«تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١١٠

الحديث رقم ١١٠ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إثم من كذب على النبي ﷺ.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١١٠ في صحيح البخاري

«تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».

بَابُ كِتَابَةِ الْعِلْمِ

إسناد حديث رقم ١١٠ من صحيح البخاري

١١٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١١٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

نَفْسًا مِنَ التَّابِعِينَ، مِنْهُمْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ الْمَذْكُورُ هُنَا، وَهُوَ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ صَاحِبِ النَّبِيِّ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوَّلُ ثُلَاثِيٍّ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَلَيْسَ فِيهِ أَعْلَى مِنَ الثُّلَاثِيَّاتِ، وَقَدْ أُفْرِدَتْ فَبَلَغَتْ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ حَدِيثًا.

قَوْلُهُ: (مَنْ يَقُلْ) أَصْلُهُ يَقُولُ، وَإِنَّمَا جُزِمَ بِالشَّرْطِ.

قَوْلُهُ: (مَا لَمْ أَقُلْ) أَيْ: شَيْئًا لَمْ أَقُلْهُ فَحَذَفَ الْعَائِدَ وَهُوَ جَائِزٌ، وَذَكَرَ الْقَوْلَ لِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ، وَحُكْمُ الْفِعْلِ كَذَلِكَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّةِ الِامْتِنَاعِ، وَقَدْ دَخَلَ الْفِعْلُ فِي عُمُومِ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ، وَأَنَسٍ السَّابِقَيْنِ لِتَعْبِيرِهِمَا بِلَفْظِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُمَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدَ حَدِيثِ سَلَمَةَ فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ كَذَا، وَفَعَلَ كَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ قَالَهُ أَوْ فَعَلَهُ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ مَنْ مَنَعَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى. وَأَجَابَ الْمُجِيزُونَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِلَفْظٍ يُوجِبُ تَغَيُّرَ الْحُكْمِ مَعَ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِاللَّفْظِ لَا شَكَّ فِي أَوْلَوِيَّتِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١١٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ.

[الحديث ١١٠ - أطرافه في: ٦٩٩٣، ٦١٩٧، ٦١٨٨، ٣٥٣٩]

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُوسَى) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) هُوَ بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحُ الْأَوَّلِ، وَأَبُو صَالِحٍ هُوَ ذَكْوَانُ السَّمَّانُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَقَدِ اقْتَصَرَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ لَهُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ وَهِيَ مَقْصُودُ الْبَابِ، وَإِنَّمَا سَاقَهُ الْمُؤَلِّفُ بِتَمَامِهِ وَلَمْ يَخْتَصِرْهُ كَعَادَتِهِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ يَسْتَوِي فِيهِ الْيَقَظَةُ وَالْمَنَامُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ: الْكَذِبُ مَعْصِيَةٌ إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ فِي الْإِصْلَاحِ وَغَيْرِهِ، وَالْمَعَاصِي قَدْ تُوُعِّدَ عَلَيْهَا بِالنَّارِ، فَمَا الَّذِي امْتَازَ بِهِ الْكَاذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَى مَنْ كَذَبَ عَلَى غَيْرِهِ؟ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْكَذِبَ عَلَيْهِ يُكَفِّرُ مُتَعَمِّدَهُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ، لَكِنْ ضَعَّفَهُ ابْنُهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ بَعْدَهُ، وَمَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ إِلَى اخْتِيَارِهِ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ الْكَاذِبَ عَلَيْهِ فِي تَحْلِيلِ حَرَامٍ مَثَلًا لَا يَنْفَكُّ عَنِ اسْتِحْلَالِ ذَلِكَ الْحَرَامِ أَوِ الْحَمْلِ عَلَى اسْتِحْلَالِهِ، وَاسْتِحْلَالُ الْحَرَامِ كُفْرٌ، وَالْحَمْلُ عَلَى الْكُفْرِ كُفْرٌ. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ إِلَّا إِذَا اعْتَقَدَ حِلَّ ذَلِكَ.

