الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٨٣
الحديث رقم ١٢٨٣ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب زيارة القبور.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ
لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ ﴿لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وَهُوَ كَقَوْلِهِ ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ ذُنُوبًا ﴿إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾
وَمَا يُرَخَّصُ مِنَ الْبُكَاءِ فِي غَيْرِ نَوْحٍ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ
١٢٨٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ﷺ بَعْدَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ، فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادُ، لِأَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَمَا جَاءَ الْخَبَرُ بِوَفَاةِ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَتْ فِي سِنِّ مَنْ يَضْبِطُ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يَحْزَنَ الْمَرْءُ عَلَى قَرِيبِهِ الْكَافِرِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا تَذَكَّرَ سُوءَ مَصِيرِهِ. وَلَعَلَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِي الْمُوَطَّأِ: حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ كَانَتْ عُبَيْدَ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ، فَلَمْ يَضْبِطْهَا الْكَاتِبُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُعَكِّرُ عَلَى هَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنْ عُبَيْدَ اللَّهِ مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةَ، فَتَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ حَبِيبَةَ، فَإِنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّ تَزَوُّجَهَا كَانَ بَعْدَ مَوْتِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَتَزْوِيجَهَا وَقَعَ وَهِيَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَقَبْلَ أَنْ تَسْمَعَ النَّهْيَ، وَأَيْضًا فَفِي السِّيَاقِ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ.
بَعْدَ قَوْلِهَا: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ قَرِيبِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ بَعْدَ مَجِيءِ أُمِّ حَبِيبَةَ مِنَ الْحَبَشَةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الظَّنُّ هُوَ الْوَاقِعُ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَخًا لِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ مِنْ أُمِّهَا، أَوْ مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَوْ يُرَجَّحُ مَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبَي سَلَمَةَ وُلِدَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَإِنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهَا عِنْدَ وَفَاةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ أَرْبَعُ سِنِينَ. وَمَا مِثْلُهَا (١) يُضْبَطُ فِي مِثْلِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَمَسَّتْ بِهِ) أَيْ شَيْئًا مِنْ جَسَدِهَا، وَسَيَأْتِي فِي الطَّرِيقِ الَّتِي فِي الْعِدَدِ بِلَفْظِ: فَمَسَّتْ مِنْهُ. وَسَيَأْتِي فِيهِ لِزَيْنَبَ حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْإِحْدَادِ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ مُسْتَوْفًى، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣١ - باب زِيَارَةِ الْقُبُورِ
١٢٨٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي، قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَتْ النَّبِيّ ﷺ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (بَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ)؛ أَيْ مَشْرُوعِيَّتُهَا، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْحُكْمِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخِلَافِ كَمَا سَيَأْتِي، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُثْبِتْ عَلَى شَرْطِهِ الْأَحَادِيثَ الْمُصَرِّحَةَ بِالْجَوَازِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، وَفِيهِ نَسْخُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَلَفْظُهُ: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِهِ فِيهِ: وَتُرِقُّ الْقَلْبَ، وَتُدْمِعُ الْعَيْنَ، فَلَا تَقُولُوا هُجْرًا. أَيْ كَلَامًا فَاحِشًا، وَهُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَإِنَّهَا تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ. قَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِلْعَبْدِيِّ، وَالْحَازِمِيِّ وَغَيْرِهِمَا: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ جَائِزَةٌ. كَذَا أَطْلَقُوا، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ ابْنَ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرَهُ رَوَى عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ الْكَرَاهَةَ مُطْلَقًا، حَتَّى قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْلَا نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ لَزُرْتُ قَبْرَ ابْنَتِي. فَلَعَلَّ مَنْ أَطْلَقَ أَرَادَ بِالِاتِّفَاقِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بَعْدَ هَؤُلَاءِ، وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّاسِخُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمُقَابِلُ هَذَا قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ: إِنَّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ وَاجِبَةٌ، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمُرِ؛ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ.
وَاخْتُلِفَ فِي النِّسَاءِ، فَقِيلَ: دَخَلْنَ فِي عُمُومِ الْإِذْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا أُمِنَتِ الْفِتْنَةُ، وَيُؤَيِّدُ الْجَوَازَ حَدِيثُ الْبَابِ، وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى الْمَرْأَةِ قُعُودَهَا عِنْدَ الْقَبْرِ، وَتَقْرِيرُهُ حُجَّةٌ.
وَمِمَّنْ حَمَلَ الْإِذْنَ عَلَى عُمُومِهِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَائِشَةُ، فَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ رَآهَا زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقِيلَ لَهَا: أَلَيْسَ قَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ نَهَى، ثُمَّ أَمَرَ بِزِيَارَتِهَا. وَقِيلَ: الْإِذْنُ خَاصٌّ بِالرِّجَالِ، وَلَا يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ، وَبِهِ جَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمُهَذَّبِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي بَابِ اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ، وَبِحَدِيثِ: لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ حَدِيثِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ. وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ فِي حَقِّهِنَّ: هَلْ هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ؟ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا اللَّعْنُ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُكْثِرَاتِ مِنَ الزِّيَارَةِ لِمَا تَقْتَضِيهِ الصِّفَةُ مِنَ الْمُبَالَغَةِ، وَلَعَلَّ السَّبَبَ مَا يُفْضِي إِلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ تَضْيِيعِ حَقِّ الزَّوْجِ وَالتَّبَرُّجِ، وَمَا يَنْشَأُ مِنْهُنَّ مِنَ الصِّيَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَدْ يُقَالُ: إِذَا أُمِنَ جَمِيعُ ذَلِكَ فَلَا مَانِعَ مِنَ الْإِذْنِ، لِأَنَّ تَذَكُّرَ الْمَوْتِ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ.
قَوْلُهُ: (بِامْرَأَةٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا وَلَا اسْمِ صَاحِبِ الْقَبْرِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: مَا يَشْعُرُ بِأَنَّهُ وَلَدُهَا، وَلَفْظُهُ: تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا. وَصُرِّحَ بِهِ فِي مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَلَفْظُهُ: قَدْ أُصِيبَتْ بِوَلَدِهَا. وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ: إِنَّ أَنَسًا قَالَ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ: تَعْرِفِينَ فُلَانَةً؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّ بِهَا. فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، فَقَالَ: يَا أَمَةَ اللَّهِ، اتَّقِي اللَّهَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ فِي بُكَائِهَا قَدْرٌ زَائِدٌ مِنْ نَوْحٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا أَمَرَهَا بِالتَّقْوَى. قُلْتُ: يُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْمَذْكُورِ: فَسَمِعَ مِنْهَا مَا يُكْرَهُ، فَوَقَفَ عَلَيْهَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: اتَّقِي اللَّهَ تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: وَاصْبِرِي، كَأَنَّهُ قِيلَ لَهَا: خَافِي غَضَبَ اللَّهِ إِنْ لَمْ تَصْبِرِي، وَلَا تَجْزَعِي لِيَحْصُلَ لَكِ الثَّوَابُ.
قَوْلُهُ: (إِلَيْكَ عَنِّي) هُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ، وَمَعْنَاهَا تَنَحَّ وَابْعُدْ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي) سَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: فَإِنَّكَ خِلْوٌ مِنْ مُصِيبَتِي وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَلِمُسْلِمٍ: مَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي. وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنِّي أَنَا الْحَرَّى الثَّكْلَى، وَلَوْ كُنْتَ مُصَابًا عَذَرْتَنِي.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ تَعْرِفْهُ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ؛ أَيْ: خَاطَبَتْهُ بِذَلِكَ وَلَمْ تَعْرِفْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (فَقِيلَ لَهَا) فِي رِوَايَةِ الْأَحْكَامِ: فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَتْ: مَا عَرَفْتُهُ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى الْمَذْكُورَةِ: قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفِينَهُ؟ قَالَتْ: لَا. وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الَّذِي سَأَلَهَا هُوَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ لَهُ: فَأَخَذَهَا مِثْلُ الْمَوْتِ؛ أَيْ مِنْ شِدَّةِ الْكَرْبِ الَّذِي أَصَابَهَا لَمَّا عَرَفَتْ أَنَّهُ ﷺ، خَجَلًا مِنْهُ وَمَهَابَةً.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ) فِي رِوَايَةِ الْأَحْكَامِ: بَوَّابًا بِالْإِفْرَادِ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: فَائِدَةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ بَيَانُ عُذْرِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ فِي كَوْنِهَا لَمْ تَعْرِفْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ لَا يَتَّخِذَ بَوَّابًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ تَوَاضُعًا، وَكَانَ مِنْ شَأْنِهِ لَا يَسْتَتْبِعُ النَّاسَ وَرَاءَهُ إِذَا مَشَى كَمَا جَرَتْ عَادَةُ الْمُلُوكِ وَالْأَكَابِرُ، فَلِذَلِكَ اشْتَبَهَ عَلَى الْمَرْأَةِ، فَلَمْ تَعْرِفْهُ مَعَ مَا كَانَتْ فِيهِ مِنْ شَاغِلِ الْوَجْدِ وَالْبُكَاءِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فَائِدَةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ، اسْتَشْعَرَتْ خَوْفًا وَهَيْبَةً فِي نَفْسِهَا، فَتَصَوَّرَتْ أَنَّهُ مِثْلُ الْمُلُوكِ لَهُ حَاجِبٌ وَبَوَّابٌ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الْأَمْرَ بِخِلَافِ مَا تَصَوَّرَتْهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عَرَفْتُكَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى) فِي رِوَايَةِ الْأَحْكَامِ: عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ. وَنَحْوُهُ لِمُسْلِمٍ، وَالْمَعْنَى إِذَا وَقَعَ الثَّبَاتُ أَوَّلَ شَيْءٍ يَهْجُمُ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْجَزَعِ، فَذَلِكَ هُوَ الصَّبْرُ الْكَامِلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ. وَأَصْلُ الصَّدْمِ: ضَرْبُ الشَّيْءِ الصُّلْبِ بِمِثْلِهِ، فَاسْتُعِيرَ لِلْمُصِيبَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقَلْبِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ:
الْمَعْنَى أَنَّ الصَّبْرَ الَّذِي يُحْمَدُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ مَا كَانَ عِنْدَ مُفَاجَأَةِ الْمُصِيبَةِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ عَلَى الْأَيَّامِ يَسْلُو. وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يُؤْجَرْ عَلَى الْمُصِيبَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ صُنْعِهِ، وَإِنَّمَا يُؤْجَرْ عَلَى حُسْنِ تَثَبُّتِهِ وَجَمِيلِ صَبْرِهِ. وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: أَرَادَ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ عَلَيْهَا مُصِيبَةُ الْهَلَاكِ، وَفَقْدُ الْأَجْرِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: صَدَرَ هَذَا الْجَوَابُ مِنْهُ ﷺ عَنْ قَوْلِهَا: لَمْ أَعْرِفْكَ عَلَى أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا: دَعِي الِاعْتِذَارَ فَإِنِّي لَا أَغْضَبُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَانْظُرِي لِنَفْسِكِ. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: فَائِدَةُ جَوَابِ الْمَرْأَةِ بِذَلِكَ أَنَّهَا لَمَّا جَاءَتْ طَائِعَةً لِمَا أَمَرَهَا بِهِ مِنَ التَّقْوَى وَالصَّبْرِ، مُعْتَذِرَةً عَنْ قَوْلِهَا الصَّادِرِ عَنِ الْحُزْنِ، بَيَّنَ لَهَا أَنَّ حَقَّ هَذَا الصَّبْرِ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِ الْحَالِ، فَهُوَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ. انْتَهَى. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَةِ: فَقَالَتْ أَنَا أَصْبِرُ، أَنَا أَصْبِرُ.
وَفِي مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْمَذْكُورِ، فَقَالَ: اذْهَبِي إِلَيْكِ، فَإِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ الصَّمَدةِ الْأُولَى. وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِيهِ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ: وَالْعَبْرَةُ لَا يَمْلِكُهَا ابْنُ آدَمَ. وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الْمَذْكُورَةُ تَأَخَّرَتْ بَعْدَ الدَّفْنِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَالزِّيَارَةُ إِنَّمَا تُطْلَقُ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ إِلَى الْقَبْرِ قَصْدًا مِنْ جِهَةِ اسْتِوَاءِ الْحُكْمِ فِي حَقِّهَا، حَيْثُ أَمَرَهَا بِالتَّقْوَى وَالصَّبْرِ لِمَا رَأَى مِنْ جَزَعهَا، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا الْخُرُوجَ مِنْ بَيْتِهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهَا لِتَشْيِيعِ مَيِّتِهَا، فَأَقَامَتْ عِنْدَ الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ، أَوْ أَنْشَأَتْ قَصْدَ زِيَارَتِهِ بِالْخُرُوجِ بِسَبَبِ الْمَيِّتِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ: مَا كَانَ فِيهِ ﵊ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالرِّفْقِ بِالْجَاهِلِ، وَمُسَامَحَةُ الْمُصَابِ وَقَبُولُ اعْتِذَارِهِ، وَمُلَازَمَةُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَفِيهِ: الْقَاضِي لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ مَنْ يَحْجُبُهُ عَنْ حَوَائِجِ النَّاسِ، وَأَنَّ مَنْ أُمِرَ بِمَعْرُوفٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْبَلَ وَلَوْ لَمْ يَعْرِفِ الْآمِرَ. وَفِيهِ أَنَّ الْجَزَعَ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ لِأَمْرِهِ لَهَا بِالتَّقْوَى مَقْرُونًا بِالصَّبْرِ. وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي احْتِمَالِ الْأَذَى عِنْدَ بَذْلِ النَّصِيحَةِ وَنَشْرِ الْمَوْعِظَةِ، وَأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ بِالْخِطَابِ إِذَا لَمْ تُصَادِفِ الْمَنْوِيَّ لَا أَثَرَ لَهَا. وَبَنَى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ مَا إِذَا قَالَ: يَا هِنْدُ، أَنْتِ طَالِقٌ. فَصَادَفَ عَمْرَةَ أَنَّ عَمْرَةَ لَا تُطَلَّقُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ سَوَاءٌ كَانَ الزَّائِرُ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً كَمَا تَقَدَّمَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَزُورُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، لِعَدَمِ الِاسْتِفْصَالِ فِي ذَلِكَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَبِالْجَوَازِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: لَا تَجُوزُ زِيَارَةُ قَبْرِ الْكَافِرِ، وَهُوَ غَلَطٌ. انْتَهَى. وَحُجَّةُ الْمَاوَرْدِيِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ تَرْجَمَةَ زِيَارَةِ الْقُبُورِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَحْكَامِ تَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَقَدَّمُ الزِّيَارَةَ، لِأَنَّ الزِّيَارَةَ يَتَكَرَّرُ وُقُوعُهَا فَجَعَلَهَا أَصْلًا وَمِفْتَاحًا لِتِلْكَ الْأَحْكَامِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَأَشَارَ أَيْضًا إِلَى أَنَّ مُنَاسَبَةَ تَرْجَمَةِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ تُنَاسِبُ اتِّبَاعَ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ حَصْرَ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِخُرُوجِ النِّسَاءِ مُتَوَالِيَةً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٢ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ ذُنُوبًا ﴿إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ وَمَا يُرَخَّصُ مِنْ الْبُكَاءِ من غَيْرِ نَوْحٍ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
في الجملة وإن اختُلِفَ في بعض فروعه، واستُشكِلَ بأنَّ مفهومه: «إلَّا على زوجٍ»، فإنَّه يحلُّ لها الإحداد، فأين الوجوب؟ وأُجيبَ بأنَّ الإجماع على الوجوب، فاكتفى به، وأيضًا فإنَّ في حديث أمِّ عطيَّة النَّهي الصَّريح عن الكحل، وعن لبس (١) ثوبٍ مصبوغٍ، وعن الطِّيب، فلعلَّه مستند (٢) الإجماع، وفي حديث أمِّ سلمة (٣) عند النَّسائيِّ وأبي داود قالت: قال النَّبيُّ ﷺ: «لا تلبس المتوفَّى عنها زوجها المعصفر من الثِّياب» الحديث، وظاهره أنَّه مجزومٌ على النَّهي، وفي روايةٍ لأبي داود: «لا تحدُّ المرأة فوق ثلاثٍ إلَّا على زوجٍ، فإنَّها تحدُّ أربعة أشهرٍ وعشرًا» فهذا أمرٌ بلفظ الخبر؛ إذ ليس المراد معنى الخبر (٤)، فهو على حدِّ قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] والمراد به: الأمر اتِّفاقًا، والله أعلم (٥).
(٣١) (باب) مشروعيَّة (زِيَارَةِ القُبُورِ) وسقط الباب والتَّرجمة لابن عساكر.
١٢٨٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا
ثَابِتٌ) البُنانيُّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ) زاد في رواية يحيى بن أبي كثيرٍ، عند عبد الرَّزَّاق: فسمع منها ما يكره، أي: من نَوْحٍ أو غيره، ولم تُعرَف المرأة ولا صاحب القبر، لكن في روايةٍ لمسلمٍ (١) ما يشعر بأنَّه ولدها، ولفظه: تبكي على صبيٍّ لها، وصُرِّح به في مرسل يحيى بن أبي كثيرٍ المذكور، ولفظه: قد أُصيبتْ بولدها (فَقَالَ) لها: يا أمة الله (اتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي) قال الطِّيبيُّ: أي: خافي غضب الله إن لم تصبري، ولا تجزعي؛ ليحصل لك الثَّواب (قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي) أي: تنحَّ وابعُدْ، فهو من أسماء الأفعال (فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة، وفتح الصَّاد في «تُصَب» مبنيًّا للمفعول، وعند المصنِّف في «الأحكام» من وجهٍ آخر عن شعبة: فإنَّك خِلْوٌ من مصيبتي [خ¦٧١٥٤] بكسر الخاء المعجمة وسكون اللَّام، خاطبته بذلك (وَ) الحال أنَّها (لَمْ تَعْرِفْهُ) إذ لو عرفته؛ لم تخاطبه بهذا الخطاب (فَقِيلَ لَهَا) وللحَمُّويي والمُستملي: «لم تُصَبْ بمصيبتي، فقيل لها»: (إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ) وعند المؤلِّف في «الأحكام» [خ¦٧١٥٤]: فمرَّ بها رجلٌ، فقال لها (٢): إنَّه رسول الله ﷺ، وفي رواية أبي يَعلى من حديث أبي هريرة قال: فهل تعرفينه؟ قالت له (٣): لا، وللطَّبرانيِّ في «الأوسط» من طريق عطيَّة عن أنسٍ: أنَّ الَّذي سألها هو الفضل بن العبَّاس، وزاد مسلمٌ في روايةٍ له: فأخذها مثل الموت، أي: من شدَّة الكرب الَّذي أصابها لمَّا عرفت أنَّه رسول الله ﷺ، وإنَّما اشتبه عليها ﷺ؛ لأنَّه من تواضعه لم يكن يستتبع النَّاس وراءه إذا مشى كعادة الملوك والكبراء، مع ما كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء (فَأَتَتْ) بَابَ (النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ) يمنعون النَّاس من الدُّخول عليه، وفي رواية «الأحكام»: «بوَّابًا» [خ¦٧١٥٤] بالإفراد، فإن قلت: ما فائدة هذه الجملة؟ أجاب شارح «المشكاة» بأنَّه لما قيل لها: إنَّه النَّبيُّ ﷺ استشعرت خوفًا وهيبةً في نفسها، فتصوَّرت أنَّه مثل الملوك، له حاجبٌ أو بوَّابٌ، يمنع النَّاس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصوَّرته (فَقَالَتْ) معتذرةً عمَّا سبق منها، حيث قالت: «إليك عنِّي»: (لَمْ أَعْرِفْكَ) فاعذرني
من تلك الرَّدَّة وخشونتها (فَقَالَ) لها ﵊: (إِنَّمَا الصَّبْرُ) الكامل (عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى) الواردة على القلب، أي: دعي الاعتذار؛ فإنَّ من شيمتي ألَّا أغضب إلَّا لله، وانظري إلى تفويتك من نفسك الجزيل من الثَّواب بالجزع، وعدم الصَّبر أوَّل فجأة المصيبة، فاغتفر لها ﵊ تلك الجفوة، لصدورها عنها في حال مصيبتها وعدم معرفتها به، وبيَّن (١) لها أنَّ حقَّ هذا الصَّبر أن يكون في أوَّل الحال، فهو الَّذي يترتَّب عليه الثَّواب بخلاف ما بعد ذلك، فإنَّه على طول الأيَّام يسلو كما يقع لكثيرٍ من أهل المصائب، بخلاف أوَّل وقوع المصيبة، فإنَّه يصدم القلب بغتةً، وقد قيل: إنَّ المرء لا يؤجر على المصيبة؛ لأنَّها ليست من صنعه، وإنَّما يؤجر على حسن نيَّته، وجميل صبره، ومبحث ذلك يأتي إن شاء الله تعالى في موضعه، فإن قلت: من أين تؤخذ مطابقة الحديث للتَّرجمة؟ أُجِيبَ: من حيث إنَّه ﷺ لم ينه المرأة المذكورة عن زيارة قبر ميِّتها، وإنَّما أمرها بالصَّبر والتَّقوى؛ لِمَا رأى من جزعها، فدلَّ على الجواز، واستُدِلَّ به على زيارة القبور، سواءٌ كان الزَّائر رجلًا أو امرأة، وسواءٌ كان المزور مسلمًا أو كافرًا، لعدم الاستفصال في ذلك، قال النَّوويُّ: وبالجواز قَطَع الجمهور، وقال صاحب «الحاوي» أي: الماورديُّ: لا تجوز زيارة قبر الكافر. وهو غلطٌ. انتهى. وحجَّة الماورديِّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] وفي الاستدلال بذلك نظرٌ لا يخفى، وبالجملة: فتستحَبُّ زيارة قبور المسلمين للرِّجال؛ لحديث مسلمٍ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنَّها تذكِّر الآخرة»، وسُئِلَ مالكٌ عن زيارة القبور فقال: قد كان نهى عنه، ثمَّ أذن فيه، فلو فعل ذلك إنسانٌ ولم يقل إلَّا خيرًا؛ لم أرَ بذلك بأسًا، وعن طاوس: كانوا يستحبُّون ألَّا يتفرَّقوا عن الميِّت سبعة أيَّام؛ لأنَّهم يُفتنون ويحاسَبون في قبورهم سبعة أيَّامٍ، وتُكرهَ للنِّساء لجزعهنَّ (٢)، وأمَّا حديث أبي هريرة المرويُّ عند التِّرمذيِّ -وقال: حسنٌ صحيحٌ-: «لعن الله زوَّارات القبور»
فمحمولٌ على ما إذا كانت زيارتهنَّ للتَّعديد والبكاء والنَّوح على ما جرت به عادتهنَّ، وقال القرطبيُّ: وحمل بعضهم حديث التِّرمذيِّ في المنع على من تكثر الزِّيارة؛ لأنَّ «زوَّارات» للمبالغة. انتهى. لو قيل بالحرمة في حقِّهن في هذا الزَّمان، ولا سيَّما نساء مصر لَمَاَ بَعُدَ؛ لِمَا في خروجهنَّ من الفساد، ولا يكره لهنَّ زيارة قبر النَّبيِّ ﷺ، بل تندَب، وينبغي -كما قال ابن الرِّفعة والقمُوليُّ- أن تكون قبور سائر الأنبياء والأولياء كذلك.
وفي الحديث التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه (١) في «الجنائز» [خ¦١٢٥٢] و «الأحكام» [خ¦٧١٥٤] ومسلمٌ في «الجنائز»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
(٣٢) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ) فيما وصله المؤلِّف في الباب، عن ابن عبَّاسٍ عن عمر [خ¦١٢٨٧] (يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ) المتضمِّن للنَّوح المنهيِّ عنه (عَلَيْهِ) وليس المراد دمَعَ العين؛ لجوازه، وإنَّما المراد البكاء الَّذي يتْبعه النَّدب والنَّوح، فإنَّ ذلك إذا اجتمع سُمِّي بكاءً، قال الخليل: من قَصَر البكا، ذهب به إلى معنى الحزن، ومَن مدَّه ذهب به إلى معنى الصَّوت، وقيَّده (٢) بالبعضيَّة تنبيهًا على أنَّ حديث ابن عمر [خ¦١٢٨٦] المطلق محمولٌ على حديث ابن عبَّاسٍ عن
عمر [خ¦١٢٨٧] الآتي كلٌّ منهما إن شاء الله تعالى في هذا الباب (إِذَا كَانَ) الميِّت في حال حياته راضيًا بذلك بأن يكون (النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ) بضمِّ السِّين وتشديد النُّون، أي: من طريقته وعادته، وأمَّا قول الزَّركشيِّ: هذا منه، أي: من المؤلِّف، حملٌ للنَّهي عن ذلك، أي: أنَّه يوصي بذلك، فيعذَّب بفعل نفسه، فتعقَّبه صاحب «مصابيح الجامع» بأنَّ الظَّاهر أنَّ البخاريَّ لا يعني الوصيَّة، وإنَّما يعني العادة، وعليه يدلُّ قوله: «من (١) سنَّته» إذ السُّنَّة: الطَّريقة والسِّيرة، يعني: إذا كان الميِّت قد عوَّد أهله أن يبكوا على من يفقدونه في حياته، وينوحوا عليه بما لا يجوز، وأقرَّهم على ذلك، فهو داخلٌ في الوعيد، وإن لم يوصِ، فإنْ أوصى فهو أشدُّ. انتهى. وليس قوله: «إذا كان النَّوح من سنَّته» من المرفوع، بل هو من كلام المؤلِّف، قاله تفقُّهًا (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) (﴿قُوا أَنفُسَكُمْ﴾) بترك المعاصي الشَّاملة للنَّوح وغيره (﴿وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]) بالنُّصح والتَّأديب لهم، فمنَ علم أنَّ لأهله عادةً بفعلٍ منكرٍ من نَوحٍ أو غيره، وأهمل نهيَهم عنه، فما وقى أهله ولا نفسه من النَّار (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) ممَّا تقدَّم موصولًا في حديثٍ لابن (٣) عمر في «الجمعة» [خ¦٨٩٣]: (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) فمَن ناح ما (٤) رعى نفسه ولا رعيَّته الَّذين هم أهله؛ لأنَّهم يقتدون به في سنَّته (فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ) النَّوح، كمن لا شعور عنده بأنَّهم يفعلون شيئًا من ذلك، أو أدَّى ما عليه بأن نهاهم (فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂) مستدلَّةً لما أنكرت على عمر ﵁ حديثه المرفوع الآتي إن شاء الله تعالى قريبًا [خ¦١٢٨٨]:
«إنَّ الميِّت يُعَذَّب ببعض بكاء أهله عليه» بقوله تعالى: (﴿وَلَا تَزِرُ﴾) سقطت الواو من «﴿وَلَا تَزِرُ﴾» لغير أبي ذرٍّ (١)، لا تحمل (﴿وَازِرَةٌ﴾) نفسٌ آثمةٌ (﴿وِزْرَ﴾) نفسٍ (﴿أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]) والجملة جواب «إذا» المتضمِّنة (٢) معنى الشرط، والحاصل: أنَّه إذا لم يكن من سنَّته؛ فلا شيء عليه، كقول عائشة، فالكاف للتَّشبيه و «ما» مصدريَّةٌ، أي: كقول عائشة ﵂ (وَهُوَ) أي: ما استدلَّت به عائشة من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (كَقَوْلِهِ (٣): ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ -ذُنُوبًا- ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾) وليست: «ذنوبًا»، من التِّلاوة وإنَّما هو في «تفسير مجاهد»، فنقله المصنِّف عنه، والمعنى: وإن تَدعُ نفسٌ أثقلتها أوزارها أحدًا من الآحاد إلى أن يُحمل بعض ما عليها (﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾) أي: من وزره (﴿شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨]) وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] ففي الضَّالين المضلِّين، فإنَّهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، وكلُّ ذلك أوزارهم ليس فيها شيءٌ من أوزار غيرهم، وهذه الجملة من قوله، وهو كقوله: «﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾» وقعت في رواية أبي ذرٍّ وحده، كما أفاده في «الفتح»، ثمَّ عطف المؤلِّف على أوَّل التَّرجمة قوله: (وَمَا يُرَخَّصُ مِنَ البُكَاءِ) في المصيبة (فِي غَيْرِ نَوْحٍ) وهو حديث أخرجه ابن أبي شيبة والطَّبرانيُّ، وصحَّحه الحاكم، لكن ليس على شرط المؤلِّف، ولذا اكتفى بالإشارة إليه، واستغنى عنه بأحاديث الباب الدَّالَّة على مقتضاه (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) ممَّا وصله المؤلِّف في «الدِّيات» [خ¦٦٨٦٧] وغيرها، من جملة حديثٍ لابن مسعودٍ: (لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا) أي: من حيث الظُّلم (إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ) قابيل الَّذي قتل
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ﷺ بَعْدَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ، فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادُ، لِأَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَمَا جَاءَ الْخَبَرُ بِوَفَاةِ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَتْ فِي سِنِّ مَنْ يَضْبِطُ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يَحْزَنَ الْمَرْءُ عَلَى قَرِيبِهِ الْكَافِرِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا تَذَكَّرَ سُوءَ مَصِيرِهِ. وَلَعَلَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِي الْمُوَطَّأِ: حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ كَانَتْ عُبَيْدَ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ، فَلَمْ يَضْبِطْهَا الْكَاتِبُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُعَكِّرُ عَلَى هَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنْ عُبَيْدَ اللَّهِ مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةَ، فَتَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ حَبِيبَةَ، فَإِنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّ تَزَوُّجَهَا كَانَ بَعْدَ مَوْتِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَتَزْوِيجَهَا وَقَعَ وَهِيَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَقَبْلَ أَنْ تَسْمَعَ النَّهْيَ، وَأَيْضًا فَفِي السِّيَاقِ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ.
بَعْدَ قَوْلِهَا: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ قَرِيبِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ بَعْدَ مَجِيءِ أُمِّ حَبِيبَةَ مِنَ الْحَبَشَةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الظَّنُّ هُوَ الْوَاقِعُ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَخًا لِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ مِنْ أُمِّهَا، أَوْ مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَوْ يُرَجَّحُ مَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبَي سَلَمَةَ وُلِدَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَإِنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهَا عِنْدَ وَفَاةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ أَرْبَعُ سِنِينَ. وَمَا مِثْلُهَا (١) يُضْبَطُ فِي مِثْلِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَمَسَّتْ بِهِ) أَيْ شَيْئًا مِنْ جَسَدِهَا، وَسَيَأْتِي فِي الطَّرِيقِ الَّتِي فِي الْعِدَدِ بِلَفْظِ: فَمَسَّتْ مِنْهُ. وَسَيَأْتِي فِيهِ لِزَيْنَبَ حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْإِحْدَادِ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ مُسْتَوْفًى، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣١ - باب زِيَارَةِ الْقُبُورِ
١٢٨٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي، قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَتْ النَّبِيّ ﷺ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (بَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ)؛ أَيْ مَشْرُوعِيَّتُهَا، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْحُكْمِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخِلَافِ كَمَا سَيَأْتِي، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُثْبِتْ عَلَى شَرْطِهِ الْأَحَادِيثَ الْمُصَرِّحَةَ بِالْجَوَازِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، وَفِيهِ نَسْخُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَلَفْظُهُ: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِهِ فِيهِ: وَتُرِقُّ الْقَلْبَ، وَتُدْمِعُ الْعَيْنَ، فَلَا تَقُولُوا هُجْرًا. أَيْ كَلَامًا فَاحِشًا، وَهُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَإِنَّهَا تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ. قَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِلْعَبْدِيِّ، وَالْحَازِمِيِّ وَغَيْرِهِمَا: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ جَائِزَةٌ. كَذَا أَطْلَقُوا، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ ابْنَ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرَهُ رَوَى عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ الْكَرَاهَةَ مُطْلَقًا، حَتَّى قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْلَا نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ لَزُرْتُ قَبْرَ ابْنَتِي. فَلَعَلَّ مَنْ أَطْلَقَ أَرَادَ بِالِاتِّفَاقِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بَعْدَ هَؤُلَاءِ، وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّاسِخُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمُقَابِلُ هَذَا قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ: إِنَّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ وَاجِبَةٌ، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمُرِ؛ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ.
وَاخْتُلِفَ فِي النِّسَاءِ، فَقِيلَ: دَخَلْنَ فِي عُمُومِ الْإِذْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا أُمِنَتِ الْفِتْنَةُ، وَيُؤَيِّدُ الْجَوَازَ حَدِيثُ الْبَابِ، وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى الْمَرْأَةِ قُعُودَهَا عِنْدَ الْقَبْرِ، وَتَقْرِيرُهُ حُجَّةٌ.
وَمِمَّنْ حَمَلَ الْإِذْنَ عَلَى عُمُومِهِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَائِشَةُ، فَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ رَآهَا زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقِيلَ لَهَا: أَلَيْسَ قَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ نَهَى، ثُمَّ أَمَرَ بِزِيَارَتِهَا. وَقِيلَ: الْإِذْنُ خَاصٌّ بِالرِّجَالِ، وَلَا يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ، وَبِهِ جَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمُهَذَّبِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي بَابِ اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ، وَبِحَدِيثِ: لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ حَدِيثِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ. وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ فِي حَقِّهِنَّ: هَلْ هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ؟ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا اللَّعْنُ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُكْثِرَاتِ مِنَ الزِّيَارَةِ لِمَا تَقْتَضِيهِ الصِّفَةُ مِنَ الْمُبَالَغَةِ، وَلَعَلَّ السَّبَبَ مَا يُفْضِي إِلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ تَضْيِيعِ حَقِّ الزَّوْجِ وَالتَّبَرُّجِ، وَمَا يَنْشَأُ مِنْهُنَّ مِنَ الصِّيَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَدْ يُقَالُ: إِذَا أُمِنَ جَمِيعُ ذَلِكَ فَلَا مَانِعَ مِنَ الْإِذْنِ، لِأَنَّ تَذَكُّرَ الْمَوْتِ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ.
قَوْلُهُ: (بِامْرَأَةٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا وَلَا اسْمِ صَاحِبِ الْقَبْرِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: مَا يَشْعُرُ بِأَنَّهُ وَلَدُهَا، وَلَفْظُهُ: تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا. وَصُرِّحَ بِهِ فِي مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَلَفْظُهُ: قَدْ أُصِيبَتْ بِوَلَدِهَا. وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ: إِنَّ أَنَسًا قَالَ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ: تَعْرِفِينَ فُلَانَةً؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّ بِهَا. فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، فَقَالَ: يَا أَمَةَ اللَّهِ، اتَّقِي اللَّهَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ فِي بُكَائِهَا قَدْرٌ زَائِدٌ مِنْ نَوْحٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا أَمَرَهَا بِالتَّقْوَى. قُلْتُ: يُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْمَذْكُورِ: فَسَمِعَ مِنْهَا مَا يُكْرَهُ، فَوَقَفَ عَلَيْهَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: اتَّقِي اللَّهَ تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: وَاصْبِرِي، كَأَنَّهُ قِيلَ لَهَا: خَافِي غَضَبَ اللَّهِ إِنْ لَمْ تَصْبِرِي، وَلَا تَجْزَعِي لِيَحْصُلَ لَكِ الثَّوَابُ.
قَوْلُهُ: (إِلَيْكَ عَنِّي) هُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ، وَمَعْنَاهَا تَنَحَّ وَابْعُدْ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي) سَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: فَإِنَّكَ خِلْوٌ مِنْ مُصِيبَتِي وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَلِمُسْلِمٍ: مَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي. وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنِّي أَنَا الْحَرَّى الثَّكْلَى، وَلَوْ كُنْتَ مُصَابًا عَذَرْتَنِي.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ تَعْرِفْهُ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ؛ أَيْ: خَاطَبَتْهُ بِذَلِكَ وَلَمْ تَعْرِفْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (فَقِيلَ لَهَا) فِي رِوَايَةِ الْأَحْكَامِ: فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَتْ: مَا عَرَفْتُهُ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى الْمَذْكُورَةِ: قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفِينَهُ؟ قَالَتْ: لَا. وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الَّذِي سَأَلَهَا هُوَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ لَهُ: فَأَخَذَهَا مِثْلُ الْمَوْتِ؛ أَيْ مِنْ شِدَّةِ الْكَرْبِ الَّذِي أَصَابَهَا لَمَّا عَرَفَتْ أَنَّهُ ﷺ، خَجَلًا مِنْهُ وَمَهَابَةً.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ) فِي رِوَايَةِ الْأَحْكَامِ: بَوَّابًا بِالْإِفْرَادِ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: فَائِدَةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ بَيَانُ عُذْرِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ فِي كَوْنِهَا لَمْ تَعْرِفْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ لَا يَتَّخِذَ بَوَّابًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ تَوَاضُعًا، وَكَانَ مِنْ شَأْنِهِ لَا يَسْتَتْبِعُ النَّاسَ وَرَاءَهُ إِذَا مَشَى كَمَا جَرَتْ عَادَةُ الْمُلُوكِ وَالْأَكَابِرُ، فَلِذَلِكَ اشْتَبَهَ عَلَى الْمَرْأَةِ، فَلَمْ تَعْرِفْهُ مَعَ مَا كَانَتْ فِيهِ مِنْ شَاغِلِ الْوَجْدِ وَالْبُكَاءِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فَائِدَةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ، اسْتَشْعَرَتْ خَوْفًا وَهَيْبَةً فِي نَفْسِهَا، فَتَصَوَّرَتْ أَنَّهُ مِثْلُ الْمُلُوكِ لَهُ حَاجِبٌ وَبَوَّابٌ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الْأَمْرَ بِخِلَافِ مَا تَصَوَّرَتْهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عَرَفْتُكَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى) فِي رِوَايَةِ الْأَحْكَامِ: عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ. وَنَحْوُهُ لِمُسْلِمٍ، وَالْمَعْنَى إِذَا وَقَعَ الثَّبَاتُ أَوَّلَ شَيْءٍ يَهْجُمُ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْجَزَعِ، فَذَلِكَ هُوَ الصَّبْرُ الْكَامِلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ. وَأَصْلُ الصَّدْمِ: ضَرْبُ الشَّيْءِ الصُّلْبِ بِمِثْلِهِ، فَاسْتُعِيرَ لِلْمُصِيبَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقَلْبِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ:
الْمَعْنَى أَنَّ الصَّبْرَ الَّذِي يُحْمَدُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ مَا كَانَ عِنْدَ مُفَاجَأَةِ الْمُصِيبَةِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ عَلَى الْأَيَّامِ يَسْلُو. وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يُؤْجَرْ عَلَى الْمُصِيبَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ صُنْعِهِ، وَإِنَّمَا يُؤْجَرْ عَلَى حُسْنِ تَثَبُّتِهِ وَجَمِيلِ صَبْرِهِ. وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: أَرَادَ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ عَلَيْهَا مُصِيبَةُ الْهَلَاكِ، وَفَقْدُ الْأَجْرِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: صَدَرَ هَذَا الْجَوَابُ مِنْهُ ﷺ عَنْ قَوْلِهَا: لَمْ أَعْرِفْكَ عَلَى أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا: دَعِي الِاعْتِذَارَ فَإِنِّي لَا أَغْضَبُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَانْظُرِي لِنَفْسِكِ. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: فَائِدَةُ جَوَابِ الْمَرْأَةِ بِذَلِكَ أَنَّهَا لَمَّا جَاءَتْ طَائِعَةً لِمَا أَمَرَهَا بِهِ مِنَ التَّقْوَى وَالصَّبْرِ، مُعْتَذِرَةً عَنْ قَوْلِهَا الصَّادِرِ عَنِ الْحُزْنِ، بَيَّنَ لَهَا أَنَّ حَقَّ هَذَا الصَّبْرِ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِ الْحَالِ، فَهُوَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ. انْتَهَى. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَةِ: فَقَالَتْ أَنَا أَصْبِرُ، أَنَا أَصْبِرُ.
وَفِي مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْمَذْكُورِ، فَقَالَ: اذْهَبِي إِلَيْكِ، فَإِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ الصَّمَدةِ الْأُولَى. وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِيهِ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ: وَالْعَبْرَةُ لَا يَمْلِكُهَا ابْنُ آدَمَ. وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الْمَذْكُورَةُ تَأَخَّرَتْ بَعْدَ الدَّفْنِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَالزِّيَارَةُ إِنَّمَا تُطْلَقُ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ إِلَى الْقَبْرِ قَصْدًا مِنْ جِهَةِ اسْتِوَاءِ الْحُكْمِ فِي حَقِّهَا، حَيْثُ أَمَرَهَا بِالتَّقْوَى وَالصَّبْرِ لِمَا رَأَى مِنْ جَزَعهَا، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا الْخُرُوجَ مِنْ بَيْتِهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهَا لِتَشْيِيعِ مَيِّتِهَا، فَأَقَامَتْ عِنْدَ الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ، أَوْ أَنْشَأَتْ قَصْدَ زِيَارَتِهِ بِالْخُرُوجِ بِسَبَبِ الْمَيِّتِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ: مَا كَانَ فِيهِ ﵊ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالرِّفْقِ بِالْجَاهِلِ، وَمُسَامَحَةُ الْمُصَابِ وَقَبُولُ اعْتِذَارِهِ، وَمُلَازَمَةُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَفِيهِ: الْقَاضِي لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ مَنْ يَحْجُبُهُ عَنْ حَوَائِجِ النَّاسِ، وَأَنَّ مَنْ أُمِرَ بِمَعْرُوفٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْبَلَ وَلَوْ لَمْ يَعْرِفِ الْآمِرَ. وَفِيهِ أَنَّ الْجَزَعَ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ لِأَمْرِهِ لَهَا بِالتَّقْوَى مَقْرُونًا بِالصَّبْرِ. وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي احْتِمَالِ الْأَذَى عِنْدَ بَذْلِ النَّصِيحَةِ وَنَشْرِ الْمَوْعِظَةِ، وَأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ بِالْخِطَابِ إِذَا لَمْ تُصَادِفِ الْمَنْوِيَّ لَا أَثَرَ لَهَا. وَبَنَى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ مَا إِذَا قَالَ: يَا هِنْدُ، أَنْتِ طَالِقٌ. فَصَادَفَ عَمْرَةَ أَنَّ عَمْرَةَ لَا تُطَلَّقُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ سَوَاءٌ كَانَ الزَّائِرُ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً كَمَا تَقَدَّمَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَزُورُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، لِعَدَمِ الِاسْتِفْصَالِ فِي ذَلِكَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَبِالْجَوَازِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: لَا تَجُوزُ زِيَارَةُ قَبْرِ الْكَافِرِ، وَهُوَ غَلَطٌ. انْتَهَى. وَحُجَّةُ الْمَاوَرْدِيِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ تَرْجَمَةَ زِيَارَةِ الْقُبُورِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَحْكَامِ تَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَقَدَّمُ الزِّيَارَةَ، لِأَنَّ الزِّيَارَةَ يَتَكَرَّرُ وُقُوعُهَا فَجَعَلَهَا أَصْلًا وَمِفْتَاحًا لِتِلْكَ الْأَحْكَامِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَأَشَارَ أَيْضًا إِلَى أَنَّ مُنَاسَبَةَ تَرْجَمَةِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ تُنَاسِبُ اتِّبَاعَ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ حَصْرَ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِخُرُوجِ النِّسَاءِ مُتَوَالِيَةً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٢ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ ذُنُوبًا ﴿إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ وَمَا يُرَخَّصُ مِنْ الْبُكَاءِ من غَيْرِ نَوْحٍ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
في الجملة وإن اختُلِفَ في بعض فروعه، واستُشكِلَ بأنَّ مفهومه: «إلَّا على زوجٍ»، فإنَّه يحلُّ لها الإحداد، فأين الوجوب؟ وأُجيبَ بأنَّ الإجماع على الوجوب، فاكتفى به، وأيضًا فإنَّ في حديث أمِّ عطيَّة النَّهي الصَّريح عن الكحل، وعن لبس (١) ثوبٍ مصبوغٍ، وعن الطِّيب، فلعلَّه مستند (٢) الإجماع، وفي حديث أمِّ سلمة (٣) عند النَّسائيِّ وأبي داود قالت: قال النَّبيُّ ﷺ: «لا تلبس المتوفَّى عنها زوجها المعصفر من الثِّياب» الحديث، وظاهره أنَّه مجزومٌ على النَّهي، وفي روايةٍ لأبي داود: «لا تحدُّ المرأة فوق ثلاثٍ إلَّا على زوجٍ، فإنَّها تحدُّ أربعة أشهرٍ وعشرًا» فهذا أمرٌ بلفظ الخبر؛ إذ ليس المراد معنى الخبر (٤)، فهو على حدِّ قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] والمراد به: الأمر اتِّفاقًا، والله أعلم (٥).
(٣١) (باب) مشروعيَّة (زِيَارَةِ القُبُورِ) وسقط الباب والتَّرجمة لابن عساكر.
١٢٨٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا
ثَابِتٌ) البُنانيُّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ) زاد في رواية يحيى بن أبي كثيرٍ، عند عبد الرَّزَّاق: فسمع منها ما يكره، أي: من نَوْحٍ أو غيره، ولم تُعرَف المرأة ولا صاحب القبر، لكن في روايةٍ لمسلمٍ (١) ما يشعر بأنَّه ولدها، ولفظه: تبكي على صبيٍّ لها، وصُرِّح به في مرسل يحيى بن أبي كثيرٍ المذكور، ولفظه: قد أُصيبتْ بولدها (فَقَالَ) لها: يا أمة الله (اتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي) قال الطِّيبيُّ: أي: خافي غضب الله إن لم تصبري، ولا تجزعي؛ ليحصل لك الثَّواب (قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي) أي: تنحَّ وابعُدْ، فهو من أسماء الأفعال (فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة، وفتح الصَّاد في «تُصَب» مبنيًّا للمفعول، وعند المصنِّف في «الأحكام» من وجهٍ آخر عن شعبة: فإنَّك خِلْوٌ من مصيبتي [خ¦٧١٥٤] بكسر الخاء المعجمة وسكون اللَّام، خاطبته بذلك (وَ) الحال أنَّها (لَمْ تَعْرِفْهُ) إذ لو عرفته؛ لم تخاطبه بهذا الخطاب (فَقِيلَ لَهَا) وللحَمُّويي والمُستملي: «لم تُصَبْ بمصيبتي، فقيل لها»: (إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ) وعند المؤلِّف في «الأحكام» [خ¦٧١٥٤]: فمرَّ بها رجلٌ، فقال لها (٢): إنَّه رسول الله ﷺ، وفي رواية أبي يَعلى من حديث أبي هريرة قال: فهل تعرفينه؟ قالت له (٣): لا، وللطَّبرانيِّ في «الأوسط» من طريق عطيَّة عن أنسٍ: أنَّ الَّذي سألها هو الفضل بن العبَّاس، وزاد مسلمٌ في روايةٍ له: فأخذها مثل الموت، أي: من شدَّة الكرب الَّذي أصابها لمَّا عرفت أنَّه رسول الله ﷺ، وإنَّما اشتبه عليها ﷺ؛ لأنَّه من تواضعه لم يكن يستتبع النَّاس وراءه إذا مشى كعادة الملوك والكبراء، مع ما كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء (فَأَتَتْ) بَابَ (النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ) يمنعون النَّاس من الدُّخول عليه، وفي رواية «الأحكام»: «بوَّابًا» [خ¦٧١٥٤] بالإفراد، فإن قلت: ما فائدة هذه الجملة؟ أجاب شارح «المشكاة» بأنَّه لما قيل لها: إنَّه النَّبيُّ ﷺ استشعرت خوفًا وهيبةً في نفسها، فتصوَّرت أنَّه مثل الملوك، له حاجبٌ أو بوَّابٌ، يمنع النَّاس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصوَّرته (فَقَالَتْ) معتذرةً عمَّا سبق منها، حيث قالت: «إليك عنِّي»: (لَمْ أَعْرِفْكَ) فاعذرني
من تلك الرَّدَّة وخشونتها (فَقَالَ) لها ﵊: (إِنَّمَا الصَّبْرُ) الكامل (عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى) الواردة على القلب، أي: دعي الاعتذار؛ فإنَّ من شيمتي ألَّا أغضب إلَّا لله، وانظري إلى تفويتك من نفسك الجزيل من الثَّواب بالجزع، وعدم الصَّبر أوَّل فجأة المصيبة، فاغتفر لها ﵊ تلك الجفوة، لصدورها عنها في حال مصيبتها وعدم معرفتها به، وبيَّن (١) لها أنَّ حقَّ هذا الصَّبر أن يكون في أوَّل الحال، فهو الَّذي يترتَّب عليه الثَّواب بخلاف ما بعد ذلك، فإنَّه على طول الأيَّام يسلو كما يقع لكثيرٍ من أهل المصائب، بخلاف أوَّل وقوع المصيبة، فإنَّه يصدم القلب بغتةً، وقد قيل: إنَّ المرء لا يؤجر على المصيبة؛ لأنَّها ليست من صنعه، وإنَّما يؤجر على حسن نيَّته، وجميل صبره، ومبحث ذلك يأتي إن شاء الله تعالى في موضعه، فإن قلت: من أين تؤخذ مطابقة الحديث للتَّرجمة؟ أُجِيبَ: من حيث إنَّه ﷺ لم ينه المرأة المذكورة عن زيارة قبر ميِّتها، وإنَّما أمرها بالصَّبر والتَّقوى؛ لِمَا رأى من جزعها، فدلَّ على الجواز، واستُدِلَّ به على زيارة القبور، سواءٌ كان الزَّائر رجلًا أو امرأة، وسواءٌ كان المزور مسلمًا أو كافرًا، لعدم الاستفصال في ذلك، قال النَّوويُّ: وبالجواز قَطَع الجمهور، وقال صاحب «الحاوي» أي: الماورديُّ: لا تجوز زيارة قبر الكافر. وهو غلطٌ. انتهى. وحجَّة الماورديِّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] وفي الاستدلال بذلك نظرٌ لا يخفى، وبالجملة: فتستحَبُّ زيارة قبور المسلمين للرِّجال؛ لحديث مسلمٍ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنَّها تذكِّر الآخرة»، وسُئِلَ مالكٌ عن زيارة القبور فقال: قد كان نهى عنه، ثمَّ أذن فيه، فلو فعل ذلك إنسانٌ ولم يقل إلَّا خيرًا؛ لم أرَ بذلك بأسًا، وعن طاوس: كانوا يستحبُّون ألَّا يتفرَّقوا عن الميِّت سبعة أيَّام؛ لأنَّهم يُفتنون ويحاسَبون في قبورهم سبعة أيَّامٍ، وتُكرهَ للنِّساء لجزعهنَّ (٢)، وأمَّا حديث أبي هريرة المرويُّ عند التِّرمذيِّ -وقال: حسنٌ صحيحٌ-: «لعن الله زوَّارات القبور»
فمحمولٌ على ما إذا كانت زيارتهنَّ للتَّعديد والبكاء والنَّوح على ما جرت به عادتهنَّ، وقال القرطبيُّ: وحمل بعضهم حديث التِّرمذيِّ في المنع على من تكثر الزِّيارة؛ لأنَّ «زوَّارات» للمبالغة. انتهى. لو قيل بالحرمة في حقِّهن في هذا الزَّمان، ولا سيَّما نساء مصر لَمَاَ بَعُدَ؛ لِمَا في خروجهنَّ من الفساد، ولا يكره لهنَّ زيارة قبر النَّبيِّ ﷺ، بل تندَب، وينبغي -كما قال ابن الرِّفعة والقمُوليُّ- أن تكون قبور سائر الأنبياء والأولياء كذلك.
وفي الحديث التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه (١) في «الجنائز» [خ¦١٢٥٢] و «الأحكام» [خ¦٧١٥٤] ومسلمٌ في «الجنائز»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
(٣٢) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ) فيما وصله المؤلِّف في الباب، عن ابن عبَّاسٍ عن عمر [خ¦١٢٨٧] (يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ) المتضمِّن للنَّوح المنهيِّ عنه (عَلَيْهِ) وليس المراد دمَعَ العين؛ لجوازه، وإنَّما المراد البكاء الَّذي يتْبعه النَّدب والنَّوح، فإنَّ ذلك إذا اجتمع سُمِّي بكاءً، قال الخليل: من قَصَر البكا، ذهب به إلى معنى الحزن، ومَن مدَّه ذهب به إلى معنى الصَّوت، وقيَّده (٢) بالبعضيَّة تنبيهًا على أنَّ حديث ابن عمر [خ¦١٢٨٦] المطلق محمولٌ على حديث ابن عبَّاسٍ عن
عمر [خ¦١٢٨٧] الآتي كلٌّ منهما إن شاء الله تعالى في هذا الباب (إِذَا كَانَ) الميِّت في حال حياته راضيًا بذلك بأن يكون (النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ) بضمِّ السِّين وتشديد النُّون، أي: من طريقته وعادته، وأمَّا قول الزَّركشيِّ: هذا منه، أي: من المؤلِّف، حملٌ للنَّهي عن ذلك، أي: أنَّه يوصي بذلك، فيعذَّب بفعل نفسه، فتعقَّبه صاحب «مصابيح الجامع» بأنَّ الظَّاهر أنَّ البخاريَّ لا يعني الوصيَّة، وإنَّما يعني العادة، وعليه يدلُّ قوله: «من (١) سنَّته» إذ السُّنَّة: الطَّريقة والسِّيرة، يعني: إذا كان الميِّت قد عوَّد أهله أن يبكوا على من يفقدونه في حياته، وينوحوا عليه بما لا يجوز، وأقرَّهم على ذلك، فهو داخلٌ في الوعيد، وإن لم يوصِ، فإنْ أوصى فهو أشدُّ. انتهى. وليس قوله: «إذا كان النَّوح من سنَّته» من المرفوع، بل هو من كلام المؤلِّف، قاله تفقُّهًا (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) (﴿قُوا أَنفُسَكُمْ﴾) بترك المعاصي الشَّاملة للنَّوح وغيره (﴿وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]) بالنُّصح والتَّأديب لهم، فمنَ علم أنَّ لأهله عادةً بفعلٍ منكرٍ من نَوحٍ أو غيره، وأهمل نهيَهم عنه، فما وقى أهله ولا نفسه من النَّار (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) ممَّا تقدَّم موصولًا في حديثٍ لابن (٣) عمر في «الجمعة» [خ¦٨٩٣]: (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) فمَن ناح ما (٤) رعى نفسه ولا رعيَّته الَّذين هم أهله؛ لأنَّهم يقتدون به في سنَّته (فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ) النَّوح، كمن لا شعور عنده بأنَّهم يفعلون شيئًا من ذلك، أو أدَّى ما عليه بأن نهاهم (فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂) مستدلَّةً لما أنكرت على عمر ﵁ حديثه المرفوع الآتي إن شاء الله تعالى قريبًا [خ¦١٢٨٨]:
«إنَّ الميِّت يُعَذَّب ببعض بكاء أهله عليه» بقوله تعالى: (﴿وَلَا تَزِرُ﴾) سقطت الواو من «﴿وَلَا تَزِرُ﴾» لغير أبي ذرٍّ (١)، لا تحمل (﴿وَازِرَةٌ﴾) نفسٌ آثمةٌ (﴿وِزْرَ﴾) نفسٍ (﴿أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]) والجملة جواب «إذا» المتضمِّنة (٢) معنى الشرط، والحاصل: أنَّه إذا لم يكن من سنَّته؛ فلا شيء عليه، كقول عائشة، فالكاف للتَّشبيه و «ما» مصدريَّةٌ، أي: كقول عائشة ﵂ (وَهُوَ) أي: ما استدلَّت به عائشة من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (كَقَوْلِهِ (٣): ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ -ذُنُوبًا- ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾) وليست: «ذنوبًا»، من التِّلاوة وإنَّما هو في «تفسير مجاهد»، فنقله المصنِّف عنه، والمعنى: وإن تَدعُ نفسٌ أثقلتها أوزارها أحدًا من الآحاد إلى أن يُحمل بعض ما عليها (﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾) أي: من وزره (﴿شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨]) وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] ففي الضَّالين المضلِّين، فإنَّهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، وكلُّ ذلك أوزارهم ليس فيها شيءٌ من أوزار غيرهم، وهذه الجملة من قوله، وهو كقوله: «﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾» وقعت في رواية أبي ذرٍّ وحده، كما أفاده في «الفتح»، ثمَّ عطف المؤلِّف على أوَّل التَّرجمة قوله: (وَمَا يُرَخَّصُ مِنَ البُكَاءِ) في المصيبة (فِي غَيْرِ نَوْحٍ) وهو حديث أخرجه ابن أبي شيبة والطَّبرانيُّ، وصحَّحه الحاكم، لكن ليس على شرط المؤلِّف، ولذا اكتفى بالإشارة إليه، واستغنى عنه بأحاديث الباب الدَّالَّة على مقتضاه (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) ممَّا وصله المؤلِّف في «الدِّيات» [خ¦٦٨٦٧] وغيرها، من جملة حديثٍ لابن مسعودٍ: (لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا) أي: من حيث الظُّلم (إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ) قابيل الَّذي قتل