«نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا.» بَابُ: حَدِّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٧٨

الحديث رقم ١٢٧٨ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب اتباع النساء الجنائز.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٢٧٨ في صحيح البخاري

«نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا.»

بَابُ: حَدِّ الْمَرْأَةِ (١) عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا

إسناد حديث رقم ١٢٧٨ من صحيح البخاري

١٢٧٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٢٧٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ قُتَيْبَةُ: هُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. انْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي اللِّبَاسِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الزِّينَةِ عَنْ قُتَيْبَةَ، وَلَمْ يَذْكُرَا عَنْهُ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدِهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَالَ فِيهِ: فَجَاءَ فُلَانٌ، رَجُلٌ سَمَّاهُ يَوْمَئِذٍ. وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الرَّاوِي كَانَ رُبَّمَا سَمَّاهُ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ السَّائِلَ الْمَذْكُورَ أَعْرَابِيٌّ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ زَمْعَةُ ضَعِيفًا لَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَوْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَوْ يُقَالَ تَعَدَّدَتِ الْقِصَّةُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ بُعْدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَا أَحْسَنَهَا) بِنَصْبِ النُّونِ، وَمَا لِلتَّعَجُّبِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا دَخَلَ طَوَاهَا، وَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، وَهُوَ لِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِلَفْظِ فَقَالَ: نَعَمْ. فَجَلَسَ مَا شَاءَ اللَّهُ فِي الْمَجْلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ) مَا: نَافِيَةٌ، وَقَدْ وَقَعَتْ تَسْمِيَةُ الْمُعَاتِبِ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ الْمَذْكُورَةِ وَلَفْظُهُ، قَالَ سَهْلٌ: فَقُلْتُ لِلرَّجُلِ: لِمَ سَأَلْتَهُ، وَقَدْ رَأَيْتَ حَاجَتَهُ إِلَيْهَا؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ مَا رَأَيْتُمْ، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أُخَبِّأَهَا حَتَّى أُكَفَّنَ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (إِنَّهُ لَا يَرُدُّ) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ: لَا يَرُدُّ سَائِلًا وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ فِي الْبُيُوعِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي غَسَّانَ فِي الْأَدَبِ: لَا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعُهُ.

قَوْلُهُ: (مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبِسَهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي غَسَّانَ: فَقَالَ رَجَوْتُ بَرَكَتَهَا حِينَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ . وَأَفَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَةِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَ أَنْ يُصْنَعَ لَهُ غَيْرُهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ تَفْرُغَ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ حُسْنُ خُلُقِ النَّبِيِّ ، وَسِعَةُ جُودِهِ، وَقَبُولُهُ الْهَدِيَّةَ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمُهَلَّبُ جَوَازَ تَرْكِ مُكَافَأَةِ الْفَقِيرِ عَلَى هَدِيَّتِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِظَاهِرٍ مِنْهُ، فَإِنَّ الْمُكَافَأَةَ كَانَتْ عَادَةَ النَّبِيِّ مُسْتَمِرَّةً، فَلَا يَلْزَمُ مِنَ السُّكُوتِ عَنْهَا هُنَا أَنْ لَا يَكُونَ فَعَلَهَا، بَلْ لَيْسَ فِي سِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ الْجَزْمُ بِكَوْنِ ذَلِكَ كَانَ هَدِيَّةً فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَرَضَتْهَا عَلَيْهِ لِيَشْتَرِيَهَا مِنْهَا، قَالَ: وَفِيهِ جَوَازُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْقَرَائِنِ وَلَوْ تَجَرَّدَتْ لِقَوْلِهِمْ: فَأَخَذَهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَبَقَ لَهُمْ مِنْهُ قَوْلٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ: وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي الْمَصْنُوعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَانِعِهِ إِذَا كَانَ مَاهِرًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهَا إِزَالَةَ مَا يُخْشَى مِنَ التَّدْلِيسِ. وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِحْسَانِ الْإِنْسَانِ مَا يَرَاهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمَلَابِسِ وَغَيْرِهَا، إِمَّا لِيُعَرِّفَهُ قَدْرَهَا، وَإِمَّا لِيُعَرِّضَ لَهُ بِطَلَبِهِ مِنْهُ حَيْثُ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْإِنْكَارِ عِنْدَ مُخَالَفَةِ الْأَدَبِ ظَاهِرًا، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ الْمُنْكَرُ دَرَجَةَ التَّحْرِيمِ. وَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ (١). وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: فِيهِ جَوَازُ إِعْدَادِ الشَّيْءِ قَبْلَ وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، قَالَ: وَقَدْ حَفَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّالِحِينَ قُبُورَهُمْ قَبْلَ الْمَوْتِ. وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَكَثُرَ فِيهِمْ.

وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَنْبَغِي لِمَنِ اسْتَعَدَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَحْصِيلِهِ مِنْ جِهَةٍ يَثِقُ بِحِلِّهَا، أَوْ مِنْ أَثَرِ مَنْ يَعْتَقِدُ فِيهِ الصَّلَاحَ وَالْبَرَكَةَ.