الْجَوَابُ الثَّانِي أَنَّ الْكَذِبَ عَلَيْهِ كَبِيرَةٌ وَالْكَذِبُ عَلَى غَيْرِهِ صَغِيرَةٌ فَافْتَرَقَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنِ اسْتِوَاءِ الْوَعِيدِ فِي حَقِّ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ أَوْ كَذَبَ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ مَقَرُّهُمَا وَاحِدًا أَوْ طُولُ إِقَامَتِهِمَا سَوَاءً، فَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ : فَلْيَتَبَوَّأْ عَلَى طُولِ الْإِقَامَةِ فِيهَا، بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَنْزِلًا غَيْرَهُ، إِلَّا أَنَّ الْأَدِلَّةَ الْقَطْعِيَّةَ قَامَتْ عَلَى أَنَّ خُلُودَ التَّأْبِيدِ مُخْتَصٌّ بِالْكَافِرِينَ، وَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ بَيْنَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ وَبَيْنَ الْكَذِبِ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجَنَائِزِ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ حَيْثُ يَقُولُ: إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ وَسَنَذْكُرُ مَبَاحِثَهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَنَذْكُرُ فِيهِ الِاخْتِلَافَ فِي تَوْبَةِ مَنْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ عَلَيْهِ هَلْ تُقْبَلُ أَوْ لَا. (تَنْبِيهٌ): رَتَّبَ الْمُصَنِّفُ أَحَادِيثَ الْبَابِ تَرْتِيبًا حَسَنًا؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ وَفِيهِ مَقْصُودُ الْبَابِ، وَثَنَّى بِحَدِيثِ الزُّبَيْرِ الدَّالِّ عَلَى تَوَقِّي الصَّحَابَةِ وَتَحَرُّزِهِمْ مِنَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، وَثَلَّثَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ امْتِنَاعَهُمْ إِنَّمَا كَانَ مِنَ الْإِكْثَارِ الْمُفْضِي إِلَى الْخَطَأِ لَا عَنْ أَصْلِ التَّحْدِيثِ ; لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالتَّبْلِيغِ، وَخَتَمَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى اسْتِوَاءِ تَحْرِيمِ

الْكَذِبِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ دَعْوَى السَّمَاعِ مِنْهُ فِي الْيَقِظَةِ أَوْ فِي الْمَنَامِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَهُوَ فِي الْجَنَائِزِ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ فِي أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ وَهُوَ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ، لَكِنْ لَيْسَ هُوَ بِلَفْظِ الْوَعِيدِ بِالنَّارِ صَرِيحًا. وَاتَّفَقَ مُسْلِمٌ مَعَهُ عَلَى تَخْرِيجِ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْمُغِيرَةِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا، وَصَحَّ أَيْضًا فِي غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي قَتَادَةَ، وَجَابِرٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَوَرَدَ بِأَسَانِيدَ حِسَانٍ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَطَارِقٍ الْأَشْجَعِيِّ، وَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَخَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَأَبِي قِرْصَافَةَ، وَأَبِي مُوسَى الْغَافِقِيِّ، وَعَائِشَةَ، فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَوَرَدَ أَيْضًا عَنْ نَحْوِ من خَمْسِينَ غَيْرِهِمْ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ، وَعَنْ نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ آخَرِينَ بِأَسَانِيدَ سَاقِطَةٍ.

وَقَدِ اعْتَنَى جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ بِجَمْعِ طُرُقِهِ، فَأَوَّلُ مَنْ وَقَفْتُ عَلَى كَلَامِهِ فِي ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَتَبِعَهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ، فَقَالَ: رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ عِشْرِينَ وَجْهًا عَنِ الصَّحَابَةِ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ، فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: إِنَّهُ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَرْبَعِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَجَمَعَ طُرُقَهُ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ فَزَادَ قَلِيلًا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيّرفي شَارِحُ رِسَالَةِ الشَّافِعِيِّ: رَوَاهُ سِتُّونَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَجَمَعَ طُرُقَهُ الطَّبَرَانِيُّ فَزَادَ قَلِيلًا، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنْدَهْ: رَوَاهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِينَ نَفْسًا، وَقَدْ خَرَّجَهَا بَعْضُ النَّيْسَابُورِيِّينَ فَزَادَتْ قَلِيلًا، وَقَدْ جَمَعَ طُرُقَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِ الْمَوْضُوعَاتِ فَجَاوَزَ التِّسْعِينَ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ دِحْيَةَ، وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ: يَرْوِيهِ نَحْوُ مِائَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ جَمَعَهَا بَعْدَهُ الْحَافِظَانِ يُوسُفُ بْنُ خَلِيلٍ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَكْرِيُّ، وَهُمَا مُتَعَاصِرَانِ فَوَقَعَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ، وَتَحَصَّلَ مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ كُلِّهِ رِوَايَةُ مِائَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى مَا فَصَّلْتُهُ مِنْ صَحِيحٍ وَحَسَنٍ وَضَعِيفٍ وَسَاقِطٍ، مَعَ أَنَّ فِيهَا مَا هُوَ فِي مُطْلَقِ ذَمِّ الْكَذِبِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِهَذَا الْوَعِيدِ الْخَاصِّ.

وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ جَاءَ عَنْ مِائَتَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلِأَجْلِ كَثْرَةِ طُرُقِهِ أَطْلَقَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ، وَنَازَعَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِي ذَلِكَ قَالَ: لِأَنَّ شَرْطَ التَّوَاتُرِ اسْتِوَاءُ طَرَفَيْهِ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي الْكَثْرَةِ، وَلَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي كُلِّ طَرِيقٍ مِنْهَا بِمُفْرَدِهَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِإِطْلَاقِ كَوْنِهِ مُتَوَاتِرًا رِوَايَةُ الْمَجْمُوعِ عَنِ الْمَجْمُوعِ مِنِ ابْتِدَائِهِ إِلَى انْتِهَائِهِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَهَذَا كَافٍ فِي إِفَادَةِ الْعِلْمِ. وَأَيْضًا فَطَرِيقُ أَنَسٍ وَحْدَهَا قَدْ رَوَاهَا عَنْهُ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ وَتَوَاتَرَتْ عَنْهُمْ. نَعَمْ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ رَوَاهُ عَنْهُ سِتَّةٌ مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ وَثِقَاتِهِمْ، وَكَذَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَلَوْ قِيلَ فِي كُلٍّ مِنْهَا: إِنَّهُ مُتَوَاتِرٌ عَنْ صَحَابِيِّهِ لَكَانَ صَحِيحًا، فَإِنَّ الْعَدَدَ الْمُعَيَّنَ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُتَوَاتِرِ، بَلْ مَا أَفَادَ الْعِلْمَ كَفَى، وَالصِّفَاتُ الْعَلِيَّةُ فِي الرُّوَاةِ تَقُومُ مَقَامَ الْعَدَدِ أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهِ كَمَا قَرَّرْتُهُ فِي نُكَتِ عُلُومِ الْحَدِيثِ وَفِي شَرْحِ نُخْبَةِ الْفِكْرِ، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ الرَّدَّ عَلَى مَنِ ادَّعَى أَنَّ مِثَالَ الْمُتَوَاتِرِ لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَبَيَّنْتُ أَنَّ أَمْثِلَتَهُ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا حَدِيثُ مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا، وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ، وَالشَّفَاعَةِ وَالْحَوْضِ، وَرُؤْيَةِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، وَالْأَئِمَّةِ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ، وَوَافَقَهُ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ رِوَايَةِ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُورَةِ، قَالَ: وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا حَدِيثٌ أَجْمَعَ الْعَشَرَةُ عَلَى رِوَايَتِهِ غَيْرُهُ، فَقَدْ تَعَقَّبَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، لَكِنَّ الطُّرُقَ عَنْهُمْ مَوْجُودَةٌ فِيمَا جَمَعَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَمَنْ بَعْدَهُ، وَالثَّابِتُ مِنْهَا مَا قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ. فَمِنَ الصِّحَاحِ عَلِيٌّ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت (١): «حدَّثني» (مُوسَى) بن إسماعيل المنقريُّ التَّبوذكيُّ البصريُّ (٢) (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المُهْمَلَتَين، عثمان بن عاصمٍ الكوفيِّ، المُتوفَّى سنة سبعٍ أو ثمانٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) الدَّوسيِّ (عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: تَسَمَّوْا) بفتح التَّاء والسِّين والميم المُشدَّدة، أمرٌ بصيغة الجمع من «باب التَّفعُّل» (بِاسْمِي) محمَّدٍ وأحمدَ (وَلَا تَكْتَنُوا) بفتح التَّاءين بينهما كافٌ ساكنةٌ، وفي رواية الأربعة: «ولا تَكَنَّوا» بفتح التاء (٣) والكاف ونونٍ مُشَدَّدةٍ من غير تاءٍ ثانيةٍ من «باب التَّفَعُّل» من (٤): تَكنَّى يتكنَّى تَكَنِّيًا، وأصله: لا تتكَنَّوا فحُذِفَت إحدى التَّاءين، أو بضمِّ التَّاء وفتح الكاف، وضمِّ النُّون المُشدَّدة من «باب التَّفعيل» من كنَّى يكنِّي تَكْنِيَةً، أو بفتح التَّاء وسكون الكاف وكلُّها من الكناية (بِكُنْيَتِي) أبي القاسم، وهو من باب عطف المنفيِّ على المُثبَت (وَمَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي) حقًّا (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي) أي: لا يتمثَّل بصورتي، وَتأتي مباحث ذلك إن شاء الله تعالى، وفي كتاب (٥) «المواهب» من ذلك ما يكفي ويشفي (وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) مقتضَى هذا الحديث استواء (٦)

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

نَفْسًا مِنَ التَّابِعِينَ، مِنْهُمْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ الْمَذْكُورُ هُنَا، وَهُوَ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ صَاحِبِ النَّبِيِّ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوَّلُ ثُلَاثِيٍّ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَلَيْسَ فِيهِ أَعْلَى مِنَ الثُّلَاثِيَّاتِ، وَقَدْ أُفْرِدَتْ فَبَلَغَتْ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ حَدِيثًا.

قَوْلُهُ: (مَنْ يَقُلْ) أَصْلُهُ يَقُولُ، وَإِنَّمَا جُزِمَ بِالشَّرْطِ.

قَوْلُهُ: (مَا لَمْ أَقُلْ) أَيْ: شَيْئًا لَمْ أَقُلْهُ فَحَذَفَ الْعَائِدَ وَهُوَ جَائِزٌ، وَذَكَرَ الْقَوْلَ لِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ، وَحُكْمُ الْفِعْلِ كَذَلِكَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّةِ الِامْتِنَاعِ، وَقَدْ دَخَلَ الْفِعْلُ فِي عُمُومِ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ، وَأَنَسٍ السَّابِقَيْنِ لِتَعْبِيرِهِمَا بِلَفْظِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُمَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدَ حَدِيثِ سَلَمَةَ فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ كَذَا، وَفَعَلَ كَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ قَالَهُ أَوْ فَعَلَهُ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ مَنْ مَنَعَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى. وَأَجَابَ الْمُجِيزُونَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِلَفْظٍ يُوجِبُ تَغَيُّرَ الْحُكْمِ مَعَ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِاللَّفْظِ لَا شَكَّ فِي أَوْلَوِيَّتِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١١٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ.

[الحديث ١١٠ - أطرافه في: ٦٩٩٣، ٦١٩٧، ٦١٨٨، ٣٥٣٩]

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُوسَى) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) هُوَ بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحُ الْأَوَّلِ، وَأَبُو صَالِحٍ هُوَ ذَكْوَانُ السَّمَّانُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَقَدِ اقْتَصَرَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ لَهُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ وَهِيَ مَقْصُودُ الْبَابِ، وَإِنَّمَا سَاقَهُ الْمُؤَلِّفُ بِتَمَامِهِ وَلَمْ يَخْتَصِرْهُ كَعَادَتِهِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ يَسْتَوِي فِيهِ الْيَقَظَةُ وَالْمَنَامُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ: الْكَذِبُ مَعْصِيَةٌ إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ فِي الْإِصْلَاحِ وَغَيْرِهِ، وَالْمَعَاصِي قَدْ تُوُعِّدَ عَلَيْهَا بِالنَّارِ، فَمَا الَّذِي امْتَازَ بِهِ الْكَاذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَى مَنْ كَذَبَ عَلَى غَيْرِهِ؟ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْكَذِبَ عَلَيْهِ يُكَفِّرُ مُتَعَمِّدَهُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ، لَكِنْ ضَعَّفَهُ ابْنُهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ بَعْدَهُ، وَمَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ إِلَى اخْتِيَارِهِ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ الْكَاذِبَ عَلَيْهِ فِي تَحْلِيلِ حَرَامٍ مَثَلًا لَا يَنْفَكُّ عَنِ اسْتِحْلَالِ ذَلِكَ الْحَرَامِ أَوِ الْحَمْلِ عَلَى اسْتِحْلَالِهِ، وَاسْتِحْلَالُ الْحَرَامِ كُفْرٌ، وَالْحَمْلُ عَلَى الْكُفْرِ كُفْرٌ. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ إِلَّا إِذَا اعْتَقَدَ حِلَّ ذَلِكَ.

الْجَوَابُ الثَّانِي أَنَّ الْكَذِبَ عَلَيْهِ كَبِيرَةٌ وَالْكَذِبُ عَلَى غَيْرِهِ صَغِيرَةٌ فَافْتَرَقَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنِ اسْتِوَاءِ الْوَعِيدِ فِي حَقِّ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ أَوْ كَذَبَ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ مَقَرُّهُمَا وَاحِدًا أَوْ طُولُ إِقَامَتِهِمَا سَوَاءً، فَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ : فَلْيَتَبَوَّأْ عَلَى طُولِ الْإِقَامَةِ فِيهَا، بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَنْزِلًا غَيْرَهُ، إِلَّا أَنَّ الْأَدِلَّةَ الْقَطْعِيَّةَ قَامَتْ عَلَى أَنَّ خُلُودَ التَّأْبِيدِ مُخْتَصٌّ بِالْكَافِرِينَ، وَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ بَيْنَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ وَبَيْنَ الْكَذِبِ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجَنَائِزِ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ حَيْثُ يَقُولُ: إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ وَسَنَذْكُرُ مَبَاحِثَهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَنَذْكُرُ فِيهِ الِاخْتِلَافَ فِي تَوْبَةِ مَنْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ عَلَيْهِ هَلْ تُقْبَلُ أَوْ لَا. (تَنْبِيهٌ): رَتَّبَ الْمُصَنِّفُ أَحَادِيثَ الْبَابِ تَرْتِيبًا حَسَنًا؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ وَفِيهِ مَقْصُودُ الْبَابِ، وَثَنَّى بِحَدِيثِ الزُّبَيْرِ الدَّالِّ عَلَى تَوَقِّي الصَّحَابَةِ وَتَحَرُّزِهِمْ مِنَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، وَثَلَّثَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ امْتِنَاعَهُمْ إِنَّمَا كَانَ مِنَ الْإِكْثَارِ الْمُفْضِي إِلَى الْخَطَأِ لَا عَنْ أَصْلِ التَّحْدِيثِ ; لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالتَّبْلِيغِ، وَخَتَمَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى اسْتِوَاءِ تَحْرِيمِ

الْكَذِبِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ دَعْوَى السَّمَاعِ مِنْهُ فِي الْيَقِظَةِ أَوْ فِي الْمَنَامِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَهُوَ فِي الْجَنَائِزِ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ فِي أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ وَهُوَ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ، لَكِنْ لَيْسَ هُوَ بِلَفْظِ الْوَعِيدِ بِالنَّارِ صَرِيحًا. وَاتَّفَقَ مُسْلِمٌ مَعَهُ عَلَى تَخْرِيجِ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْمُغِيرَةِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا، وَصَحَّ أَيْضًا فِي غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي قَتَادَةَ، وَجَابِرٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَوَرَدَ بِأَسَانِيدَ حِسَانٍ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَطَارِقٍ الْأَشْجَعِيِّ، وَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَخَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَأَبِي قِرْصَافَةَ، وَأَبِي مُوسَى الْغَافِقِيِّ، وَعَائِشَةَ، فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَوَرَدَ أَيْضًا عَنْ نَحْوِ من خَمْسِينَ غَيْرِهِمْ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ، وَعَنْ نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ آخَرِينَ بِأَسَانِيدَ سَاقِطَةٍ.

وَقَدِ اعْتَنَى جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ بِجَمْعِ طُرُقِهِ، فَأَوَّلُ مَنْ وَقَفْتُ عَلَى كَلَامِهِ فِي ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَتَبِعَهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ، فَقَالَ: رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ عِشْرِينَ وَجْهًا عَنِ الصَّحَابَةِ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ، فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: إِنَّهُ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَرْبَعِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَجَمَعَ طُرُقَهُ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ فَزَادَ قَلِيلًا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيّرفي شَارِحُ رِسَالَةِ الشَّافِعِيِّ: رَوَاهُ سِتُّونَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَجَمَعَ طُرُقَهُ الطَّبَرَانِيُّ فَزَادَ قَلِيلًا، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنْدَهْ: رَوَاهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِينَ نَفْسًا، وَقَدْ خَرَّجَهَا بَعْضُ النَّيْسَابُورِيِّينَ فَزَادَتْ قَلِيلًا، وَقَدْ جَمَعَ طُرُقَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِ الْمَوْضُوعَاتِ فَجَاوَزَ التِّسْعِينَ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ دِحْيَةَ، وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ: يَرْوِيهِ نَحْوُ مِائَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ جَمَعَهَا بَعْدَهُ الْحَافِظَانِ يُوسُفُ بْنُ خَلِيلٍ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَكْرِيُّ، وَهُمَا مُتَعَاصِرَانِ فَوَقَعَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ، وَتَحَصَّلَ مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ كُلِّهِ رِوَايَةُ مِائَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى مَا فَصَّلْتُهُ مِنْ صَحِيحٍ وَحَسَنٍ وَضَعِيفٍ وَسَاقِطٍ، مَعَ أَنَّ فِيهَا مَا هُوَ فِي مُطْلَقِ ذَمِّ الْكَذِبِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِهَذَا الْوَعِيدِ الْخَاصِّ.

وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ جَاءَ عَنْ مِائَتَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلِأَجْلِ كَثْرَةِ طُرُقِهِ أَطْلَقَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ، وَنَازَعَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِي ذَلِكَ قَالَ: لِأَنَّ شَرْطَ التَّوَاتُرِ اسْتِوَاءُ طَرَفَيْهِ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي الْكَثْرَةِ، وَلَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي كُلِّ طَرِيقٍ مِنْهَا بِمُفْرَدِهَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِإِطْلَاقِ كَوْنِهِ مُتَوَاتِرًا رِوَايَةُ الْمَجْمُوعِ عَنِ الْمَجْمُوعِ مِنِ ابْتِدَائِهِ إِلَى انْتِهَائِهِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَهَذَا كَافٍ فِي إِفَادَةِ الْعِلْمِ. وَأَيْضًا فَطَرِيقُ أَنَسٍ وَحْدَهَا قَدْ رَوَاهَا عَنْهُ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ وَتَوَاتَرَتْ عَنْهُمْ. نَعَمْ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ رَوَاهُ عَنْهُ سِتَّةٌ مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ وَثِقَاتِهِمْ، وَكَذَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَلَوْ قِيلَ فِي كُلٍّ مِنْهَا: إِنَّهُ مُتَوَاتِرٌ عَنْ صَحَابِيِّهِ لَكَانَ صَحِيحًا، فَإِنَّ الْعَدَدَ الْمُعَيَّنَ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُتَوَاتِرِ، بَلْ مَا أَفَادَ الْعِلْمَ كَفَى، وَالصِّفَاتُ الْعَلِيَّةُ فِي الرُّوَاةِ تَقُومُ مَقَامَ الْعَدَدِ أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهِ كَمَا قَرَّرْتُهُ فِي نُكَتِ عُلُومِ الْحَدِيثِ وَفِي شَرْحِ نُخْبَةِ الْفِكْرِ، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ الرَّدَّ عَلَى مَنِ ادَّعَى أَنَّ مِثَالَ الْمُتَوَاتِرِ لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَبَيَّنْتُ أَنَّ أَمْثِلَتَهُ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا حَدِيثُ مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا، وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ، وَالشَّفَاعَةِ وَالْحَوْضِ، وَرُؤْيَةِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، وَالْأَئِمَّةِ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ، وَوَافَقَهُ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ رِوَايَةِ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُورَةِ، قَالَ: وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا حَدِيثٌ أَجْمَعَ الْعَشَرَةُ عَلَى رِوَايَتِهِ غَيْرُهُ، فَقَدْ تَعَقَّبَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، لَكِنَّ الطُّرُقَ عَنْهُمْ مَوْجُودَةٌ فِيمَا جَمَعَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَمَنْ بَعْدَهُ، وَالثَّابِتُ مِنْهَا مَا قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ. فَمِنَ الصِّحَاحِ عَلِيٌّ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت (١): «حدَّثني» (مُوسَى) بن إسماعيل المنقريُّ التَّبوذكيُّ البصريُّ (٢) (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المُهْمَلَتَين، عثمان بن عاصمٍ الكوفيِّ، المُتوفَّى سنة سبعٍ أو ثمانٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) الدَّوسيِّ (عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: تَسَمَّوْا) بفتح التَّاء والسِّين والميم المُشدَّدة، أمرٌ بصيغة الجمع من «باب التَّفعُّل» (بِاسْمِي) محمَّدٍ وأحمدَ (وَلَا تَكْتَنُوا) بفتح التَّاءين بينهما كافٌ ساكنةٌ، وفي رواية الأربعة: «ولا تَكَنَّوا» بفتح التاء (٣) والكاف ونونٍ مُشَدَّدةٍ من غير تاءٍ ثانيةٍ من «باب التَّفَعُّل» من (٤): تَكنَّى يتكنَّى تَكَنِّيًا، وأصله: لا تتكَنَّوا فحُذِفَت إحدى التَّاءين، أو بضمِّ التَّاء وفتح الكاف، وضمِّ النُّون المُشدَّدة من «باب التَّفعيل» من كنَّى يكنِّي تَكْنِيَةً، أو بفتح التَّاء وسكون الكاف وكلُّها من الكناية (بِكُنْيَتِي) أبي القاسم، وهو من باب عطف المنفيِّ على المُثبَت (وَمَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي) حقًّا (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي) أي: لا يتمثَّل بصورتي، وَتأتي مباحث ذلك إن شاء الله تعالى، وفي كتاب (٥) «المواهب» من ذلك ما يكفي ويشفي (وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) مقتضَى هذا الحديث استواء (٦)

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.8 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله