الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١١٥٣
الحديث رقم ١١٥٣ من كتاب «أبواب التهجد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حدثنا علي بن عبد الله.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ فَضْلِ مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى
١١٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الطُّرُقِ، وَكَأَنَّ إِبْهَامَ مِثْلِ هَذَا لِقَصْدِ السُّتْرَةِ عَلَيْهِ، كَالَّذِي تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي الَّذِي نَامَ حَتَّى أَصْبَحَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَقْصِدْ شَخْصًا مُعَيَّنًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَنْفِيرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنَ الصَّنِيعِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (مِنَ اللَّيْلِ) أَيْ: بَعْضُ اللَّيْلِ، وَسَقَطَ لَفْظُ: مِنْ مِنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ، وَهِيَ مُرَادَةٌ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، إِذْ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يُكْتَفَ لِتَارِكِهِ بِهَذَا الْقَدْرِ؛ بَلْ كَانَ يَذُمُّهُ أَبْلَغَ الذَّمِّ، وَقَالَ ابْنُ حَيَّانَ: فِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ الشَّخْصِ بِمَا فِيهِ مِنْ عَيْبٍ إِذَا قَصَدَ بِذَلِكَ التَّحْذِيرَ مِنْ صَنِيعِهِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الدَّوَامِ عَلَى مَا اعْتَادَهُ الْمَرْءُ مِنَ الْخَيْرِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ كَرَاهَةُ قَطْعِ الْعِبَادَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً، وَمَا أَحْسَنَ مَا عَقَّبَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ بِالَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنْهُمَا التَّرْغِيبُ فِي مُلَازَمَةِ الْعِبَادَةِ، وَالطَّرِيقُ الْمُوصِلِ إِلَى ذَلِكَ الِاقْتِصَادِ فِيهَا؛ لِأَنَّ التَّشْدِيدَ فِيهَا قَدْ يُؤَدِّي إِلَى تَرْكِهَا، وَهُوَ مَذْمُومٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ عَمَّارٍ، وَابْنُ أَبِي الْعِشْرِينَ بِلَفْظِ الْعَدَدِ، وَهُوَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ حَبِيبٍ كَاتِبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِإِيرَادِ هَذَا التَّعْلِيقِ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ زيادةَ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ، أَيِ: ابْنِ ثَوْبَانَ بَيْنَ يَحْيَى وَأَبِي سَلَمَةَ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ؛ لِأَنَّ يَحْيَى قَدْ صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّحْدِيثِ، وَرِوَايَةُ هِشَامٍ الْمَذْكُورَةُ وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (بِهَذَا) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيُّ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) أَيْ: تَابَعَ ابْنَ أَبِي الْعِشْرِينَ عَلَى زِيَادَةِ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ، وَرِوَايَةُ عُمَرَ الْمَذْكُورَةُ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ عَنْهُ، وَظَاهِرُ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَظَاهِرُ صَنِيعِ مُسْلِمٍ يُخَالِفُهُ؛ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الرِّوَايَةِ الزَّائِدَةِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَبِي حَاتِمٍ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِمَا صَنِيعُ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ تَابَعَ كُلًّا مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْأَوْزَاعِيِّ، فَالِاخْتِلَافُ مِنْهُ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ يَحْيَى حَمَلَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِوَاسِطَةٍ، ثُمَّ لَقِيَهُ، فَحَدَّثَهُ بِهِ، فَكَانَ يَرْوِيهِ عَنْهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[٢٠ - باب]
١١٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قال:، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قال لِي النَّبِيُّ ﷺ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ قُلْتُ: إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ، قَالَ: فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ حَقًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا فِي الْأَصْلِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَعَلُّقُهُ بِهِ ظَاهِرٌ، وَكَأَنَّهُ أَوْمَأَ إِلَى أَنَّ الْمَتْنَ الَّذِي قَبْلَهُ طَرَفٌ مِنْ قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي مُرَاجَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ. وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ وَيُعْرَفُ بِالشَّاعِرِ.
قَوْلُهُ: (أَلَمْ أُخْبَرْ) فِيهِ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَنْبَغِي إِلَّا بَعْدَ التَّثَبُّتِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكْتَفِ بِمَا نُقِلَ لَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى لَقِيَهُ وَاسْتَثْبَتَهُ فِيهِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عَزْمٍ، أَوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الِنَاقِلُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (هَجَمَتْ عَيْنُكَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ؛ أَيْ: غَارَتْ، أَوْ ضَعُفَتْ لِكَثْرَةِ السَّهَرِ.
قَوْلُهُ: (نَفِهَتْ) بِنُونٍ، ثُمَّ فَاءٍ مَكْسُورَةٍ؛ أَيْ: كَلَّتْ. وَحَكَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ أَبَا يَعْلَى رَوَاهُ لَهُ: تَفِهَتْ؛ بِالتَّاءِ بَدَلَ النُّونِ، وَاسْتَضْعَفَهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) أَيْ: تُعْطِيهَا مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ ضَرُورَةُ الْبَشَرِيَّةِ مِمَّا أَبَاحَهُ اللَّهُ لِلْإِنْسَانِ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالرَّاحَةِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا بَدَنُهُ، لِيَكُونَ أَعْوَنَ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَمِنْ حُقُوقِ النَّفْسِ قَطْعُهَا عَمَّا سِوَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الأوزاعيِّ، تُكلِّم فيه، قال (١): (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ عُمَرَ) بضمِّ العين وفتح الميم (بْنِ الحَكَمِ) بفتح الكاف (ابْنِ ثَوْبَانَ) بفتح المثلثة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن (مِثْلَهُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «بهذا مثله (٢)».
وفائدة ذكر المؤلِّف لذلك التَّنبيه على أنَّ زيادة عمر بن الحكم بن ثوبان بين يحيى وأبي سلمة من المزيد في متَّصل الأسانيد؛ لأنَّ يحيى قد صرَّح بسماعه من (٣) أبي سلمة، ولو كان بينهما واسطة لم يصرِّح بالتَّحديث (وَتَابَعَهُ) بواو العطف، ولأبي ذَرٍّ: «تابعه» بإسقاطها، أي: تابع ابن أبي العشرين على زيادة عمر بن الحكم (عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، أبو حفصٍ الشَّاميُّ (عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) وقد وصل هذه المتابعةَ مسلمٌ.
(٢٠) (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، وهو كالفصل من سابقه.
١١٥٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قَالَ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين وسكون الميم، ابن دينارٍ (عَنْ أَبِي العَبَّاسِ) بالموحَّدة المشدَّدة، آخره مهملةٌ، السَّائب بن فَرُّوخٍ، بفتح الفاء وضمِّ الرَّاء المشدَّدة وبالخاء المعجمة، الشَّاعر الأعمش التَّابعيِّ المشهور (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) هو ابن العاص (﵄، قَالَ (٤): قَالَ لِي النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسول الله» (ﷺ: أَلَمْ أُخْبَرْ) بضمِّ الهمزة وسكون المعجمة وفتح الموحَّدة مبنيًّا للمفعول،
والهمزة فيه للاستفهام، ولكنَّه خرج عن الاستفهام الحقيقيِّ، ومعناه هنا: حمل المخاطب على الإقرار بأمرٍ قد استقرَّ عنده ثبوته: (أَنَّكَ) بفتح الهمزة لأنَّه مفعولٌ ثانٍ للإخبار (تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟) نصبٌ على الظَّرفيَّة كاللَّيل، قال عبد الله: (قُلْتُ: إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ) القيام والصِّيام (قَالَ) ﵊: (فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ) بفتح الهاء والجيم والميم (١)، أي: دخلت (عَيْنُكَ) في موضعها، وضعف بصرها لكثرة السَّهر، ولأبي ذَرٍّ: «إذا فعلت هجمت عينك» وزاد الدَّاوديُّ «ونحل جسمك» (وَنَفِهَتْ) بفتح النُّون وكسر الفاء، وعن القطب الحلبيِّ فتحها، أي: كلَّت وأَعيتْ (نَفْسُكَ) من مشقَّة التَّعب (وَإِنَّ لِنَفْسِكَ) عليك (حَقٌّ) رفعٌ على الابتداء، و «لنفسك» خبره مقدَّمًا، والجملة خبر «إنَّ» واسمها ضمير الشَّأن محذوفًا، أي: إنَّ الشَّأن لنفسك حقٌّ، وهذه رواية كريمة وابن عساكر، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حقًّا» نصبٌ على أنَّه اسم «إنَّ» أي: تعطيها ما تحتاج إليه ضرورة البشريَّة ممَّا أباحه الله لها من الأكل والشُّرب والرَّاحة الَّتي يقوم بها البدن؛ ليكون أعون على الطَّاعة. نعم من حقوق النَّفس قطعها عمَّا سوى الله تعالى بالكليَّة، لكن ذلك يختصُّ بالتَّعلُّقات القلبيَّة (وَلأَهْلِكَ) زوجك، أو أعمُّ ممَّن تلزمك نفقته عليك (حَقٌّ) رفعٌ أيضًا، ولأبوي ذَرٍّ والوقت (٢) فقط: «حقًّا» بالنَّصب، ومرَّ توجيههما، أي: تنظر لهما فيما لا بدَّ لهما منه من أمور الدُّنيا والآخرة، وسقط لفظ «عليك» هنا في الموضعين، وزاد في «الصيام» [خ¦١٩٧٥] من وجهٍ آخرَ: «وإنَّ لعينك عليك حقًّا»، وفي روايةٍ [خ¦١٩٧٤] [خ¦١٩٧٥]: «وإنَّ لزَورك عليك حقًّا» أي: لزائرك (فَصُمْ) في بعض الأيَّام (وَأَفْطِرْ) بقطع الهمزة في بعضها، لتجمع بين المصلحتَين، وفيه إشارةٌ إلى ما سبق من صوم داود (وَقُمْ) صلِّ في بعض اللَّيل (وَنَمْ) في بعضه، والأمر فيها للنَّدب (٣). واستُنبِطَ منه: أنَّ مَن تكلَّف الزِّيادة، وتحمَّل المشقَّة على ما طُبِع عليه، يقع له الخلل في الغالب، وربَّما يغلب ويعجز (٤).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الطُّرُقِ، وَكَأَنَّ إِبْهَامَ مِثْلِ هَذَا لِقَصْدِ السُّتْرَةِ عَلَيْهِ، كَالَّذِي تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي الَّذِي نَامَ حَتَّى أَصْبَحَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَقْصِدْ شَخْصًا مُعَيَّنًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَنْفِيرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنَ الصَّنِيعِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (مِنَ اللَّيْلِ) أَيْ: بَعْضُ اللَّيْلِ، وَسَقَطَ لَفْظُ: مِنْ مِنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ، وَهِيَ مُرَادَةٌ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، إِذْ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يُكْتَفَ لِتَارِكِهِ بِهَذَا الْقَدْرِ؛ بَلْ كَانَ يَذُمُّهُ أَبْلَغَ الذَّمِّ، وَقَالَ ابْنُ حَيَّانَ: فِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ الشَّخْصِ بِمَا فِيهِ مِنْ عَيْبٍ إِذَا قَصَدَ بِذَلِكَ التَّحْذِيرَ مِنْ صَنِيعِهِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الدَّوَامِ عَلَى مَا اعْتَادَهُ الْمَرْءُ مِنَ الْخَيْرِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ كَرَاهَةُ قَطْعِ الْعِبَادَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً، وَمَا أَحْسَنَ مَا عَقَّبَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ بِالَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنْهُمَا التَّرْغِيبُ فِي مُلَازَمَةِ الْعِبَادَةِ، وَالطَّرِيقُ الْمُوصِلِ إِلَى ذَلِكَ الِاقْتِصَادِ فِيهَا؛ لِأَنَّ التَّشْدِيدَ فِيهَا قَدْ يُؤَدِّي إِلَى تَرْكِهَا، وَهُوَ مَذْمُومٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ عَمَّارٍ، وَابْنُ أَبِي الْعِشْرِينَ بِلَفْظِ الْعَدَدِ، وَهُوَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ حَبِيبٍ كَاتِبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِإِيرَادِ هَذَا التَّعْلِيقِ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ زيادةَ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ، أَيِ: ابْنِ ثَوْبَانَ بَيْنَ يَحْيَى وَأَبِي سَلَمَةَ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ؛ لِأَنَّ يَحْيَى قَدْ صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّحْدِيثِ، وَرِوَايَةُ هِشَامٍ الْمَذْكُورَةُ وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (بِهَذَا) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيُّ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) أَيْ: تَابَعَ ابْنَ أَبِي الْعِشْرِينَ عَلَى زِيَادَةِ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ، وَرِوَايَةُ عُمَرَ الْمَذْكُورَةُ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ عَنْهُ، وَظَاهِرُ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَظَاهِرُ صَنِيعِ مُسْلِمٍ يُخَالِفُهُ؛ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الرِّوَايَةِ الزَّائِدَةِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَبِي حَاتِمٍ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِمَا صَنِيعُ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ تَابَعَ كُلًّا مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْأَوْزَاعِيِّ، فَالِاخْتِلَافُ مِنْهُ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ يَحْيَى حَمَلَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِوَاسِطَةٍ، ثُمَّ لَقِيَهُ، فَحَدَّثَهُ بِهِ، فَكَانَ يَرْوِيهِ عَنْهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[٢٠ - باب]
١١٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قال:، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قال لِي النَّبِيُّ ﷺ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ قُلْتُ: إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ، قَالَ: فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ حَقًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا فِي الْأَصْلِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَعَلُّقُهُ بِهِ ظَاهِرٌ، وَكَأَنَّهُ أَوْمَأَ إِلَى أَنَّ الْمَتْنَ الَّذِي قَبْلَهُ طَرَفٌ مِنْ قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي مُرَاجَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ. وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ وَيُعْرَفُ بِالشَّاعِرِ.
قَوْلُهُ: (أَلَمْ أُخْبَرْ) فِيهِ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَنْبَغِي إِلَّا بَعْدَ التَّثَبُّتِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكْتَفِ بِمَا نُقِلَ لَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى لَقِيَهُ وَاسْتَثْبَتَهُ فِيهِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عَزْمٍ، أَوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الِنَاقِلُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (هَجَمَتْ عَيْنُكَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ؛ أَيْ: غَارَتْ، أَوْ ضَعُفَتْ لِكَثْرَةِ السَّهَرِ.
قَوْلُهُ: (نَفِهَتْ) بِنُونٍ، ثُمَّ فَاءٍ مَكْسُورَةٍ؛ أَيْ: كَلَّتْ. وَحَكَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ أَبَا يَعْلَى رَوَاهُ لَهُ: تَفِهَتْ؛ بِالتَّاءِ بَدَلَ النُّونِ، وَاسْتَضْعَفَهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) أَيْ: تُعْطِيهَا مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ ضَرُورَةُ الْبَشَرِيَّةِ مِمَّا أَبَاحَهُ اللَّهُ لِلْإِنْسَانِ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالرَّاحَةِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا بَدَنُهُ، لِيَكُونَ أَعْوَنَ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَمِنْ حُقُوقِ النَّفْسِ قَطْعُهَا عَمَّا سِوَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الأوزاعيِّ، تُكلِّم فيه، قال (١): (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ عُمَرَ) بضمِّ العين وفتح الميم (بْنِ الحَكَمِ) بفتح الكاف (ابْنِ ثَوْبَانَ) بفتح المثلثة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن (مِثْلَهُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «بهذا مثله (٢)».
وفائدة ذكر المؤلِّف لذلك التَّنبيه على أنَّ زيادة عمر بن الحكم بن ثوبان بين يحيى وأبي سلمة من المزيد في متَّصل الأسانيد؛ لأنَّ يحيى قد صرَّح بسماعه من (٣) أبي سلمة، ولو كان بينهما واسطة لم يصرِّح بالتَّحديث (وَتَابَعَهُ) بواو العطف، ولأبي ذَرٍّ: «تابعه» بإسقاطها، أي: تابع ابن أبي العشرين على زيادة عمر بن الحكم (عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، أبو حفصٍ الشَّاميُّ (عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) وقد وصل هذه المتابعةَ مسلمٌ.
(٢٠) (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، وهو كالفصل من سابقه.
١١٥٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قَالَ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين وسكون الميم، ابن دينارٍ (عَنْ أَبِي العَبَّاسِ) بالموحَّدة المشدَّدة، آخره مهملةٌ، السَّائب بن فَرُّوخٍ، بفتح الفاء وضمِّ الرَّاء المشدَّدة وبالخاء المعجمة، الشَّاعر الأعمش التَّابعيِّ المشهور (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) هو ابن العاص (﵄، قَالَ (٤): قَالَ لِي النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسول الله» (ﷺ: أَلَمْ أُخْبَرْ) بضمِّ الهمزة وسكون المعجمة وفتح الموحَّدة مبنيًّا للمفعول،
والهمزة فيه للاستفهام، ولكنَّه خرج عن الاستفهام الحقيقيِّ، ومعناه هنا: حمل المخاطب على الإقرار بأمرٍ قد استقرَّ عنده ثبوته: (أَنَّكَ) بفتح الهمزة لأنَّه مفعولٌ ثانٍ للإخبار (تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟) نصبٌ على الظَّرفيَّة كاللَّيل، قال عبد الله: (قُلْتُ: إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ) القيام والصِّيام (قَالَ) ﵊: (فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ) بفتح الهاء والجيم والميم (١)، أي: دخلت (عَيْنُكَ) في موضعها، وضعف بصرها لكثرة السَّهر، ولأبي ذَرٍّ: «إذا فعلت هجمت عينك» وزاد الدَّاوديُّ «ونحل جسمك» (وَنَفِهَتْ) بفتح النُّون وكسر الفاء، وعن القطب الحلبيِّ فتحها، أي: كلَّت وأَعيتْ (نَفْسُكَ) من مشقَّة التَّعب (وَإِنَّ لِنَفْسِكَ) عليك (حَقٌّ) رفعٌ على الابتداء، و «لنفسك» خبره مقدَّمًا، والجملة خبر «إنَّ» واسمها ضمير الشَّأن محذوفًا، أي: إنَّ الشَّأن لنفسك حقٌّ، وهذه رواية كريمة وابن عساكر، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حقًّا» نصبٌ على أنَّه اسم «إنَّ» أي: تعطيها ما تحتاج إليه ضرورة البشريَّة ممَّا أباحه الله لها من الأكل والشُّرب والرَّاحة الَّتي يقوم بها البدن؛ ليكون أعون على الطَّاعة. نعم من حقوق النَّفس قطعها عمَّا سوى الله تعالى بالكليَّة، لكن ذلك يختصُّ بالتَّعلُّقات القلبيَّة (وَلأَهْلِكَ) زوجك، أو أعمُّ ممَّن تلزمك نفقته عليك (حَقٌّ) رفعٌ أيضًا، ولأبوي ذَرٍّ والوقت (٢) فقط: «حقًّا» بالنَّصب، ومرَّ توجيههما، أي: تنظر لهما فيما لا بدَّ لهما منه من أمور الدُّنيا والآخرة، وسقط لفظ «عليك» هنا في الموضعين، وزاد في «الصيام» [خ¦١٩٧٥] من وجهٍ آخرَ: «وإنَّ لعينك عليك حقًّا»، وفي روايةٍ [خ¦١٩٧٤] [خ¦١٩٧٥]: «وإنَّ لزَورك عليك حقًّا» أي: لزائرك (فَصُمْ) في بعض الأيَّام (وَأَفْطِرْ) بقطع الهمزة في بعضها، لتجمع بين المصلحتَين، وفيه إشارةٌ إلى ما سبق من صوم داود (وَقُمْ) صلِّ في بعض اللَّيل (وَنَمْ) في بعضه، والأمر فيها للنَّدب (٣). واستُنبِطَ منه: أنَّ مَن تكلَّف الزِّيادة، وتحمَّل المشقَّة على ما طُبِع عليه، يقع له الخلل في الغالب، وربَّما يغلب ويعجز (٤).