٢٩ - باب اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ

١٢٧٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٢٧٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ) بفتح القاف في الأوَّل وضمِّ العين وإسكان القاف في الثَّاني، السَّوائيُّ العامريُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ خَالِدٍ) ولأبي ذَرٍّ: «عن خالدٍ الحذَّاء» (عَنْ أُمِّ الهُذَيْلِ) بضمِّ الهاء وفتح المعجمة، حفصة بنت سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة ( قَالَتْ) ولأبي ذَرٍّ: «أنها قالت»: (نُهِينَا) بضمِّ النُّون وكسر الهاء، وعند الإسماعيليِّ من رواية يزيد بن أبي حكيمٍ، عن الثَّوريِّ بهذا الإسناد، ورواه ابن شاهين بسندٍ صحيحٍ: نهانا رسول الله (عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ) نهي تنزيهٍ لا تحريمٍ، بدليل قولها: (وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا) بضمِّ الياء وفتح الزَّاي مبنيًّا للمفعول، أي: نهيًا غير متحتِّمٍ (١)، فكأنَّها قالت: كره لنا اتِّباع الجنائز من غير تحريمٍ، وهذا قول الجمهور، ورخَّص فيه مالكٌ، وكرهه للشَّابَّة، وقال أبو حنيفة: لا ينبغي، واستدلَّ للجواز بما رواه ابن أبي شيبة من طريق محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن أبي هريرة : أن رسول الله كان في جنازة، فرأى عمر امرأةً، فصاح بها، فقال: «دعها يا عمر … » الحديث، وأخرجه ابن ماجه من هذا الوجه، ومن طريقٍ أخرى برجالٍ ثقاتٍ، وأمَّا ما رواه ابن ماجه أيضًا وغيره ممَّا يدلُّ على التَّحريم فضعيفٌ، ولو صحَّ حمل على ما يتضمَّن حرامًا.

فائدة: روى الطَّبرانيُّ (٢) من طريق إسماعيل بن عبد الرَّحمن بن عطيَّة، عن جدَّته أمِّ عطيَّة، قالت: لمَّا دخل رسول الله المدينة جمع النِّساء في بيتٍ، ثمَّ بعث إلينا عمر، فقال: إنِّي رسولُ رسولِ الله إليكنَّ، بعثني لأبايعكنَّ على ألَّا تسرقْن (٣)، وفي آخره: وأمَرَنا أن نخرج في العيد العواتقَ، ونهانا أن نخرج في جنازةٍ، قال في «الفتح»: وهذا يدلُّ على أنَّ رواية أمِّ عطيَّة الأولى من مرسل الصَّحابة.

(٣٠) (باب حَدِّ المَرْأَةِ) من مصدر الثُّلاثيِّ، ولأبي ذَرٍّ: «إحداد المرأة» (عَلَى) ميِّتٍ (غَيْرِ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ قُتَيْبَةُ: هُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. انْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي اللِّبَاسِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الزِّينَةِ عَنْ قُتَيْبَةَ، وَلَمْ يَذْكُرَا عَنْهُ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدِهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَالَ فِيهِ: فَجَاءَ فُلَانٌ، رَجُلٌ سَمَّاهُ يَوْمَئِذٍ. وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الرَّاوِي كَانَ رُبَّمَا سَمَّاهُ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ السَّائِلَ الْمَذْكُورَ أَعْرَابِيٌّ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ زَمْعَةُ ضَعِيفًا لَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَوْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَوْ يُقَالَ تَعَدَّدَتِ الْقِصَّةُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ بُعْدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَا أَحْسَنَهَا) بِنَصْبِ النُّونِ، وَمَا لِلتَّعَجُّبِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا دَخَلَ طَوَاهَا، وَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، وَهُوَ لِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِلَفْظِ فَقَالَ: نَعَمْ. فَجَلَسَ مَا شَاءَ اللَّهُ فِي الْمَجْلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ) مَا: نَافِيَةٌ، وَقَدْ وَقَعَتْ تَسْمِيَةُ الْمُعَاتِبِ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ الْمَذْكُورَةِ وَلَفْظُهُ، قَالَ سَهْلٌ: فَقُلْتُ لِلرَّجُلِ: لِمَ سَأَلْتَهُ، وَقَدْ رَأَيْتَ حَاجَتَهُ إِلَيْهَا؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ مَا رَأَيْتُمْ، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أُخَبِّأَهَا حَتَّى أُكَفَّنَ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (إِنَّهُ لَا يَرُدُّ) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ: لَا يَرُدُّ سَائِلًا وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ فِي الْبُيُوعِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي غَسَّانَ فِي الْأَدَبِ: لَا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعُهُ.

قَوْلُهُ: (مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبِسَهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي غَسَّانَ: فَقَالَ رَجَوْتُ بَرَكَتَهَا حِينَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ . وَأَفَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَةِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَ أَنْ يُصْنَعَ لَهُ غَيْرُهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ تَفْرُغَ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ حُسْنُ خُلُقِ النَّبِيِّ ، وَسِعَةُ جُودِهِ، وَقَبُولُهُ الْهَدِيَّةَ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمُهَلَّبُ جَوَازَ تَرْكِ مُكَافَأَةِ الْفَقِيرِ عَلَى هَدِيَّتِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِظَاهِرٍ مِنْهُ، فَإِنَّ الْمُكَافَأَةَ كَانَتْ عَادَةَ النَّبِيِّ مُسْتَمِرَّةً، فَلَا يَلْزَمُ مِنَ السُّكُوتِ عَنْهَا هُنَا أَنْ لَا يَكُونَ فَعَلَهَا، بَلْ لَيْسَ فِي سِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ الْجَزْمُ بِكَوْنِ ذَلِكَ كَانَ هَدِيَّةً فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَرَضَتْهَا عَلَيْهِ لِيَشْتَرِيَهَا مِنْهَا، قَالَ: وَفِيهِ جَوَازُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْقَرَائِنِ وَلَوْ تَجَرَّدَتْ لِقَوْلِهِمْ: فَأَخَذَهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَبَقَ لَهُمْ مِنْهُ قَوْلٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ: وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي الْمَصْنُوعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَانِعِهِ إِذَا كَانَ مَاهِرًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهَا إِزَالَةَ مَا يُخْشَى مِنَ التَّدْلِيسِ. وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِحْسَانِ الْإِنْسَانِ مَا يَرَاهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمَلَابِسِ وَغَيْرِهَا، إِمَّا لِيُعَرِّفَهُ قَدْرَهَا، وَإِمَّا لِيُعَرِّضَ لَهُ بِطَلَبِهِ مِنْهُ حَيْثُ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْإِنْكَارِ عِنْدَ مُخَالَفَةِ الْأَدَبِ ظَاهِرًا، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ الْمُنْكَرُ دَرَجَةَ التَّحْرِيمِ. وَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ (١). وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: فِيهِ جَوَازُ إِعْدَادِ الشَّيْءِ قَبْلَ وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، قَالَ: وَقَدْ حَفَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّالِحِينَ قُبُورَهُمْ قَبْلَ الْمَوْتِ. وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَكَثُرَ فِيهِمْ.

وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَنْبَغِي لِمَنِ اسْتَعَدَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَحْصِيلِهِ مِنْ جِهَةٍ يَثِقُ بِحِلِّهَا، أَوْ مِنْ أَثَرِ مَنْ يَعْتَقِدُ فِيهِ الصَّلَاحَ وَالْبَرَكَةَ.

٢٩ - باب اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ

١٢٧٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٢٧٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ) بفتح القاف في الأوَّل وضمِّ العين وإسكان القاف في الثَّاني، السَّوائيُّ العامريُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ خَالِدٍ) ولأبي ذَرٍّ: «عن خالدٍ الحذَّاء» (عَنْ أُمِّ الهُذَيْلِ) بضمِّ الهاء وفتح المعجمة، حفصة بنت سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة ( قَالَتْ) ولأبي ذَرٍّ: «أنها قالت»: (نُهِينَا) بضمِّ النُّون وكسر الهاء، وعند الإسماعيليِّ من رواية يزيد بن أبي حكيمٍ، عن الثَّوريِّ بهذا الإسناد، ورواه ابن شاهين بسندٍ صحيحٍ: نهانا رسول الله (عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ) نهي تنزيهٍ لا تحريمٍ، بدليل قولها: (وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا) بضمِّ الياء وفتح الزَّاي مبنيًّا للمفعول، أي: نهيًا غير متحتِّمٍ (١)، فكأنَّها قالت: كره لنا اتِّباع الجنائز من غير تحريمٍ، وهذا قول الجمهور، ورخَّص فيه مالكٌ، وكرهه للشَّابَّة، وقال أبو حنيفة: لا ينبغي، واستدلَّ للجواز بما رواه ابن أبي شيبة من طريق محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن أبي هريرة : أن رسول الله كان في جنازة، فرأى عمر امرأةً، فصاح بها، فقال: «دعها يا عمر … » الحديث، وأخرجه ابن ماجه من هذا الوجه، ومن طريقٍ أخرى برجالٍ ثقاتٍ، وأمَّا ما رواه ابن ماجه أيضًا وغيره ممَّا يدلُّ على التَّحريم فضعيفٌ، ولو صحَّ حمل على ما يتضمَّن حرامًا.

فائدة: روى الطَّبرانيُّ (٢) من طريق إسماعيل بن عبد الرَّحمن بن عطيَّة، عن جدَّته أمِّ عطيَّة، قالت: لمَّا دخل رسول الله المدينة جمع النِّساء في بيتٍ، ثمَّ بعث إلينا عمر، فقال: إنِّي رسولُ رسولِ الله إليكنَّ، بعثني لأبايعكنَّ على ألَّا تسرقْن (٣)، وفي آخره: وأمَرَنا أن نخرج في العيد العواتقَ، ونهانا أن نخرج في جنازةٍ، قال في «الفتح»: وهذا يدلُّ على أنَّ رواية أمِّ عطيَّة الأولى من مرسل الصَّحابة.

(٣٠) (باب حَدِّ المَرْأَةِ) من مصدر الثُّلاثيِّ، ولأبي ذَرٍّ: «إحداد المرأة» (عَلَى) ميِّتٍ (غَيْرِ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل