الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١١٣٠
الحديث رقم ١١٣٠ من كتاب «أبواب التهجد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قيام النبي ﷺ الليل حتى ترم قدماه.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَرِ
١١٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ ﵁ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الزِّيَادَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّضْعِيفَ لَا يَنْقُصُ عَنِ الْعَشْرِ، وَدَفَعَ بَعْضُهُمْ فِي أَصْلِ السُّؤَالِ بِأَنَّ الزَّمَانَ كَانَ قَابِلًا لِلنَّسْخِ، فَلَا مَانِعَ مِنْ خَشْيَةِ الِافْتِرَاضِ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ خَبَرٌ، وَالنَّسْخُ لَا يَدْخُلُهُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَلَيْسَ هُوَ كَقَوْلِهِ مَثَلًا لَهُمْ: صُومُوا الدَّهْرَ أَبَدًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ النَّسْخُ.
وَقَدْ فَتَحَ الْبَارِي بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ أُخْرَى: أَحَدِهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَخُوِّفُ افْتِرَاضَ قِيَامِ اللَّيْلِ، بِمَعْنَى جَعْلِ التَّهَجُّدِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّنَفُّلِ بِاللَّيْلِ، وَيُومِئُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ. فَمَنَعَهُمْ مِنَ التَّجْمِيعِ فِي الْمَسْجِدِ إِشْفَاقًا عَلَيْهِمْ مِنَ اشْتِرَاطِهِ، وَأُمِنَ مَعَ إِذْنِهِ فِي الْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ فِي بُيُوتِهِمْ مِنَ افْتِرَاضِهِ عَلَيْهِمْ. ثَانِيهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَخُوِّفُ افْتِرَاضَ قِيَامِ اللَّيْلِ عَلَى الْكِفَايَةِ لَا عَلَى الْأَعْيَانِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ زَائِدًا عَلَى الْخَمْسِ؛ بَلْ هُوَ نَظِيرُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ قَوْمٌ فِي الْعِيدِ وَنَحْوِهَا. ثَالِثُهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَخُوِّفُ افْتِرَاضَ قِيَامِ رَمَضَانَ خَاصَّةً، فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي رَمَضَانَ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ: خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْكُمْ قِيَامُ هَذَا الشَّهْرِ، فَعَلَى هَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ؛ لِأَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ لَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْخَمْسِ. وَأَقْوَى هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ - فِي نَظَرِي - الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ - غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ - نَدْبُ قِيَامِ اللَّيْلِ وَلَاسِيَّمَا فِي رَمَضَانَ جَمَاعَةً؛ لِأَنَّ الْخَشْيَةَ الْمَذْكُورَةَ أُمِنَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلِذَلِكَ جَمَعَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الصِّيَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهِ جَوَازُ الْفِرَارِ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، قَالَهُ الْمُهَلَّبُ، وَفِيهِ أَنَّ الْكَبِيرَ إِذَا فَعَلَ شَيْئًا خِلَافَ مَا اعْتَادَهُ أَتْبَاعُهُ أَنْ يَذْكُرَ لَهُمْ عُذْرَهُ وَحُكْمَهُ وَالْحِكْمَةَ فِيهِ، وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ مِنَ الزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالِاكْتِفَاءِ بِمَا قَلَّ مِنْهَا وَالشَّفَقَةِ عَلَى أُمَّتِهِ وَالرَّأْفَةِ بِهِمْ، وَفِيهِ تَرْكُ بَعْضِ الْمَصَالِحِ لِخَوْفِ الْمَفْسَدَةِ، وَتَقْدِيمِ أَهَمِّ الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَفِيهِ جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ نَظَرٌ (١) لِأَنَّ نَفْيَ النِّيَّةِ لَمْ يُنْقَلْ، وَلَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ بِالظَّنِّ، وَفِيهِ تَرْكُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِلنَّوَافِلِ إِذَا صُلِّيَتْ جَمَاعَةً.
٦ - بَاب قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّيْلَ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ يَقُومُ حَتَّى تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، وَالْفُطُورُ: الشُّقُوقُ، ﴿انْفَطَرَتْ﴾: انْشَقَّتْ.
١١٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ ﵁ يَقُولُ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيَقُومُ - أو لِيُصَلِّيَ: حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ - أَوْ سَاقَاهُ - فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟.
[الحديث ١١٣٠ - طرفاه في: ٤٨٣٦، ٦٤٧١]
قَوْلُهُ: (بَابُ قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّيْلَ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْهُ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ. وَلِلْبَاقِينَ: قِيَامُ اللَّيْلِ لِلنَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ يَقُومُ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَفَطَّرَ) بِتَاءٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: تَتْفَطَّرُ بِمُثَنَّاتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَالْفُطُورُ الشُّقُوقُ) كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ.
قَوْلُهُ: (انْفَطَرَتْ: انْشَقَّتْ) هَذَا التَّفْسِيرُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مَوْصُولًا، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ:
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَغَيْرِهِمَا ذَلِكَ، وَكَذَا حَكَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الشَّامِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ زِيَادٍ) هُوَ ابْنُ عِلَاقَةَ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الرِّقَاقِ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مِسْعَرٍ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ.
(تَنْبِيهٌ): هَكَذَا رَوَاهُ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ مِسْعَرٍ عَنْهُ، وَخَالَفَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَحْدَهُ، فَرَوَاهُ عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَقَالَ: الصَّوَابُ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ زِيَادٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ الْحَرَّانِيِّ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، وَأَخْطَأَ فِيهِ أَيْضًا، وَالصَّوَابُ مِسْعَرٌ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ.
قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ لَيَقُومُ أَوْ لَيُصَلِّي) إِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَلَيَقُومُ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: لَيَقُومُ يُصَلِّي، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَرِمُ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ مِنَ الْوَرَمِ، هَكَذَا سُمِعَ، وَهُوَ نَادِرٌ، وَفِي رِوَايَةِ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى: حَتَّى تَرِمَ أَوْ تَنْتَفِخَ قَدَمَاهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ.
قَوْلُهُ: (قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ)، وَفِي رِوَايَةِ خَلَّادٍ: قَدَمَاهُ وَلَمْ يَشُكَّ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي تَفْسِيرِ الْفَتْحِ: حَتَّى تَوَرَّمَتْ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: حَتَّى تَزْلَعَ قَدَمَاهُ بِزَايٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ، وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، فَإِنَّهُ إِذَا حَصَلَ الِانْتِفَاخُ أَوِ الْوَرَمُ حَصَلَ الزَّلَعُ وَالتَّشَقُّقُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَيُقَالُ لَهُ) لَمْ يَذْكُرِ الْمَقُولَ، وَلَمْ يُسَمِّ الْقَائِلَ، وَفِي تَفْسِيرِ الْفَتْحِ: فَقِيلَ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ: فَقِيلَ لَهُ: أَتَتَكَلَّفُ هَذَا. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ؟. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ: فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُ هَذَا، وَقَدْ جَاءَكَ مِنَ اللَّهِ أَنْ قَدْ غَفَرَ لَكَ؟
قَوْلُهُ: (أَفَلَا أَكُونُ) فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ (عَبْدًا شَكُورًا)، وَزَادَتْ فِيهِ: فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا، الْحَدِيثَ. وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: أَفَلَا أَكُونُ؛ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَهِيَ عَنْ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أَأَتْرُكُ تَهَجُّدِي، فَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَغْفِرَةَ سَبَبٌ لِكَوْنِ التَّهَجُّدِ شُكْرًا، فَكَيْفَ أَتْرُكُهُ؟ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَخْذُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ بِالشِّدَّةِ فِي الْعِبَادَةِ، وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِبَدَنِهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا سَبَقَ لَهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، فَضْلًا عَمَّنْ لَمْ يَأْمَنْ أَنَّهُ اسْتَحَقَّ النَّارَ. انْتَهَى. وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا إِذَا لَمْ يُفْضِ إِلَى الْمَلَالِ؛ لِأَنَّ حَالَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ أَكْمَلَ الْأَحْوَالِ، فَكَانَ لَا يَمَلُّ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِبَدَنِهِ، بَلْ صَحَّ أَنَّهُ قَالَ: وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ، كَمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، فَأَمَّا غَيْرُهُ ﷺ فَإِذَا خَشِيَ الْمَلَلَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْرِهَ نَفْسَهُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ ﷺ: خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا.
وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الصَّلَاةِ لِلشُّكْرِ، وَفِيهِ أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالْعَمَلِ، كَمَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَنَّ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ تَحَمُّلِهِ الْمَشَقَّةَ فِي الْعِبَادَةِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْبُدُ اللَّهَ خَوْفًا مِنَ الذُّنُوبِ، وَطَلَبًا لِلْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَمَنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ غُفِرَ لَهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَفَادَهُمْ أَنَّ هُنَاكَ طَرِيقًا آخَرَ لِلْعِبَادَةِ، وَهُوَ الشُّكْرُ عَلَى الْمَغْفِرَةِ وَإِيصَالُ النِّعْمَةِ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ فِيهَا شَيْئًا، فَيَتَعَيَّنُ كَثْرَةُ الشُّكْرِ عَلَى ذَلِكَ، وَالشُّكْرُ: الِاعْتِرَافُ بِالنِّعْمَةِ، وَالْقِيَامُ بِالْخِدْمَةِ، فَمَنْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ سُمِّيَ شَكُورًا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ﷾: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَالْخَشْيَةِ مِنْ رَبِّهِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا أَلْزَمَ الْأَنْبِيَاءُ أَنْفُسَهُمْ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ لِعِلْمِهِمْ بِعَظِيمِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ ابْتَدَأَهُمْ بِهَا قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهَا، فَبَذَلُوا مَجْهُودَهُمْ فِي عِبَادَتِهِ لِيُؤَدُّوا بَعْضَ شُكْرِهِ، مَعَ أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَقُومَ بِهَا الْعِبَادُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٦) (باب قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ) زاد الحَمُّويي في نسخةٍ والمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليُّ: «اللَّيل»، وسقط عند أبي الوقت وابن عساكر (حتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وكسر الرَّاء؛ من الورم، وسقط ذلك -أي: «حتَّى ترم قدماه» - عند (١) أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ في نسخةٍ والحَمُّويي والمُستملي: «باب قيام اللَّيل للنَّبيِّ ﷺ» (وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂) ممَّا وصله في «سورة الفتح» من «التَّفسير» [خ¦٤٨٣٧]: (حَتَّى) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «كان يقوم»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قام حتَّى» (تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ) بحذف إحدى التَّاءين وتشديد الطَّاء وفتح الرَّاء، بصيغة الماضي (٢)، وللأَصيليِّ: «قام رسول الله ﷺ حتَّى تتفطَّرَ قدماه» بمثنَّاتين فوقيَّتين على الأصل وفتح (٣) الرَّاء (وَالفُطُورُ: الشُّقُوقُ) كما فسَّره به أبو عبيدة في «المجاز» (﴿انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]: انْشَقَّتْ) كذا فسَّره الضَّحَّاك فيما رواه ابن أبي حاتمٍ عنه موصولًا.
١١٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَين (قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السِّين المهملة، ابن كِدَام العامريُّ الهلاليُّ (عَنْ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي وتخفيف الياء، ابن عِلَاقَةَ الثَّعلبيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ) بن شُعبة (﵁ يَقُولُ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ) بكسر همزة «إن» وتخفيف النُّون، وحذف ضمير الشَّأن، تقديره: إنَّه كان؛ وبفتح لام «لَيقوم» للتَّأكيد، وكسر لام «لِيصَلِّي»، ولكريمةَ: «لَيقوم يصلِّي» بحذف لام «يصلِّي»، وللأربعة: «أو لَيصلِّي» مع فتح اللَّام على الشَّكِّ (حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ) بكسر الرَّاء وتخفيف الميم،
منصوبة بلفظ المضارع، ويجوز رفعها (أَوْ سَاقَاهُ) شكٌّ من الرَّاوي، وفي رواية خلَّاد بن يحيى [خ¦٦٤٧١]: «حتَّى ترمَ، أو تنتفخ قدماه (١)» (فَيُقَالُ لَهُ) ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وفي حديث عائشة [خ¦٤٨٣٧]: «لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك؟» (فَيَقُولُ: أَفَلَا) الفاء مُسبِّبٌ عن محذوف، أي: أأترك قيامي وتهجُّدي لِما غُفر لي فلا (أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟!) يعني: غفران الله لي (٢) سببٌ لأن أقومَ أتهجَّدُ شكرًا له (٣)، فكيف أتركه؟! كأنَّ المعنى: ألا أشكره وقد أنعم عليَّ وخصَّني بخير الدَّارين؟! فإنَّ الشَّكور من أبنية المبالغة يستدعي نعمةً خطيرةً، وتخصيص العبد بالذِّكر مشعرٌ بغاية الإكرام والقرب من الله تعالى، ومن ثمَّ وصفه به في مقام الإسراء، ولأنَّ العبودية تقتضي صحَّة النِّسبة، وليست إلَّا بالعبادة، والعبادة عين الشُّكر.
وفيه أخذ الإنسان على نفسه بالشِّدة في العبادة وإن أضرَّ ذلك ببدنه، لكن ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يفض إلى المَلال؛ لأنَّ حالة النَّبيِّ ﷺ كانت أكملَ الأحوال، فكان لا يملُّ من العبادة وإن أضرَّ ذلك ببدنه، بل صحَّ أنَّه قال: «وجُعِلَت قرَّة عيني في الصَّلاة» رواه النَّسائيُّ، فأمَّا غيره ﵊؛ فإذا خشي الملل ينبغي له (٤) ألَّا يكدَّ نفسه حتَّى يملَّ، نعم؛ الأخذ بالشدَّة أفضل؛ لأنَّه إذا كان هذا فِعل المغفورِ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؛ فكيف بمن جُهِل حاله وأثقلت ظهره الأوزار، ولا يأمن عذاب النَّار؟
ورواة هذا الحديث كوفيُّون، وهو من الرُّباعيَّات، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والسَّماع، والقول، وأخرجه أيضًا في «الرَّقاق» [خ¦٦٤٧١] و «التَّفسير» [خ¦٤٨٣٦]، ومسلمٌ في أواخر الكتاب، والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة»، وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الزِّيَادَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّضْعِيفَ لَا يَنْقُصُ عَنِ الْعَشْرِ، وَدَفَعَ بَعْضُهُمْ فِي أَصْلِ السُّؤَالِ بِأَنَّ الزَّمَانَ كَانَ قَابِلًا لِلنَّسْخِ، فَلَا مَانِعَ مِنْ خَشْيَةِ الِافْتِرَاضِ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ خَبَرٌ، وَالنَّسْخُ لَا يَدْخُلُهُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَلَيْسَ هُوَ كَقَوْلِهِ مَثَلًا لَهُمْ: صُومُوا الدَّهْرَ أَبَدًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ النَّسْخُ.
وَقَدْ فَتَحَ الْبَارِي بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ أُخْرَى: أَحَدِهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَخُوِّفُ افْتِرَاضَ قِيَامِ اللَّيْلِ، بِمَعْنَى جَعْلِ التَّهَجُّدِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّنَفُّلِ بِاللَّيْلِ، وَيُومِئُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ. فَمَنَعَهُمْ مِنَ التَّجْمِيعِ فِي الْمَسْجِدِ إِشْفَاقًا عَلَيْهِمْ مِنَ اشْتِرَاطِهِ، وَأُمِنَ مَعَ إِذْنِهِ فِي الْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ فِي بُيُوتِهِمْ مِنَ افْتِرَاضِهِ عَلَيْهِمْ. ثَانِيهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَخُوِّفُ افْتِرَاضَ قِيَامِ اللَّيْلِ عَلَى الْكِفَايَةِ لَا عَلَى الْأَعْيَانِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ زَائِدًا عَلَى الْخَمْسِ؛ بَلْ هُوَ نَظِيرُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ قَوْمٌ فِي الْعِيدِ وَنَحْوِهَا. ثَالِثُهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَخُوِّفُ افْتِرَاضَ قِيَامِ رَمَضَانَ خَاصَّةً، فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي رَمَضَانَ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ: خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْكُمْ قِيَامُ هَذَا الشَّهْرِ، فَعَلَى هَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ؛ لِأَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ لَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْخَمْسِ. وَأَقْوَى هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ - فِي نَظَرِي - الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ - غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ - نَدْبُ قِيَامِ اللَّيْلِ وَلَاسِيَّمَا فِي رَمَضَانَ جَمَاعَةً؛ لِأَنَّ الْخَشْيَةَ الْمَذْكُورَةَ أُمِنَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلِذَلِكَ جَمَعَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الصِّيَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهِ جَوَازُ الْفِرَارِ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، قَالَهُ الْمُهَلَّبُ، وَفِيهِ أَنَّ الْكَبِيرَ إِذَا فَعَلَ شَيْئًا خِلَافَ مَا اعْتَادَهُ أَتْبَاعُهُ أَنْ يَذْكُرَ لَهُمْ عُذْرَهُ وَحُكْمَهُ وَالْحِكْمَةَ فِيهِ، وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ مِنَ الزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالِاكْتِفَاءِ بِمَا قَلَّ مِنْهَا وَالشَّفَقَةِ عَلَى أُمَّتِهِ وَالرَّأْفَةِ بِهِمْ، وَفِيهِ تَرْكُ بَعْضِ الْمَصَالِحِ لِخَوْفِ الْمَفْسَدَةِ، وَتَقْدِيمِ أَهَمِّ الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَفِيهِ جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ نَظَرٌ (١) لِأَنَّ نَفْيَ النِّيَّةِ لَمْ يُنْقَلْ، وَلَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ بِالظَّنِّ، وَفِيهِ تَرْكُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِلنَّوَافِلِ إِذَا صُلِّيَتْ جَمَاعَةً.
٦ - بَاب قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّيْلَ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ يَقُومُ حَتَّى تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، وَالْفُطُورُ: الشُّقُوقُ، ﴿انْفَطَرَتْ﴾: انْشَقَّتْ.
١١٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ ﵁ يَقُولُ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيَقُومُ - أو لِيُصَلِّيَ: حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ - أَوْ سَاقَاهُ - فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟.
[الحديث ١١٣٠ - طرفاه في: ٤٨٣٦، ٦٤٧١]
قَوْلُهُ: (بَابُ قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّيْلَ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْهُ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ. وَلِلْبَاقِينَ: قِيَامُ اللَّيْلِ لِلنَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ يَقُومُ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَفَطَّرَ) بِتَاءٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: تَتْفَطَّرُ بِمُثَنَّاتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَالْفُطُورُ الشُّقُوقُ) كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ.
قَوْلُهُ: (انْفَطَرَتْ: انْشَقَّتْ) هَذَا التَّفْسِيرُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مَوْصُولًا، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ:
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَغَيْرِهِمَا ذَلِكَ، وَكَذَا حَكَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الشَّامِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ زِيَادٍ) هُوَ ابْنُ عِلَاقَةَ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الرِّقَاقِ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مِسْعَرٍ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ.
(تَنْبِيهٌ): هَكَذَا رَوَاهُ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ مِسْعَرٍ عَنْهُ، وَخَالَفَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَحْدَهُ، فَرَوَاهُ عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَقَالَ: الصَّوَابُ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ زِيَادٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ الْحَرَّانِيِّ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، وَأَخْطَأَ فِيهِ أَيْضًا، وَالصَّوَابُ مِسْعَرٌ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ.
قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ لَيَقُومُ أَوْ لَيُصَلِّي) إِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَلَيَقُومُ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: لَيَقُومُ يُصَلِّي، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَرِمُ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ مِنَ الْوَرَمِ، هَكَذَا سُمِعَ، وَهُوَ نَادِرٌ، وَفِي رِوَايَةِ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى: حَتَّى تَرِمَ أَوْ تَنْتَفِخَ قَدَمَاهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ.
قَوْلُهُ: (قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ)، وَفِي رِوَايَةِ خَلَّادٍ: قَدَمَاهُ وَلَمْ يَشُكَّ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي تَفْسِيرِ الْفَتْحِ: حَتَّى تَوَرَّمَتْ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: حَتَّى تَزْلَعَ قَدَمَاهُ بِزَايٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ، وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، فَإِنَّهُ إِذَا حَصَلَ الِانْتِفَاخُ أَوِ الْوَرَمُ حَصَلَ الزَّلَعُ وَالتَّشَقُّقُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَيُقَالُ لَهُ) لَمْ يَذْكُرِ الْمَقُولَ، وَلَمْ يُسَمِّ الْقَائِلَ، وَفِي تَفْسِيرِ الْفَتْحِ: فَقِيلَ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ: فَقِيلَ لَهُ: أَتَتَكَلَّفُ هَذَا. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ؟. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ: فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُ هَذَا، وَقَدْ جَاءَكَ مِنَ اللَّهِ أَنْ قَدْ غَفَرَ لَكَ؟
قَوْلُهُ: (أَفَلَا أَكُونُ) فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ (عَبْدًا شَكُورًا)، وَزَادَتْ فِيهِ: فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا، الْحَدِيثَ. وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: أَفَلَا أَكُونُ؛ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَهِيَ عَنْ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أَأَتْرُكُ تَهَجُّدِي، فَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَغْفِرَةَ سَبَبٌ لِكَوْنِ التَّهَجُّدِ شُكْرًا، فَكَيْفَ أَتْرُكُهُ؟ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَخْذُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ بِالشِّدَّةِ فِي الْعِبَادَةِ، وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِبَدَنِهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا سَبَقَ لَهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، فَضْلًا عَمَّنْ لَمْ يَأْمَنْ أَنَّهُ اسْتَحَقَّ النَّارَ. انْتَهَى. وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا إِذَا لَمْ يُفْضِ إِلَى الْمَلَالِ؛ لِأَنَّ حَالَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ أَكْمَلَ الْأَحْوَالِ، فَكَانَ لَا يَمَلُّ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِبَدَنِهِ، بَلْ صَحَّ أَنَّهُ قَالَ: وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ، كَمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، فَأَمَّا غَيْرُهُ ﷺ فَإِذَا خَشِيَ الْمَلَلَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْرِهَ نَفْسَهُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ ﷺ: خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا.
وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الصَّلَاةِ لِلشُّكْرِ، وَفِيهِ أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالْعَمَلِ، كَمَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَنَّ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ تَحَمُّلِهِ الْمَشَقَّةَ فِي الْعِبَادَةِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْبُدُ اللَّهَ خَوْفًا مِنَ الذُّنُوبِ، وَطَلَبًا لِلْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَمَنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ غُفِرَ لَهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَفَادَهُمْ أَنَّ هُنَاكَ طَرِيقًا آخَرَ لِلْعِبَادَةِ، وَهُوَ الشُّكْرُ عَلَى الْمَغْفِرَةِ وَإِيصَالُ النِّعْمَةِ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ فِيهَا شَيْئًا، فَيَتَعَيَّنُ كَثْرَةُ الشُّكْرِ عَلَى ذَلِكَ، وَالشُّكْرُ: الِاعْتِرَافُ بِالنِّعْمَةِ، وَالْقِيَامُ بِالْخِدْمَةِ، فَمَنْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ سُمِّيَ شَكُورًا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ﷾: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَالْخَشْيَةِ مِنْ رَبِّهِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا أَلْزَمَ الْأَنْبِيَاءُ أَنْفُسَهُمْ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ لِعِلْمِهِمْ بِعَظِيمِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ ابْتَدَأَهُمْ بِهَا قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهَا، فَبَذَلُوا مَجْهُودَهُمْ فِي عِبَادَتِهِ لِيُؤَدُّوا بَعْضَ شُكْرِهِ، مَعَ أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَقُومَ بِهَا الْعِبَادُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٦) (باب قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ) زاد الحَمُّويي في نسخةٍ والمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليُّ: «اللَّيل»، وسقط عند أبي الوقت وابن عساكر (حتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وكسر الرَّاء؛ من الورم، وسقط ذلك -أي: «حتَّى ترم قدماه» - عند (١) أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ في نسخةٍ والحَمُّويي والمُستملي: «باب قيام اللَّيل للنَّبيِّ ﷺ» (وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂) ممَّا وصله في «سورة الفتح» من «التَّفسير» [خ¦٤٨٣٧]: (حَتَّى) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «كان يقوم»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قام حتَّى» (تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ) بحذف إحدى التَّاءين وتشديد الطَّاء وفتح الرَّاء، بصيغة الماضي (٢)، وللأَصيليِّ: «قام رسول الله ﷺ حتَّى تتفطَّرَ قدماه» بمثنَّاتين فوقيَّتين على الأصل وفتح (٣) الرَّاء (وَالفُطُورُ: الشُّقُوقُ) كما فسَّره به أبو عبيدة في «المجاز» (﴿انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]: انْشَقَّتْ) كذا فسَّره الضَّحَّاك فيما رواه ابن أبي حاتمٍ عنه موصولًا.
١١٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَين (قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السِّين المهملة، ابن كِدَام العامريُّ الهلاليُّ (عَنْ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي وتخفيف الياء، ابن عِلَاقَةَ الثَّعلبيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ) بن شُعبة (﵁ يَقُولُ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ) بكسر همزة «إن» وتخفيف النُّون، وحذف ضمير الشَّأن، تقديره: إنَّه كان؛ وبفتح لام «لَيقوم» للتَّأكيد، وكسر لام «لِيصَلِّي»، ولكريمةَ: «لَيقوم يصلِّي» بحذف لام «يصلِّي»، وللأربعة: «أو لَيصلِّي» مع فتح اللَّام على الشَّكِّ (حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ) بكسر الرَّاء وتخفيف الميم،
منصوبة بلفظ المضارع، ويجوز رفعها (أَوْ سَاقَاهُ) شكٌّ من الرَّاوي، وفي رواية خلَّاد بن يحيى [خ¦٦٤٧١]: «حتَّى ترمَ، أو تنتفخ قدماه (١)» (فَيُقَالُ لَهُ) ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وفي حديث عائشة [خ¦٤٨٣٧]: «لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك؟» (فَيَقُولُ: أَفَلَا) الفاء مُسبِّبٌ عن محذوف، أي: أأترك قيامي وتهجُّدي لِما غُفر لي فلا (أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟!) يعني: غفران الله لي (٢) سببٌ لأن أقومَ أتهجَّدُ شكرًا له (٣)، فكيف أتركه؟! كأنَّ المعنى: ألا أشكره وقد أنعم عليَّ وخصَّني بخير الدَّارين؟! فإنَّ الشَّكور من أبنية المبالغة يستدعي نعمةً خطيرةً، وتخصيص العبد بالذِّكر مشعرٌ بغاية الإكرام والقرب من الله تعالى، ومن ثمَّ وصفه به في مقام الإسراء، ولأنَّ العبودية تقتضي صحَّة النِّسبة، وليست إلَّا بالعبادة، والعبادة عين الشُّكر.
وفيه أخذ الإنسان على نفسه بالشِّدة في العبادة وإن أضرَّ ذلك ببدنه، لكن ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يفض إلى المَلال؛ لأنَّ حالة النَّبيِّ ﷺ كانت أكملَ الأحوال، فكان لا يملُّ من العبادة وإن أضرَّ ذلك ببدنه، بل صحَّ أنَّه قال: «وجُعِلَت قرَّة عيني في الصَّلاة» رواه النَّسائيُّ، فأمَّا غيره ﵊؛ فإذا خشي الملل ينبغي له (٤) ألَّا يكدَّ نفسه حتَّى يملَّ، نعم؛ الأخذ بالشدَّة أفضل؛ لأنَّه إذا كان هذا فِعل المغفورِ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؛ فكيف بمن جُهِل حاله وأثقلت ظهره الأوزار، ولا يأمن عذاب النَّار؟
ورواة هذا الحديث كوفيُّون، وهو من الرُّباعيَّات، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والسَّماع، والقول، وأخرجه أيضًا في «الرَّقاق» [خ¦٦٤٧١] و «التَّفسير» [خ¦٤٨٣٦]، ومسلمٌ في أواخر الكتاب، والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة»، وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه.