الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٧٨
الحديث رقم ١٢٧٨ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب اتباع النساء الجنائز.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ: حَدِّ الْمَرْأَةِ (١) عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا
١٢٧٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ:
تخبر أم عطية الأنصارية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء عن المشي مع الجنائز؛ وذلك لما يُخشى في ذلك من الفتنة لهن وبهن، وقلّة صبرهن، ثم أخبرت رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤكد في المنع كما يفعل في سائر المنهيات.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ قُتَيْبَةُ: هُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. انْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي اللِّبَاسِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الزِّينَةِ عَنْ قُتَيْبَةَ، وَلَمْ يَذْكُرَا عَنْهُ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدِهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَالَ فِيهِ: فَجَاءَ فُلَانٌ، رَجُلٌ سَمَّاهُ يَوْمَئِذٍ. وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الرَّاوِي كَانَ رُبَّمَا سَمَّاهُ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ السَّائِلَ الْمَذْكُورَ أَعْرَابِيٌّ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ زَمْعَةُ ضَعِيفًا لَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَوْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَوْ يُقَالَ تَعَدَّدَتِ الْقِصَّةُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ بُعْدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (مَا أَحْسَنَهَا) بِنَصْبِ النُّونِ، وَمَا لِلتَّعَجُّبِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا دَخَلَ طَوَاهَا، وَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، وَهُوَ لِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِلَفْظِ فَقَالَ: نَعَمْ. فَجَلَسَ مَا شَاءَ اللَّهُ فِي الْمَجْلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ) مَا: نَافِيَةٌ، وَقَدْ وَقَعَتْ تَسْمِيَةُ الْمُعَاتِبِ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ الْمَذْكُورَةِ وَلَفْظُهُ، قَالَ سَهْلٌ: فَقُلْتُ لِلرَّجُلِ: لِمَ سَأَلْتَهُ، وَقَدْ رَأَيْتَ حَاجَتَهُ إِلَيْهَا؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ مَا رَأَيْتُمْ، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أُخَبِّأَهَا حَتَّى أُكَفَّنَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (إِنَّهُ لَا يَرُدُّ) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ: لَا يَرُدُّ سَائِلًا وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ فِي الْبُيُوعِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي غَسَّانَ فِي الْأَدَبِ: لَا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعُهُ.
قَوْلُهُ: (مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبِسَهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي غَسَّانَ: فَقَالَ رَجَوْتُ بَرَكَتَهَا حِينَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ ﷺ. وَأَفَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَةِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُصْنَعَ لَهُ غَيْرُهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ تَفْرُغَ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ حُسْنُ خُلُقِ النَّبِيِّ ﷺ، وَسِعَةُ جُودِهِ، وَقَبُولُهُ الْهَدِيَّةَ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمُهَلَّبُ جَوَازَ تَرْكِ مُكَافَأَةِ الْفَقِيرِ عَلَى هَدِيَّتِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِظَاهِرٍ مِنْهُ، فَإِنَّ الْمُكَافَأَةَ كَانَتْ عَادَةَ النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَمِرَّةً، فَلَا يَلْزَمُ مِنَ السُّكُوتِ عَنْهَا هُنَا أَنْ لَا يَكُونَ فَعَلَهَا، بَلْ لَيْسَ فِي سِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ الْجَزْمُ بِكَوْنِ ذَلِكَ كَانَ هَدِيَّةً فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَرَضَتْهَا عَلَيْهِ لِيَشْتَرِيَهَا مِنْهَا، قَالَ: وَفِيهِ جَوَازُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْقَرَائِنِ وَلَوْ تَجَرَّدَتْ لِقَوْلِهِمْ: فَأَخَذَهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَبَقَ لَهُمْ مِنْهُ قَوْلٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ: وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي الْمَصْنُوعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَانِعِهِ إِذَا كَانَ مَاهِرًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهَا إِزَالَةَ مَا يُخْشَى مِنَ التَّدْلِيسِ. وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِحْسَانِ الْإِنْسَانِ مَا يَرَاهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمَلَابِسِ وَغَيْرِهَا، إِمَّا لِيُعَرِّفَهُ قَدْرَهَا، وَإِمَّا لِيُعَرِّضَ لَهُ بِطَلَبِهِ مِنْهُ حَيْثُ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْإِنْكَارِ عِنْدَ مُخَالَفَةِ الْأَدَبِ ظَاهِرًا، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ الْمُنْكَرُ دَرَجَةَ التَّحْرِيمِ. وَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ (١). وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: فِيهِ جَوَازُ إِعْدَادِ الشَّيْءِ قَبْلَ وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، قَالَ: وَقَدْ حَفَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّالِحِينَ قُبُورَهُمْ قَبْلَ الْمَوْتِ. وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَكَثُرَ فِيهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَنْبَغِي لِمَنِ اسْتَعَدَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَحْصِيلِهِ مِنْ جِهَةٍ يَثِقُ بِحِلِّهَا، أَوْ مِنْ أَثَرِ مَنْ يَعْتَقِدُ فِيهِ الصَّلَاحَ وَالْبَرَكَةَ.
٢٩ - باب اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ
١٢٧٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٢٧٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ) بفتح القاف في الأوَّل وضمِّ العين وإسكان القاف في الثَّاني، السَّوائيُّ العامريُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ خَالِدٍ) ولأبي ذَرٍّ: «عن خالدٍ الحذَّاء» (عَنْ أُمِّ الهُذَيْلِ) بضمِّ الهاء وفتح المعجمة، حفصة بنت سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة (﵂ قَالَتْ) ولأبي ذَرٍّ: «أنها قالت»: (نُهِينَا) بضمِّ النُّون وكسر الهاء، وعند الإسماعيليِّ من رواية يزيد بن أبي حكيمٍ، عن الثَّوريِّ بهذا الإسناد، ورواه ابن شاهين بسندٍ صحيحٍ: نهانا رسول الله ﷺ (عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ) نهي تنزيهٍ لا تحريمٍ، بدليل قولها: (وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا) بضمِّ الياء وفتح الزَّاي مبنيًّا للمفعول، أي: نهيًا غير متحتِّمٍ (١)، فكأنَّها قالت: كره لنا اتِّباع الجنائز من غير تحريمٍ، وهذا قول الجمهور، ورخَّص فيه مالكٌ، وكرهه للشَّابَّة، وقال أبو حنيفة: لا ينبغي، واستدلَّ للجواز بما رواه ابن أبي شيبة من طريق محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان في جنازة، فرأى عمر ﵁ امرأةً، فصاح بها، فقال: «دعها يا عمر … » الحديث، وأخرجه ابن ماجه من هذا الوجه، ومن طريقٍ أخرى برجالٍ ثقاتٍ، وأمَّا ما رواه ابن ماجه أيضًا وغيره ممَّا يدلُّ على التَّحريم فضعيفٌ، ولو صحَّ حمل على ما يتضمَّن حرامًا.
فائدة: روى الطَّبرانيُّ (٢) من طريق إسماعيل بن عبد الرَّحمن بن عطيَّة، عن جدَّته أمِّ عطيَّة، قالت: لمَّا دخل رسول الله ﷺ المدينة جمع النِّساء في بيتٍ، ثمَّ بعث إلينا عمر، فقال: إنِّي رسولُ رسولِ الله ﷺ إليكنَّ، بعثني لأبايعكنَّ على ألَّا تسرقْن (٣)، وفي آخره: وأمَرَنا أن نخرج في العيد العواتقَ، ونهانا أن نخرج في جنازةٍ، قال في «الفتح»: وهذا يدلُّ على أنَّ رواية أمِّ عطيَّة الأولى من مرسل الصَّحابة.
(٣٠) (باب حَدِّ المَرْأَةِ) من مصدر الثُّلاثيِّ، ولأبي ذَرٍّ: «إحداد المرأة» (عَلَى) ميِّتٍ (غَيْرِ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
فيمنعه) ، أَي: يُعْطي، كل من طلب مَا يَطْلُبهُ. قَوْله: (مَا سَأَلته لألبسها) أَي: مَا سَأَلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأجل أَن ألبسها، وَأَن الْمقدرَة مَصْدَرِيَّة. وَفِي رِوَايَة أبي غَسَّان: (فَقَالَ: رَجَوْت بركتها حِين لبسهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . وَفِي رِوَايَة للطبراني عَن زَمعَة بن صَالح أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر أَن يصنع لَهُ غَيرهَا، فَمَاتَ قبل أَن تفرغ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: حسن خلق النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وسعة جوده وقبوله الْهَدِيَّة. قَالَ الْمُهلب: وَفِيه: جَوَاز ترك مُكَافَأَة الْفَقِير على هديته. وَفِيه نظر، لِأَن الْمُكَافَأَة كَانَت عَادَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مستمرة، فَلَا يلْزم من السُّكُوت عَنْهَا هُنَا أَن لَا يكون فعلهَا، على أَنه لَيْسَ فِي الحَدِيث الْجَزْم يكون ذَلِك هَدِيَّة لاحْتِمَال عرضهَا إِيَّاهَا عَلَيْهِ لأجل الشِّرَاء، وَلَئِن سلمنَا أَنَّهَا كَانَت هَدِيَّة فَلَا يلْزم أَن تكون الْمُكَافَأَة على الْفَوْر. قَالَ: وَفِيه: جَوَاز الِاعْتِمَاد على الْقَرَائِن، وَلَو تجردت لقَولهم: (فَأَخذهَا مُحْتَاجا إِلَيْهَا) وَفِيه نظر أَيْضا لاحْتِمَال سبق القَوْل مِنْهُ بذلك كَمَا ذَكرْنَاهُ قَالَ وَفِيه التَّرْغِيب فِي الْمَصْنُوع بِالنِّسْبَةِ إِلَى صانعة إِذا كَانَ ماهراً وَفِيه نظر أَيْضا لاحْتِمَال إرادتها بنسبتها إِلَيْهِ إِزَالَة مَا يخْشَى من التَّدْلِيس. وَفِيه: جَوَاز اسْتِحْسَان الْإِنْسَان مَا يرَاهُ على غَيره من الملابس، إِمَّا ليعرفه قدرهَا، وَإِمَّا ليعرض لَهُ بِطَلَبِهِ مِنْهُ حَيْثُ يسوغ لَهُ ذَلِك. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة الْإِنْكَار عِنْد مُخَالفَة الْأَدَب ظَاهرا، وَإِن لم يبلغ الْمُنكر دَرَجَة التَّحْرِيم. وَفِيه: التَّبَرُّك بآثار الصَّالِحين. وَفِيه: جَوَاز إعداد الشَّيْء قبل وَقت الْحَاجة إِلَيْهِ كَمَا قد ذَكرْنَاهُ. وَفِيه: جَوَاز الْمَسْأَلَة بِالْمَعْرُوفِ. وَفِيه: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يكن يرد سَائِلًا. وَفِيه: بركَة مَا لبسه مِمَّا يَلِي جسده. وَفِيه: قبُول السُّلْطَان الْهَدِيَّة من الْفَقِير. وَفِيه: جَوَاز السُّؤَال من السُّلْطَان. وَفِيه: مَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه يُعْطي حَتَّى لَا يجد شَيْئا فَيدْخل بذلك فِي جملَة المؤثرين على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة.
٩٢ - (بابُ اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الجَنَائِزِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اتِّبَاع النِّسَاء الْجَنَائِز، وَلم يبين كَيْفيَّة الحكم: هَل هُوَ جَائِز أَو غير جَائِز أَو مَكْرُوه؟ لاخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ، لِأَن قَول أم عَطِيَّة يحْتَمل أَن يكون نهي تَحْرِيم، وَيحْتَمل أَن يكون نهي تَنْزِيه، على أَن ظَاهر قَول أم عَطِيَّة: وَلم يعزم علينا، يَقْتَضِي أَن يكون النَّهْي نهي تَنْزِيه، وَقد ورد فِي هَذَا الْبَاب أَحَادِيث تدل على الْجَوَاز، فلأجل هَذَا الِاخْتِلَاف أطلق البُخَارِيّ التَّرْجَمَة وَلم يقيدها بِحكم. وَفِي بعض النّسخ: بَاب اتِّبَاع النِّسَاء الْجِنَازَة.
٨٧٢١ - حدَّثنا قَبِيصَةُ بنُ عُقْبَةَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ خالِدٍ عنْ أُمِّ الهُذَيْلِ عنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ نُهِينَا عنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ ولَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه بَين مَا أبهمه البُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة فِي إِطْلَاق الحكم بِأَنَّهُ مَنْهِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَأم الْهُذيْل هِيَ: حَفْصَة بنت سِيرِين، وَأم عَطِيَّة هِيَ نسيبة. وَقد تقدم كل الروَاة. وَتقدم الحَدِيث أَيْضا فِي: بَاب الطّيب للْمَرْأَة عِنْد غسلهَا من الْمَحِيض، فِي كتاب الْحيض، من طَرِيق أَيُّوب عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة مطولا، وَفِيه: (وَكُنَّا ننهى عَن اتِّبَاع الْجَنَائِز) . وَرَوَاهُ هِشَام بن حسان أَيْضا عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأخرج الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة يزِيد ابْن أبي حَكِيم عَن الثَّوْريّ بِإِسْنَاد هَذَا الْبَاب، وَلَفظه: (نَهَانَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث لَا حجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ لم يسم الناهي فِيهِ؟ قلت: الَّذِي أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ يرد مَا قيل فِيهِ من ذَلِك، وَهَذَا الْبَاب مُخْتَلف فِيهِ، فالجمهور على أَن كل مَا ورد بِهَذِهِ الصِّيغَة حكمه حكم الْمَرْفُوع، وروى الطَّبَرَانِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن بن عَطِيَّة عَن جدته أم عَطِيَّة، قَالَت: (لما دخل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة جمع النِّسَاء فِي بَيت ثمَّ بعث إِلَيْنَا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: إِنِّي رَسُول رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إلَيْكُنَّ، بَعَثَنِي لأبايعكن على أَن لَا تسرقن. .) الحَدِيث، وَفِي آخِره: (وأمرنا أَن نخرج فِي الْعِيد الْعَوَاتِق، ونهانا أَن نخرج فِي جَنَازَة) . وَهَذَا يدل على أَن حَدِيث الْبَاب مُرْسل. قَوْله: (وَلم يعزم علينا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: لم يُوجب وَلم يفْرض أَو لم يشدد وَلم يُؤَكد علينا فِي الْمَنْع، كَمَا أكد علينا فِي غَيره من المنهيات، فَكَانَ الْمَعْنى: أَنَّهَا قَالَت: كره لنا اتِّبَاع الْجَنَائِز من غير تَحْرِيم. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهر الحَدِيث يَقْتَضِي أَن النَّهْي للتنزيه، وَبِه قَالَ جُمْهُور أهل الْعلم، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: روينَا عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عمر
وَعَائِشَة وَأبي أُمَامَة أَنهم كَرهُوا ذَلِك للنِّسَاء، وَكَرِهَهُ أَيْضا إِبْرَاهِيم وَالْحسن ومسروق وَابْن سِيرِين وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ الثَّوْريّ: اتِّبَاع النِّسَاء الْجَنَائِز بِدعَة، وَعَن أبي حنيفَة: لَا يَنْبَغِي ذَلِك للنِّسَاء، وروى إجَازَة ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَالقَاسِم وَسَالم وَالزهْرِيّ وَرَبِيعَة وَأبي الزِّنَاد، وَرخّص فِيهِ مَالك، وَكَرِهَهُ للشابة، وَعند الشَّافِعِي مَكْرُوه، وَلَيْسَ بِحرَام، وَنقل الْعَبدَرِي عَن مَالك: يكره إلَاّ أَن يكون الْمَيِّت وَلَدهَا أَو والدها أَو زَوجهَا، وَكَانَت مِمَّن يخرج مثلهَا لمثله. وَقَالَ ابْن حزم: لَا يمنعن من اتباعها، وآثار النَّهْي عَن ذَلِك لَا تصح لِأَنَّهَا إِمَّا عَن مَجْهُول أَو مُرْسلَة أَو عَمَّن لَا يحْتَج بِهِ، وأشبه شَيْء فِيهِ حَدِيث الْبَاب، وَهُوَ غير مُسْند لأَنا لَا نَدْرِي من هُوَ الناهي، وَلَعَلَّه بعض الصَّحَابَة، ثمَّ لَو صَحَّ مُسْندًا لم يكن فِيهِ حجَّة، بل كَانَ يكون على كَرَاهَة فَقَط، وَقد صَحَّ خِلَافه. روى ابْن أبي شيبَة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ فِي جَنَازَة فَرَأى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، امْرَأَة فصاح بهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: دعها يَا عمر فَإِن الْعين دامعة وَالنَّفس مصابة والعهد قريب) . قلت: أخرج الْحَاكِم هَذَا، وَقَالَ: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَفِيه نظر لِأَن الْبَيْهَقِيّ نَص على انْقِطَاعه، وَفِي سَنَده سَلمَة بن الْأَزْرَق، قَالَ ابْن الْقطَّان: سَلمَة هَذَا لَا يعرف حَاله وَلَا أعرف أحدا من مصنفي الرِّجَال ذكره، وروى الْحَاكِم قَالَ: أخبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الصفار حَدثنَا أَبُو إِسْمَاعِيل مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا سعيد بن أبي مَرْيَم أخبرنَا نَافِع بن يزِيد أَخْبرنِي ربيعَة ابْن سيف حَدثنِي أَبُو عبد الرَّحْمَن الحبلي (عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ: قبرنا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجلا، فَلَمَّا رَجعْنَا وحاذينا بَابه إِذا هُوَ بِامْرَأَة لَا نظنه عرفهَا فَقَالَ: يَا فَاطِمَة! من أَيْن جِئْت؟ قَالَت: جِئْت من أهل الْمَيِّت، رحمت إِلَيْهِم ميتهم وعزيتهم، قَالَ: فلعلك بلغت مَعَهم الكدي؟ قَالَت: معَاذ الله أَن أبلغ مَعَهم الكدى، وَقد سَمِعتك تذكر فِيهِ مَا تذكر. قَالَ: لَو بلغت مَعَهم الكدى مَا رَأَيْت الْجنَّة حَتَّى يرى جد أَبِيك) . والكدى: الْمَقَابِر. قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. قلت: كَيفَ يَقُول على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَرَبِيعَة بن سيف لم يخرج لَهُ أحد مِنْهُمَا؟ وَقَالَ الدَّاودِيّ: قَوْلهَا: (نهينَا عَن اتِّبَاع الْجَنَائِز، أَي: إِلَى أَن نصل إِلَى الْقُبُور) وَقَوْلها: (وَلم يعزم علينا) أَي: لَا نأتي أهل الْمَيِّت فنعزيهم ونترحم على ميتهم من غير أَن نتبع جنَازَته، وَقَالَ بَعضهم: وَفِي أَخذ هَذَا التَّفْصِيل من هَذَا السِّيَاق نظر. قلت: وَفِي نظره نظر، لِأَن الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْحَاكِم عَن عبد الله بن عَمْرو الْمَذْكُور يساعده. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بقولِهَا: (وَلم يعزم علينا) أَي: كَمَا عزم على الرِّجَال بترغيبهم فِي اتباعها بِحُصُول القيراط، وَنَحْو ذَلِك. انْتهى. وَأحسن حالات الْمَرْأَة مَعَ الْجِنَازَة أَنَّهَا لَا تُوجد فِي حُضُورهَا، وَقَالَ الْحَازِمِي: أما بِاتِّبَاع الْجِنَازَة فَلَا رخصَة لَهُنَّ فِيهِ، وَقد رُوِيَ عَن يزِيد بن أبن حبيب أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حضر جَنَازَة رجل فَلَمَّا وضعت ليصلى عَلَيْهَا أبْصر امْرَأَة فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقيل: هِيَ أُخْت الْمَيِّت. فَقَالَ لَهَا: إرجعي فَلم يصل عَلَيْهَا حَتَّى تَوَارَتْ. وَقَالَ لامْرَأَة أُخْرَى: إرجعي وإلَاّ رجعت.
٠٣ - (بابْ حَدِّ المَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إحداد الْمَرْأَة على غير زَوجهَا، والإحداد، بِكَسْر الْهمزَة من: أحدت الْمَرْأَة على زَوجهَا تحد فَهِيَ محدة، إِذا حزنت عَلَيْهِ ولبست ثِيَاب الْحزن وَتركت الزِّينَة، وَكَذَلِكَ حدت الْمَرْأَة من الثلاثي تحد من بَاب: نصر ينصر، وتحد، بِكَسْر الْحَاء من بَاب: ضرب يضْرب، فَهِيَ: حادة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أحدت الْمَرْأَة، أَي: امْتنعت من الزِّينَة والخضاب بعد وَفَاة زَوجهَا، وَكَذَلِكَ حدت حدادا، وَلم يعرف الْأَصْمَعِي إلَاّ: أحدت، فَهِيَ محدة. وَفِي بعض النّسخ: بَاب حداد الْمَرْأَة، بِغَيْر همزَة على لُغَة الثلاثي. وَفِي بَعْضهَا: بَاب حد الْمَرْأَة، من مصدر الثلاثي، وأبيح للْمَرْأَة الْحداد لغير الزَّوْج ثَلَاثَة أَيَّام وَلَيْسَ ذَلِك بِوَاجِب، وَقَالَ ابْن بطال: أجمع الْعلمَاء على أَن من مَاتَ أَبوهَا أَو ابْنهَا وَكَانَت ذَات زوج وطالبها زَوجهَا بِالْجِمَاعِ فِي الثَّلَاثَة الْأَيَّام الَّتِي أُبِيح لَهَا الْإِحْدَاد فِيهَا أَنه يقْضِي لَهُ عَلَيْهَا بِالْجِمَاعِ فِيهَا، وَقَوله: (على غير زَوجهَا) يَشْمَل كل ميت غير الزَّوْج سَوَاء كَانَ قَرِيبا أَو أَجْنَبِيّا، وَأما الْحداد لمَوْت الزَّوْج فَوَاجِب عندنَا، سَوَاء كَانَت حرَّة أَو أمة، وَكَذَلِكَ يجب على الْمُطلقَة طَلَاقا بَائِنا مُطلقًا. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا يجب، وَلَا يجب على ذِمِّيَّة وَلَا صَغِيرَة عندنَا، خلافًا لَهُم. فَإِن قلت: لم يُقيد فِي التَّرْجَمَة بِالْمَوْتِ؟ قلت: قَالَ بَعضهم: لم يُقَيِّدهُ فِي التَّرْجَمَة بِالْمَوْتِ لِأَنَّهُ مُخْتَصّ بِهِ عرفا، وَظَاهر التَّرْجَمَة يُنَافِي مَا قَالَه، فَكَانَ البُخَارِيّ لَا يرى أَنه مُخْتَصّ بِهِ عِنْده، فَترك التَّقْيِيد بِهِ.
٩٧٢١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ قَالَ حَدثنَا سَلَمَةُ بنُ عَلْقَمَةَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ قَالَ تُوُفِّيَ ابنٌ لأِمِّ عَطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فلَمَّا كانَ اليَوْمُ الثالِثُ دَعَتْ بِصُفْرَةٍ فَتَمَسَّحَتْ بِهِ وقالَتْ نُهِينَا أنْ نُحِدَّ أكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إلَاّ بِزَوْجٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن فِيهِ أَن أم عَطِيَّة أحدث لابنها، فَقَوله فِي التَّرْجَمَة: على غير زَوجهَا، يصدق عَلَيْهِ.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: مُسَدّد تكَرر ذكره. الثَّانِي: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الْمفضل بن لَاحق أَبُو إِسْمَاعِيل، مر فِي: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رب مبلغ. الثَّالِث: سَلمَة بن عَلْقَمَة التَّمِيمِي، مر فِي: بَاب من لم يتَشَهَّد فِي سَجْدَتي السَّهْو. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين، تكَرر ذكره.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته بصريون.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يَوْم الثَّالِث) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين من بَاب إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصّفة، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (فِي الْيَوْم الثَّالِث) على الأَصْل. قَوْله: (بصفرة) الصُّفْرَة فِي الأَصْل لون الْأَصْفَر، وَالْمرَاد هَهُنَا نوع من الطّيب فِيهِ صفرَة. قَوْله: (نهينَا) ، وروى عبد الرَّزَّاق عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين بِلَفْظ: (أمرنَا أَن لَا نحد على هَالك فَوق ثَلَاثَة) . وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق قَتَادَة عَن ابْن سِيرِين عَن أم عَطِيَّة. قَالَت: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول ... فَذكر مَعْنَاهُ. قَوْله: (أَن نحد) ، بِضَم النُّون من الْإِحْدَاد، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (إلَاّ بِزَوْج) ، أَي: بِسَبَب زوج، وَهَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (إلَاّ لزوج) بِاللَّامِ، وَوَقع فِي الْعدَد: (إلَاّ على زوج) ، وَالْكل بِمَعْنى التَّسَبُّب.
٠٨٢١ - حدَّثنا الحمَيْدِي قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حَدثنَا أيُّوبُ بنُ مُوسى اقالَ أَخْبرنِي حُمَيْدُ بنُ نافِعٍ عنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أبِي سَلَمَةَ قالَتْ لَمَّا جاءَ نَعْيُ أبي سُفْيَانَ مِنَ الشامِ دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا بِصُفْرَةٍ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ فَمَسَحَتْ عارِضَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا وقالَتْ إنِّي كُنْتُ عنْ هاذَا لَغَنِيَّةً لَوْلَا أنِّي سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ لَا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَاّ عَلَى زَوْجٍ فإنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الْإِحْدَاد على غير الزَّوْج.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: الْحميدِي، بِضَم الْحَاء: عبد الله بن الزبير بن عِيسَى القريشي الْأَسدي أَبُو بكر. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: أَيُّوب بن مُوسَى بن عَمْرو ابْن سعيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي، أحد الْفُقَهَاء، مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة بِمَكَّة. الرَّابِع: حميد الطَّوِيل، بِضَم الْحَاء: بن نَافِع أَبُو أَفْلح، بِالْفَاءِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة. الْخَامِس: زَيْنَب بنت أبي سَلمَة، وأسمه: عبد الله بن عبد الْأسد، المخزومية ربيبة النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أُخْت عمر بن أبي سَلمَة، أمهما أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زوج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مرت فِي: بَاب الخباء فِي الْعلم.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: الثَّلَاثَة الأول من الروَاة مكيون وَالرَّابِع مدنِي. وَفِيه: شَيْخه مَذْكُور بنسبته إِلَى أحد أجداده.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله (نعى أَبُو سُفْيَان) بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْعين وَتَخْفِيف الْيَاء، وَهُوَ الْخَبَر بِمَوْت الشَّخْص، ويروى بِكَسْر الْعين وَتَشْديد الْيَاء، وَأَبُو سُفْيَان: هُوَ ابْن حَرْب والدمعاوية. قَوْله: (من الشَّام) قَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر لِأَن أَبَا سُفْيَان مَاتَ بِالْمَدِينَةِ بِلَا خلاف بَين أهل الْعلم بالأخبار، وَالْجُمْهُور على أَنه مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَعلل على ذَلِك بقوله: لَيْسَ فِي طرق هَذَا الحَدِيث التَّقْيِيد بذلك إلَاّ فِي رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وأظنها وهما، وأظن أَنه حذف مِنْهُ لفظ: ابْن، لِأَن الَّذِي جَاءَ نعيه من الشَّام وَأم حَبِيبَة فِي الْحَيَاة هُوَ أَخُوهَا يزِيد بن أبي سُفْيَان الَّذِي كَانَ أَمِيرا على الشَّام. قلت: يزِيل هَذَا الظَّن أَن
البُخَارِيّ روى الحَدِيث فِي (الْعدَد) من طَرِيق مَالك وَمن طَرِيق سُفْيَان الثَّوْريّ كِلَاهُمَا عَن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عَن حميد بن نَافِع بِلَفْظ: (حِين توفّي أَبوهَا أَبُو سُفْيَان) ، وَفِيه تَصْرِيح بِأَن الَّذِي جَاءَ نعيه هُوَ أَبُو سُفْيَان لَا نعي ابْن سُفْيَان. فَإِن قلت: هما لم يذكرَا فِي روايتهما من الشَّام؟ قلت: لَا يلْزم من عدم ذكرهمَا من الشَّام أَن يكون ذكر سُفْيَان بن عُيَيْنَة من الشَّام وهما، وَهُوَ إِمَام فِي الحَدِيث حجَّة ثَبت، وَعَن الشَّافِعِي: لَوْلَا مَالك وسُفْيَان بن عُيَيْنَة لذهب علم الْحجاز، وَفِي قَول هَذَا الْقَائِل: أَبُو سُفْيَان مَاتَ بِالْمَدِينَةِ بِلَا خلاف، نظر لِأَنَّهُ مُجَرّد دَعْوَى فَافْهَم. قَوْله: (أم حَبِيبَة) هِيَ بنت أبي سُفْيَان الْمَذْكُور، وَاسْمهَا: رَملَة، أم الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (بصفرة) ، قد ذكرنَا مَعْنَاهَا عَن قريب، وَفِي رِوَايَة مَالك: (بِطيب فِيهِ صفرَة خلوق) ، وَزَاد فِيهِ: (فدهنت مِنْهُ جَارِيَة ثمَّ مست بعارضيها) . قَوْله: (وَعشرا) ، هَل المُرَاد مِنْهُ الْأَيَّام أَو اللَّيَالِي؟ فَفِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء: أَحدهمَا، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور: أَن المُرَاد الْأَيَّام بلياليها. وَالْآخر: أَن المُرَاد اللَّيَالِي، وَأَنَّهَا تحل فِي الْيَوْم الْعَاشِر، وَهُوَ قَول يحيى بن أبي كثير وَالْأَوْزَاعِيّ، وَذكرنَا الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة بِالْحَدِيثِ وَالْخلاف فِيهَا فِي: بَاب الطّيب عِنْد الْغسْل من الْمَحِيض.
١٨٢١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي بَكْرِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عمْرِو بنِ حَزْمٍ عنْ حُمَيْدِ بنِ نافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أبِي سَلَمَةَ أخْبرَتْهُ قالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَتْ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ لَا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ تحِدُّ علَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَاّ عَلَى زَوْجٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا. ثمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أخُوهَا فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ ثُمَّ قالَتْ مَال بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ لَا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّه وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَاّ عَلَى زَوْجٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا.
(٢٨٢١ طرفه فِي: ٥٣٣٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أويس ابْن أُخْت مَالك.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن عبد الله بن يُوسُف وَعَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَعَن آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّلَاق عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ، وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَابْن أبي عمر، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر وَعبد الله بن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة بِهِ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي النِّكَاح عَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الْحَارِث بن مِسْكين، وَفِيه وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن سَلمَة، وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن عَمْرو بن مَنْصُور وَعَن هناد وَعَن وَكِيع.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ثمَّ دخلت عَليّ زَيْنَب بنت جحش) ، فَاعل: دخلت، هُوَ زَيْنَب بنت أم سَلمَة، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة مُسلم وَالنَّسَائِيّ: (ثمَّ دخلت) وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ: (فَدخلت) ، بِالْفَاءِ، وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (وَدخلت) ، بِالْوَاو، قلت: مَا وجدت فِي نسخ أبي دَاوُد إلَاّ بِالْفَاءِ، مثل رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَالْفرق بَين هَذِه الرِّوَايَات الثَّلَاث على تَقْدِير كَون رِوَايَة أبي دَاوُد بِالْوَاو، أَن كلمة: ثمَّ، للْعَطْف على التَّرَاخِي والمهلة والتشريك فِي الحكم وَالتَّرْتِيب، وَكلمَة: الْفَاء، للْعَطْف على التعقيب، وَكلمَة: الْوَاو، الْعَطف على الْجمع.
فَإِن قلت: على مَا ذكرت معنى: ثمَّ، يَقْتَضِي أَن تكون قصَّة زَيْنَب هَذِه بعد قصَّة أم حَبِيبَة، وَلَا يَصح ذَلِك، لِأَن زَيْنَب مَاتَت قبل أبي سُفْيَان بِأَكْثَرَ من عشر سِنِين على الصَّحِيح. قلت: فِي دلَالَة: ثمَّ، على التَّرْتِيب خلاف، وَلَئِن سلمنَا ضعف الْخلاف فَإِن: ثمَّ، هَهُنَا لترتيب الْإِخْبَار لَا لترتيب الحكم، وَذَلِكَ كَمَا يُقَال: بَلغنِي مَا صنعت الْيَوْم ثمَّ مَا صنعت أمس أعجب، أَي: ثمَّ أخْبرك أَن الَّذِي صَنعته أمس أعجب. وَأما: الْفَاء، فَإِن الْفراء قَالَ: لَا تفِيد التَّرْتِيب مُطلقًا، وَلَئِن سلمنَا، فَنَقُول: التَّرْتِيب ذكري لَا معنوي، وَأما: الْوَاو، فَإِنَّهَا لَا تفِيد التَّرْتِيب أصلا، فَإِن صحت رِوَايَة: الْوَاو، فَلَا إِشْكَال أصلا. فَافْهَم. فَإِنَّهُ مَوضِع دَقِيق لم يُنَبه عَلَيْهِ أحد من الشُّرَّاح. قَوْله: (حِين توفّي أَخُوهَا) ، قَالَ شَيخنَا زين الدّين، فِيهِ إِشْكَال، لِأَن لِزَيْنَب ابْنة جحش ثَلَاثَة إخْوَة: عبد الله وَعبيد الله مُصَغرًا وَأَبُو أَحْمد، مَشْهُور بكنيته، واسْمه عبد على الصَّحِيح، وَقيل: عبد الله، وَلَا جَائِز أَن يكون عبد الله مكبرا
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ قُتَيْبَةُ: هُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. انْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي اللِّبَاسِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الزِّينَةِ عَنْ قُتَيْبَةَ، وَلَمْ يَذْكُرَا عَنْهُ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدِهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَالَ فِيهِ: فَجَاءَ فُلَانٌ، رَجُلٌ سَمَّاهُ يَوْمَئِذٍ. وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الرَّاوِي كَانَ رُبَّمَا سَمَّاهُ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ السَّائِلَ الْمَذْكُورَ أَعْرَابِيٌّ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ زَمْعَةُ ضَعِيفًا لَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَوْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَوْ يُقَالَ تَعَدَّدَتِ الْقِصَّةُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ بُعْدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (مَا أَحْسَنَهَا) بِنَصْبِ النُّونِ، وَمَا لِلتَّعَجُّبِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا دَخَلَ طَوَاهَا، وَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، وَهُوَ لِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِلَفْظِ فَقَالَ: نَعَمْ. فَجَلَسَ مَا شَاءَ اللَّهُ فِي الْمَجْلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ) مَا: نَافِيَةٌ، وَقَدْ وَقَعَتْ تَسْمِيَةُ الْمُعَاتِبِ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ الْمَذْكُورَةِ وَلَفْظُهُ، قَالَ سَهْلٌ: فَقُلْتُ لِلرَّجُلِ: لِمَ سَأَلْتَهُ، وَقَدْ رَأَيْتَ حَاجَتَهُ إِلَيْهَا؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ مَا رَأَيْتُمْ، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أُخَبِّأَهَا حَتَّى أُكَفَّنَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (إِنَّهُ لَا يَرُدُّ) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ: لَا يَرُدُّ سَائِلًا وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ فِي الْبُيُوعِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي غَسَّانَ فِي الْأَدَبِ: لَا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعُهُ.
قَوْلُهُ: (مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبِسَهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي غَسَّانَ: فَقَالَ رَجَوْتُ بَرَكَتَهَا حِينَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ ﷺ. وَأَفَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَةِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُصْنَعَ لَهُ غَيْرُهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ تَفْرُغَ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ حُسْنُ خُلُقِ النَّبِيِّ ﷺ، وَسِعَةُ جُودِهِ، وَقَبُولُهُ الْهَدِيَّةَ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمُهَلَّبُ جَوَازَ تَرْكِ مُكَافَأَةِ الْفَقِيرِ عَلَى هَدِيَّتِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِظَاهِرٍ مِنْهُ، فَإِنَّ الْمُكَافَأَةَ كَانَتْ عَادَةَ النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَمِرَّةً، فَلَا يَلْزَمُ مِنَ السُّكُوتِ عَنْهَا هُنَا أَنْ لَا يَكُونَ فَعَلَهَا، بَلْ لَيْسَ فِي سِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ الْجَزْمُ بِكَوْنِ ذَلِكَ كَانَ هَدِيَّةً فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَرَضَتْهَا عَلَيْهِ لِيَشْتَرِيَهَا مِنْهَا، قَالَ: وَفِيهِ جَوَازُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْقَرَائِنِ وَلَوْ تَجَرَّدَتْ لِقَوْلِهِمْ: فَأَخَذَهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَبَقَ لَهُمْ مِنْهُ قَوْلٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ: وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي الْمَصْنُوعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَانِعِهِ إِذَا كَانَ مَاهِرًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهَا إِزَالَةَ مَا يُخْشَى مِنَ التَّدْلِيسِ. وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِحْسَانِ الْإِنْسَانِ مَا يَرَاهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمَلَابِسِ وَغَيْرِهَا، إِمَّا لِيُعَرِّفَهُ قَدْرَهَا، وَإِمَّا لِيُعَرِّضَ لَهُ بِطَلَبِهِ مِنْهُ حَيْثُ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْإِنْكَارِ عِنْدَ مُخَالَفَةِ الْأَدَبِ ظَاهِرًا، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ الْمُنْكَرُ دَرَجَةَ التَّحْرِيمِ. وَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ (١). وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: فِيهِ جَوَازُ إِعْدَادِ الشَّيْءِ قَبْلَ وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، قَالَ: وَقَدْ حَفَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّالِحِينَ قُبُورَهُمْ قَبْلَ الْمَوْتِ. وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَكَثُرَ فِيهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَنْبَغِي لِمَنِ اسْتَعَدَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَحْصِيلِهِ مِنْ جِهَةٍ يَثِقُ بِحِلِّهَا، أَوْ مِنْ أَثَرِ مَنْ يَعْتَقِدُ فِيهِ الصَّلَاحَ وَالْبَرَكَةَ.
٢٩ - باب اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ
١٢٧٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٢٧٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ) بفتح القاف في الأوَّل وضمِّ العين وإسكان القاف في الثَّاني، السَّوائيُّ العامريُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ خَالِدٍ) ولأبي ذَرٍّ: «عن خالدٍ الحذَّاء» (عَنْ أُمِّ الهُذَيْلِ) بضمِّ الهاء وفتح المعجمة، حفصة بنت سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة (﵂ قَالَتْ) ولأبي ذَرٍّ: «أنها قالت»: (نُهِينَا) بضمِّ النُّون وكسر الهاء، وعند الإسماعيليِّ من رواية يزيد بن أبي حكيمٍ، عن الثَّوريِّ بهذا الإسناد، ورواه ابن شاهين بسندٍ صحيحٍ: نهانا رسول الله ﷺ (عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ) نهي تنزيهٍ لا تحريمٍ، بدليل قولها: (وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا) بضمِّ الياء وفتح الزَّاي مبنيًّا للمفعول، أي: نهيًا غير متحتِّمٍ (١)، فكأنَّها قالت: كره لنا اتِّباع الجنائز من غير تحريمٍ، وهذا قول الجمهور، ورخَّص فيه مالكٌ، وكرهه للشَّابَّة، وقال أبو حنيفة: لا ينبغي، واستدلَّ للجواز بما رواه ابن أبي شيبة من طريق محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان في جنازة، فرأى عمر ﵁ امرأةً، فصاح بها، فقال: «دعها يا عمر … » الحديث، وأخرجه ابن ماجه من هذا الوجه، ومن طريقٍ أخرى برجالٍ ثقاتٍ، وأمَّا ما رواه ابن ماجه أيضًا وغيره ممَّا يدلُّ على التَّحريم فضعيفٌ، ولو صحَّ حمل على ما يتضمَّن حرامًا.
فائدة: روى الطَّبرانيُّ (٢) من طريق إسماعيل بن عبد الرَّحمن بن عطيَّة، عن جدَّته أمِّ عطيَّة، قالت: لمَّا دخل رسول الله ﷺ المدينة جمع النِّساء في بيتٍ، ثمَّ بعث إلينا عمر، فقال: إنِّي رسولُ رسولِ الله ﷺ إليكنَّ، بعثني لأبايعكنَّ على ألَّا تسرقْن (٣)، وفي آخره: وأمَرَنا أن نخرج في العيد العواتقَ، ونهانا أن نخرج في جنازةٍ، قال في «الفتح»: وهذا يدلُّ على أنَّ رواية أمِّ عطيَّة الأولى من مرسل الصَّحابة.
(٣٠) (باب حَدِّ المَرْأَةِ) من مصدر الثُّلاثيِّ، ولأبي ذَرٍّ: «إحداد المرأة» (عَلَى) ميِّتٍ (غَيْرِ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
فيمنعه) ، أَي: يُعْطي، كل من طلب مَا يَطْلُبهُ. قَوْله: (مَا سَأَلته لألبسها) أَي: مَا سَأَلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأجل أَن ألبسها، وَأَن الْمقدرَة مَصْدَرِيَّة. وَفِي رِوَايَة أبي غَسَّان: (فَقَالَ: رَجَوْت بركتها حِين لبسهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . وَفِي رِوَايَة للطبراني عَن زَمعَة بن صَالح أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر أَن يصنع لَهُ غَيرهَا، فَمَاتَ قبل أَن تفرغ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: حسن خلق النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وسعة جوده وقبوله الْهَدِيَّة. قَالَ الْمُهلب: وَفِيه: جَوَاز ترك مُكَافَأَة الْفَقِير على هديته. وَفِيه نظر، لِأَن الْمُكَافَأَة كَانَت عَادَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مستمرة، فَلَا يلْزم من السُّكُوت عَنْهَا هُنَا أَن لَا يكون فعلهَا، على أَنه لَيْسَ فِي الحَدِيث الْجَزْم يكون ذَلِك هَدِيَّة لاحْتِمَال عرضهَا إِيَّاهَا عَلَيْهِ لأجل الشِّرَاء، وَلَئِن سلمنَا أَنَّهَا كَانَت هَدِيَّة فَلَا يلْزم أَن تكون الْمُكَافَأَة على الْفَوْر. قَالَ: وَفِيه: جَوَاز الِاعْتِمَاد على الْقَرَائِن، وَلَو تجردت لقَولهم: (فَأَخذهَا مُحْتَاجا إِلَيْهَا) وَفِيه نظر أَيْضا لاحْتِمَال سبق القَوْل مِنْهُ بذلك كَمَا ذَكرْنَاهُ قَالَ وَفِيه التَّرْغِيب فِي الْمَصْنُوع بِالنِّسْبَةِ إِلَى صانعة إِذا كَانَ ماهراً وَفِيه نظر أَيْضا لاحْتِمَال إرادتها بنسبتها إِلَيْهِ إِزَالَة مَا يخْشَى من التَّدْلِيس. وَفِيه: جَوَاز اسْتِحْسَان الْإِنْسَان مَا يرَاهُ على غَيره من الملابس، إِمَّا ليعرفه قدرهَا، وَإِمَّا ليعرض لَهُ بِطَلَبِهِ مِنْهُ حَيْثُ يسوغ لَهُ ذَلِك. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة الْإِنْكَار عِنْد مُخَالفَة الْأَدَب ظَاهرا، وَإِن لم يبلغ الْمُنكر دَرَجَة التَّحْرِيم. وَفِيه: التَّبَرُّك بآثار الصَّالِحين. وَفِيه: جَوَاز إعداد الشَّيْء قبل وَقت الْحَاجة إِلَيْهِ كَمَا قد ذَكرْنَاهُ. وَفِيه: جَوَاز الْمَسْأَلَة بِالْمَعْرُوفِ. وَفِيه: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يكن يرد سَائِلًا. وَفِيه: بركَة مَا لبسه مِمَّا يَلِي جسده. وَفِيه: قبُول السُّلْطَان الْهَدِيَّة من الْفَقِير. وَفِيه: جَوَاز السُّؤَال من السُّلْطَان. وَفِيه: مَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه يُعْطي حَتَّى لَا يجد شَيْئا فَيدْخل بذلك فِي جملَة المؤثرين على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة.
٩٢ - (بابُ اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الجَنَائِزِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اتِّبَاع النِّسَاء الْجَنَائِز، وَلم يبين كَيْفيَّة الحكم: هَل هُوَ جَائِز أَو غير جَائِز أَو مَكْرُوه؟ لاخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ، لِأَن قَول أم عَطِيَّة يحْتَمل أَن يكون نهي تَحْرِيم، وَيحْتَمل أَن يكون نهي تَنْزِيه، على أَن ظَاهر قَول أم عَطِيَّة: وَلم يعزم علينا، يَقْتَضِي أَن يكون النَّهْي نهي تَنْزِيه، وَقد ورد فِي هَذَا الْبَاب أَحَادِيث تدل على الْجَوَاز، فلأجل هَذَا الِاخْتِلَاف أطلق البُخَارِيّ التَّرْجَمَة وَلم يقيدها بِحكم. وَفِي بعض النّسخ: بَاب اتِّبَاع النِّسَاء الْجِنَازَة.
٨٧٢١ - حدَّثنا قَبِيصَةُ بنُ عُقْبَةَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ خالِدٍ عنْ أُمِّ الهُذَيْلِ عنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ نُهِينَا عنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ ولَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه بَين مَا أبهمه البُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة فِي إِطْلَاق الحكم بِأَنَّهُ مَنْهِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَأم الْهُذيْل هِيَ: حَفْصَة بنت سِيرِين، وَأم عَطِيَّة هِيَ نسيبة. وَقد تقدم كل الروَاة. وَتقدم الحَدِيث أَيْضا فِي: بَاب الطّيب للْمَرْأَة عِنْد غسلهَا من الْمَحِيض، فِي كتاب الْحيض، من طَرِيق أَيُّوب عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة مطولا، وَفِيه: (وَكُنَّا ننهى عَن اتِّبَاع الْجَنَائِز) . وَرَوَاهُ هِشَام بن حسان أَيْضا عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأخرج الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة يزِيد ابْن أبي حَكِيم عَن الثَّوْريّ بِإِسْنَاد هَذَا الْبَاب، وَلَفظه: (نَهَانَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث لَا حجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ لم يسم الناهي فِيهِ؟ قلت: الَّذِي أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ يرد مَا قيل فِيهِ من ذَلِك، وَهَذَا الْبَاب مُخْتَلف فِيهِ، فالجمهور على أَن كل مَا ورد بِهَذِهِ الصِّيغَة حكمه حكم الْمَرْفُوع، وروى الطَّبَرَانِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن بن عَطِيَّة عَن جدته أم عَطِيَّة، قَالَت: (لما دخل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة جمع النِّسَاء فِي بَيت ثمَّ بعث إِلَيْنَا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: إِنِّي رَسُول رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إلَيْكُنَّ، بَعَثَنِي لأبايعكن على أَن لَا تسرقن. .) الحَدِيث، وَفِي آخِره: (وأمرنا أَن نخرج فِي الْعِيد الْعَوَاتِق، ونهانا أَن نخرج فِي جَنَازَة) . وَهَذَا يدل على أَن حَدِيث الْبَاب مُرْسل. قَوْله: (وَلم يعزم علينا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: لم يُوجب وَلم يفْرض أَو لم يشدد وَلم يُؤَكد علينا فِي الْمَنْع، كَمَا أكد علينا فِي غَيره من المنهيات، فَكَانَ الْمَعْنى: أَنَّهَا قَالَت: كره لنا اتِّبَاع الْجَنَائِز من غير تَحْرِيم. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهر الحَدِيث يَقْتَضِي أَن النَّهْي للتنزيه، وَبِه قَالَ جُمْهُور أهل الْعلم، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: روينَا عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عمر
وَعَائِشَة وَأبي أُمَامَة أَنهم كَرهُوا ذَلِك للنِّسَاء، وَكَرِهَهُ أَيْضا إِبْرَاهِيم وَالْحسن ومسروق وَابْن سِيرِين وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ الثَّوْريّ: اتِّبَاع النِّسَاء الْجَنَائِز بِدعَة، وَعَن أبي حنيفَة: لَا يَنْبَغِي ذَلِك للنِّسَاء، وروى إجَازَة ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَالقَاسِم وَسَالم وَالزهْرِيّ وَرَبِيعَة وَأبي الزِّنَاد، وَرخّص فِيهِ مَالك، وَكَرِهَهُ للشابة، وَعند الشَّافِعِي مَكْرُوه، وَلَيْسَ بِحرَام، وَنقل الْعَبدَرِي عَن مَالك: يكره إلَاّ أَن يكون الْمَيِّت وَلَدهَا أَو والدها أَو زَوجهَا، وَكَانَت مِمَّن يخرج مثلهَا لمثله. وَقَالَ ابْن حزم: لَا يمنعن من اتباعها، وآثار النَّهْي عَن ذَلِك لَا تصح لِأَنَّهَا إِمَّا عَن مَجْهُول أَو مُرْسلَة أَو عَمَّن لَا يحْتَج بِهِ، وأشبه شَيْء فِيهِ حَدِيث الْبَاب، وَهُوَ غير مُسْند لأَنا لَا نَدْرِي من هُوَ الناهي، وَلَعَلَّه بعض الصَّحَابَة، ثمَّ لَو صَحَّ مُسْندًا لم يكن فِيهِ حجَّة، بل كَانَ يكون على كَرَاهَة فَقَط، وَقد صَحَّ خِلَافه. روى ابْن أبي شيبَة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ فِي جَنَازَة فَرَأى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، امْرَأَة فصاح بهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: دعها يَا عمر فَإِن الْعين دامعة وَالنَّفس مصابة والعهد قريب) . قلت: أخرج الْحَاكِم هَذَا، وَقَالَ: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَفِيه نظر لِأَن الْبَيْهَقِيّ نَص على انْقِطَاعه، وَفِي سَنَده سَلمَة بن الْأَزْرَق، قَالَ ابْن الْقطَّان: سَلمَة هَذَا لَا يعرف حَاله وَلَا أعرف أحدا من مصنفي الرِّجَال ذكره، وروى الْحَاكِم قَالَ: أخبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الصفار حَدثنَا أَبُو إِسْمَاعِيل مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا سعيد بن أبي مَرْيَم أخبرنَا نَافِع بن يزِيد أَخْبرنِي ربيعَة ابْن سيف حَدثنِي أَبُو عبد الرَّحْمَن الحبلي (عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ: قبرنا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجلا، فَلَمَّا رَجعْنَا وحاذينا بَابه إِذا هُوَ بِامْرَأَة لَا نظنه عرفهَا فَقَالَ: يَا فَاطِمَة! من أَيْن جِئْت؟ قَالَت: جِئْت من أهل الْمَيِّت، رحمت إِلَيْهِم ميتهم وعزيتهم، قَالَ: فلعلك بلغت مَعَهم الكدي؟ قَالَت: معَاذ الله أَن أبلغ مَعَهم الكدى، وَقد سَمِعتك تذكر فِيهِ مَا تذكر. قَالَ: لَو بلغت مَعَهم الكدى مَا رَأَيْت الْجنَّة حَتَّى يرى جد أَبِيك) . والكدى: الْمَقَابِر. قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. قلت: كَيفَ يَقُول على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَرَبِيعَة بن سيف لم يخرج لَهُ أحد مِنْهُمَا؟ وَقَالَ الدَّاودِيّ: قَوْلهَا: (نهينَا عَن اتِّبَاع الْجَنَائِز، أَي: إِلَى أَن نصل إِلَى الْقُبُور) وَقَوْلها: (وَلم يعزم علينا) أَي: لَا نأتي أهل الْمَيِّت فنعزيهم ونترحم على ميتهم من غير أَن نتبع جنَازَته، وَقَالَ بَعضهم: وَفِي أَخذ هَذَا التَّفْصِيل من هَذَا السِّيَاق نظر. قلت: وَفِي نظره نظر، لِأَن الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْحَاكِم عَن عبد الله بن عَمْرو الْمَذْكُور يساعده. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بقولِهَا: (وَلم يعزم علينا) أَي: كَمَا عزم على الرِّجَال بترغيبهم فِي اتباعها بِحُصُول القيراط، وَنَحْو ذَلِك. انْتهى. وَأحسن حالات الْمَرْأَة مَعَ الْجِنَازَة أَنَّهَا لَا تُوجد فِي حُضُورهَا، وَقَالَ الْحَازِمِي: أما بِاتِّبَاع الْجِنَازَة فَلَا رخصَة لَهُنَّ فِيهِ، وَقد رُوِيَ عَن يزِيد بن أبن حبيب أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حضر جَنَازَة رجل فَلَمَّا وضعت ليصلى عَلَيْهَا أبْصر امْرَأَة فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقيل: هِيَ أُخْت الْمَيِّت. فَقَالَ لَهَا: إرجعي فَلم يصل عَلَيْهَا حَتَّى تَوَارَتْ. وَقَالَ لامْرَأَة أُخْرَى: إرجعي وإلَاّ رجعت.
٠٣ - (بابْ حَدِّ المَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إحداد الْمَرْأَة على غير زَوجهَا، والإحداد، بِكَسْر الْهمزَة من: أحدت الْمَرْأَة على زَوجهَا تحد فَهِيَ محدة، إِذا حزنت عَلَيْهِ ولبست ثِيَاب الْحزن وَتركت الزِّينَة، وَكَذَلِكَ حدت الْمَرْأَة من الثلاثي تحد من بَاب: نصر ينصر، وتحد، بِكَسْر الْحَاء من بَاب: ضرب يضْرب، فَهِيَ: حادة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أحدت الْمَرْأَة، أَي: امْتنعت من الزِّينَة والخضاب بعد وَفَاة زَوجهَا، وَكَذَلِكَ حدت حدادا، وَلم يعرف الْأَصْمَعِي إلَاّ: أحدت، فَهِيَ محدة. وَفِي بعض النّسخ: بَاب حداد الْمَرْأَة، بِغَيْر همزَة على لُغَة الثلاثي. وَفِي بَعْضهَا: بَاب حد الْمَرْأَة، من مصدر الثلاثي، وأبيح للْمَرْأَة الْحداد لغير الزَّوْج ثَلَاثَة أَيَّام وَلَيْسَ ذَلِك بِوَاجِب، وَقَالَ ابْن بطال: أجمع الْعلمَاء على أَن من مَاتَ أَبوهَا أَو ابْنهَا وَكَانَت ذَات زوج وطالبها زَوجهَا بِالْجِمَاعِ فِي الثَّلَاثَة الْأَيَّام الَّتِي أُبِيح لَهَا الْإِحْدَاد فِيهَا أَنه يقْضِي لَهُ عَلَيْهَا بِالْجِمَاعِ فِيهَا، وَقَوله: (على غير زَوجهَا) يَشْمَل كل ميت غير الزَّوْج سَوَاء كَانَ قَرِيبا أَو أَجْنَبِيّا، وَأما الْحداد لمَوْت الزَّوْج فَوَاجِب عندنَا، سَوَاء كَانَت حرَّة أَو أمة، وَكَذَلِكَ يجب على الْمُطلقَة طَلَاقا بَائِنا مُطلقًا. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا يجب، وَلَا يجب على ذِمِّيَّة وَلَا صَغِيرَة عندنَا، خلافًا لَهُم. فَإِن قلت: لم يُقيد فِي التَّرْجَمَة بِالْمَوْتِ؟ قلت: قَالَ بَعضهم: لم يُقَيِّدهُ فِي التَّرْجَمَة بِالْمَوْتِ لِأَنَّهُ مُخْتَصّ بِهِ عرفا، وَظَاهر التَّرْجَمَة يُنَافِي مَا قَالَه، فَكَانَ البُخَارِيّ لَا يرى أَنه مُخْتَصّ بِهِ عِنْده، فَترك التَّقْيِيد بِهِ.
٩٧٢١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ قَالَ حَدثنَا سَلَمَةُ بنُ عَلْقَمَةَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ قَالَ تُوُفِّيَ ابنٌ لأِمِّ عَطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فلَمَّا كانَ اليَوْمُ الثالِثُ دَعَتْ بِصُفْرَةٍ فَتَمَسَّحَتْ بِهِ وقالَتْ نُهِينَا أنْ نُحِدَّ أكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إلَاّ بِزَوْجٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن فِيهِ أَن أم عَطِيَّة أحدث لابنها، فَقَوله فِي التَّرْجَمَة: على غير زَوجهَا، يصدق عَلَيْهِ.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: مُسَدّد تكَرر ذكره. الثَّانِي: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الْمفضل بن لَاحق أَبُو إِسْمَاعِيل، مر فِي: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رب مبلغ. الثَّالِث: سَلمَة بن عَلْقَمَة التَّمِيمِي، مر فِي: بَاب من لم يتَشَهَّد فِي سَجْدَتي السَّهْو. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين، تكَرر ذكره.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته بصريون.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يَوْم الثَّالِث) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين من بَاب إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصّفة، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (فِي الْيَوْم الثَّالِث) على الأَصْل. قَوْله: (بصفرة) الصُّفْرَة فِي الأَصْل لون الْأَصْفَر، وَالْمرَاد هَهُنَا نوع من الطّيب فِيهِ صفرَة. قَوْله: (نهينَا) ، وروى عبد الرَّزَّاق عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين بِلَفْظ: (أمرنَا أَن لَا نحد على هَالك فَوق ثَلَاثَة) . وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق قَتَادَة عَن ابْن سِيرِين عَن أم عَطِيَّة. قَالَت: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول ... فَذكر مَعْنَاهُ. قَوْله: (أَن نحد) ، بِضَم النُّون من الْإِحْدَاد، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (إلَاّ بِزَوْج) ، أَي: بِسَبَب زوج، وَهَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (إلَاّ لزوج) بِاللَّامِ، وَوَقع فِي الْعدَد: (إلَاّ على زوج) ، وَالْكل بِمَعْنى التَّسَبُّب.
٠٨٢١ - حدَّثنا الحمَيْدِي قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حَدثنَا أيُّوبُ بنُ مُوسى اقالَ أَخْبرنِي حُمَيْدُ بنُ نافِعٍ عنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أبِي سَلَمَةَ قالَتْ لَمَّا جاءَ نَعْيُ أبي سُفْيَانَ مِنَ الشامِ دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا بِصُفْرَةٍ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ فَمَسَحَتْ عارِضَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا وقالَتْ إنِّي كُنْتُ عنْ هاذَا لَغَنِيَّةً لَوْلَا أنِّي سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ لَا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَاّ عَلَى زَوْجٍ فإنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الْإِحْدَاد على غير الزَّوْج.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: الْحميدِي، بِضَم الْحَاء: عبد الله بن الزبير بن عِيسَى القريشي الْأَسدي أَبُو بكر. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: أَيُّوب بن مُوسَى بن عَمْرو ابْن سعيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي، أحد الْفُقَهَاء، مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة بِمَكَّة. الرَّابِع: حميد الطَّوِيل، بِضَم الْحَاء: بن نَافِع أَبُو أَفْلح، بِالْفَاءِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة. الْخَامِس: زَيْنَب بنت أبي سَلمَة، وأسمه: عبد الله بن عبد الْأسد، المخزومية ربيبة النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أُخْت عمر بن أبي سَلمَة، أمهما أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زوج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مرت فِي: بَاب الخباء فِي الْعلم.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: الثَّلَاثَة الأول من الروَاة مكيون وَالرَّابِع مدنِي. وَفِيه: شَيْخه مَذْكُور بنسبته إِلَى أحد أجداده.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله (نعى أَبُو سُفْيَان) بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْعين وَتَخْفِيف الْيَاء، وَهُوَ الْخَبَر بِمَوْت الشَّخْص، ويروى بِكَسْر الْعين وَتَشْديد الْيَاء، وَأَبُو سُفْيَان: هُوَ ابْن حَرْب والدمعاوية. قَوْله: (من الشَّام) قَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر لِأَن أَبَا سُفْيَان مَاتَ بِالْمَدِينَةِ بِلَا خلاف بَين أهل الْعلم بالأخبار، وَالْجُمْهُور على أَنه مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَعلل على ذَلِك بقوله: لَيْسَ فِي طرق هَذَا الحَدِيث التَّقْيِيد بذلك إلَاّ فِي رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وأظنها وهما، وأظن أَنه حذف مِنْهُ لفظ: ابْن، لِأَن الَّذِي جَاءَ نعيه من الشَّام وَأم حَبِيبَة فِي الْحَيَاة هُوَ أَخُوهَا يزِيد بن أبي سُفْيَان الَّذِي كَانَ أَمِيرا على الشَّام. قلت: يزِيل هَذَا الظَّن أَن
البُخَارِيّ روى الحَدِيث فِي (الْعدَد) من طَرِيق مَالك وَمن طَرِيق سُفْيَان الثَّوْريّ كِلَاهُمَا عَن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عَن حميد بن نَافِع بِلَفْظ: (حِين توفّي أَبوهَا أَبُو سُفْيَان) ، وَفِيه تَصْرِيح بِأَن الَّذِي جَاءَ نعيه هُوَ أَبُو سُفْيَان لَا نعي ابْن سُفْيَان. فَإِن قلت: هما لم يذكرَا فِي روايتهما من الشَّام؟ قلت: لَا يلْزم من عدم ذكرهمَا من الشَّام أَن يكون ذكر سُفْيَان بن عُيَيْنَة من الشَّام وهما، وَهُوَ إِمَام فِي الحَدِيث حجَّة ثَبت، وَعَن الشَّافِعِي: لَوْلَا مَالك وسُفْيَان بن عُيَيْنَة لذهب علم الْحجاز، وَفِي قَول هَذَا الْقَائِل: أَبُو سُفْيَان مَاتَ بِالْمَدِينَةِ بِلَا خلاف، نظر لِأَنَّهُ مُجَرّد دَعْوَى فَافْهَم. قَوْله: (أم حَبِيبَة) هِيَ بنت أبي سُفْيَان الْمَذْكُور، وَاسْمهَا: رَملَة، أم الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (بصفرة) ، قد ذكرنَا مَعْنَاهَا عَن قريب، وَفِي رِوَايَة مَالك: (بِطيب فِيهِ صفرَة خلوق) ، وَزَاد فِيهِ: (فدهنت مِنْهُ جَارِيَة ثمَّ مست بعارضيها) . قَوْله: (وَعشرا) ، هَل المُرَاد مِنْهُ الْأَيَّام أَو اللَّيَالِي؟ فَفِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء: أَحدهمَا، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور: أَن المُرَاد الْأَيَّام بلياليها. وَالْآخر: أَن المُرَاد اللَّيَالِي، وَأَنَّهَا تحل فِي الْيَوْم الْعَاشِر، وَهُوَ قَول يحيى بن أبي كثير وَالْأَوْزَاعِيّ، وَذكرنَا الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة بِالْحَدِيثِ وَالْخلاف فِيهَا فِي: بَاب الطّيب عِنْد الْغسْل من الْمَحِيض.
١٨٢١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي بَكْرِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عمْرِو بنِ حَزْمٍ عنْ حُمَيْدِ بنِ نافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أبِي سَلَمَةَ أخْبرَتْهُ قالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَتْ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ لَا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ تحِدُّ علَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَاّ عَلَى زَوْجٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا. ثمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أخُوهَا فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ ثُمَّ قالَتْ مَال بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ لَا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّه وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَاّ عَلَى زَوْجٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا.
(٢٨٢١ طرفه فِي: ٥٣٣٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أويس ابْن أُخْت مَالك.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن عبد الله بن يُوسُف وَعَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَعَن آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّلَاق عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ، وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَابْن أبي عمر، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر وَعبد الله بن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة بِهِ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي النِّكَاح عَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الْحَارِث بن مِسْكين، وَفِيه وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن سَلمَة، وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن عَمْرو بن مَنْصُور وَعَن هناد وَعَن وَكِيع.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ثمَّ دخلت عَليّ زَيْنَب بنت جحش) ، فَاعل: دخلت، هُوَ زَيْنَب بنت أم سَلمَة، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة مُسلم وَالنَّسَائِيّ: (ثمَّ دخلت) وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ: (فَدخلت) ، بِالْفَاءِ، وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (وَدخلت) ، بِالْوَاو، قلت: مَا وجدت فِي نسخ أبي دَاوُد إلَاّ بِالْفَاءِ، مثل رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَالْفرق بَين هَذِه الرِّوَايَات الثَّلَاث على تَقْدِير كَون رِوَايَة أبي دَاوُد بِالْوَاو، أَن كلمة: ثمَّ، للْعَطْف على التَّرَاخِي والمهلة والتشريك فِي الحكم وَالتَّرْتِيب، وَكلمَة: الْفَاء، للْعَطْف على التعقيب، وَكلمَة: الْوَاو، الْعَطف على الْجمع.
فَإِن قلت: على مَا ذكرت معنى: ثمَّ، يَقْتَضِي أَن تكون قصَّة زَيْنَب هَذِه بعد قصَّة أم حَبِيبَة، وَلَا يَصح ذَلِك، لِأَن زَيْنَب مَاتَت قبل أبي سُفْيَان بِأَكْثَرَ من عشر سِنِين على الصَّحِيح. قلت: فِي دلَالَة: ثمَّ، على التَّرْتِيب خلاف، وَلَئِن سلمنَا ضعف الْخلاف فَإِن: ثمَّ، هَهُنَا لترتيب الْإِخْبَار لَا لترتيب الحكم، وَذَلِكَ كَمَا يُقَال: بَلغنِي مَا صنعت الْيَوْم ثمَّ مَا صنعت أمس أعجب، أَي: ثمَّ أخْبرك أَن الَّذِي صَنعته أمس أعجب. وَأما: الْفَاء، فَإِن الْفراء قَالَ: لَا تفِيد التَّرْتِيب مُطلقًا، وَلَئِن سلمنَا، فَنَقُول: التَّرْتِيب ذكري لَا معنوي، وَأما: الْوَاو، فَإِنَّهَا لَا تفِيد التَّرْتِيب أصلا، فَإِن صحت رِوَايَة: الْوَاو، فَلَا إِشْكَال أصلا. فَافْهَم. فَإِنَّهُ مَوضِع دَقِيق لم يُنَبه عَلَيْهِ أحد من الشُّرَّاح. قَوْله: (حِين توفّي أَخُوهَا) ، قَالَ شَيخنَا زين الدّين، فِيهِ إِشْكَال، لِأَن لِزَيْنَب ابْنة جحش ثَلَاثَة إخْوَة: عبد الله وَعبيد الله مُصَغرًا وَأَبُو أَحْمد، مَشْهُور بكنيته، واسْمه عبد على الصَّحِيح، وَقيل: عبد الله، وَلَا جَائِز أَن يكون عبد الله مكبرا