«أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ؛ صَوْمِ ثَلَاثَةِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١١٧٨

الحديث رقم ١١٧٨ من كتاب «أبواب التهجد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب صلاة الضحى في الحضر.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١١٧٨ في صحيح البخاري

«أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ؛ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ».

إسناد حديث رقم ١١٧٨ من صحيح البخاري

١١٧٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْجُرَيْرِيُّ، هُوَ ابْنُ فَرُّوخٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١١٧٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي الْفَرِيضَةِ نَافِلَةٌ فَقِيلَ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ سُبْحَةٌ، لِأَنَّهَا كَالتَّسْبِيحِ فِي الْفَرِيضَةِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنِّي لِأُسَبِّحُهَا) كَذَا هُنَا مِنَ السُّبْحَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ بِلَفْظِ: وَإِنِّي لَأَسْتَحِبُّهَا مِنَ الِاسْتِحْبَابِ، وَهي مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا وَجْهٌ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي الْفِعْلَ، وَالثَّانِي لَا يَسْتَلْزِمُهُ، وَجَاءَ عَنْ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ أَشْيَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ أَوْرَدَهَا مُسْلِمٌ: فَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ. وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذَةَ عَنْهَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ. فَفِي الْأَوَّلِ نَفْيُ رُؤْيَتِهَا لِذَلِكَ مُطْلَقًا، وَفِي الثَّانِي تَقْيِيدُ النَّفْيِ بِغَيْرِ الْمَجِيءِ مِنْ مَغِيبِهِ، وَفِي الثَّالِثِ الْإِثْبَاتُ مُطْلَقًا. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَجَمَاعَةٌ إِلَى تَرْجِيحِ مَا اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَيْهِ دُونَ مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ، وَقَالُوا: إِنَّ عَدَمَ رُؤْيَتِهَا لِذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْوُقُوعِ، فَيُقَدَّمُ مَنْ روي عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ الْأَثْبَاتِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا: مَا رَأَيْتُهُ سَبَّحَهَا؛ أَيْ دَاوَمَ عَلَيْهَا. وَقَوْلُهَا وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا؛ أَيْ أُدَاوِمُ عَلَيْهَا، وَكَذَا قَوْلُهَا: وَمَا أَحْدَثَ النَّاسُ شَيْئًا: تَعْنِي الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا. قَالَ: وَفِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ - أَيِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ - إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَتْ: وَإِنْ كَانَ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ.

انْتَهَى.

وَحَكَى الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ جُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهَا: مَا كَانَ يُصَلِّي إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ.، وَقَوْلِهَا: كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ. بِأَنَّ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى صَلَاتِهِ إِيَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَالثَّانِي عَلَى الْبَيْتِ. قَالَ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ حَدِيثُهَا الثَّالِثُ - يَعْنِي حَدِيثَ الْبَابِ - وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ صِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وَأُخِذَ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ حِبَّانَ.

وَقَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: مَا صَلَّاهَا؛ مَعْنَاهَ: مَا رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهَا: كَانَ يُصَلِّيهَا، أَنَّهَا أَخْبَرَتْ فِي الْإِنْكَارِ عَنْ مُشَاهَدَتِهَا، وَفِي الْإِثْبَاتِ عَنْ غَيْرِهَا. وَقِيلَ فِي الْجَمْعِ أَيْضًا: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَفَتْ صَلَاةَ الضُّحَى الْمَعْهُودَةَ حِينَئِذٍ مِنْ هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يُصَلِّيهَا إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ لَا بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، وَلَا بِغَيْرِهِ كَمَا قَالَتْ: يُصَلِّي أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ.

(تَنْبِيهٌ): حَدِيثُ عَائِشَةَ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ، وَعَدَّهَا لِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فِي خَبَرٍ صَحِيحٍ. وَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ فِي الْحَاوِي: إِنَّهُ وَاظَبَ عَلَيْهَا بَعْدَ يَوْمِ الْفَتْحِ إِلَى أَنْ مَاتَ، يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ: أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ نَفْيَ أُمِّ هَانِئٍ لِذَلِكَ يَلْزَمُ (١) مِنْهُ الْعَدَمُ، لِأَنَّا نَقُولُ: يَحْتَاجُ مَنْ أَثْبَتَهُ إِلَى دَلِيلٍ، وَلَوْ وُجِدَ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً، لِأَنَّ عَائِشَةَ ذَكَرَتْ أَنَّهُ كَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، فَلَا تَسْتَل زِمُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى هَذَا الْوُجُوبَ عَلَيْهِ.

٣٣ - بَاب صَلَاةِ الضُّحَى فِي الْحَضَرِ، قَالَهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ النَّبِيِّ

١١٧٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْجُرَيْرِيُّ هُوَ ابْنُ فَرُّوخَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَلَاةِ الضُّحَى وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ.

[الحديث ١١٧٨ - طرفه في: ١٩٨١]

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

إخبار غيره فَرَوَتْهُ، وأمَّا قولها عند مسلمٍ أيضًا لمَّا سألها عبد الله بن شقيقٍ: «هل كان يصلِّيها؟ لا، إلَّا أن يجيء من مغيبه» فالنَّفي مقيَّدٌ بغير المجيء من مغيبه.

(٣٣) (باب صَلَاةِ الضُّحَى فِي الحَضَرِ، قَالَهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ) الأنصاريُّ (عَنِ النَّبِيِّ ) ممَّا وصله أحمد بلفظ: «إنَّه صلَّى في بيته سُبْحة الضُّحى، فقاموا وراءهُ فصلَّوا بصلاته».

١١٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزديُّ القصَّاب (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ) بفتح العين المهملة وتشديد الموحَّدة (الجُرَيْرِيُّ) بضمِّ الجيم وفتح الرَّاء، نسبةً إلى جُرَير بن عُبَادٍ، بضمِّ العين وتخفيف الموحَّدة (هُوَ ابْنُ فَرُّوخٍ) بفتح الفاء وضمِّ الرَّاء المشدَّدة، آخره خاءٌ معجمةٌ، وذلك ساقطٌ عند أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ) بفتح النُّون وسكون الهاء (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي) الَّذي تخلَّلت محبَّته (١) قلبي فصارت (٢) في خلاله، أي: في (٣) باطنه، وقوله هذا لا يعارضه قولُ النَّبيِّ [خ¦٣٦٥٤]: «لو كنت متَّخذًا خليلًا غير ربِّي لاتخذت أبا بكرٍ» لأنَّ الممتنع أن يتَّخذ هو غيره تعالى خليلًا، لا أنَّ غيره يتَّخذه هو (بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ) بضمِّ العين، أي: لا أتركهنَّ (حَتَّى) أي: إلى أَنْ (أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) البيض (مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) لتمرين النَّفس على جنس الصِّيام؛ ليدخل في واجبه بانشراحٍ، ويُثاب ثواب صوم الدَّهر بانضمام ذلك لصوم رمضان؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، و «صومِ» بالجرِّ

بدل من «ثلاثٍ» (١)، وبالرَّفع: خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي «صوم»، و «صلاةٍ» و «نومٍ» الَّتاليان معطوفان عليه، فيجُرَّان أو يُرفعان (وَصَلَاةِ الضُّحَى) في كلِّ يومٍ؛ كما رواه (٢) أحمد: «ركعتين» كما يأتي في «الصِّيام» [خ¦١٩٨١] وهما أقلُّها، ويجزيان (٣) عن الصَّدقة الَّتي تصبح على مفاصل الإنسان في كلِّ يومٍ، وهي ثلاث مئةٍ وستُّون مفصلًا كما في حديث مسلمٍ عن أبي ذَرٍّ، وقال فيه: «ويجزي (٤) عن (٥) ذلك ركعتا الضُّحى» (وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ) ليتمرَّن على جنس الصَّلاة في الضُّحى، كالوتر قبل النَّوم في المواظبة، إذ اللَّيل وقت الغفلة والكسل، فتطلب النَّفس فيه الرَّاحة، وقد رُوِيَ أنَّ أبا هريرة كان يختار درس الحديث باللَّيل على التَّهجُّد، فأمره بالضُّحى بدلًا من (٦) قيام اللَّيل؛ ولهذا أمره أن (٧) لا ينام إلَّا على وترٍ، ولم يأمر بذلك أبا بكرٍ ولا عمر ولا غيرهما من الصَّحابة، لكن قد وردت وصيَّته بالثَّلاث أيضًا لأبي الدَّرداء كما عند مسلمٍ، ولأبي ذَرٍّ كما عند النَّسائيِّ، فقيل: خصَّهم بذلك؛ لكونهم فقراء لا مال لهم، فوصَّاهم بما يليق بهم، وهو الصَّوم والصَّلاة، وهما من أشرف العبادات البدنيَّة، فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة؟ أُجِيبَ بأنَّه يتناول حالتي الحضر والسَّفر، كما يدلُّ عليه قوله: لا (٨) أدعهنَّ حتَّى أموت»، فحصل التَّطابق من أحد الجانبين، وهو الحضر، وذلك كافٍ في المطابقة (٩)، وفي الحديث: استحباب تقديم الوتر على النَّوم، لكنَّه في حقِّ من لم يثق بالاستيقاظ، فأمَّا من وثق به فالتَّأخير أفضل؛ لحديث مسلمٍ: «من خاف ألَّا يقوم من آخر اللَّيل فليوتر (١٠) أوَّله، ومَن طمع أن

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي الْفَرِيضَةِ نَافِلَةٌ فَقِيلَ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ سُبْحَةٌ، لِأَنَّهَا كَالتَّسْبِيحِ فِي الْفَرِيضَةِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنِّي لِأُسَبِّحُهَا) كَذَا هُنَا مِنَ السُّبْحَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ بِلَفْظِ: وَإِنِّي لَأَسْتَحِبُّهَا مِنَ الِاسْتِحْبَابِ، وَهي مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا وَجْهٌ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي الْفِعْلَ، وَالثَّانِي لَا يَسْتَلْزِمُهُ، وَجَاءَ عَنْ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ أَشْيَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ أَوْرَدَهَا مُسْلِمٌ: فَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ. وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذَةَ عَنْهَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ. فَفِي الْأَوَّلِ نَفْيُ رُؤْيَتِهَا لِذَلِكَ مُطْلَقًا، وَفِي الثَّانِي تَقْيِيدُ النَّفْيِ بِغَيْرِ الْمَجِيءِ مِنْ مَغِيبِهِ، وَفِي الثَّالِثِ الْإِثْبَاتُ مُطْلَقًا. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَجَمَاعَةٌ إِلَى تَرْجِيحِ مَا اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَيْهِ دُونَ مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ، وَقَالُوا: إِنَّ عَدَمَ رُؤْيَتِهَا لِذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْوُقُوعِ، فَيُقَدَّمُ مَنْ روي عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ الْأَثْبَاتِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا: مَا رَأَيْتُهُ سَبَّحَهَا؛ أَيْ دَاوَمَ عَلَيْهَا. وَقَوْلُهَا وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا؛ أَيْ أُدَاوِمُ عَلَيْهَا، وَكَذَا قَوْلُهَا: وَمَا أَحْدَثَ النَّاسُ شَيْئًا: تَعْنِي الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا. قَالَ: وَفِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ - أَيِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ - إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَتْ: وَإِنْ كَانَ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ.

انْتَهَى.

وَحَكَى الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ جُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهَا: مَا كَانَ يُصَلِّي إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ.، وَقَوْلِهَا: كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ. بِأَنَّ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى صَلَاتِهِ إِيَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَالثَّانِي عَلَى الْبَيْتِ. قَالَ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ حَدِيثُهَا الثَّالِثُ - يَعْنِي حَدِيثَ الْبَابِ - وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ صِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وَأُخِذَ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ حِبَّانَ.

وَقَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: مَا صَلَّاهَا؛ مَعْنَاهَ: مَا رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهَا: كَانَ يُصَلِّيهَا، أَنَّهَا أَخْبَرَتْ فِي الْإِنْكَارِ عَنْ مُشَاهَدَتِهَا، وَفِي الْإِثْبَاتِ عَنْ غَيْرِهَا. وَقِيلَ فِي الْجَمْعِ أَيْضًا: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَفَتْ صَلَاةَ الضُّحَى الْمَعْهُودَةَ حِينَئِذٍ مِنْ هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يُصَلِّيهَا إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ لَا بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، وَلَا بِغَيْرِهِ كَمَا قَالَتْ: يُصَلِّي أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ.

(تَنْبِيهٌ): حَدِيثُ عَائِشَةَ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ، وَعَدَّهَا لِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فِي خَبَرٍ صَحِيحٍ. وَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ فِي الْحَاوِي: إِنَّهُ وَاظَبَ عَلَيْهَا بَعْدَ يَوْمِ الْفَتْحِ إِلَى أَنْ مَاتَ، يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ: أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ نَفْيَ أُمِّ هَانِئٍ لِذَلِكَ يَلْزَمُ (١) مِنْهُ الْعَدَمُ، لِأَنَّا نَقُولُ: يَحْتَاجُ مَنْ أَثْبَتَهُ إِلَى دَلِيلٍ، وَلَوْ وُجِدَ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً، لِأَنَّ عَائِشَةَ ذَكَرَتْ أَنَّهُ كَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، فَلَا تَسْتَل زِمُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى هَذَا الْوُجُوبَ عَلَيْهِ.

٣٣ - بَاب صَلَاةِ الضُّحَى فِي الْحَضَرِ، قَالَهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ النَّبِيِّ

١١٧٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْجُرَيْرِيُّ هُوَ ابْنُ فَرُّوخَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَلَاةِ الضُّحَى وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ.

[الحديث ١١٧٨ - طرفه في: ١٩٨١]

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

إخبار غيره فَرَوَتْهُ، وأمَّا قولها عند مسلمٍ أيضًا لمَّا سألها عبد الله بن شقيقٍ: «هل كان يصلِّيها؟ لا، إلَّا أن يجيء من مغيبه» فالنَّفي مقيَّدٌ بغير المجيء من مغيبه.

(٣٣) (باب صَلَاةِ الضُّحَى فِي الحَضَرِ، قَالَهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ) الأنصاريُّ (عَنِ النَّبِيِّ ) ممَّا وصله أحمد بلفظ: «إنَّه صلَّى في بيته سُبْحة الضُّحى، فقاموا وراءهُ فصلَّوا بصلاته».

١١٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزديُّ القصَّاب (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ) بفتح العين المهملة وتشديد الموحَّدة (الجُرَيْرِيُّ) بضمِّ الجيم وفتح الرَّاء، نسبةً إلى جُرَير بن عُبَادٍ، بضمِّ العين وتخفيف الموحَّدة (هُوَ ابْنُ فَرُّوخٍ) بفتح الفاء وضمِّ الرَّاء المشدَّدة، آخره خاءٌ معجمةٌ، وذلك ساقطٌ عند أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ) بفتح النُّون وسكون الهاء (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي) الَّذي تخلَّلت محبَّته (١) قلبي فصارت (٢) في خلاله، أي: في (٣) باطنه، وقوله هذا لا يعارضه قولُ النَّبيِّ [خ¦٣٦٥٤]: «لو كنت متَّخذًا خليلًا غير ربِّي لاتخذت أبا بكرٍ» لأنَّ الممتنع أن يتَّخذ هو غيره تعالى خليلًا، لا أنَّ غيره يتَّخذه هو (بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ) بضمِّ العين، أي: لا أتركهنَّ (حَتَّى) أي: إلى أَنْ (أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) البيض (مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) لتمرين النَّفس على جنس الصِّيام؛ ليدخل في واجبه بانشراحٍ، ويُثاب ثواب صوم الدَّهر بانضمام ذلك لصوم رمضان؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، و «صومِ» بالجرِّ

بدل من «ثلاثٍ» (١)، وبالرَّفع: خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي «صوم»، و «صلاةٍ» و «نومٍ» الَّتاليان معطوفان عليه، فيجُرَّان أو يُرفعان (وَصَلَاةِ الضُّحَى) في كلِّ يومٍ؛ كما رواه (٢) أحمد: «ركعتين» كما يأتي في «الصِّيام» [خ¦١٩٨١] وهما أقلُّها، ويجزيان (٣) عن الصَّدقة الَّتي تصبح على مفاصل الإنسان في كلِّ يومٍ، وهي ثلاث مئةٍ وستُّون مفصلًا كما في حديث مسلمٍ عن أبي ذَرٍّ، وقال فيه: «ويجزي (٤) عن (٥) ذلك ركعتا الضُّحى» (وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ) ليتمرَّن على جنس الصَّلاة في الضُّحى، كالوتر قبل النَّوم في المواظبة، إذ اللَّيل وقت الغفلة والكسل، فتطلب النَّفس فيه الرَّاحة، وقد رُوِيَ أنَّ أبا هريرة كان يختار درس الحديث باللَّيل على التَّهجُّد، فأمره بالضُّحى بدلًا من (٦) قيام اللَّيل؛ ولهذا أمره أن (٧) لا ينام إلَّا على وترٍ، ولم يأمر بذلك أبا بكرٍ ولا عمر ولا غيرهما من الصَّحابة، لكن قد وردت وصيَّته بالثَّلاث أيضًا لأبي الدَّرداء كما عند مسلمٍ، ولأبي ذَرٍّ كما عند النَّسائيِّ، فقيل: خصَّهم بذلك؛ لكونهم فقراء لا مال لهم، فوصَّاهم بما يليق بهم، وهو الصَّوم والصَّلاة، وهما من أشرف العبادات البدنيَّة، فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة؟ أُجِيبَ بأنَّه يتناول حالتي الحضر والسَّفر، كما يدلُّ عليه قوله: لا (٨) أدعهنَّ حتَّى أموت»، فحصل التَّطابق من أحد الجانبين، وهو الحضر، وذلك كافٍ في المطابقة (٩)، وفي الحديث: استحباب تقديم الوتر على النَّوم، لكنَّه في حقِّ من لم يثق بالاستيقاظ، فأمَّا من وثق به فالتَّأخير أفضل؛ لحديث مسلمٍ: «من خاف ألَّا يقوم من آخر اللَّيل فليوتر (١٠) أوَّله، ومَن طمع أن

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.9 / 29.5
الإضاءة 16%
البدر بعد 11 يوم
الله أكبر