الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٥
الحديث رقم ١٢٥ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ
١٢٥ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ؛ لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ. فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ فَقَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ الْجَمْرَةِ وَهُوَ يُسْأَلُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ. ارْمِ وَلَا حَرَجَ، قَالَ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ قَالَ: انْحَرْ وَلَا حَرَجَ، فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ، إِلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ السُّؤَالِ وَالْفُتْيَا عِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ) مُرَادُهُ: أَنَّ اشْتِغَالَ الْعَالِمِ بِالطَّاعَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ سُؤَالِهِ عَنِ الْعِلْمِ، مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا فِيهَا، إِنَّ الْكَلَامَ فِي الرَّمْيِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَنَاسِكِ جَائِزٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ الْفُتْيَا عَلَى الدَّابَّةِ، وَأُخِّرَ الْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ إِلَى الْحَجِّ. وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَبِشِينٍ مُعْجَمَةٍ. وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ عَلَى التَّرْجَمَةِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ وَقَعَتْ فِي حَالِ الرَّمْيِ، بَلْ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ وَاقِفًا عِنْدَهَا فَقَطْ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ كَثِيرًا مَا يَتَمَسَّكُ بِالْعُمُومِ، فَوُقُوعُ السُّؤَالِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ اشْتِغَالِهِ بِالرَّمْيِ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ. وَاسْتَدَلَّ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِالْخَبَرِ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ قَائِمٌ مَقَامَ اللَّفْظِ، أَيْ: بِأَيِّ صِيغَةٍ وَرَدَ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ إِرَادَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْهَمُوا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ لَمَا احْتَاجُوا إِلَى السُّؤَالِ عَنْ حُكْمِ تَقْدِيمِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي، إِذَا وَرَدَ الْأَمْرُ لِشَيْئَيْنِ مَعْطُوفًا بِالْوَاوِ، فَيُقَالُ: الْأَصْلُ الْعَمَلُ بِتَقْدِيمِ مَا قُدِّمَ وَتَأْخِيرُ مَا أُخِّرَ، حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى التَّسْوِيَةِ، وَلِمَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ التَّرْتِيبِ أَصْلًا أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذَا الْخَبَرِ يَقُولُ (١) حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ. وَاعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا عَلَى التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِ الْمَكَانِ الَّذِي وَقَعَ السُّؤَالُ فِيهِ حَتَّى يُفْرَدَ بِبَابٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ اعْتِبَارِ مِثْلِ ذَلِكَ فَلْيُتَرْجَمْ بِبَابِ السُّؤَالِ وَالْمَسْئُولِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَبِبَابِ السُّؤَالِ يَوْمَ النَّحْرِ. قُلْتُ: أَمَّا نَفْيُ الْفَائِدَةِ فَتَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ، وَيُرَادُ أَنَّ سُؤَالَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْحُكْمَ عَنْهُ فِي مَوْضِعِ فِعْلِهِ حَسَنٌ بَلْ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ صِحَّةَ الْعَمَلِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّتِهِ، وَأَنَّ سُؤَالَ الْعَالِمِ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ السَّائِلُ لَا نَقْصَ فِيهِ عَلَى الْعَالِمِ إِذَا أَجَابَ وَلَا لَوْمَ عَلَى السَّائِلِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَيْضًا دَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ فِي الِاشْتِغَالِ بِالسُّؤَالِ وَالْجَوَابِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ تَضْيِيقًا عَلَى الرَّامِينَ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنَ الْمَنْعِ مَا إِذَا كَانَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ. وَأَمَّا إِلْزَامُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ تَرْجَمَ لِلْأَوَّلِ فِيمَا مَضَى بَابَ الْفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُقَابِلَ الْمَكَانَ بِالزَّمَانِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الْعِلْمِ لَا يَتَقَيَّدُ بِيَوْمٍ دُونَ يَوْمٍ، لَكِنْ قَدْ يَتَخَيَّلُ مُتَخَيِّلٌ مِنْ كَوْنِ يَوْمِ الْعِيدِ يَوْمَ لَهْوٍ امْتِنَاعَ السُّؤَالِ عَنِ الْعِلْمِ فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤٧ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾
١٢٥ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنْ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الجمرة قرينة أنَّه كان يرمي، أو في الذِّكر المقول عندها، والله أعلم (١).
(٤٧) هذا (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]) وسقط لفظ «بابٍ» للأَصيليِّ.
١٢٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف رحمه الله تعالى قال: (حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ) هو ابن القعقاع الدَّارميُّ، المُتوفَّى سنة سبعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ) زاد في رواية ابن عساكر: «بن مهران» (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ (قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَرِبِ المَدِينَةِ) بفتح الخاء المُعجَمَة وكسر الرَّاء آخره مُوحَّدةٌ، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: بكسرٍ ثمَّ فتحٍ، جمع خربةٍ، وكلاهما في فرع «اليونينيَّة» كهي (٢)، بل الأوَّل في أصله، والثَّاني في هامشه، مرقومٌ عليه علامة أبي ذَرٍّ والكُشْمِيْهَنِيِّ، وعزا العينيُّ الأوَّل لضبط بعضهم أخذًا عن بعض
الشَّارحين، وردَّه بأنَّه ليس بجمع خربةٍ -كما زعموا-، وإنَّما جمع خَرِبَةٍ خَرِبٌ كَكَلِمَةٍ وكَلِمٍ، كما ذكره الصَّغانيُّ، وعند المؤلِّف في موضع آخر [خ¦٤٧٢١] بالحاء المُهمَلَة المفتوحة وإسكان الرَّاء وبالمُثلَّثة آخره (وَهُوَ) ﷺ (يَتَوَكَّأُ) جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، أي: يعتمد (عَلَى عَسِيبٍ) بفتح الأوَّل وكسر الثَّاني المُهمَلَتين وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره مُوحَّدةٌ، أي: عصًا من جريد النَّخل (مَعَهُ) صفةٌ لـ «عسيبٍ» (فَمَرَّ بِنَفَرٍ) بفتح الفاء: عدَّة رجالٍ من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ (مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ) أي: النَّبيَّ ﷺ (عَنِ الرُّوحِ، وَقَالَ) وفي رواية أبي الوقت: «فقال» (بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ (١) تَكْرَهُونَهُ) برفع «يجيءُ» على الاستئناف، وهو الذي في الفرع كأصله (٢) فقط، والمعنى: لا يجيء فيه بشيءٍ تكرهونه، وبجزمه على جواب النَّهي، قال ابن حجرٍ: وهو الذي في روايتنا، والمعنى لا تسألوه لا يجيء بمكروهٍ، وبنصبه على معنى: لا تسألوه خشية أن يجيء (٣) فيه بشيءٍ، و «لا»: زائدةٌ، وهو ماشٍ على مذهب الكوفيِّين (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) لبعضٍ: والله (لَنَسْأَلَنَّهُ) عنها (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟) وسؤالهم بقولهم: ما الرُّوح؟ مشكلٌ إذ لا يعلم مُرَادهم؛ لأنَّ الرُّوح جاء في التَّنزيل على معانٍ، منها: القرآن، وجبريل، أو مَلَكٌ غيره، وعيسى، لكنِ الأكثرون على أنَّهم سألوه عن حقيقة الرُّوح الذي في الحيوان، ورُوِي: «أنَّ اليهود قالوا لقريشٍ:
إن فسَّر الرُّوح فليس بنبيٍّ» ولذا قال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء بشيءٍ تكرهونه، أي: إن لم يفسِّره؛ لأنَّه يدلُّ على نبوَّته وهم يكرهونها (فَسَكَتَ) رسول الله ﷺ لمَّا سألوه، قال ابن مسعودٍ: (فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ) حتَّى لا أكون مشوِّشًا عليه، أو فقمت حائلًا بينه وبينهم (فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ) أي: انكشف عنه ﵊ الكرب الذي كان يتغشَّاه حال الوحي (فقَالَ) وفي رواية الأربعة: «قال»: ((وَيَسْأَلُونَكَ) بإثبات الواو كالتنزيل، وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «يسألونك» (عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) أي: من الإبداعيَّات الكائنة بـ «كُنْ» من غير مادَّةٍ وتولُّدٍ من أصلٍ، واقتصر على هذا الجواب، كما اقتصر موسى ﵇ في جواب: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] بذكر بعض صفاته، إذِ الرُّوح لدقَّته لا يمكن معرفة ذاته إلَّا بعوارض تميِّزه عمَّا يلتبس، فلذلك اقتصر على هذا الجواب، ولم يبيِّن الماهيَّة لكونها ممَّا استأثر الله بعلمها، ولأنَّ في عدم بيانها تصديقًا لنبوَّة نبيِّنا ﷺ، وقد كثر اختلاف العلماء والحكماء قديمًا وحديثًا في الرُّوح، وأطلقوا أعنَّة النَّظر في شرحه، وخاضوا في غمرات ماهيَّته، والذي اعتمد عليه عامَّة المتكلِّمين من أهل السُّنَّة: أنَّه جسمٌ لطيفٌ في البدن، سارٍ فيه سريان ماء الورد فيه، وعن الأشعريِّ: النَّفس الدَّاخل الخارج (وَمَا أُوتُوا) بصيغة الغائب في أكثر نسخ «الصَّحيحين» (مِنَ العِلْمِ إِلَّا) علمًا، أو إيتاءً ((قَلِيلًا) [الإسراء: ٨٥]) أو إلَّا قليلًا منكم، أي: بالنِّسبة إلى معلومات الله تعالى التي لا نهاية لها (قَالَ الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران: (هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا) وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي: «هكذا هي في قِرَاءَتِنَا» أي: أُوتوا بصيغة الغائب، قال ابن حجرٍ: وقد أغفلها أبو عبيدٍ في «كتاب القراءات» له من قراءة الأعمش. انتهى. وليست في طرق مجموعي:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ الْجَمْرَةِ وَهُوَ يُسْأَلُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ. ارْمِ وَلَا حَرَجَ، قَالَ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ قَالَ: انْحَرْ وَلَا حَرَجَ، فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ، إِلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ السُّؤَالِ وَالْفُتْيَا عِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ) مُرَادُهُ: أَنَّ اشْتِغَالَ الْعَالِمِ بِالطَّاعَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ سُؤَالِهِ عَنِ الْعِلْمِ، مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا فِيهَا، إِنَّ الْكَلَامَ فِي الرَّمْيِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَنَاسِكِ جَائِزٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ الْفُتْيَا عَلَى الدَّابَّةِ، وَأُخِّرَ الْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ إِلَى الْحَجِّ. وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَبِشِينٍ مُعْجَمَةٍ. وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ عَلَى التَّرْجَمَةِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ وَقَعَتْ فِي حَالِ الرَّمْيِ، بَلْ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ وَاقِفًا عِنْدَهَا فَقَطْ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ كَثِيرًا مَا يَتَمَسَّكُ بِالْعُمُومِ، فَوُقُوعُ السُّؤَالِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ اشْتِغَالِهِ بِالرَّمْيِ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ. وَاسْتَدَلَّ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِالْخَبَرِ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ قَائِمٌ مَقَامَ اللَّفْظِ، أَيْ: بِأَيِّ صِيغَةٍ وَرَدَ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ إِرَادَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْهَمُوا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ لَمَا احْتَاجُوا إِلَى السُّؤَالِ عَنْ حُكْمِ تَقْدِيمِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي، إِذَا وَرَدَ الْأَمْرُ لِشَيْئَيْنِ مَعْطُوفًا بِالْوَاوِ، فَيُقَالُ: الْأَصْلُ الْعَمَلُ بِتَقْدِيمِ مَا قُدِّمَ وَتَأْخِيرُ مَا أُخِّرَ، حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى التَّسْوِيَةِ، وَلِمَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ التَّرْتِيبِ أَصْلًا أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذَا الْخَبَرِ يَقُولُ (١) حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ. وَاعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا عَلَى التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِ الْمَكَانِ الَّذِي وَقَعَ السُّؤَالُ فِيهِ حَتَّى يُفْرَدَ بِبَابٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ اعْتِبَارِ مِثْلِ ذَلِكَ فَلْيُتَرْجَمْ بِبَابِ السُّؤَالِ وَالْمَسْئُولِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَبِبَابِ السُّؤَالِ يَوْمَ النَّحْرِ. قُلْتُ: أَمَّا نَفْيُ الْفَائِدَةِ فَتَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ، وَيُرَادُ أَنَّ سُؤَالَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْحُكْمَ عَنْهُ فِي مَوْضِعِ فِعْلِهِ حَسَنٌ بَلْ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ صِحَّةَ الْعَمَلِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّتِهِ، وَأَنَّ سُؤَالَ الْعَالِمِ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ السَّائِلُ لَا نَقْصَ فِيهِ عَلَى الْعَالِمِ إِذَا أَجَابَ وَلَا لَوْمَ عَلَى السَّائِلِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَيْضًا دَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ فِي الِاشْتِغَالِ بِالسُّؤَالِ وَالْجَوَابِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ تَضْيِيقًا عَلَى الرَّامِينَ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنَ الْمَنْعِ مَا إِذَا كَانَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ. وَأَمَّا إِلْزَامُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ تَرْجَمَ لِلْأَوَّلِ فِيمَا مَضَى بَابَ الْفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُقَابِلَ الْمَكَانَ بِالزَّمَانِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الْعِلْمِ لَا يَتَقَيَّدُ بِيَوْمٍ دُونَ يَوْمٍ، لَكِنْ قَدْ يَتَخَيَّلُ مُتَخَيِّلٌ مِنْ كَوْنِ يَوْمِ الْعِيدِ يَوْمَ لَهْوٍ امْتِنَاعَ السُّؤَالِ عَنِ الْعِلْمِ فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤٧ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾
١٢٥ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنْ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الجمرة قرينة أنَّه كان يرمي، أو في الذِّكر المقول عندها، والله أعلم (١).
(٤٧) هذا (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]) وسقط لفظ «بابٍ» للأَصيليِّ.
١٢٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف رحمه الله تعالى قال: (حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ) هو ابن القعقاع الدَّارميُّ، المُتوفَّى سنة سبعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ) زاد في رواية ابن عساكر: «بن مهران» (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ (قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَرِبِ المَدِينَةِ) بفتح الخاء المُعجَمَة وكسر الرَّاء آخره مُوحَّدةٌ، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: بكسرٍ ثمَّ فتحٍ، جمع خربةٍ، وكلاهما في فرع «اليونينيَّة» كهي (٢)، بل الأوَّل في أصله، والثَّاني في هامشه، مرقومٌ عليه علامة أبي ذَرٍّ والكُشْمِيْهَنِيِّ، وعزا العينيُّ الأوَّل لضبط بعضهم أخذًا عن بعض
الشَّارحين، وردَّه بأنَّه ليس بجمع خربةٍ -كما زعموا-، وإنَّما جمع خَرِبَةٍ خَرِبٌ كَكَلِمَةٍ وكَلِمٍ، كما ذكره الصَّغانيُّ، وعند المؤلِّف في موضع آخر [خ¦٤٧٢١] بالحاء المُهمَلَة المفتوحة وإسكان الرَّاء وبالمُثلَّثة آخره (وَهُوَ) ﷺ (يَتَوَكَّأُ) جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، أي: يعتمد (عَلَى عَسِيبٍ) بفتح الأوَّل وكسر الثَّاني المُهمَلَتين وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره مُوحَّدةٌ، أي: عصًا من جريد النَّخل (مَعَهُ) صفةٌ لـ «عسيبٍ» (فَمَرَّ بِنَفَرٍ) بفتح الفاء: عدَّة رجالٍ من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ (مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ) أي: النَّبيَّ ﷺ (عَنِ الرُّوحِ، وَقَالَ) وفي رواية أبي الوقت: «فقال» (بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ (١) تَكْرَهُونَهُ) برفع «يجيءُ» على الاستئناف، وهو الذي في الفرع كأصله (٢) فقط، والمعنى: لا يجيء فيه بشيءٍ تكرهونه، وبجزمه على جواب النَّهي، قال ابن حجرٍ: وهو الذي في روايتنا، والمعنى لا تسألوه لا يجيء بمكروهٍ، وبنصبه على معنى: لا تسألوه خشية أن يجيء (٣) فيه بشيءٍ، و «لا»: زائدةٌ، وهو ماشٍ على مذهب الكوفيِّين (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) لبعضٍ: والله (لَنَسْأَلَنَّهُ) عنها (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟) وسؤالهم بقولهم: ما الرُّوح؟ مشكلٌ إذ لا يعلم مُرَادهم؛ لأنَّ الرُّوح جاء في التَّنزيل على معانٍ، منها: القرآن، وجبريل، أو مَلَكٌ غيره، وعيسى، لكنِ الأكثرون على أنَّهم سألوه عن حقيقة الرُّوح الذي في الحيوان، ورُوِي: «أنَّ اليهود قالوا لقريشٍ:
إن فسَّر الرُّوح فليس بنبيٍّ» ولذا قال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء بشيءٍ تكرهونه، أي: إن لم يفسِّره؛ لأنَّه يدلُّ على نبوَّته وهم يكرهونها (فَسَكَتَ) رسول الله ﷺ لمَّا سألوه، قال ابن مسعودٍ: (فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ) حتَّى لا أكون مشوِّشًا عليه، أو فقمت حائلًا بينه وبينهم (فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ) أي: انكشف عنه ﵊ الكرب الذي كان يتغشَّاه حال الوحي (فقَالَ) وفي رواية الأربعة: «قال»: ((وَيَسْأَلُونَكَ) بإثبات الواو كالتنزيل، وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «يسألونك» (عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) أي: من الإبداعيَّات الكائنة بـ «كُنْ» من غير مادَّةٍ وتولُّدٍ من أصلٍ، واقتصر على هذا الجواب، كما اقتصر موسى ﵇ في جواب: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] بذكر بعض صفاته، إذِ الرُّوح لدقَّته لا يمكن معرفة ذاته إلَّا بعوارض تميِّزه عمَّا يلتبس، فلذلك اقتصر على هذا الجواب، ولم يبيِّن الماهيَّة لكونها ممَّا استأثر الله بعلمها، ولأنَّ في عدم بيانها تصديقًا لنبوَّة نبيِّنا ﷺ، وقد كثر اختلاف العلماء والحكماء قديمًا وحديثًا في الرُّوح، وأطلقوا أعنَّة النَّظر في شرحه، وخاضوا في غمرات ماهيَّته، والذي اعتمد عليه عامَّة المتكلِّمين من أهل السُّنَّة: أنَّه جسمٌ لطيفٌ في البدن، سارٍ فيه سريان ماء الورد فيه، وعن الأشعريِّ: النَّفس الدَّاخل الخارج (وَمَا أُوتُوا) بصيغة الغائب في أكثر نسخ «الصَّحيحين» (مِنَ العِلْمِ إِلَّا) علمًا، أو إيتاءً ((قَلِيلًا) [الإسراء: ٨٥]) أو إلَّا قليلًا منكم، أي: بالنِّسبة إلى معلومات الله تعالى التي لا نهاية لها (قَالَ الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران: (هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا) وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي: «هكذا هي في قِرَاءَتِنَا» أي: أُوتوا بصيغة الغائب، قال ابن حجرٍ: وقد أغفلها أبو عبيدٍ في «كتاب القراءات» له من قراءة الأعمش. انتهى. وليست في طرق مجموعي: