الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١١٤
الحديث رقم ١١٤ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كتابة العلم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الْعِلْمِ وَالْعِظَةِ بِاللَّيْلِ
١١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ وَمِنْ الحَدِيثِ عَلِيٍّ الْمُتَقَدِّمِ وَمِنْ قِصَّةِ أَبِي شَاهٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ فِي كِتَابَةِ الْحَدِيثِ عَنْهُ، وَهُوَ يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِوَقْتِ نُزُولِ الْقُرْآنِ خَشْيَةَ الْتِبَاسِهِ بِغَيْرِهِ، وَالْإِذْنَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ. أَوْ أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِكِتَابَةِ غَيْرِ الْقُرْآنِ مَعَ الْقُرْآنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَالْإِذْنَ فِي تَفْرِيقِهِمَا، أَوِ النَّهْيَ مُتَقَدِّمٌ وَالْإِذْنَ نَاسِخٌ لَهُ عِنْدَ الْأَمْنِ مِنَ الِالْتِبَاسِ وَهُوَ أَقْرَبُهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُنَافِيهَا.
وَقِيلَ: النَّهْيُ خَاصٌّ بِمَنْ خُشِيَ مِنْهُ الِاتِّكَالُ عَلَى الْكِتَابَةِ دُونَ الْحِفْظِ، وَالْإِذْنُ لِمَنْ أُمِنَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَعَلَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ وَقَالَ: الصَّوَابُ وَقْفُهُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ، قَالَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كِتَابَةَ الْحَدِيثِ، وَاسْتَحَبُّوا أَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُمْ حِفْظًا كَمَا أَخَذُوا حِفْظًا، لَكِنْ لَمَّا قَصُرَتِ الْهِمَمُ وَخَشِيَ الْأَئِمَّةُ ضَيَاعَ الْعِلْمِ دَوَّنُوهُ، وَأَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ الْحَدِيثَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ بِأَمْرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثُمَّ كَثُرَ التَّدْوِينُ ثُمَّ التَّصْنِيفُ، وَحَصَلَ بِذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ. فَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
١١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ: ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ. قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الْوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا، فَاخْتَلَفُوا، وَكَثُرَ اللَّغَطُ. قَالَ: قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ.
[الحديث ١١٤ - أطرافه في: ٧٣٦٦، ٥٦٦٩، ٤٤٣٢، ٤٤٣١، ٣١٦٨، ٣٠٥٣]
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي يُونُسُ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ: ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا اشْتَدَّ) أَيْ: قَوِيَ.
قَوْلُهُ: (وَجَعُهُ) أَيْ: فِي مَرَضِ مَوْتِهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ: لَمَّا حَضَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ الْوَفَاةُ وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَهُوَ قَبْلَ مَوْتِهِ ﷺ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.
قَوْلُهُ: (بِكِتَابٍ) أَيْ: بِأَدَوَاتِ الْكِتَابِ، فَفِيهِ مَجَازُ الْحَذْفِ. وَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ وَالْمُرَادُ بِالْكَتِفِ عَظْمُ الْكَتِفِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْتُبُونَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (أَكْتُبْ) هُوَ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ جَوَابُ الْأَمْرِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَفِيهِ مَجَازٌ أَيْضًا، أَيْ: آمُرُ بِالْكِتَابَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ الْمَأْمُورُ بِذَلِكَ وَلَفْظُهُ أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ آتِيَهُ بِطَبَقٍ - أَيْ: كَتِفٍ - يَكْتُبُ مَا لَا تَضِلُّ أُمَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
قَوْلُهُ: (كِتَابًا) بَعْدَ قَوْلِهِ: بِكِتَابٍ فِيهِ الْجِنَاسُ التَّامُّ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْحَقِيقَةِ وَالْأُخْرَى بِالْمَجَازِ.
قَوْلُهُ: (لَا تَضِلُّوا) هُوَ نَفْيُ وَحُذِفَتِ النُّونِ فِي الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ جَوَابِ الْأَمْرِ، وَتَعَدُّدُ جَوَابِ الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ حَرْفِ الْعَطْفِ جَائِزٌ.
قَوْلُهُ: (غَلَبَهُ الْوَجَعُ) أَيْ: فَيَشُقُّ عَلَيْهِ إِمْلَاءُ الْكِتَابِ أَوْ مُبَاشَرَةُ الْكِتَابَةِ، وَكَأَنَّ عُمَرَ ﵁ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَقْتَضِي التَّطْوِيلَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: ائْتُونِي أَمْرٌ، وَكَانَ حَقُّ الْمَأْمُورِ أَنْ يُبَادِرَ لِلِامْتِثَالِ، لَكِنْ ظَهَرَ لِعُمَرَ ﵁ مَعَ طَائِفَةٍ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِرْشَادِ إِلَى الْأَصْلَحِ، فَكَرِهُوا أَنْ يُكَلِّفُوهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشُقُّ
عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَعَ اسْتِحْضَارِهِمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ: حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ. وَظَهَرَ لِطَائِفَةٍ أُخْرَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُكْتَبَ لِمَا فِيهِ مِنِ امْتِثَالِ أَمْرِهِ وَمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ زِيَادَةِ الْإِيضَاحِ، وَدَلَّ أَمْرُهُ لَهُمَ بِالْقِيَامِ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ الْأَوَّلَ كَانَ عَلَى الِاخْتِيَارِ، وَلِهَذَا عَاشَ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ أَيَّامًا وَلَمْ يُعَاوِدْ أَمْرَهُمْ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَتْرُكْهُ لِاخْتِلَافِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ التَّبْلِيغَ لِمُخَالَفَةِ مَنْ خَالَفَ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ يُرَاجِعُونَهُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ مَا لَمْ يَجْزِمْ بِالْأَمْرِ، فَإِذَا عَزَمَ امْتَثَلُوا. وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ عُدَّ هَذَا مِنْ مُوَافَقَةِ عُمَرَ ﵁. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْكِتَابِ، فَقِيلَ: كَانَ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا يَنُصُّ فِيهِ عَلَى الْأَحْكَامِ لِيَرْتَفِعَ الِاخْتِلَافُ، وَقِيلَ: بَلْ أَرَادَ أَنْ يَنُصَّ عَلَى أَسَامِي الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ حَتَّى لَا يَقَعَ بَيْنَهُمُ الِاخْتِلَافُ، قَالَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي أَوَائِلِ مَرَضِهِ وَهُوَ عِنْدَ عَائِشَةَ: ادْعِي لِي أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولُ قَائِلٌ، وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَلِلْمُصَنِّفِ مَعْنَاهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكْتُبْ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِ عُمَرَ: كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا. أَيْ: كَافِينَا. مَعَ أَنَّهُ يَشْمَلُ الْوَجْهَ الثَّانِيَ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ أَفْرَادِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ): قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا ذَهَبَ عُمَرُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ نَصَّ بِمَا يُزِيلُ الْخِلَافِ لَبَطَلَتْ فَضِيلَةُ الْعُلَمَاءِ وَعُدِمَ الِاجْتِهَادُ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِأَنَّهُ لَوْ نَصَّ عَلَى شَيْءٍ أَوْ أَشْيَاءَ لَمْ يَبْطُلِ الِاجْتِهَادُ؛ لِأَنَّ الْحَوَادِثَ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا. قَالَ: وَإِنَّمَا خَافَ عُمَرُ أَنْ يَكُونَ مَا يَكْتُبُهُ فِي حَالَةِ غَلَبَةِ الْمَرَضِ فَيَجِدُ بِذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ سَبِيلًا إِلَى الطَّعْنِ فِي ذَلِكَ الْمَكْتُوبِ، وَسَيَأْتِي مَا يُؤَيِّدُهُ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِيَ التَّنَازُعُ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْأَوْلَى كَانَ الْمُبَادَرَةَ إِلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ، وَإِنْ كَانَ مَا اخْتَارَهُ عُمَرُ صَوَابًا إِذْ لَمْ يَتَدَارَكْ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَاخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي قَوْلِهِ لَهُمْ: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ فَصَلَّوْا، وَتَمَسَّكَ آخَرُونَ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ فَلَمْ يُصَلُّوا، فَمَا عَنَّفَ أَحَدًا مِنْهُمْ مِنْ أَجْلِ الِاجْتِهَادِ الْمُسَوِّغِ وَالْمَقْصِدِ الصَّالِحِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ مَعَهُمْ، وَأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ خَرَجَ قَائِلًا هَذِهِ الْمَقَالَةِ. وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي الْوَاقِعِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ هَذَا الظَّاهِرُ، بَلْ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ إِنَّمَا كَانَ يَقُولُهُ عِنْدَمَا يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الِاعْتِصَامِ وَغَيْرِهِ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ. وَكَذَا لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ. وَجَزَمَ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضِيِّ بِمَا قُلْتُهُ، وَكُلٌّ مِنَ الْأَحَادِيثِ يَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِيهِ فِي مَكَانِهِ اللَّائِقِ بِهِ، إِلَّا حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو فَهُوَ عُمْدَةُ الْبَابِ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا حَدَّثَ عُبَيْدَ اللَّهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ خَرَجَ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ بِهِ وَهُوَ يَقُولُ ذَلِكَ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَسَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ. . . إِلَخْ. وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ تَابِعِيٌّ مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يُدْرِكِ الْقِصَّةَ فِي وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ سَمِعَهَا مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ أُخْرَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (الرَّزِيئَةُ) هِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ بَعْدَهَا يَاءٌ ثُمَّ هَمْزَةٌ، وَقَدْ تُسَهَّلُ الْهَمْزَةُ وَتُشَدَّدُ الْيَاءُ، وَمَعْنَاهَا الْمُصِيبَةُ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ لِاخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ أَيْ أَنَّ الِاخْتِلَافَ كَانَ سَبَبًا لِتَرْكِ كِتَابَةِ الْكِتَابِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ، وَعَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِي حِرْمَانِ الْخَيْرِ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَخَاصَمَا فَرُفِعَ تَعْيِينُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِسَبَبِ ذَلِكَ. وَفِيهِ وُقُوعُ الِاجْتِهَادِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ فِيهِ، وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّةَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي أَوَاخِرِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
سواءٌ لزم منه كونه أكثرَ حديثًا لما تقتضيه عادة المُلازَمَة مع الكتابة، أم لا، ويجوز أن يكون الاستثناء متَّصلًا نظرًا إلى المعنى؛ إذ «حديثًا» وقع تمييزًا، والتَّمييز كالمحكوم عليه، فكأنَّه قال: ما أحدٌ حديثه أكثر من حديثي إلَّا أحاديث حصلت من عبد الله، ويُفهَم منه: جزم أبي هريرة ﵁ بأنَّه ليس في الصَّحابة أحدٌ أكثر حديثًا عنِ النَّبيِّ ﷺ منه إلَّا عبد الله بن عمرٍو، مع أنَّ الموجود عن عبد الله بن عمرٍو أقلُّ من الموجود المرويِّ عن أبي هريرة بأضعافٍ لأنَّه سكن مصر، وكان الواردون إليها قليلًا، بخلاف أبي هريرة فإنَّه استوطن المدينة، وهي مقصد المسلمين من كلِّ جهةٍ، وروى عنه -فيما قاله المؤلِّف- نحوٌ من ثمانِ مئة رجلٍ، ورُوِيَ عنه (١) من الحديث خمسة آلافٍ وثلاث مئةِ حديثٍ، ووُجِدَ لعبد الله سبعُ مئةِ حديثٍ (تَابَعَهُ) أي: تابع وهبَ بنَ منبِّهٍ في روايته لهذا الحديث عن هَمَّامٍ (مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) كما أخرجها عبد الرَّزَّاق عن مَعْمَرٍ.
١١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) بن يحيى الجعفيُّ المكِّيُّ، المُتوفَّى بمصر سنة سبعٍ أو ثمانٍ وثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيدَ الأَيْلِيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة، أحد الفقهاء السَّبعة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ) أي: حين قَوِيَ (بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ) الذي تُوفِّي فيه (٢) يوم الخميس قبل موته بأربعة أيَّامٍ (قَالَ:
ائْتُونِي بِكِتَابٍ) أي: بأدوات الكتابة (١) كالدَّواة والقلم، أو أراد بـ «الكتاب» ما من شأنِه أن يُكتَب فيه نحو الكَاغَد وعَظْم الكتف، كما صرَّح به في رواية مسلمٍ (أَكْتُبْ لَكُمْ) بالجزم جوابًا للأمر، ويجوز الرَّفع على الاستئناف، أي: آمر مَنْ يكتب لكم (كِتَابًا) فيه النَّصُّ على الأئمَّة بعدي، أو أبيِّن فيه مهمَّات الأحكام (لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة، و «تَضِلُّوا» بفتح أوَّله وكسر ثانيه، مجزومٌ بحذف النُّون بدلًا من جواب الأمر (قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ لمن حضره من الصَّحابة: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَ) الحال (عِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ) هو (حَسْبُنَا) أي: كافينا، فلا نكلِّف رسول الله ﷺ ما يشقُّ عليه في هذه الحالة من إملاء الكتاب، ولم يكن الأمر في «ائتوني» للوجوب، وإنَّما هو من باب الإرشاد للأصلح للقرينة الصَّارفة الأمر عنِ (٢) الإيجاب إلى النَّدب (٣)، وإلَّا فما كان يسوغ لعمر ﵁ الاعتراض على أمر الرَّسول ﵊، على أنَّ في تركه ﵊ الإنكار على عمر ﵁ دليلًا على استصوابه، فكان توقُّف عمر صوابًا، لا سيَّما والقرآن فيه تبيانٌ لكلِّ شيءٍ، ومن ثمَّ قال عمر: حسبنا كتاب الله (فَاخْتَلَفُوا) أي: الصَّحابة عند ذلك، فقالت طائفةٌ: بل نكتب لِمَا فيه من امتثال أمره وزيادة الإفصاح (٤) (وَكَثُرَ) بضمِّ المُثلَّثة (اللَّغَطُ) بتحريك اللَّام، والغَيْن (٥) المُعجَمَة، أي: الصَّوت والجَلَبة بسبب ذلك، فلمَّا رأى ذلك ﵊ (قَالَ) وفي روايةٍ: «فقال» بفاء العطف، وفي أخرى: «وقال» بواوه: (قُومُوا عَنِّي) أي: عن جهتي (وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ) بالضَّمِّ فاعل «ينبغي» (فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ) من المكان الذي كان به عندما تحدَّث بهذا الحديث، وهو (يَقُولُ: إِنَّ
الرَّزِيئَةَ (١)) بفتح الرَّاء وكسر الزَّاي بعدها ياءٌ ساكنةٌ ثمَّ همزةٍ، وقد تُسهَّل وتُشدَّد الياء (كُلَّ الرَّزِيئَةِ (٢)) بالنَّصب على التَّوكيد (مَا حَالَ) أي: الذي حجز (بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ) وقد كان (٣) عمر أفقه من ابن عبَّاسٍ حيث اكتفى بالقرآن، على أنَّه يحتمل أن يكون ﷺ كان ظهر له حين همَّ بالكتاب أنَّه مصلحةٌ، ثمَّ ظهر له، أو أُوحي إليه بعدُ أنَّ المصلحة في تركه، ولو كان واجبًا لم يتركه ﵊ لاختلافهم؛ لأنَّه لم يتركِ التَّكليف لمخالفة من خالف، وقد عاش بعد ذلك أيَّامًا، ولم يعاود أمرهم بذلك، ويُستفَاد من هذا الحديث: جواز كتابة الحديث الذي عقد المؤلِّف الباب له، وكذا من حديث عليٍّ وقصَّة (٤) أبي شاهٍ الإذن فيها، لكن يعارض ذلك حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ المرويّ في «مسلمٍ» مرفوعًا: «لا تكتبوا عنِّي شيئًا غير القرآن»، وأُجِيب بأنَّ النَّهيَ خاصٌّ بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك، أو الإذن ناسخٌ للنَّهيِ عند الأمن مِنَ الالتباس، أوِ النَّهيُ خاصٌّ بمن خُشِيَ منه الاتِّكال على الكتاب (٥) دون الحفظ، والإذن لمن أُمِنَ منه ذلك، وقد كره جماعةٌ من الصَّحابة والتَّابعين كتابة الحديث، واستحبُّوا أن يُؤخَذ عنهم حفظًا كما أخذوا حفظًا، لكن لمَّا قَصُرَتِ الهممُ، وخَشِيَ الأئمَّة ضياع العلم دوَّنوه، وأوَّل من دوَّن الحديثَ ابنُ شهابٍ الزُّهريُّ على رأس المئة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثمَّ كَثُرَ التَّدوين، ثمَّ التَّصنيف، وحصل بذلك خيرٌ كثيرٌ، ولله الحمد والمنَّة.
(٤٠) هذا (بابُ) تعليم (العِلْمِ وَالعِظَةِ) بكسر العين، أي: الوعظ، وفي بعض النُّسخ: «واليقظة» (بِاللَّيْلِ).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ وَمِنْ الحَدِيثِ عَلِيٍّ الْمُتَقَدِّمِ وَمِنْ قِصَّةِ أَبِي شَاهٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ فِي كِتَابَةِ الْحَدِيثِ عَنْهُ، وَهُوَ يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِوَقْتِ نُزُولِ الْقُرْآنِ خَشْيَةَ الْتِبَاسِهِ بِغَيْرِهِ، وَالْإِذْنَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ. أَوْ أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِكِتَابَةِ غَيْرِ الْقُرْآنِ مَعَ الْقُرْآنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَالْإِذْنَ فِي تَفْرِيقِهِمَا، أَوِ النَّهْيَ مُتَقَدِّمٌ وَالْإِذْنَ نَاسِخٌ لَهُ عِنْدَ الْأَمْنِ مِنَ الِالْتِبَاسِ وَهُوَ أَقْرَبُهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُنَافِيهَا.
وَقِيلَ: النَّهْيُ خَاصٌّ بِمَنْ خُشِيَ مِنْهُ الِاتِّكَالُ عَلَى الْكِتَابَةِ دُونَ الْحِفْظِ، وَالْإِذْنُ لِمَنْ أُمِنَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَعَلَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ وَقَالَ: الصَّوَابُ وَقْفُهُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ، قَالَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كِتَابَةَ الْحَدِيثِ، وَاسْتَحَبُّوا أَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُمْ حِفْظًا كَمَا أَخَذُوا حِفْظًا، لَكِنْ لَمَّا قَصُرَتِ الْهِمَمُ وَخَشِيَ الْأَئِمَّةُ ضَيَاعَ الْعِلْمِ دَوَّنُوهُ، وَأَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ الْحَدِيثَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ بِأَمْرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثُمَّ كَثُرَ التَّدْوِينُ ثُمَّ التَّصْنِيفُ، وَحَصَلَ بِذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ. فَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
١١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ: ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ. قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الْوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا، فَاخْتَلَفُوا، وَكَثُرَ اللَّغَطُ. قَالَ: قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ.
[الحديث ١١٤ - أطرافه في: ٧٣٦٦، ٥٦٦٩، ٤٤٣٢، ٤٤٣١، ٣١٦٨، ٣٠٥٣]
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي يُونُسُ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ: ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا اشْتَدَّ) أَيْ: قَوِيَ.
قَوْلُهُ: (وَجَعُهُ) أَيْ: فِي مَرَضِ مَوْتِهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ: لَمَّا حَضَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ الْوَفَاةُ وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَهُوَ قَبْلَ مَوْتِهِ ﷺ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.
قَوْلُهُ: (بِكِتَابٍ) أَيْ: بِأَدَوَاتِ الْكِتَابِ، فَفِيهِ مَجَازُ الْحَذْفِ. وَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ وَالْمُرَادُ بِالْكَتِفِ عَظْمُ الْكَتِفِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْتُبُونَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (أَكْتُبْ) هُوَ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ جَوَابُ الْأَمْرِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَفِيهِ مَجَازٌ أَيْضًا، أَيْ: آمُرُ بِالْكِتَابَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ الْمَأْمُورُ بِذَلِكَ وَلَفْظُهُ أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ آتِيَهُ بِطَبَقٍ - أَيْ: كَتِفٍ - يَكْتُبُ مَا لَا تَضِلُّ أُمَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
قَوْلُهُ: (كِتَابًا) بَعْدَ قَوْلِهِ: بِكِتَابٍ فِيهِ الْجِنَاسُ التَّامُّ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْحَقِيقَةِ وَالْأُخْرَى بِالْمَجَازِ.
قَوْلُهُ: (لَا تَضِلُّوا) هُوَ نَفْيُ وَحُذِفَتِ النُّونِ فِي الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ جَوَابِ الْأَمْرِ، وَتَعَدُّدُ جَوَابِ الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ حَرْفِ الْعَطْفِ جَائِزٌ.
قَوْلُهُ: (غَلَبَهُ الْوَجَعُ) أَيْ: فَيَشُقُّ عَلَيْهِ إِمْلَاءُ الْكِتَابِ أَوْ مُبَاشَرَةُ الْكِتَابَةِ، وَكَأَنَّ عُمَرَ ﵁ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَقْتَضِي التَّطْوِيلَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: ائْتُونِي أَمْرٌ، وَكَانَ حَقُّ الْمَأْمُورِ أَنْ يُبَادِرَ لِلِامْتِثَالِ، لَكِنْ ظَهَرَ لِعُمَرَ ﵁ مَعَ طَائِفَةٍ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِرْشَادِ إِلَى الْأَصْلَحِ، فَكَرِهُوا أَنْ يُكَلِّفُوهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشُقُّ
عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَعَ اسْتِحْضَارِهِمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ: حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ. وَظَهَرَ لِطَائِفَةٍ أُخْرَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُكْتَبَ لِمَا فِيهِ مِنِ امْتِثَالِ أَمْرِهِ وَمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ زِيَادَةِ الْإِيضَاحِ، وَدَلَّ أَمْرُهُ لَهُمَ بِالْقِيَامِ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ الْأَوَّلَ كَانَ عَلَى الِاخْتِيَارِ، وَلِهَذَا عَاشَ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ أَيَّامًا وَلَمْ يُعَاوِدْ أَمْرَهُمْ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَتْرُكْهُ لِاخْتِلَافِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ التَّبْلِيغَ لِمُخَالَفَةِ مَنْ خَالَفَ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ يُرَاجِعُونَهُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ مَا لَمْ يَجْزِمْ بِالْأَمْرِ، فَإِذَا عَزَمَ امْتَثَلُوا. وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ عُدَّ هَذَا مِنْ مُوَافَقَةِ عُمَرَ ﵁. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْكِتَابِ، فَقِيلَ: كَانَ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا يَنُصُّ فِيهِ عَلَى الْأَحْكَامِ لِيَرْتَفِعَ الِاخْتِلَافُ، وَقِيلَ: بَلْ أَرَادَ أَنْ يَنُصَّ عَلَى أَسَامِي الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ حَتَّى لَا يَقَعَ بَيْنَهُمُ الِاخْتِلَافُ، قَالَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي أَوَائِلِ مَرَضِهِ وَهُوَ عِنْدَ عَائِشَةَ: ادْعِي لِي أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولُ قَائِلٌ، وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَلِلْمُصَنِّفِ مَعْنَاهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكْتُبْ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِ عُمَرَ: كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا. أَيْ: كَافِينَا. مَعَ أَنَّهُ يَشْمَلُ الْوَجْهَ الثَّانِيَ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ أَفْرَادِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ): قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا ذَهَبَ عُمَرُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ نَصَّ بِمَا يُزِيلُ الْخِلَافِ لَبَطَلَتْ فَضِيلَةُ الْعُلَمَاءِ وَعُدِمَ الِاجْتِهَادُ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِأَنَّهُ لَوْ نَصَّ عَلَى شَيْءٍ أَوْ أَشْيَاءَ لَمْ يَبْطُلِ الِاجْتِهَادُ؛ لِأَنَّ الْحَوَادِثَ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا. قَالَ: وَإِنَّمَا خَافَ عُمَرُ أَنْ يَكُونَ مَا يَكْتُبُهُ فِي حَالَةِ غَلَبَةِ الْمَرَضِ فَيَجِدُ بِذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ سَبِيلًا إِلَى الطَّعْنِ فِي ذَلِكَ الْمَكْتُوبِ، وَسَيَأْتِي مَا يُؤَيِّدُهُ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِيَ التَّنَازُعُ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْأَوْلَى كَانَ الْمُبَادَرَةَ إِلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ، وَإِنْ كَانَ مَا اخْتَارَهُ عُمَرُ صَوَابًا إِذْ لَمْ يَتَدَارَكْ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَاخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي قَوْلِهِ لَهُمْ: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ فَصَلَّوْا، وَتَمَسَّكَ آخَرُونَ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ فَلَمْ يُصَلُّوا، فَمَا عَنَّفَ أَحَدًا مِنْهُمْ مِنْ أَجْلِ الِاجْتِهَادِ الْمُسَوِّغِ وَالْمَقْصِدِ الصَّالِحِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ مَعَهُمْ، وَأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ خَرَجَ قَائِلًا هَذِهِ الْمَقَالَةِ. وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي الْوَاقِعِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ هَذَا الظَّاهِرُ، بَلْ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ إِنَّمَا كَانَ يَقُولُهُ عِنْدَمَا يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الِاعْتِصَامِ وَغَيْرِهِ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ. وَكَذَا لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ. وَجَزَمَ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضِيِّ بِمَا قُلْتُهُ، وَكُلٌّ مِنَ الْأَحَادِيثِ يَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِيهِ فِي مَكَانِهِ اللَّائِقِ بِهِ، إِلَّا حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو فَهُوَ عُمْدَةُ الْبَابِ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا حَدَّثَ عُبَيْدَ اللَّهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ خَرَجَ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ بِهِ وَهُوَ يَقُولُ ذَلِكَ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَسَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ. . . إِلَخْ. وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ تَابِعِيٌّ مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يُدْرِكِ الْقِصَّةَ فِي وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ سَمِعَهَا مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ أُخْرَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (الرَّزِيئَةُ) هِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ بَعْدَهَا يَاءٌ ثُمَّ هَمْزَةٌ، وَقَدْ تُسَهَّلُ الْهَمْزَةُ وَتُشَدَّدُ الْيَاءُ، وَمَعْنَاهَا الْمُصِيبَةُ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ لِاخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ أَيْ أَنَّ الِاخْتِلَافَ كَانَ سَبَبًا لِتَرْكِ كِتَابَةِ الْكِتَابِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ، وَعَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِي حِرْمَانِ الْخَيْرِ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَخَاصَمَا فَرُفِعَ تَعْيِينُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِسَبَبِ ذَلِكَ. وَفِيهِ وُقُوعُ الِاجْتِهَادِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ فِيهِ، وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّةَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي أَوَاخِرِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
سواءٌ لزم منه كونه أكثرَ حديثًا لما تقتضيه عادة المُلازَمَة مع الكتابة، أم لا، ويجوز أن يكون الاستثناء متَّصلًا نظرًا إلى المعنى؛ إذ «حديثًا» وقع تمييزًا، والتَّمييز كالمحكوم عليه، فكأنَّه قال: ما أحدٌ حديثه أكثر من حديثي إلَّا أحاديث حصلت من عبد الله، ويُفهَم منه: جزم أبي هريرة ﵁ بأنَّه ليس في الصَّحابة أحدٌ أكثر حديثًا عنِ النَّبيِّ ﷺ منه إلَّا عبد الله بن عمرٍو، مع أنَّ الموجود عن عبد الله بن عمرٍو أقلُّ من الموجود المرويِّ عن أبي هريرة بأضعافٍ لأنَّه سكن مصر، وكان الواردون إليها قليلًا، بخلاف أبي هريرة فإنَّه استوطن المدينة، وهي مقصد المسلمين من كلِّ جهةٍ، وروى عنه -فيما قاله المؤلِّف- نحوٌ من ثمانِ مئة رجلٍ، ورُوِيَ عنه (١) من الحديث خمسة آلافٍ وثلاث مئةِ حديثٍ، ووُجِدَ لعبد الله سبعُ مئةِ حديثٍ (تَابَعَهُ) أي: تابع وهبَ بنَ منبِّهٍ في روايته لهذا الحديث عن هَمَّامٍ (مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) كما أخرجها عبد الرَّزَّاق عن مَعْمَرٍ.
١١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) بن يحيى الجعفيُّ المكِّيُّ، المُتوفَّى بمصر سنة سبعٍ أو ثمانٍ وثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيدَ الأَيْلِيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة، أحد الفقهاء السَّبعة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ) أي: حين قَوِيَ (بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ) الذي تُوفِّي فيه (٢) يوم الخميس قبل موته بأربعة أيَّامٍ (قَالَ:
ائْتُونِي بِكِتَابٍ) أي: بأدوات الكتابة (١) كالدَّواة والقلم، أو أراد بـ «الكتاب» ما من شأنِه أن يُكتَب فيه نحو الكَاغَد وعَظْم الكتف، كما صرَّح به في رواية مسلمٍ (أَكْتُبْ لَكُمْ) بالجزم جوابًا للأمر، ويجوز الرَّفع على الاستئناف، أي: آمر مَنْ يكتب لكم (كِتَابًا) فيه النَّصُّ على الأئمَّة بعدي، أو أبيِّن فيه مهمَّات الأحكام (لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة، و «تَضِلُّوا» بفتح أوَّله وكسر ثانيه، مجزومٌ بحذف النُّون بدلًا من جواب الأمر (قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ لمن حضره من الصَّحابة: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَ) الحال (عِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ) هو (حَسْبُنَا) أي: كافينا، فلا نكلِّف رسول الله ﷺ ما يشقُّ عليه في هذه الحالة من إملاء الكتاب، ولم يكن الأمر في «ائتوني» للوجوب، وإنَّما هو من باب الإرشاد للأصلح للقرينة الصَّارفة الأمر عنِ (٢) الإيجاب إلى النَّدب (٣)، وإلَّا فما كان يسوغ لعمر ﵁ الاعتراض على أمر الرَّسول ﵊، على أنَّ في تركه ﵊ الإنكار على عمر ﵁ دليلًا على استصوابه، فكان توقُّف عمر صوابًا، لا سيَّما والقرآن فيه تبيانٌ لكلِّ شيءٍ، ومن ثمَّ قال عمر: حسبنا كتاب الله (فَاخْتَلَفُوا) أي: الصَّحابة عند ذلك، فقالت طائفةٌ: بل نكتب لِمَا فيه من امتثال أمره وزيادة الإفصاح (٤) (وَكَثُرَ) بضمِّ المُثلَّثة (اللَّغَطُ) بتحريك اللَّام، والغَيْن (٥) المُعجَمَة، أي: الصَّوت والجَلَبة بسبب ذلك، فلمَّا رأى ذلك ﵊ (قَالَ) وفي روايةٍ: «فقال» بفاء العطف، وفي أخرى: «وقال» بواوه: (قُومُوا عَنِّي) أي: عن جهتي (وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ) بالضَّمِّ فاعل «ينبغي» (فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ) من المكان الذي كان به عندما تحدَّث بهذا الحديث، وهو (يَقُولُ: إِنَّ
الرَّزِيئَةَ (١)) بفتح الرَّاء وكسر الزَّاي بعدها ياءٌ ساكنةٌ ثمَّ همزةٍ، وقد تُسهَّل وتُشدَّد الياء (كُلَّ الرَّزِيئَةِ (٢)) بالنَّصب على التَّوكيد (مَا حَالَ) أي: الذي حجز (بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ) وقد كان (٣) عمر أفقه من ابن عبَّاسٍ حيث اكتفى بالقرآن، على أنَّه يحتمل أن يكون ﷺ كان ظهر له حين همَّ بالكتاب أنَّه مصلحةٌ، ثمَّ ظهر له، أو أُوحي إليه بعدُ أنَّ المصلحة في تركه، ولو كان واجبًا لم يتركه ﵊ لاختلافهم؛ لأنَّه لم يتركِ التَّكليف لمخالفة من خالف، وقد عاش بعد ذلك أيَّامًا، ولم يعاود أمرهم بذلك، ويُستفَاد من هذا الحديث: جواز كتابة الحديث الذي عقد المؤلِّف الباب له، وكذا من حديث عليٍّ وقصَّة (٤) أبي شاهٍ الإذن فيها، لكن يعارض ذلك حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ المرويّ في «مسلمٍ» مرفوعًا: «لا تكتبوا عنِّي شيئًا غير القرآن»، وأُجِيب بأنَّ النَّهيَ خاصٌّ بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك، أو الإذن ناسخٌ للنَّهيِ عند الأمن مِنَ الالتباس، أوِ النَّهيُ خاصٌّ بمن خُشِيَ منه الاتِّكال على الكتاب (٥) دون الحفظ، والإذن لمن أُمِنَ منه ذلك، وقد كره جماعةٌ من الصَّحابة والتَّابعين كتابة الحديث، واستحبُّوا أن يُؤخَذ عنهم حفظًا كما أخذوا حفظًا، لكن لمَّا قَصُرَتِ الهممُ، وخَشِيَ الأئمَّة ضياع العلم دوَّنوه، وأوَّل من دوَّن الحديثَ ابنُ شهابٍ الزُّهريُّ على رأس المئة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثمَّ كَثُرَ التَّدوين، ثمَّ التَّصنيف، وحصل بذلك خيرٌ كثيرٌ، ولله الحمد والمنَّة.
(٤٠) هذا (بابُ) تعليم (العِلْمِ وَالعِظَةِ) بكسر العين، أي: الوعظ، وفي بعض النُّسخ: «واليقظة» (بِاللَّيْلِ).