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ
١ - بَاب مَا جَاءَ فِي التَّقْصِيرِ، وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ
١٠٨٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، وَحُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا.
[الحديث ١٠٨٠ - طرفاه في: ٤٢٩٩. ٤٢٩٨]
١٠٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ قُلْتُ أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا قَالَ أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا "
[الحديث ١٠٨٠ - طرفه ٤٢٩٧]
قَوْلُهُ: (أَبْوَابُ التَّقْصِيرِ) ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلْمُسْتَمْلِي. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ، وَثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّقْصِيرِ) تَقُولُ: قَصَرْتُ الصَّلَاةَ بِفَتْحَتَيْنِ مُخَفَّفًا قَصْرًا، وَقَصَّرْتُهَا بِالتَّشْدِيدِ تَقْصِيرًا، وَأَقْصَرْتُهَا إِقْصَارًا، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ. وَالْمُرَادُ بِهِ تَخْفِيفُ الرُّبَاعِيَّةِ إِلَى رَكْعَتَيْنِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنْ لَا تَقْصِيرَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَا فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي كُلِّ سَفَرٍ مُبَاحٍ. وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْقَصْرِ الْخَوْفُ فِي السَّفَرِ، وَبَعْضُهُمْ كَوْنُهُ سَفَرَ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ جِهَادٍ، وَبَعْضُهُمْ كَوْنُهُ سَفَرَ طَاعَةٍ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ فِي كُلِّ سَفَرٍ سَوَاءٌ كَانَ طَاعَةً أَوْ مَعْصِيَةً.
قَوْلُهُ: (وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ) فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِشْكَالٌ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لَيْسَتْ سَبَبًا لِلْقَصْرِ، وَلَا الْقَصْرَ غَايَةٌ لِلْإِقَامَةِ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ وَأَجَابَ بِأَنَّ عَدَدَ الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ سَبَبٌ لِمَعْرِفَةِ جَوَازِ الْقَصْرِ فِيهَا وَمَنْعِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا، وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْمَعْنَى وَكَمْ أَقَامَتُهُ الْمُغَيَّاةُ بِالْقَصْرِ؟ وَحَاصِلُهُ كَمْ يُقِيمُ مُقْصِرٌ؟ وَقِيلَ الْمُرَادُ كَمْ يَقْصُرُ حَتَّى يُقِيمَ؟ أَيْ حَتَّى يُسَمَّى مُقِيمًا فَانْقَلَبَ اللَّفْظُ، أَوْ حَتَّى هُنَا بِمَعْنَى حِينَ أَيْ كَمْ يُقِيمُ حِينَ يَقْصُرُ؟ وَقِيلَ فَاعِلُ يُقِيمُ هُوَ الْمُسَافِرُ، وَالْمُرَادُ إِقَامَتُهُ فِي بَلَدٍ مَا غَايَتُهَا الَّتِي إِذَا حَصَلَتْ يَقْصُرُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَاصِمٍ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ، وَحُصَيْنٌ بِالضَّمِّ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
قَوْلُهُ: (تِسْعَةَ عَشَرَ) أَيْ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ، زَادَ فِي الْمَغَازِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَاصِمٍ وَحْدَهُ بِمَكَّةَ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ سَبْعَةَ عَشَرَ بِتَقْدِيمِ السِّينِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: وَقَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: تِسْعَ عَشْرَةَ كَذَا ذَكَرَهَا مُعَلَّقَةً، وَقَدْ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ. وَلِأَبِي دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ
فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ اب نِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ بِأَنَّ مَنْ قَالَ تِسْعَ عَشْرَةَ عَدَّ يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، وَمَنْ قَالَ سَبْعَ عَشْرَةَ حَذَفَهُمَا، وَمَنْ قَالَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ عَدَّ أَحَدَهُمَا.
وَأَمَّا رِوَايَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ فَضَعَّفَهَا النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ رُوَاتَهَا ثِقَاتٌ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا ابْنُ إِسْحَاقَ فَقَدْ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ فَلْيُحْمَلْ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ ظَنَّ أَنَّ الْأَصْلَ رِوَايَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ فَحَذَفَ مِنْهَا يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ فَذَكَرَ أَنَّهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ رِوَايَةَ تِسْعَةَ عَشَرَ أَرْجَحُ الرِّوَايَاتِ، وَبِهَذَا أَخَذَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَيُرَجِّحُهَا أَيْضًا أَنَّهَا أَكْثَرُ مَا وَرَدَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ، وَأَخَذَ الثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ بِرِوَايَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ لِكَوْنِهَا أَقَلَّ مَا وَرَدَ، فَيُحْمَلُ مَا زَادَ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ اتِّفَاقًا. وَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ لَكِنْ مَحَلُّهُ عِنْدَهُ فِيمَنْ لَمْ يُزْمِعِ الْإِقَامَةَ، فَإِنَّهُ إِذَا مَضَتْ عَلَيْهِ الْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ، فَإِنْ أَزْمَعَ الْإِقَامَةَ فِي أَوَّلِ الْحَالِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَتَمَّ، عَلَى خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي دُخُولِ يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ فِيهَا أَوْ لَا، وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي يَلِيهِ.
قَوْلُهُ: (فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَ عَشَرَ قَصَرْنَا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا) ظَاهِرُهُ أَنَّ السَّفَرَ إِذَا زَادَ عَلَى تِسْعَةَ عَشَرَ لَزِمَ الْإِتْمَامُ وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَادَ، وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو يَعْلَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالْمُرَادِ وَلَفْظِهِ إِذَا سَافَرْنَا فَأَقَمْنَا فِي مَوْضِعٍ تِسْعَةَ عَشَرَ وَيُؤَيِّدُهُ صَدْرُ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَقَامَ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَاصِمٍ: فَإِذَا أَقَمْنَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ صَلَّيْنَا أَرْبَعًا. قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: خَرَجْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِلَى الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ إِلَّا فِي الْمَغْرِبِ.
قَوْلُهُ: (أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا) لَا يُعَارِضُ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ وَحَدِيثَ أَنَسٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحٍ رَابِعَةٍ الْحَدِيثَ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ صُبْحَ الرَّابِعَ عَشَرَ فَتَكُونُ مُدَّةُ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ وَضَوَاحِيهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا كَمَا قَالَ أَنَسٌ، وَتَكُونُ مُدَّةُ إِقَامَتِهِ بِمَكَّةَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ سَوَاءً لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا أَقَامَ بِبَلْدَةٍ قَصَرَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ: إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ رَشِيدٍ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ دَاخِلٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ إِقَامَةَ عَشْرٍ دَاخِلٌ فِي إِقَامَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ - فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْأَخْذَ بِالزَّائِدِ مُتَعَيِّنٌ - فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَجِيءُ عَلَى اتِّحَادِ الْقِصَّتَيْنِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ، فَالْمُدَّةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَسُوغُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى مَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ، بَلْ كَانَ مُتَرَدِّدًا مَتَى يَتَهَيَّأُ لَهُ فَرَاغُ حَاجَتِهِ يَرْحَلُ، وَالْمُدَّةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ أَنَسٍ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَنْ نَوَى الْإِقَامَةَ لِأَنَّهُ ﷺ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ كَانَ جَازِمًا بِالْإِقَامَةِ تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ. حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ فِي الْمُقِيمِ الْإِتْمَامَ، فَلَمَّا لَمْ يَجِئْ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ أَقَامَ فِي حَالِ السَّفَرِ أَكْثَرَ مِنْ تِلْكَ الْمُدَّةِ جَعَلَهَا غَايَةً لِلْقَصْرِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ كَمَا سَيَأْتِي، وَفِيهِ أَنَّ الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ تُسَمَّى إِقَامَةً، وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْبَلَدِ عَلَى مَا جَاوَرَهَا وَقَرُبَ مِنْهَا لِأَنَّ مِنًى وَعَرَفَةَ لَيْسَا مِنْ مَكَّةَ، أَمَّا عَرَفَةُ فَلِأَنَّهَا خَارِجُ الْحَرَمِ فَلَيْسَتْ مِنْ مَكَّةَ قَطْعًا، وَأَمَّا مِنًى فَفِيهَا احْتِمَالٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مَكَّةَ إِلَّا إِنْ قُلْنَا إِنَّ اسْمَ مَكَّةَ يَشْمَلُ جَمِيعَ الْحَرَمِ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَيْسَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ وَجْهٌ إِلَّا أَنَّهُ حَسَبَ أَيَّامَ إِقَامَتِهِ ﷺ فِي حَجَّتِهِ مُنْذُ دَخَلَ مَكَّةَ إِلَى أَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الثَّعلبيِّ»: قال ابن عبَّاسٍ: أوَّل صلاةٍ قُصِرَت صلاةُ العصر، قصرها رسول الله ﷺ بعسفان في غزوة أنمارٍ (وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ؟) وفي نسخة «اليونينيَّة»: «يقصِّر» بالتَّشديد، أي: وكم يومًا يمكث المسافر لأجل القصر؟ فـ «كم» هنا استفهاميَّة بمعنى: أيُّ عددٍ، ولا يكون تمييزه إلَّا مفردًا خلافًا للكوفيِّين، ويكون مَنصوبًا، ولفظة: «حتَّى» هنا للتَّعليل لأنَّها تأتي في كلام العرب لأحد ثلاثة معانٍ: انتهاء الغاية -وهو الغالب-، والتَّعليل، وبمعنى: «إلَّا» الاستثنائيَّة (١)، وهذا أقلُّها، ولفظة: «يقيم» معناها: يمكث، وجواب «كَمْ» محذوفٌ، تقديره: تسعةَ عشرَ يومًا كما في حديث الباب، قاله العينيُّ.
١٠٨٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ عَاصِمٍ) هو ابن سليمان الأحول (وَحُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن السُّلميِّ (٢)، كلاهما (عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄
قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسولُ الله» (ﷺ) في فتح مكَّة (تِسْعَةَ عَشَرَ) بتقديم الفوقيَّة على السِّين، أي: «يومًا» بليلته حال كونه (يَقْصُرُ) الصَّلاة الرُّباعية لأنَّه كان مترِّددًا، متى تهيَّأ (١) له فراغ حاجته -وهو انجلاء حرب هوازن- ارتحل، و «يقصر» بضمِّ الصَّاد، وضبطها المنذريُّ بضمِّ الياء وتشديد الصَّاد مِن التَّقصير، وقد أخرج الحديث أبو داود من هذا الوجه بلفظ: «سبعة عشر» بتقديم السِّين على الموحَّدة، وله أيضًا من حديث عمران بن حصين: «غزوت مع رسول الله ﷺ عام الفتح، فأقام بمكَّة ثماني عشرة ليلةً، لا يصلِّي إلَّا ركعتين»، قال في «المجموع»: في سنده من لا يحتجُّ به، لكن رجَّحه الشَّافعيُّ على حديث ابن عبَّاسٍ: «تسعة عشر»، ولأبي داود أيضًا عن ابن عبَّاسٍ: «أقام ﷺ بمكَّة عام الفتح خمسة عشر، يقصر الصَّلاة»، وضعَّفها النَّوويُّ في «الخلاصة»، قال ابن حجرٍ: وليس بجيِّدٍ؛ لأنَّ رواتها ثقاتٌ، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النَّسائيُّ من رواية عِرَاك بن مالكٍ عن عبيد الله كذلك، وإذا ثبت أنَّها صحيحةٌ فليحمل على أنَّ الرَّاوي ظنَّ أنَّ الأصل رواية «سبعة عشر» فحذف منها يومي الدُّخول والخروج، فذكر أنَّها «خمسةَ عشر». انتهى. وقال البيهقيُّ: أصحُّ الرِّوايات فيه رواية ابن عبَّاسٍ وهي الَّتي ذكرها البخاريُّ، ومن ثمَّ اختارها ابن الصَّلاح والسُّبكيُّ، ويمكن الجمع كما قاله البيهقيُّ: بأنَّ راوي: «تسعة عشر» عدَّ يومي الدُّخول والخروج، وراوي: «سبعة عشر» لم يعدَّهما، وراوي: «ثماني عشرة» عدَّ أحدهما، وهذا الجمع يُشْكِل على قولهم: يقصر ثمانية عشر غير يومي الدُّخول والخروج. انتهى. قال ابن عبَّاسٍ: (فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا) فأقمنا (تِسْعَةَ عَشَرَ) يومًا (قَصَرْنَا) الصَّلاة (٢) الرُّباعية، وذلك عند توقُّع الحاجة يومًا فيومًا (وَإِنْ زِدْنَا) في الإقامة على تسعةَ عشرَ يومًا (أَتْمَمْنَا) الصَّلاة أربعًا. ورواة (٣) الحديث ما بين بصريٍّ (٤) وواسطيٍّ (٥) وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: ثلاثةٌ من التَّابعين: عاصمٌ وحصينٌ