بَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ١١٨٨ - حَدَّثَنَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١١٨٨

الحديث رقم ١١٨٨ من كتاب «كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١١٨٨ في صحيح البخاري

بَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ

١١٨٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ قَزَعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ أَرْبَعًا قَالَ: سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ، وَكَانَ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً.

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١١٨٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

[٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة]

١ - بَاب فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ

١١٨٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ قَزَعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ أَرْبَعًا قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ النَّبِيِّ وَكَانَ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً.

١١٨٩ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى"

١١٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: "صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ"

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ) ثَبَتَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ الْبَسْمَلَةُ قَبْلَ الْبَابِ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: لَمْ يَقُلْ فِي التَّرْجَمَةِ: وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِنْ كَانَ مَجْمُوعًا إِلَيْهِمَا فِي الْحَدِيثِ لِكَوْنِهِ أَفْرَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَرْجَمَةٍ، قَالَ: وَتَرْجَمَ بِفَضْلِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الصَّلَاةِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّحْلَةِ إِلَى الْمَسَاجِدِ قَصْدُ الصَّلَاةِ فِيهَا، لِأَنَّ لَفْظَ الْمَسَاجِدِ مُشْعِرٌ بِالصَّلَاةِ. . انْتَهَى.

وَظَاهِرُ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ لِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ فِي التَّرْجَمَةِ صَلَاةُ النَّافِلَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَيَدْخُلُ النَّافِلَةُ، وَهَذَا أَوْجَهُ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى أَنَّ التَّفْضِيلَ مُخْتَصٌّ بِصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيل.

قَوْلُهُ: (عَنْ قَزَعَةَ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَذَا الزَّايِ، وَحَكَى ابْنُ الْأَثِيرِ سُكُونَهَا بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، هُوَ ابْنُ يَحْيَى، وَيُقَالُ: ابْنُ الْأَسْوَدِ، وَسَيَأْتِي بعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ: سَمِعْتُ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ، وَهُوَ هَذَا، وَزِيَادٌ مَوْلَاهُ هُوَ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْأَمِيرُ الْمَشْهُورُ، وَرِوَايَةُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ، لِأَنَّهُمَا مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ أَرْبَعًا) أَيْ يَذْكُرُ أَرْبَعًا، أَوْ سَمِعْتُ مِنْهُ أَرْبَعًا أَيْ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ غَزَا) الْقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ قَزَعَةُ، وَالْمَقُولُ عَنْهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً) كَذَا اقْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنَ الْمَتْنِ شَيْئًا، وَذَكَرَ بَعْدَهُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي شَدِّ الرِّحَالِ، فَظَنَّ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ سَاقَ الْإِسْنَادَيْنِ لِهَذَا الْمَتْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُقْتَصِرٌ عَلَى شَدِّ الرِّحَالِ فَقَطْ، لَكِنْ لَا يُمْنَعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ الْبُخَارِيِّ فِي إِجَازَةِ اخْتِصَارِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: لَمَّا كَانَ أَحَدُ الْأَرْبَعِ هُوَ قَوْلَهُ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ ذَكَرَ صَدْرَ الْحَدِيثِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي

يَتَلَاقَى فِيهِ افْتِتَاحُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، فَاقْتَطَفَ الْحَدِيثَ، وَكَأَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ الْإِغْمَاضَ لِيُنَبِّهَ غَيْرَ الْحَافِظِ عَلَى فَائِدَةِ الْحِفْظِ، عَلَى أَنَّهُ مَا أَخْلَاهُ عَنِ الْإِيضَاحِ عَنْ قُرْبٍ، فَإِنَّهُ سَاقَهُ بِتَمَامِهِ خَامِسَ تَرْجَمَةٍ.

قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَسَعِيدٌ هُوَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَجْهٌ آخَرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ مَرَّةً بِهَذَا اللَّفْظِ، وَكَانَ أَكْثَرَ مَا يُحَدِّثُ بِهِ بِلَفْظِ: تُشَدُّ الرِّحَالُ.

قَوْلُهُ: (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِلَفْظِ النَّفْيِ، وَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ السَّفَرِ إِلَى غَيْرِهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ النَّهْيِ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقْصَدَ بِالزِّيَارَةِ إِلَّا هَذِهِ الْبِقَاعُ لِاخْتِصَاصِهَا بِمَا اخْتَصَّتْ بِهِ، وَالرِّحَالُ بِالْمُهْمَلَةِ جَمْعُ رَحْلٍ، وَهُوَ لِلْبَعِيرِ كَالسَّرْجِ لِلْفَرَسِ، وَكَنَّى بِشَدِّ الرِّحَالِ عَنِ السَّفَرِ، لِأَنَّهُ لَازِمُهُ، وَخَرَجَ ذِكْرُهَا مَخْرَجَ الْغَالِبِ فِي رُكُوبِ الْمُسَافِرِ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ رُكُوبِ الرَّوَاحِلِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْمَشْيِ فِي الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: إِنَّمَا يُسَافِرُ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا) الِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ، وَالتَّقْدِيرُ لَا تُشَدُّ الرِّحَالِ إِلَى مَوْضِعٍ، وَلَازَمَهُ مَنْعُ السَّفَرِ إِلَى كُلِّ مَوْضِعٍ غَيْرِهَا، لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْمُفَرَّغِ مُقَدَّرٌ بِأَعَمِّ الْعَامِّ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعُمُومِ هُنَا الْمَوْضِعُ الْمَخْصُوصُ، وَهُوَ الْمَسْجِدُ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)؛ أَيِ الْمُحَرَّمُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمَ: الْكِتَابُ، بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ، وَالْمَسْجِدُ بِالْخَفْضِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَالْمُرَادُ بِهِ جَمِيعُ الْحَرَمِ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ دُونَ الْبُيُوتِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَجْزَاءِ الْحَرَمِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِهِ: مَسْجِدِي هَذَا. لِأَنَّ الْإِشَارَةَ فِيهِ إِلَى مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى كَذَلِكَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْكَعْبَةُ. حَكَاهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَتَأَيَّدُ بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: إِلَّا الْكَعْبَةَ. وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الَّذِي عِنْدَ النَّسَائِيِّ: إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ، حَتَّى وَلَوْ سَقَطَتْ لَفْظَةُ مَسْجِدٍ لَكَانَتْ مُرَادَةً، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذَا الْفَضْلُ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ أَوْ فِي الْحَرَمِ؟ قَالَ: بَلْ فِي الْحَرَمِ، لِأَنَّهُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ.

قَوْلُهُ: (وَمَسْجِدُ الرَّسُولِ) أَيْ مُحَمَّدٌ ، وَفِي الْعُدُولِ عَنْ مَسْجِدِي إِشَارَةٌ إِلَى التَّعْظِيمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي قَرِيبًا: وَمَسْجِدِي.

قَوْلُهُ: (وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى) أَيْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ، وَقَدْ جَوَّزَهُ الْكُوفِيُّونَ، وَاسْتَشْهَدُوا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ وَالْبَصْرِيُّونَ يُؤَوِّلُونَهُ بِإِضْمَارِ الْمَكَانِ، أَيِ الَّذِي بِجَانِبِ الْمَكَانِ الْغَرْبِيِّ، وَمَسْجِدِ الْمَكَانِ الْأَقْصَى، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَسُمِّيَ الْأَقْصَى لِبُعْدِهِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْمَسَافَةِ، وَقِيلَ: فِي الزَّمَانِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ بَيْنَهُمَا أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَسَيَأْتِي فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَبَيَانُ مَا فِيهِ مِنَ الْإِشْكَالِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ الْأَقْصَى لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ وَرَاءَهُ مَسْجِدٌ، وَقِيلَ: لِبُعْدِهِ عَنِ الْأَقْذَارِ وَالْخَبَثِ، وَقِيلَ: هُوَ أَقْصَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، لِأَنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ مَكَّةَ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ أَبْعَدُ مِنْهُ. وَلِبَيْتِ الْمَقْدِسِ عِدَّةُ أَسْمَاءَ تَقْرُبُ مِنَ الْعِشْرِينَ مِنْهَا: إِيلِيَاءُ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ، وَبِحَذْفِ الْيَاءِ الْأُولَى، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِدْخَالُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلَى هَذَا الثَّالِثِ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ بِسُكُونِ الْقَافِ وَبِفَتْحِهَا مَعَ التَّشْدِيدِ، وَالْقُدْسُ بِغَيْرِ مِيمٍ مَعَ ضَمِّ الْقَافِ، وَسُكُونِ الدَّالِ، وَبِضَمِّهَا أَيْضًا، وَشَلَّمُ بِالْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَبِالْمُهْمَلَةِ، وَشَلَامُ بِمُعْجَمَةٍ، وَسَلِمُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْخَفِيفَةِ، وَأُورِي سَلِمَ بِسُكُونِ الْوَاوِ، وَبكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، قَالَ الْأَعْشَى:

وَقَدْ طُفْتُ لِلْمَالِ آفَاقَهُ … دِمَشْقَ فَحِمْصَ فَأُورِي سَلِمَ

وَمِنْ أَسْمَائِهِ: كُورَةُ، وَبَيْتُ إيلٍ، وَصِهْيُونُ، وَمِصْرُوثُ آخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ وَكُورْشِيلَا وَبَابُوسُ بِمُوَحَّدَتَيْنِ وَمُعْجَمَةُ، وَقَدْ تَتَبَّعَ أَكْثَرُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْحُسَيْنُ بْنُ خَالَوَيْهِ اللُّغَوِيُّ فِي كِتَابِ لَيْسَ، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ وَمَزِيَّتُهَا عَلَى غَيْرِهَا لِكَوْنِهَا مَسَاجِدَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ قِبْلَةُ النَّاسِ وَإِلَيْهِ حَجُّهُمْ، وَالثَّانِي كَانَ قِبْلَةَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَالثَّالِثَ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى. وَاخْتُلِفَ فِي شَدِّ الرِّحَالِ إِلَى غَيْرِهَا، كَالذَّهَابِ إِلَى زِيَارَةِ الصَّالِحِينَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَإِلَى الْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ لِقَصْدِ التَّبَرُّكِ بِهَا وَالصَّلَاةِ فِيهَا، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: يَحْرُمُ شَدُّ الرِّحَالِ إِلَى غَيْرِهَا عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَشَارَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إِلَى اخْتِيَارِهِ، وَبِهِ قَالَ عِيَاضٌ وَطَائِفَةٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ إِنْكَارِ بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ خُرُوجَهُ إِلَى الطُّورِ، وَقَالَ لَهُ: لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مَا خَرَجْتُ. وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى حَمْلَ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ، وَوَافَقَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ؛ مِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْفَضِيلَةَ التَّامَّةَ إِنَّمَا هِيَ فِي شَدِّ الرِّحَالِ إِلَى هَذِهِ الْمَسَاجِدِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا، فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ - سَيَأْتِي ذِكْرُهَا - بِلَفْظِ: لَا يَنْبَغِي لِلْمَطِيِّ أَنْ تَعْمَلَ.

وَهُوَ لَفْظٌ ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ التَّحْرِيمِ (١) وَمِنْهَا أَنَّ النَّهْيَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ نَذَرَ عَلَى نَفْسِهِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ مِنْ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: اللَّفْظُ لَفْظُ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ الْإِيجَابُ فِيمَا يَنْذِرُهُ الْإِنْسَانُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْبِقَاعِ الَّتِي يُتَبَرَّكُ بِهَا، أَيْ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ حُكْمُ الْمَسَاجِدِ فَقَطْ، وَأَنَّهُ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ غَيْرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَأَمَّا قَصْدُ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ لِزِيَارَةِ صَالِحٍ، أَوْ قَرِيبٍ، أَوْ صَاحِبٍ، أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ، أَوْ تِجَارَةٍ، أَوْ نُزْهَةٍ فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ وَذُكِرَتْ عِنْدَهُ الصَّلَاةُ فِي الطُّورِ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَشُدَّ رِحَالَهُ إِلَى مَسْجِدٍ تُبْتَغَى فِيهِ الصَّلَاةُ غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي. وَشَهْرٌ حَسَنُ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَعْضُ الضَّعْفِ.

وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ قَصْدُهَا بِالِاعْتِكَافِ فِيمَا حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ، عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، أَنَّهُ قَالَ: لَا يُعْتَكَفُ فِي غَيْرِهَا، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَمْ أَرَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ إِتْيَانَ أَحَدِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْبُوَيْطِيُّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ مُطْلَقًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: يَجِبُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِتَعَلُّقِ النُّسُكِ بِهِ بِخِلَافِ الْمَسْجِدَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُورُ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يَجِبُ إِلَى الْحَرَمَيْنِ، وَأَمَّا الْأَقْصَى فَلَا، وَاسْتَأْنَسَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ : إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: صَلِّ هَاهُنَا. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْحُجَّةُ عَلَى الشَّافِعِيِّ أَنَّ إعْمَالَ الْمَطِيِّ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَالصَّلَاةِ فِيهِمَا قُرْبَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يُلْزَمَ بِالنَّذْرِ كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. انْتَهَى.

وَفِيمَا يَلْزَمُ مَنْ نَذَرَ إِتْيَانَ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ، مَحَلُّهُ كُتُبُ الْفُرُوعِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ إِتْيَانَ غَيْرِ هَذِهِ

الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لِصَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُهَا، لِأَنَّهَا لَا فَضْلَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، فَتَكْفِي صَلَاتُهُ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ كَانَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ اللَّيْثِ أَنَّهُ قَالَ: يَجِبُ الْوَفَاءُ بهِ، وَعَنِ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَةً: يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ، وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ رِوَايَةً: إِنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ بِهِ كَرِبَاطٍ لَزِمَ، وَإِلَّا فَلَا، وَذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْمَالِكِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ كَمَا سَيَأْتِي، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَقَعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي عَصْرِنَا فِي الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ مُنَاظَرَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَصُنِّفَ فِيهَا رَسَائِلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، قُلْتُ: يُشِيرُ إِلَى مَا رَدَّ بِهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَةَ، وَمَا انْتَصَرَ بِهِ الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الْهَادِي وَغَيْرُهُ لِابْنِ تَيْمِيَةَ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ فِي بِلَادِنَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمُ أَلْزَمُوا ابْنَ تَيْمِيَةَ بِتَحْرِيمِ شَدِّ الرَّحْلِ (١) إِلَى زِيَارَةِ قَبْرِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ، وَأَنْكَرْنَا صُورَةَ ذَلِكَ، وَفِي شَرْحِ ذَلِكَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ طُولٌ، وَهِيَ مِنْ أَبْشَعِ الْمَسَائِلِ الْمَنْقُولَةِ عَنِ ابْنِ تَيْمِيَةَ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى دَفْعِ مَا ادَّعَاهُ غَيْرُهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَقُولَ: زُرْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ ، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِأَنَّهُ كَرِهَ اللَّفْظَ أَدَبًا لَا أَصْلَ الزِّيَارَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ وَأَجَلِّ الْقُرُبَاتِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى ذِي الْجَلَالِ، وَأنَّ مَشْرُوعِيَّتَهَا مَحَلُّ إِجْمَاعٍ بِلَا نِزَاعٍ، وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ.

قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: قَوْلُهُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَحْذُوفٌ، فَإِمَّا أَنْ يُقَدِّرَ عَامًّا فَيَصِيرَ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى مَكَانٍ فِي أَيِّ أَمْرٍ كَانَ إِلَّا إِلَى الثَّلَاثَةِ، أَوْ أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ. لَا سَبِيلَ إِلَى الْأَوَّلِ لِإِفْضَائِهِ إِلَى سَدِّ بَابِ السَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهَا، فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدَّرَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مُنَاسَبَةً، وَهُوَ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى مَسْجِدٍ لِلصَّلَاةِ فِيهِ إِلَّا إِلَى الثَّلَاثَةِ، فَيَبْطُلُ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ مَنَعَ شَدَّ الرِّحَالِ إِلَى زِيَارَةِ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ وَغَيْرِهِ مِنْ قُبُورِ الصَّالِحِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ: لَيْسَ فِي الْأَرْضِ بُقْعَةٌ لَهَا فَضْلٌ لِذَاتِهَا حَتَّى تُشَدَّ الرِّحَالُ إِلَيْهَا غَيْرَ الْبِلَادِ الثَّلَاثَةِ، وَمُرَادِي بِالْفَضْلِ مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنَ الْبِلَادِ فَلَا تُشَدُّ إِلَيْهَا لِذَاتِهَا، بَلْ لِزِيَارَةٍ أَوْ جِهَادٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنْدُوبَاتِ أَوِ الْمُبَاحَاتِ، قَالَ: وَقَدِ الْتَبَسَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِهِمْ، فَزَعَمَ أَنَّ شَدَّ الرِّحَالِ إِلَى الزِّيَارَةِ لِمَنْ فِي غَيْرِ الثَّلَاثَةِ دَاخِلٌ فِي الْمَنْعِ، وَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالِ إِلَى مَسْجِدٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ، أَوْ إِلَى مَكَانٍ مِنَ الْأَمْكِنَةِ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ إِلَّا إِلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَشَدُّ الرِّحَالِ إِلَى زِيَارَةٍ أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ لَيْسَ إِلَى الْمَكَانِ بَلْ إِلَى مَنْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ) بِالْمُوَحَّدَةِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ، وَالْأَغَرُّ هُوَ سَلْمَانُ شَيْخُ الزُّهْرِيِّ الْمُتَقَدِّمُ.

قَوْلُهُ: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا) قَالَ النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ الْمُصَلِّي عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِهِ دُونَ مَا زِيدَ فِيهِ بَعْدَهُ، لِأَنَّ التَّضْعِيفَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي مَسْجِدِهِ، وَقَدْ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ هَذَا، بِخِلَافِ مَسْجِدِ مَكَّةَ، فَإِنَّهُ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَكَّةَ،

بَلْ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الْحَرَمِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: يَجُوزُ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ، فَإِنَّهُ مُسَاوٍ لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، أوْ فَاضِلًا، أَوْ مَفْضُولًا. وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَاضِلًا أَوْ مَفْضُولًا لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ ذَلِكَ إِلَّا بِدَلِيلٍ، بِخِلَافِ الْمُسَاوَاةِ. انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى دَلِيلِ الثَّانِي، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنَ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي هَذَا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: وَصَلَاةٌ فِي ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَمَنْ رَفَعَهُ أَحْفَظُ وَأَثْبَتُ، وَمَثَلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ.

وَفِي ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنَ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ. فَعَلَى الْأَوَّلِ مَعْنَاهُ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، وَعَلَى الثَّانِي مَعْنَاهُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ، لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ فِي ذَلِكَ عَنْهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عَطَاءٍ فِي ذَلِكَ عَنْهُمَا، وَعَلَى ذَلِكَ يَحْمِلُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عَطَاءً إِمَامٌ وَاسِعُ الرِّوَايَةِ مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَرَوَى الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رَفَعَهُ: الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَالصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِي بِأَلْفِ صَلَاةٍ، وَالصَّلَاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ. قَالَ الْبَزَّارُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. فَوَضَّحَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِثْنَاءِ تَفْضِيلُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى تَأْوِيلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ وَغَيْرِهِ، وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعٍ عَنْ تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: مَعْنَاهُ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ بِدُونِ أَلْفِ صَلَاةٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَفْظُ دُونِ يَشْمَلُ الْوَاحِدَ، فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَفْضَلَ مِنَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ بِتِسْعِمِائَةٍ وَتِسْعٍ وَتِسْعِينَ صَلَاةً، وَحَسْبُكَ بِقَوْلٍ يُئَوَّلُ إِلَى هَذَا ضَعْفًا.

قَالَ: وَزَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ بِمِائَةِ صَلَاةٍ، وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَحْفُوظَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ: صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا مَسْجِدَ الرَّسُولِ، فَإِنَّمَا فَضَّلَهُ عَلَيْهِ بِمِائَةِ صَلَاةٍ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَتِيقٍ، وَعَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا سَمِعَاهُ يَقُولُ: صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِيهِ. وَيُشِيرُ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ.

وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى الْجُهَنِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا، وَلَفْظُهُ كَلَفْظِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي آخِرِهِ: إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ بِمِائَةِ صَلَاةٍ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَفْضِيلِ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ لِأَنَّ الْأَمْكِنَةَ تُشَرَّفُ بِفَضْلِ الْعِبَادَةِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا مِمَّا تَكُونُ الْعِبَادَةُ فِيهِ مَرْجُوحَةً، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَمُطَرِّفٌ، وَابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ تَفْضِيلُ الْمَدِينَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ : مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ مَعَ قَوْلِهِ: مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِالْخَبَرِ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ فِيهِ، وَلَا يُقَاوِمُ النَّصُّ الْوَارِدُ فِي فَضْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَاقِفًا عَلَى الْحَزْوَرَةِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ. وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

((٢٠)) (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا ثبتت البسملة في نسخة الصَّغانيِّ (١)، وهي لأبي ذَرٍّ في «اليونينيَّة» ممَّا صُحِّحَ عليه.

(١) (باب فَضْلِ الصَّلَاةِ) مطلقًا، أو المكتوبة فقط (فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَ) مسجد (المَدِينَةِ).

١١٨٨ - ١١٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن الحارث بن سَخْبَرة -بفتح المهملة وسكون المعجمة وفتح الموحَّدة- الأزديُّ النَّمَريُّ -بفتح النُّون والميم- الحوضيُّ البصريُّ، المتوفَّى سنة خمسٍ وعشرين ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج الواسطيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ المَلِكِ) زاد أبو ذرٍّ والأَصيليِّ: «ابن عميرٍ» بالتَّصغير، القبطيُّ كان له فرسٌ سابقٌ، يُعرَف بالقبطي، فَنُسِبَ إليه: الفرسي، ويقال له: القبطيُّ، ومن لا يدري: القرشي، وليس كذلك، قاضي الكوفة بعد الشَّعبيِّ، المتوفَّى سنة ستٍّ وثلاثين ومئةٍ، وله مئة سنةٍ وثلاث سنين (عَنْ قَزَعَةَ) بالقاف والزَّاي والعين المفتوحات، وقد تسكن الزَّاي، ابن

يحيى، ويقال: ابن الأسود البصريِّ، مولى زيادٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الأنصاريّ الخدريّ () قال (١): (أَرْبَعًا) هي الآتية قريبًا في «باب مسجد بيت المقدس» [خ¦١١٩٧] كما قاله ابن رُشَيدٍ، وهي: «لا تسافر المرأة يومين إلَّا و (٢) معها زوجها أو ذو مَحْرَمٍ، ولا صومَ في يومين: الفطر والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتَين: بعد الصُّبح حتَّى تطلع الشَّمس، وبعد العصر حتَّى تغرب، ولا تُشدُّ الرِّحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد» (٣) (قَالَ: سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ) قال قَزَعَة: (وَكَانَ) أبو سعيدٍ (غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً) كذا اقتصر المؤلِّف على هذا القدر لقصد الإغماض؛ لينبِّه غير الحافظ على فائدة الحفظ، كما نبَّه عليه ابن رُشَيدٍ.

وفي هذا السَّند التَّحديث، والإخبار، والإفراد (٤)، والسَّماع، والقول، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرج حديثه المؤلِّف في «الصَّلاة ببيت المقدس» [خ¦١١٩٧] و «الحجِّ» [خ¦١٨٦٤] و «الصَّوم» [خ¦١٩٩٢]، ومسلمٌ في «المناسك»، والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ في «الصَّوم»، وابن ماجه فيه وفي «الصَّلاة».

(ح) للتحويل من سَنَدٍ إلى آخر كما مرَّ. قال المؤلِّف: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «وحدَّثنا» (عَلِيٌّ) هو ابن المدينيِّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهابٍ (عَنْ سَعِيدٍ) بكسر العين، هو ابن المسيَّب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) وليس هذان السَّندان للمتن التَّالي؛ لأنَّ حديث أبي سعيدٍ اشتمل على أربعة أشياء كما مرَّ، ومتن أبي هريرة هذا اقتصر على شدِّ الرِّحال فقط، حيث روى (عَنِ (٥) النَّبِيِّ قَالَ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وفتح المعجمة، والرِّحال -بالمهملة- جمع: رَحْلٍ للبعير، كالسَّرج للفرس، وهو أصغر من القتب، وشدُّه كنايةٌ عن السَّفر؛ لأنَّه لازم له، والتَّعبير بشدِّها خرج مخرج الغالب في ركوبها للمسافر، فلا فرق بين ركوب الرَّواحل وغيرها، والمشي في هذا

المعنى، ويدلُّ لذلك قوله في بعض طرقه: «إنَّما يسافر … » أخرجه مسلمٌ، والنَّفي هنا بمعنى النَّهي، أي: لا تُشَدُّ الرِّحال إلى مسجدٍ للصَّلاة فيه (إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدُِ الحَرَامِ) بمكَّة، بخفض دال «المسجدِ» بدلٌ من «ثلاثة»، أو بالرَّفع خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي المسجد الحرام، والتَّاليان عطفٌ عليه، والمراد هنا بـ «المسجد الحرام»: أرضُ الحرم كلّها، قيل لعطاء فيما رواه الطَّيالسيُّ: هذا الفضل في المسجد وحده أو في الحرم؟ قال: بل في الحرم؛ لأنَّه كلُّه مسجدٌ (وَمَسْجِدُِ الرَّسُولِ) محمَّدٍ () بطَيْبَة، عبَّر به دون: مسجدي؛ للتَّعظيم، أو هو من تصرُّف الرُّواة، وروى أحمد بإسنادٍ رواتُه رواة الصَّحيح (١) من حديث أنسٍ رفعه: «مَن صلَّى في مسجدي أربعين صلاةً لا تفوته صلاةٌ كُتِبَ (٢) له براءةٌ من النَّار، وبراءةٌ من العذاب، وبراءةٌ من النِّفاق» (وَمَسْجِدِ الأَقْصَى) بيت (٣) المقدس، وهو من إضافة الموصوف إلى الصِّفة عند الكوفيِّين، والبصريُّون يؤوِّلونه بإضمار المكان، أي: ومسجد المكان الأقصى، وسُمِّي به لبعده عن مسجد مكَّة في المسافة، أو لأنَّه لم يكن وراءه مسجدٌ، وقد بَطَلَ بما مرَّ من التَّقدير -بـ: لا تُشَدُّ الرِّحال إلى مسجدٍ للصَّلاة فيه، المعتضدِ بحديث أبي سعيدٍ المرويِّ في «مسند أحمد» بإسنادٍ حسنٍ مرفوعًا: «لا ينبغي للمطيِّ (٤) أن تُشدَّ رحاله إلى مسجدٍ تُبتَغى (٥) فيه الصَّلاة غير المسجد الحرام، والأقصى، ومسجدي هذا» - قولُ ابنِ تيمية، حيث مَنَعَ من زيارةِ قبر (٦) النَّبيِّ ، وهو من أبشع (٧) المسائل المنقولة عنه، وقد أجاب عنه المحقِّقون من أصحابه أنَّه كَرِه اللَّفظ أدبًا، لا أصل الزِّيارة، فإنَّها من أفضل الأعمال،

وأجلِّ القُرَب (١) الموصلة إلى ذي الجلال، وأنَّ مشروعيَّتها محلُّ إجماعٍ بلا نزاعٍ. انتهى. فشدُّ الرِّحال (٢) للزِّيارة أو نحوها؛ كطلب علمٍ ليس إلى المكان، بل إلى مَن فيه، وقد التبس ذلك على بعضهم، كما قاله المحقِّق التَّقيُّ السبكيُّ، فزعم أنَّ شدَّ الرِّحال (٣) إلى الزِّيارة في غير الثَّلاثة داخلٌ في المنع، وهو خطأٌ؛ لأنَّ الاستثناء -كما مرَّ- إنَّما يكون من جنس المستثنى منه؛ كما إذا قلت: ما رأيت إلَّا زيدًا، كان تقديره: ما رأيت رجلًا واحدًا إلَّا زيدًا، لا ما رأيت شيئًا أو حيوانًا إلَّا زيدًا، وقد استدلَّ بالحديث: على أنَّ من نذر إتيان أحد هذه المساجد لزمه ذلك، وبه قال مالكٌ وأحمد والشَّافعيُّ في «البويطيِّ»، واختاره أبو إسحاق المروزيُّ، وقال أبو حنيفة: لا يجب مطلقًا، وقال الشَّافعيُّ في «الأمِّ»: يجب في المسجد الحرام لتعلُّق النُّسُكِ به، بخلاف المسجدين الآخرين (٤)، وهذا هو المنصوص لأصحابه، واستدلَّ به أيضًا: على أنَّ من نذر إتيان غير هذه الثَّلاثة لصلاةٍ أو غيرها لا يلزمه؛ لأنَّه لا فضل لبعضها على بعضٍ، فتكفي صلاته في أيِّ مسجدٍ كان، قال النَّوويُّ: لا اختلاف (٥) فيه إلَّا ما رُوِيَ عن اللَّيث أنَّه قال: يجب الوفاء به، وعن الحنابلة روايةٌ: أنَّه يلزمه كفَّارة يمينٍ، ولا ينعقد نذره، وعن المالكيَّة

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

[٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة]

١ - بَاب فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ

١١٨٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ قَزَعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ أَرْبَعًا قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ النَّبِيِّ وَكَانَ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً.

١١٨٩ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى"

١١٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: "صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ"

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ) ثَبَتَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ الْبَسْمَلَةُ قَبْلَ الْبَابِ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: لَمْ يَقُلْ فِي التَّرْجَمَةِ: وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِنْ كَانَ مَجْمُوعًا إِلَيْهِمَا فِي الْحَدِيثِ لِكَوْنِهِ أَفْرَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَرْجَمَةٍ، قَالَ: وَتَرْجَمَ بِفَضْلِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الصَّلَاةِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّحْلَةِ إِلَى الْمَسَاجِدِ قَصْدُ الصَّلَاةِ فِيهَا، لِأَنَّ لَفْظَ الْمَسَاجِدِ مُشْعِرٌ بِالصَّلَاةِ. . انْتَهَى.

وَظَاهِرُ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ لِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ فِي التَّرْجَمَةِ صَلَاةُ النَّافِلَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَيَدْخُلُ النَّافِلَةُ، وَهَذَا أَوْجَهُ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى أَنَّ التَّفْضِيلَ مُخْتَصٌّ بِصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيل.

قَوْلُهُ: (عَنْ قَزَعَةَ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَذَا الزَّايِ، وَحَكَى ابْنُ الْأَثِيرِ سُكُونَهَا بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، هُوَ ابْنُ يَحْيَى، وَيُقَالُ: ابْنُ الْأَسْوَدِ، وَسَيَأْتِي بعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ: سَمِعْتُ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ، وَهُوَ هَذَا، وَزِيَادٌ مَوْلَاهُ هُوَ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْأَمِيرُ الْمَشْهُورُ، وَرِوَايَةُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ، لِأَنَّهُمَا مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ أَرْبَعًا) أَيْ يَذْكُرُ أَرْبَعًا، أَوْ سَمِعْتُ مِنْهُ أَرْبَعًا أَيْ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ غَزَا) الْقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ قَزَعَةُ، وَالْمَقُولُ عَنْهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً) كَذَا اقْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنَ الْمَتْنِ شَيْئًا، وَذَكَرَ بَعْدَهُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي شَدِّ الرِّحَالِ، فَظَنَّ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ سَاقَ الْإِسْنَادَيْنِ لِهَذَا الْمَتْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُقْتَصِرٌ عَلَى شَدِّ الرِّحَالِ فَقَطْ، لَكِنْ لَا يُمْنَعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ الْبُخَارِيِّ فِي إِجَازَةِ اخْتِصَارِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: لَمَّا كَانَ أَحَدُ الْأَرْبَعِ هُوَ قَوْلَهُ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ ذَكَرَ صَدْرَ الْحَدِيثِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي

يَتَلَاقَى فِيهِ افْتِتَاحُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، فَاقْتَطَفَ الْحَدِيثَ، وَكَأَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ الْإِغْمَاضَ لِيُنَبِّهَ غَيْرَ الْحَافِظِ عَلَى فَائِدَةِ الْحِفْظِ، عَلَى أَنَّهُ مَا أَخْلَاهُ عَنِ الْإِيضَاحِ عَنْ قُرْبٍ، فَإِنَّهُ سَاقَهُ بِتَمَامِهِ خَامِسَ تَرْجَمَةٍ.

قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَسَعِيدٌ هُوَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَجْهٌ آخَرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ مَرَّةً بِهَذَا اللَّفْظِ، وَكَانَ أَكْثَرَ مَا يُحَدِّثُ بِهِ بِلَفْظِ: تُشَدُّ الرِّحَالُ.

قَوْلُهُ: (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِلَفْظِ النَّفْيِ، وَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ السَّفَرِ إِلَى غَيْرِهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ النَّهْيِ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقْصَدَ بِالزِّيَارَةِ إِلَّا هَذِهِ الْبِقَاعُ لِاخْتِصَاصِهَا بِمَا اخْتَصَّتْ بِهِ، وَالرِّحَالُ بِالْمُهْمَلَةِ جَمْعُ رَحْلٍ، وَهُوَ لِلْبَعِيرِ كَالسَّرْجِ لِلْفَرَسِ، وَكَنَّى بِشَدِّ الرِّحَالِ عَنِ السَّفَرِ، لِأَنَّهُ لَازِمُهُ، وَخَرَجَ ذِكْرُهَا مَخْرَجَ الْغَالِبِ فِي رُكُوبِ الْمُسَافِرِ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ رُكُوبِ الرَّوَاحِلِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْمَشْيِ فِي الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: إِنَّمَا يُسَافِرُ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا) الِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ، وَالتَّقْدِيرُ لَا تُشَدُّ الرِّحَالِ إِلَى مَوْضِعٍ، وَلَازَمَهُ مَنْعُ السَّفَرِ إِلَى كُلِّ مَوْضِعٍ غَيْرِهَا، لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْمُفَرَّغِ مُقَدَّرٌ بِأَعَمِّ الْعَامِّ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعُمُومِ هُنَا الْمَوْضِعُ الْمَخْصُوصُ، وَهُوَ الْمَسْجِدُ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)؛ أَيِ الْمُحَرَّمُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمَ: الْكِتَابُ، بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ، وَالْمَسْجِدُ بِالْخَفْضِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَالْمُرَادُ بِهِ جَمِيعُ الْحَرَمِ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ دُونَ الْبُيُوتِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَجْزَاءِ الْحَرَمِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِهِ: مَسْجِدِي هَذَا. لِأَنَّ الْإِشَارَةَ فِيهِ إِلَى مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى كَذَلِكَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْكَعْبَةُ. حَكَاهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَتَأَيَّدُ بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: إِلَّا الْكَعْبَةَ. وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الَّذِي عِنْدَ النَّسَائِيِّ: إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ، حَتَّى وَلَوْ سَقَطَتْ لَفْظَةُ مَسْجِدٍ لَكَانَتْ مُرَادَةً، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذَا الْفَضْلُ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ أَوْ فِي الْحَرَمِ؟ قَالَ: بَلْ فِي الْحَرَمِ، لِأَنَّهُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ.

قَوْلُهُ: (وَمَسْجِدُ الرَّسُولِ) أَيْ مُحَمَّدٌ ، وَفِي الْعُدُولِ عَنْ مَسْجِدِي إِشَارَةٌ إِلَى التَّعْظِيمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي قَرِيبًا: وَمَسْجِدِي.

قَوْلُهُ: (وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى) أَيْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ، وَقَدْ جَوَّزَهُ الْكُوفِيُّونَ، وَاسْتَشْهَدُوا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ وَالْبَصْرِيُّونَ يُؤَوِّلُونَهُ بِإِضْمَارِ الْمَكَانِ، أَيِ الَّذِي بِجَانِبِ الْمَكَانِ الْغَرْبِيِّ، وَمَسْجِدِ الْمَكَانِ الْأَقْصَى، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَسُمِّيَ الْأَقْصَى لِبُعْدِهِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْمَسَافَةِ، وَقِيلَ: فِي الزَّمَانِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ بَيْنَهُمَا أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَسَيَأْتِي فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَبَيَانُ مَا فِيهِ مِنَ الْإِشْكَالِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ الْأَقْصَى لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ وَرَاءَهُ مَسْجِدٌ، وَقِيلَ: لِبُعْدِهِ عَنِ الْأَقْذَارِ وَالْخَبَثِ، وَقِيلَ: هُوَ أَقْصَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، لِأَنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ مَكَّةَ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ أَبْعَدُ مِنْهُ. وَلِبَيْتِ الْمَقْدِسِ عِدَّةُ أَسْمَاءَ تَقْرُبُ مِنَ الْعِشْرِينَ مِنْهَا: إِيلِيَاءُ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ، وَبِحَذْفِ الْيَاءِ الْأُولَى، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِدْخَالُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلَى هَذَا الثَّالِثِ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ بِسُكُونِ الْقَافِ وَبِفَتْحِهَا مَعَ التَّشْدِيدِ، وَالْقُدْسُ بِغَيْرِ مِيمٍ مَعَ ضَمِّ الْقَافِ، وَسُكُونِ الدَّالِ، وَبِضَمِّهَا أَيْضًا، وَشَلَّمُ بِالْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَبِالْمُهْمَلَةِ، وَشَلَامُ بِمُعْجَمَةٍ، وَسَلِمُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْخَفِيفَةِ، وَأُورِي سَلِمَ بِسُكُونِ الْوَاوِ، وَبكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، قَالَ الْأَعْشَى:

وَقَدْ طُفْتُ لِلْمَالِ آفَاقَهُ … دِمَشْقَ فَحِمْصَ فَأُورِي سَلِمَ

وَمِنْ أَسْمَائِهِ: كُورَةُ، وَبَيْتُ إيلٍ، وَصِهْيُونُ، وَمِصْرُوثُ آخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ وَكُورْشِيلَا وَبَابُوسُ بِمُوَحَّدَتَيْنِ وَمُعْجَمَةُ، وَقَدْ تَتَبَّعَ أَكْثَرُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْحُسَيْنُ بْنُ خَالَوَيْهِ اللُّغَوِيُّ فِي كِتَابِ لَيْسَ، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ وَمَزِيَّتُهَا عَلَى غَيْرِهَا لِكَوْنِهَا مَسَاجِدَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ قِبْلَةُ النَّاسِ وَإِلَيْهِ حَجُّهُمْ، وَالثَّانِي كَانَ قِبْلَةَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَالثَّالِثَ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى. وَاخْتُلِفَ فِي شَدِّ الرِّحَالِ إِلَى غَيْرِهَا، كَالذَّهَابِ إِلَى زِيَارَةِ الصَّالِحِينَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَإِلَى الْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ لِقَصْدِ التَّبَرُّكِ بِهَا وَالصَّلَاةِ فِيهَا، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: يَحْرُمُ شَدُّ الرِّحَالِ إِلَى غَيْرِهَا عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَشَارَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إِلَى اخْتِيَارِهِ، وَبِهِ قَالَ عِيَاضٌ وَطَائِفَةٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ إِنْكَارِ بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ خُرُوجَهُ إِلَى الطُّورِ، وَقَالَ لَهُ: لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مَا خَرَجْتُ. وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى حَمْلَ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ، وَوَافَقَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ؛ مِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْفَضِيلَةَ التَّامَّةَ إِنَّمَا هِيَ فِي شَدِّ الرِّحَالِ إِلَى هَذِهِ الْمَسَاجِدِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا، فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ - سَيَأْتِي ذِكْرُهَا - بِلَفْظِ: لَا يَنْبَغِي لِلْمَطِيِّ أَنْ تَعْمَلَ.

وَهُوَ لَفْظٌ ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ التَّحْرِيمِ (١) وَمِنْهَا أَنَّ النَّهْيَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ نَذَرَ عَلَى نَفْسِهِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ مِنْ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: اللَّفْظُ لَفْظُ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ الْإِيجَابُ فِيمَا يَنْذِرُهُ الْإِنْسَانُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْبِقَاعِ الَّتِي يُتَبَرَّكُ بِهَا، أَيْ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ حُكْمُ الْمَسَاجِدِ فَقَطْ، وَأَنَّهُ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ غَيْرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَأَمَّا قَصْدُ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ لِزِيَارَةِ صَالِحٍ، أَوْ قَرِيبٍ، أَوْ صَاحِبٍ، أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ، أَوْ تِجَارَةٍ، أَوْ نُزْهَةٍ فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ وَذُكِرَتْ عِنْدَهُ الصَّلَاةُ فِي الطُّورِ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَشُدَّ رِحَالَهُ إِلَى مَسْجِدٍ تُبْتَغَى فِيهِ الصَّلَاةُ غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي. وَشَهْرٌ حَسَنُ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَعْضُ الضَّعْفِ.

وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ قَصْدُهَا بِالِاعْتِكَافِ فِيمَا حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ، عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، أَنَّهُ قَالَ: لَا يُعْتَكَفُ فِي غَيْرِهَا، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَمْ أَرَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ إِتْيَانَ أَحَدِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْبُوَيْطِيُّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ مُطْلَقًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: يَجِبُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِتَعَلُّقِ النُّسُكِ بِهِ بِخِلَافِ الْمَسْجِدَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُورُ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يَجِبُ إِلَى الْحَرَمَيْنِ، وَأَمَّا الْأَقْصَى فَلَا، وَاسْتَأْنَسَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ : إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: صَلِّ هَاهُنَا. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْحُجَّةُ عَلَى الشَّافِعِيِّ أَنَّ إعْمَالَ الْمَطِيِّ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَالصَّلَاةِ فِيهِمَا قُرْبَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يُلْزَمَ بِالنَّذْرِ كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. انْتَهَى.

وَفِيمَا يَلْزَمُ مَنْ نَذَرَ إِتْيَانَ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ، مَحَلُّهُ كُتُبُ الْفُرُوعِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ إِتْيَانَ غَيْرِ هَذِهِ

الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لِصَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُهَا، لِأَنَّهَا لَا فَضْلَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، فَتَكْفِي صَلَاتُهُ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ كَانَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ اللَّيْثِ أَنَّهُ قَالَ: يَجِبُ الْوَفَاءُ بهِ، وَعَنِ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَةً: يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ، وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ رِوَايَةً: إِنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ بِهِ كَرِبَاطٍ لَزِمَ، وَإِلَّا فَلَا، وَذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْمَالِكِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ كَمَا سَيَأْتِي، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَقَعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي عَصْرِنَا فِي الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ مُنَاظَرَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَصُنِّفَ فِيهَا رَسَائِلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، قُلْتُ: يُشِيرُ إِلَى مَا رَدَّ بِهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَةَ، وَمَا انْتَصَرَ بِهِ الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الْهَادِي وَغَيْرُهُ لِابْنِ تَيْمِيَةَ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ فِي بِلَادِنَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمُ أَلْزَمُوا ابْنَ تَيْمِيَةَ بِتَحْرِيمِ شَدِّ الرَّحْلِ (١) إِلَى زِيَارَةِ قَبْرِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ، وَأَنْكَرْنَا صُورَةَ ذَلِكَ، وَفِي شَرْحِ ذَلِكَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ طُولٌ، وَهِيَ مِنْ أَبْشَعِ الْمَسَائِلِ الْمَنْقُولَةِ عَنِ ابْنِ تَيْمِيَةَ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى دَفْعِ مَا ادَّعَاهُ غَيْرُهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَقُولَ: زُرْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ ، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِأَنَّهُ كَرِهَ اللَّفْظَ أَدَبًا لَا أَصْلَ الزِّيَارَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ وَأَجَلِّ الْقُرُبَاتِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى ذِي الْجَلَالِ، وَأنَّ مَشْرُوعِيَّتَهَا مَحَلُّ إِجْمَاعٍ بِلَا نِزَاعٍ، وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ.

قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: قَوْلُهُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَحْذُوفٌ، فَإِمَّا أَنْ يُقَدِّرَ عَامًّا فَيَصِيرَ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى مَكَانٍ فِي أَيِّ أَمْرٍ كَانَ إِلَّا إِلَى الثَّلَاثَةِ، أَوْ أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ. لَا سَبِيلَ إِلَى الْأَوَّلِ لِإِفْضَائِهِ إِلَى سَدِّ بَابِ السَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهَا، فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدَّرَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مُنَاسَبَةً، وَهُوَ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى مَسْجِدٍ لِلصَّلَاةِ فِيهِ إِلَّا إِلَى الثَّلَاثَةِ، فَيَبْطُلُ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ مَنَعَ شَدَّ الرِّحَالِ إِلَى زِيَارَةِ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ وَغَيْرِهِ مِنْ قُبُورِ الصَّالِحِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ: لَيْسَ فِي الْأَرْضِ بُقْعَةٌ لَهَا فَضْلٌ لِذَاتِهَا حَتَّى تُشَدَّ الرِّحَالُ إِلَيْهَا غَيْرَ الْبِلَادِ الثَّلَاثَةِ، وَمُرَادِي بِالْفَضْلِ مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنَ الْبِلَادِ فَلَا تُشَدُّ إِلَيْهَا لِذَاتِهَا، بَلْ لِزِيَارَةٍ أَوْ جِهَادٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنْدُوبَاتِ أَوِ الْمُبَاحَاتِ، قَالَ: وَقَدِ الْتَبَسَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِهِمْ، فَزَعَمَ أَنَّ شَدَّ الرِّحَالِ إِلَى الزِّيَارَةِ لِمَنْ فِي غَيْرِ الثَّلَاثَةِ دَاخِلٌ فِي الْمَنْعِ، وَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالِ إِلَى مَسْجِدٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ، أَوْ إِلَى مَكَانٍ مِنَ الْأَمْكِنَةِ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ إِلَّا إِلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَشَدُّ الرِّحَالِ إِلَى زِيَارَةٍ أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ لَيْسَ إِلَى الْمَكَانِ بَلْ إِلَى مَنْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ) بِالْمُوَحَّدَةِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ، وَالْأَغَرُّ هُوَ سَلْمَانُ شَيْخُ الزُّهْرِيِّ الْمُتَقَدِّمُ.

قَوْلُهُ: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا) قَالَ النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ الْمُصَلِّي عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِهِ دُونَ مَا زِيدَ فِيهِ بَعْدَهُ، لِأَنَّ التَّضْعِيفَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي مَسْجِدِهِ، وَقَدْ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ هَذَا، بِخِلَافِ مَسْجِدِ مَكَّةَ، فَإِنَّهُ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَكَّةَ،

بَلْ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الْحَرَمِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: يَجُوزُ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ، فَإِنَّهُ مُسَاوٍ لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، أوْ فَاضِلًا، أَوْ مَفْضُولًا. وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَاضِلًا أَوْ مَفْضُولًا لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ ذَلِكَ إِلَّا بِدَلِيلٍ، بِخِلَافِ الْمُسَاوَاةِ. انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى دَلِيلِ الثَّانِي، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنَ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي هَذَا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: وَصَلَاةٌ فِي ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَمَنْ رَفَعَهُ أَحْفَظُ وَأَثْبَتُ، وَمَثَلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ.

وَفِي ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنَ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ. فَعَلَى الْأَوَّلِ مَعْنَاهُ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، وَعَلَى الثَّانِي مَعْنَاهُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ، لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ فِي ذَلِكَ عَنْهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عَطَاءٍ فِي ذَلِكَ عَنْهُمَا، وَعَلَى ذَلِكَ يَحْمِلُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عَطَاءً إِمَامٌ وَاسِعُ الرِّوَايَةِ مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَرَوَى الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رَفَعَهُ: الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَالصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِي بِأَلْفِ صَلَاةٍ، وَالصَّلَاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ. قَالَ الْبَزَّارُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. فَوَضَّحَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِثْنَاءِ تَفْضِيلُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى تَأْوِيلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ وَغَيْرِهِ، وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعٍ عَنْ تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: مَعْنَاهُ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ بِدُونِ أَلْفِ صَلَاةٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَفْظُ دُونِ يَشْمَلُ الْوَاحِدَ، فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَفْضَلَ مِنَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ بِتِسْعِمِائَةٍ وَتِسْعٍ وَتِسْعِينَ صَلَاةً، وَحَسْبُكَ بِقَوْلٍ يُئَوَّلُ إِلَى هَذَا ضَعْفًا.

قَالَ: وَزَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ بِمِائَةِ صَلَاةٍ، وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَحْفُوظَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ: صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا مَسْجِدَ الرَّسُولِ، فَإِنَّمَا فَضَّلَهُ عَلَيْهِ بِمِائَةِ صَلَاةٍ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَتِيقٍ، وَعَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا سَمِعَاهُ يَقُولُ: صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِيهِ. وَيُشِيرُ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ.

وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى الْجُهَنِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا، وَلَفْظُهُ كَلَفْظِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي آخِرِهِ: إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ بِمِائَةِ صَلَاةٍ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَفْضِيلِ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ لِأَنَّ الْأَمْكِنَةَ تُشَرَّفُ بِفَضْلِ الْعِبَادَةِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا مِمَّا تَكُونُ الْعِبَادَةُ فِيهِ مَرْجُوحَةً، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَمُطَرِّفٌ، وَابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ تَفْضِيلُ الْمَدِينَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ : مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ مَعَ قَوْلِهِ: مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِالْخَبَرِ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ فِيهِ، وَلَا يُقَاوِمُ النَّصُّ الْوَارِدُ فِي فَضْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَاقِفًا عَلَى الْحَزْوَرَةِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ. وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

((٢٠)) (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا ثبتت البسملة في نسخة الصَّغانيِّ (١)، وهي لأبي ذَرٍّ في «اليونينيَّة» ممَّا صُحِّحَ عليه.

(١) (باب فَضْلِ الصَّلَاةِ) مطلقًا، أو المكتوبة فقط (فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَ) مسجد (المَدِينَةِ).

١١٨٨ - ١١٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن الحارث بن سَخْبَرة -بفتح المهملة وسكون المعجمة وفتح الموحَّدة- الأزديُّ النَّمَريُّ -بفتح النُّون والميم- الحوضيُّ البصريُّ، المتوفَّى سنة خمسٍ وعشرين ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج الواسطيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ المَلِكِ) زاد أبو ذرٍّ والأَصيليِّ: «ابن عميرٍ» بالتَّصغير، القبطيُّ كان له فرسٌ سابقٌ، يُعرَف بالقبطي، فَنُسِبَ إليه: الفرسي، ويقال له: القبطيُّ، ومن لا يدري: القرشي، وليس كذلك، قاضي الكوفة بعد الشَّعبيِّ، المتوفَّى سنة ستٍّ وثلاثين ومئةٍ، وله مئة سنةٍ وثلاث سنين (عَنْ قَزَعَةَ) بالقاف والزَّاي والعين المفتوحات، وقد تسكن الزَّاي، ابن

يحيى، ويقال: ابن الأسود البصريِّ، مولى زيادٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الأنصاريّ الخدريّ () قال (١): (أَرْبَعًا) هي الآتية قريبًا في «باب مسجد بيت المقدس» [خ¦١١٩٧] كما قاله ابن رُشَيدٍ، وهي: «لا تسافر المرأة يومين إلَّا و (٢) معها زوجها أو ذو مَحْرَمٍ، ولا صومَ في يومين: الفطر والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتَين: بعد الصُّبح حتَّى تطلع الشَّمس، وبعد العصر حتَّى تغرب، ولا تُشدُّ الرِّحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد» (٣) (قَالَ: سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ) قال قَزَعَة: (وَكَانَ) أبو سعيدٍ (غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً) كذا اقتصر المؤلِّف على هذا القدر لقصد الإغماض؛ لينبِّه غير الحافظ على فائدة الحفظ، كما نبَّه عليه ابن رُشَيدٍ.

وفي هذا السَّند التَّحديث، والإخبار، والإفراد (٤)، والسَّماع، والقول، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرج حديثه المؤلِّف في «الصَّلاة ببيت المقدس» [خ¦١١٩٧] و «الحجِّ» [خ¦١٨٦٤] و «الصَّوم» [خ¦١٩٩٢]، ومسلمٌ في «المناسك»، والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ في «الصَّوم»، وابن ماجه فيه وفي «الصَّلاة».

(ح) للتحويل من سَنَدٍ إلى آخر كما مرَّ. قال المؤلِّف: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «وحدَّثنا» (عَلِيٌّ) هو ابن المدينيِّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهابٍ (عَنْ سَعِيدٍ) بكسر العين، هو ابن المسيَّب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) وليس هذان السَّندان للمتن التَّالي؛ لأنَّ حديث أبي سعيدٍ اشتمل على أربعة أشياء كما مرَّ، ومتن أبي هريرة هذا اقتصر على شدِّ الرِّحال فقط، حيث روى (عَنِ (٥) النَّبِيِّ قَالَ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وفتح المعجمة، والرِّحال -بالمهملة- جمع: رَحْلٍ للبعير، كالسَّرج للفرس، وهو أصغر من القتب، وشدُّه كنايةٌ عن السَّفر؛ لأنَّه لازم له، والتَّعبير بشدِّها خرج مخرج الغالب في ركوبها للمسافر، فلا فرق بين ركوب الرَّواحل وغيرها، والمشي في هذا

المعنى، ويدلُّ لذلك قوله في بعض طرقه: «إنَّما يسافر … » أخرجه مسلمٌ، والنَّفي هنا بمعنى النَّهي، أي: لا تُشَدُّ الرِّحال إلى مسجدٍ للصَّلاة فيه (إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدُِ الحَرَامِ) بمكَّة، بخفض دال «المسجدِ» بدلٌ من «ثلاثة»، أو بالرَّفع خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي المسجد الحرام، والتَّاليان عطفٌ عليه، والمراد هنا بـ «المسجد الحرام»: أرضُ الحرم كلّها، قيل لعطاء فيما رواه الطَّيالسيُّ: هذا الفضل في المسجد وحده أو في الحرم؟ قال: بل في الحرم؛ لأنَّه كلُّه مسجدٌ (وَمَسْجِدُِ الرَّسُولِ) محمَّدٍ () بطَيْبَة، عبَّر به دون: مسجدي؛ للتَّعظيم، أو هو من تصرُّف الرُّواة، وروى أحمد بإسنادٍ رواتُه رواة الصَّحيح (١) من حديث أنسٍ رفعه: «مَن صلَّى في مسجدي أربعين صلاةً لا تفوته صلاةٌ كُتِبَ (٢) له براءةٌ من النَّار، وبراءةٌ من العذاب، وبراءةٌ من النِّفاق» (وَمَسْجِدِ الأَقْصَى) بيت (٣) المقدس، وهو من إضافة الموصوف إلى الصِّفة عند الكوفيِّين، والبصريُّون يؤوِّلونه بإضمار المكان، أي: ومسجد المكان الأقصى، وسُمِّي به لبعده عن مسجد مكَّة في المسافة، أو لأنَّه لم يكن وراءه مسجدٌ، وقد بَطَلَ بما مرَّ من التَّقدير -بـ: لا تُشَدُّ الرِّحال إلى مسجدٍ للصَّلاة فيه، المعتضدِ بحديث أبي سعيدٍ المرويِّ في «مسند أحمد» بإسنادٍ حسنٍ مرفوعًا: «لا ينبغي للمطيِّ (٤) أن تُشدَّ رحاله إلى مسجدٍ تُبتَغى (٥) فيه الصَّلاة غير المسجد الحرام، والأقصى، ومسجدي هذا» - قولُ ابنِ تيمية، حيث مَنَعَ من زيارةِ قبر (٦) النَّبيِّ ، وهو من أبشع (٧) المسائل المنقولة عنه، وقد أجاب عنه المحقِّقون من أصحابه أنَّه كَرِه اللَّفظ أدبًا، لا أصل الزِّيارة، فإنَّها من أفضل الأعمال،

وأجلِّ القُرَب (١) الموصلة إلى ذي الجلال، وأنَّ مشروعيَّتها محلُّ إجماعٍ بلا نزاعٍ. انتهى. فشدُّ الرِّحال (٢) للزِّيارة أو نحوها؛ كطلب علمٍ ليس إلى المكان، بل إلى مَن فيه، وقد التبس ذلك على بعضهم، كما قاله المحقِّق التَّقيُّ السبكيُّ، فزعم أنَّ شدَّ الرِّحال (٣) إلى الزِّيارة في غير الثَّلاثة داخلٌ في المنع، وهو خطأٌ؛ لأنَّ الاستثناء -كما مرَّ- إنَّما يكون من جنس المستثنى منه؛ كما إذا قلت: ما رأيت إلَّا زيدًا، كان تقديره: ما رأيت رجلًا واحدًا إلَّا زيدًا، لا ما رأيت شيئًا أو حيوانًا إلَّا زيدًا، وقد استدلَّ بالحديث: على أنَّ من نذر إتيان أحد هذه المساجد لزمه ذلك، وبه قال مالكٌ وأحمد والشَّافعيُّ في «البويطيِّ»، واختاره أبو إسحاق المروزيُّ، وقال أبو حنيفة: لا يجب مطلقًا، وقال الشَّافعيُّ في «الأمِّ»: يجب في المسجد الحرام لتعلُّق النُّسُكِ به، بخلاف المسجدين الآخرين (٤)، وهذا هو المنصوص لأصحابه، واستدلَّ به أيضًا: على أنَّ من نذر إتيان غير هذه الثَّلاثة لصلاةٍ أو غيرها لا يلزمه؛ لأنَّه لا فضل لبعضها على بعضٍ، فتكفي صلاته في أيِّ مسجدٍ كان، قال النَّوويُّ: لا اختلاف (٥) فيه إلَّا ما رُوِيَ عن اللَّيث أنَّه قال: يجب الوفاء به، وعن الحنابلة روايةٌ: أنَّه يلزمه كفَّارة يمينٍ، ولا ينعقد نذره، وعن المالكيَّة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر