الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 129
الحديث رقم 129 من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: ذُكِرَ لِي
يُخبرُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ مَن مات لا يشرك بالله شيئًا فمصيرُه إلى الجنة وإنْ عُذِّبَ على بعضِ ذنوبِه، وأنَّ مَن مات وهو يشرك بالله شيئًا خُلِّد في النار.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَأْكُلُ مَوَاضِعَ السُّجُودِ مِنَ الْمُسْلِمِ كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا، وَكَذَا لِسَانُهُ النَّاطِقُ بِالتَّوْحِيدِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (فَيَسْتَبْشِرُونَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ أَيْ فَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَلِلْبَاقِينَ بِحَذْفِ النُّونِ، وَهُوَ أَوْجَهُ لِوُقُوعِ الْفَاءِ بَعْدَ النَّفْيِ أَوِ الِاسْتِفْهَامِ أَوِ الْعَرْضِ وَهِيَ تَنْصِبُ فِي كُلِّ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (إِذًا يَتَّكِلُوا) بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَفْتُوحَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ، وَهُوَ جَوَابٌ وَجَزَاءٌ أَيْ: إِنْ أَخْبَرْتَهُمْ يَتَّكِلُوا. وَلِلْأَصِيلِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ يَنْكُلُوا - بِإِسْكَانِ النُّونِ وَضَمِّ الْكَافِ - أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنَ الْعَمَلِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا يَتَبَادَرُ مِنْ ظَاهِرِهِ، وَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لِمُعَاذٍ فِي التَّبْشِيرِ، فَلَقِيَهُ عُمَرُ فَقَالَ: لَا تَعْجَلْ. ثُمَّ دَخَلَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَنْتَ أَفْضَلُ رَأْيًا، إِنَّ النَّاسَ إِذَا سَمِعُوا ذَلِكَ اتَّكَلُوا عَلَيْهَا، قَالَ فَرَدَّهُ. وَهَذَا مَعْدُودٌ مِنْ مُوَافَقَاتِ عُمَرَ، وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ بِحَضْرَتِهِ ﷺ. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ مُتَكَلِّمِي الْأَشَاعِرَةِ مِنْ قَوْلِهِ: يَتَّكِلُوا عَلَى أَنَّ لِلْعَبْدِ اخْتِيَارًا كَمَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ (١).
قَوْلُهُ: (عِنْدَ مَوْتِهِ) أَيْ: مَوْتِ مُعَاذٍ. وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قُلْتُ: وَيَرُدُّهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ مُعَاذًا حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ يَقُولُ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ إِلَّا مَخَافَةَ أَنْ تَتَّكِلُوا. . فَذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (تَأَثُّمًا) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ الْمَضْمُومَةِ، أَيْ: خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي الْإِثْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي حَدِيثِ بَدْءِ الْوَحْيِ فِي قَوْلِهِ: يَتَحَنَّثُ. وَالْمُرَادُ بِالْإِثْمِ الْحَاصِلُ مِنْ كِتْمَانِ الْعِلْمِ، وَدَلَّ صَنِيعُ مُعَاذٍ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّبْشِيرِ كَانَ عَلَى التَّنْزِيهِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ يُخْبِرُ بِهِ أَصْلًا. أَوْ عَرَفَ أَنَّ النَّهْيَ مُقَيَّدٌ بِالِاتِّكَالِ فَأَخْبَرَهُ بِهِ مَنْ لَا يَخْشَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِذَا زَالَ الْقَيْدُ زَالَ الْمُقَيَّدُ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِكَوْنِهِ أَخَّرَ ذَلِكَ إِلَى وَقْتِ مَوْتِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَعَلَّ مُعَاذًا لَمْ يَفْهَمِ النَّهْيَ، لَكِنْ كُسِرَ عَزْمُهُ عَمَّا عَرَضَ لَهُ مِنْ تَبْشِيرِهِمْ. قُلْتُ: وَالرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ صَرِيحَةٌ فِي النَّهْيِ، فَالْأَوْلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْإِرْدَافِ، وَبَيَانُ تَوَاضُعِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَنْزِلَةُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِنَ الْعِلْمِ لِأَنَّهُ خَصَّهُ بِمَا ذَكَرَ. وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِفْسَارِ الطَّالِبِ عَمَّا يَتَرَدَّدُ فِيهِ، وَاسْتِئْذَانِهِ فِي إِشَاعَةِ مَا يَعْلَمُ بِهِ وَحْدَهُ.
١٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذِ: مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ. قَالَ: أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: لَا، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَذَكَرَ الْجَيَّانِيُّ أَنَّ عَبْدُوسًا، وَالْقَابِسِيَّ رَوَيَاهُ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ بِإِسْقَاطِ مُسَدَّدٍ مِنَ السَّنَدِ، قَالَ: وَهُوَ وَهْمٌ وَلَا يَتَّصِلُ السَّنَدُ إِلَّا بِذِكْرِهِ، انْتَهَى. وَمُعْتَمِرٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ إِلَّا مُعَاذًا، وَكَذَا الَّذِي قَبْلَهُ إِلَّا إِسْحَاقَ فَهُوَ مَرْوَزِيٌّ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهْوَيْهِ.
قَوْلُهُ: (ذُكِرَ لِي) هُوَ بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَلَمْ يُسَمِّ أَنَسٌ مَنْ ذَكَرَ لَهُ فِي ذَلِكَ جَمِيعَ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الطُّرُقِ، وَكَذَلِكَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ عِنْدِ أَحْمَدَ ; لِأَنَّ مُعَاذًا إِنَّمَا حَدَّثَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ بِالشَّامِ، وَجَابِرٌ، وَأَنَسٌ إِذْ ذَاكَ بِالْمَدِينَةِ فَلَمْ يَشْهَدَاهُ وَقَدْ حَضَرَ ذَلِكَ مِنْ مُعَاذٍ، عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيُّ أَحَدُ الْمُخَضْرَمِينَ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا فِي سِيَاقِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ ثَمَّ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان بن طرخان البصريُّ نزيل بني تيمٍ (١)، المُتوفَّى بالبصرة سنة سبعٍ وثمانين ومئةٍ (٢) (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سليمانُ، المُتوفَّى بالبصرة سنة ثلاثٍ وأربعين ومئةٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «أنس بن مالكٍ» (قَالَ: ذُكِرَ لِي) على صيغة المجهول، ولم يسمِّ أنسٌ مَنْ ذَكَرَ له ذلك، وهو غير قادحٍ في صحَّة الحديث لأنَّ متنه ثابتٌ من طريقٍ أخرى، وأيضًا: فأنسٌ لا يروي إلَّا عن عدلٍ صحابيٍّ أو غيره، فلا تضرُّ الجهالة هنا، ويحتمل أن يكون: عَمرو بن ميمونٍ، أو عبد الرَّحمن بن سَمُرة (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ) زاد في رواية غير أبوي ذَرٍّ والوقت: «ابن جبلٍ» ومقول القول: (مَنْ لَقِيَ اللهَ) أي: مات حال كونه (لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) حين الموت (دَخَلَ الجَنَّةَ) وإن لم يعمل صالحًا إمَّا قبل دخوله النَّار أو بعده بفضل الله ورحمته، واقتصر على نفي الإشراك لأنَّه يستدعي التَّوحيد بالاقتضاء، ولم يذكر إثبات الرِّسالة لأنَّ نفيَ الإشراك يستدعي إثباتها؛ للزوم أنَّ من كذَّب رسل (٣) الله فقد كذَّب اللهَ، ومن كذَّب الله، فهو كافرٌ، أو هو نحو: من توضَّأ صحَّت صلاته، أي: عند وجود سائر الشُّروط، فالمُرَاد: مَنْ لَقِيَ اللهَ مُوحِّدًا بسائر ما يجب الإيمان به (قَالَ) معاذٌ، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «فقال»: (أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ) بذلك؟ (قَالَ) النَّبيُّ ﷺ: (لَا) تبشِّرهم، ثمَّ استأنف، فقال: (أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، أي: أخاف اتِّكالهم على مُجرَّد التَّوحيد، وفي رواية كريمة وأبي الوقت: قال: «لا، إنِّي أخاف» وعلى الرِّواية الأولى: ليست كلمة النَّهيِ داخلةً على «أخاف»، فافهم.
(٥٠) هذا (بابُ الحَيَاءِ) بالمدِّ (فِي) تعلُّم (العِلْمِ) وتعليمه (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) أي: ابن جبرٍ، التَّابعيُّ الكبير، ممَّا وصله أبو نُعيمٍ في «الحلية» من طريق عليِّ بن المدينيِّ، عن ابن عُيَيْنَةَ، عن منصورٍ، عنه بإسنادٍ صحيحٍ على شرط المؤلِّف: (لَا يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحْيِيْ) بإسكان الحاء وبياءين أخيرتهما (١) ساكنةٌ، من: استحيا يستحيي على وزن «مُسْتَفْعِلٍ»، ويجوز فيه «مستحيٍ» أي: بياءٍ واحدةٍ (٢) من «استحى يستحي» على وزن «مُسْتَفْعٍ»، ويجوز «مستحٍ» من غير ياءٍ على وزن «مُسْتَفٍ» (وَلَا مُسْتَكْبِرٌ) يتعاظم ويستنكف أن يتعلَّم العلم ويستكثر منه، وهو أعظم آفات العلم، فالحياء هنا مذمومٌ لكونه سببًا لترك أمرٍ شرعيٍّ، و «لا» ليست ناهيةً، بل نافيةٌ، ومن ثمَّ كانت ميم «يتعلَّمُ» مضمومةً.
(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ ممَّا وصله مسلمٌ: (نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ) برفع «نساءُ» في الموضعين، فالأولى: على الفاعليَّة، والثَّانية: على أنَّها مخصوصةٌ بالمدح، والمُرَاد من نساءِ الأنصار نساء أهل المدينة (لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ) عن (أَنْ يَتَفَقَّهْنَ) أي: عنِ التَّفقُّه (فِي) أمور (الدِّينِ).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
من تَتِمَّة الحَدِيث أَو غَرَضه أَنِّي لما رويت أول الحَدِيث بَادر ابْن الزبير إِلَى رِوَايَة آخِره إشعارا بِأَن الحَدِيث مَعْلُوم لَهُ أَيْضا أَو أَن الْأسود أَشَارَ إِلَى أول الحَدِيث كَمَا يُقَال قَرَأت {الم ذَلِك الْكتاب} وَأَرَادَ بِهِ السُّورَة بِتَمَامِهَا فَبين ابْن الزبير أَن آخِره ذَلِك قلت هَذِه ثَلَاثَة أجوبة وَلَيْسَ الصَّوَاب مِنْهَا إِلَّا الْجَواب الثَّانِي لِأَن عبد الله بن الزبير روى الحَدِيث أَيْضا عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا ثمَّ قَالَ أَيْضا فَإِن قلت فالقدر الَّذِي ذكره ابْن الزبير هَل هُوَ مَوْقُوف عَلَيْهِ قلت اللَّفْظ يَقْتَضِي الْوُقُوف إِذْ لم يسْندهُ إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَكِن السِّيَاق يدل على أَنه مَرْفُوع وَالرِّوَايَات الْأُخَر أَيْضا دَالَّة على رَفعه قلت من علم أَن ابْن الزبير أَيْضا روى هَذَا الحَدِيث عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا السُّؤَال وَلَا إِلَى جَوَابه قَوْله فَفعله ابْن الزبير أَي فعل الْمَذْكُور من النَّقْض وَجعل الْبَابَيْنِ قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين قَالُوا بني الْبَيْت خمس مَرَّات بنته الْمَلَائِكَة ثمَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ثمَّ قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة وَحضر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا الْبناء وَهُوَ ابْن خمس وَثَلَاثِينَ وَقيل خمس وَعشْرين وَفِيه سقط على الأَرْض حِين رفع إزَاره ثمَّ بناه ابْن الزبير ثمَّ بناه حجاج بن يُوسُف وَاسْتمرّ. ويروى أَن هَارُون سَأَلَ مَالِكًا عَن هدمها وردهَا إِلَى بِنَاء ابْن الزبير للأحاديث الْمَذْكُورَة فَقَالَ مَالك نشدتك الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن لَا تجْعَل هَذَا الْبَيْت لعبة للملوك لَا يَشَاء أحد إِلَّا نقضه وبناه فتذهب هيبته من صُدُور النَّاس انْتهى قلت بنته الْمَلَائِكَة أَولا ثمَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ثمَّ العمالقة ثمَّ جرهم ثمَّ قُرَيْش وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمئِذٍ رجل شَاب ثمَّ ابْن الزبير ثمَّ حجاج (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول قَالَ ابْن بطال فِيهِ أَنه قد يتْرك يسير من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ إِذا خشِي مِنْهُ أَن يكون سَببا لفتنة قوم ينكرونه. الثَّانِي فِيهِ أَن النُّفُوس تحب أَن تساس كلهَا لما تأنس إِلَيْهِ فِي دين الله من غير الْفَرَائِض. الثَّالِث قَالَ النَّوَوِيّ فِيهِ أَنه إِذا تَعَارَضَت مصلحَة ومفسدة وَتعذر الْجمع بَين فعل الْمصلحَة وَترك الْمفْسدَة بَدَأَ بالأهم لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخبر أَن رد الْكَعْبَة إِلَى قَوَاعِد إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مصلحَة وَلَكِن يُعَارضهُ مفْسدَة أعظم مِنْهُ وَهِي خوف فتْنَة بعض من أسلم قَرِيبا لما كَانُوا يرَوْنَ تغييرها عَظِيما فَتَركهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرَّابِع فِيهِ فكر ولي الْأَمر فِي مصَالح رَعيته وَاجْتنَاب مَا يخَاف مِنْهُ تولد ضَرَر عَلَيْهِم فِي دين أَو دنيا إِلَّا الْأُمُور الشَّرْعِيَّة كأخذ الزَّكَاة وَإِقَامَة الْحَد الْخَامِس فِيهِ تأليف قُلُوبهم وَحسن حياطتهم وَأَن لَا ينفروا وَلَا يتَعَرَّض لما يخَاف تنفيرهم بِسَبَبِهِ مَا لم يكن فِيهِ ترك أَمر شَرْعِي السَّادِس اسْتدلَّ بِهِ أَبُو مُحَمَّد الْأصيلِيّ مِنْهُ فِي مسَائِل من النِّكَاح فِي جَارِيَة يتيمة غنية كَانَ لَهَا ابْن عَم وَكَانَ فِيهِ ميل إِلَى الصباء فَخَطب ابنت عَمه وخطبها رجل غَنِي فَمَال إِلَيْهِ الْوَصِيّ وَكَانَت الْيَتِيمَة تحب ابْن عَمها ويحبها فَأبى وصيها أَن يُزَوّجهَا مِنْهُ وَرفع ذَلِك إِلَى القَاضِي وشاور فُقَهَاء بَلَده فكلهم أفتى أَن لَا يُزَوّج ابْن عَمها وَأفْتى الْأصيلِيّ أَن تزوج مِنْهُ خشيَة أَن يقعا فِي الْمَكْرُوه اسْتِدْلَالا بِهَذَا الحَدِيث فزوجت مِنْهُ
(بَاب من خص بِالْعلمِ قوما دون قوم كَرَاهِيَة أَن لَا يفهموا)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان من خص وَكلمَة من مَوْصُولَة وَقَوله دون قوم بِمَعْنى غير قوم قَوْله كَرَاهِيَة بِالنّصب على التَّعْلِيل مُضَاف إِلَى قَوْله أَن لَا يفهموا وَأَن مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير لأجل كَرَاهِيَة عدم فهم الْقَوْم الَّذين هم غير الْقَوْم الَّذين خصهم بِالْعلمِ والكراهية بتَخْفِيف الْيَاء مصدر الْكَرَاهَة من كره الشَّيْء يكرههُ كَرَاهَة وكراهية. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ أَن فِي الْبَاب الأول ترك بعض الْمُخْتَار مَخَافَة قُصُور فهم بعض النَّاس وَهَهُنَا أَيْضا ترك بعض النَّاس من التَّخْصِيص بِالْعلمِ لقُصُور فهمهم والترجمتان متقاربتان غير أَن الأولى فِي الْأَفْعَال وَهَذِه فِي الْأَقْوَال (وَقَالَ عَليّ حدثوا النَّاس بِمَا يعْرفُونَ أتحبون أَن يكذب الله وَرَسُوله) أَي عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ كَذَا وَقع هَذَا الْأَثر مُبْتَدأ بِهِ بِصُورَة التَّعْلِيق فِي أصل الْهَرَوِيّ والدمياطي ثمَّ عقب بِالْإِسْنَادِ وَسقط كُله فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني قَوْله حدثوا بِصِيغَة الْأَمر أَي كلموا النَّاس بِمَا يعْرفُونَ أَي بِمَا يفهمون وَالْمرَاد كلموهم على قدر عُقُولهمْ وَفِي كتاب الْعلم لآدَم بن أبي إِيَاس عَن عبد الله بن دَاوُد عَن مَعْرُوف فِي آخِره
ودعوا مَا يُنكرُونَ أَي مَا يشْتَبه عَلَيْهِم فهمه وَفِيه دَلِيل على أَن الْمُتَشَابه لَا يَنْبَغِي أَن يذكر عِنْد الْعَامَّة وَمثله قَوْله ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ ذكره مُسلم فِي مُقَدّمَة كِتَابه بِسَنَد صَحِيح قَالَ مَا أَنْت بمحدث قوما حَدِيثا لَا يبلغهُ عُقُولهمْ إِلَّا كَانَ لبَعْضهِم فتْنَة قَوْله أتحبون الْهمزَة للاستفهام وتحبون بِالْخِطَابِ قَوْله أَن يكذب بِصِيغَة الْمَجْهُول وَذَلِكَ لِأَن الشَّخْص إِذا سمع مَا لَا يفهمهُ وَمَا لَا يتَصَوَّر إِمْكَانه يعْتَقد استحالته جهلا فَلَا يصدق وجوده فَإِذا أسْند إِلَى الله وَرَسُوله يلْزم تكذيبهما
حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى عَن مَعْرُوف بن خَرَّبُوذ عَن أبي الطُّفَيْل عَن عَليّ بذلك أَي حَدثنَا بالأثر الْمَذْكُور عَن عَليّ عبيد الله بن مُوسَى بن باذام عَن مَعْرُوف بن خَرَّبُوذ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره ذال مُعْجمَة وَقد روى بَعضهم بِضَم الْخَاء الْمَكِّيّ مولى قُرَيْش قَالَ يحيى بن معِين ضَعِيف وَقَالَ أَبُو حَاتِم يكْتب حَدِيثه وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سواهُ وَأخرج لَهُ مُسلم حَدِيثا فِي الْحَج وروى لَهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَهُوَ يروي عَن أبي الطُّفَيْل بِضَم الطَّاء وَفتح الْفَاء عَامر بن وَاثِلَة وَقيل عَمْرو بن وَاثِلَة بالثاء الْمُثَلَّثَة ابْن عبد الله بن عَمْرو بن جحش بن جرير بن سعد بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة الْكِنَانِي اللَّيْثِيّ ولد عَام أحد كَانَ يسكن الْكُوفَة ثمَّ انْتقل إِلَى مَكَّة وَعَن سعيد الْجريرِي عَن أبي الطُّفَيْل قَالَ لَا يحدثك أحد الْيَوْم على وَجه الأَرْض أَنه رأى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام غَيْرِي وَكَانَ من أَصْحَاب عَليّ المحبين لَهُ وَشهد مَعَه مشاهده كلهَا وَكَانَ ثِقَة ثِقَة مَأْمُونا يعْتَرف بِفضل أبي بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وروى لَهُ عَن رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام تِسْعَة أَحَادِيث وَهُوَ آخر من مَاتَ من أَصْحَاب النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام على الْإِطْلَاق أخرج لَهُ البُخَارِيّ هَذَا الْأَثر خَاصَّة عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ وَأخرج لَهُ مُسلم فِي الْحَج وَصفَة النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَعَن معَاذ وَعمر وَابْن عَبَّاس وَحُذَيْفَة وَغَيرهم سكن الْكُوفَة ثمَّ أَقَامَ بِمَكَّة إِلَى أَن مَاتَ بهَا سنة عشر وَمِائَة وروى لَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي كتاب الكنى لَهُ كَانَ من كبار التَّابِعين وَكَانَ صَاحب بلاغة وَبَيَان شَاعِرًا محسنا ثِقَة فَاضلا بليغا عَاقِلا إِلَّا أَنه كَانَ فِيهِ تشيع وَذكر ابْن دُرَيْد فِي كتاب الِاشْتِقَاق الْكَبِير عَن عكراش بن ذُؤَيْب قَالَ لَقِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَله حَدِيث وَشهد الْجمل مَعَ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فَقَالَ الْأَحْنَف كأنكم بِهِ وَقد أُتِي بِهِ قَتِيلا وَبِه جِرَاحَة لَا تُفَارِقهُ حَتَّى يَمُوت فَضرب يَوْمئِذٍ ضَرْبَة على أَنفه فَعَاشَ بعْدهَا مائَة سنة وَأثر الضَّرْبَة بِهِ فعلى هَذَا تكون وَفَاته بعد سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَوَقع فِي بعض النّسخ حَدثنَا عبد الله هُوَ ابْن مُوسَى عَن مَعْرُوف بن خَرَّبُوذ عَن أبي الطُّفَيْل عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ بذلك أَي بالأثر الْمَذْكُور وَهَذَا الْإِسْنَاد من عوالي البُخَارِيّ لِأَنَّهُ مُلْحق بالثلاثيات من حَيْثُ أَن الرَّاوِي الثَّالِث مِنْهُ صَحَابِيّ وَهُوَ أَبُو الطُّفَيْل الْمَذْكُور وعَلى قَول من يَقُول أَنه تَابِعِيّ لَيْسَ مِنْهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت لم أخر الْإِسْنَاد عَن ذكر الْمَتْن قلت إِمَّا للْفرق بَين طَريقَة إِسْنَاد الحَدِيث وَإسْنَاد الْأَثر وَإِمَّا لِأَن المُرَاد ذكر الْمَتْن دَاخِلا تَحت تَرْجَمَة الْبَاب وَأما لضعف فِي الْإِسْنَاد بِسَبَب ابْن خَرَّبُوذ وَإِمَّا للتفنن وَبَيَان جَوَاز الْأَمريْنِ بِلَا تفَاوت فِي الْمَقْصُود وَلِهَذَا وَقع فِي بعض النّسخ مقدما على الْمَتْن قلت وَإِمَّا لِأَنَّهُ لم يظفر بِالْإِسْنَادِ إِلَّا بعد وضع الْأَثر مُعَلّقا وَهَذَا أقرب من كل مَا ذكره وأبعده جَوَابه الأول لعدم اطراده والأبعد من الْكل جَوَابه الْأَخير على مَا لَا يخفى
٦٧ - (حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنَا معَاذ بن هَاشم قَالَ حَدثنِي أبي عَن قَتَادَة قَالَ حَدثنَا أنس بن مَالك أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومعاذ رديفه على الرحل قَالَ يَا معَاذ بن جبل قَالَ لبيْك يَا رَسُول الله وَسَعْديك قَالَ يَا معَاذ قَالَ لبيْك يَا رَسُول الله وَسَعْديك ثَلَاثًا قَالَ مَا من أحد يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله صدقا من قلبه إِلَّا حرمه الله على النَّار قَالَ يَا رَسُول الله أَفلا أخبر بِهِ النَّاس فيستبشروا قَالَ إِذا يتكلوا وَأخْبر بهَا معَاذ عِنْد مَوته تأثما) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى وَهُوَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خص معَاذًا بِهَذِهِ الْبشَارَة الْعَظِيمَة دون قوم آخَرين مَخَافَة أَن يقصروا فِي الْعَمَل متكلين على هَذِه الْبشَارَة فَإِن قلت تَرْجَمَة الْبَاب لتخصيص قوم وَمَا فِي الحَدِيث دلّ على تَخْصِيص شخص وَاحِد وَهُوَ معَاذ قلت الْمَقْصُود جَوَاز التَّخْصِيص إِمَّا بشخص وَإِمَّا بِأَكْثَرَ أما أَمر اخْتِلَاف الْعبارَة فسهل أَو نقُول
لَيْسَ هَهُنَا مَخْصُوصًا بشخص لِأَن أنسا أَيْضا سَمعه من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا دلّ عَلَيْهِ السِّيَاق وَأَقل اسْم الْجمع اثْنَان أَو معَاذ كَانَ أمة قَانِتًا لله حَنِيفا قَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ وَقيل لَهُ يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة قَانِتًا فَقَالَ إِنَّا كُنَّا نشبه معَاذًا بإبراهيم عَلَيْهِ السَّلَام (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ الْمَشْهُور بِابْن رَاهَوَيْه وَتقدم ذكره فِي بَاب فضل من علم وَعلم الثَّانِي معَاذ بِضَم الْمِيم ابْن هِشَام بِكَسْر الْهَاء وَتَخْفِيف الْمُعْجَمَة ابْن أبي عبد الله الدستوَائي بِالْهَمْزَةِ وَقيل بالنُّون وَقيل بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف الْبَصْرِيّ روى عَن أَبِيه وَابْن عون وَعنهُ أَحْمد وَغَيره قَالَ ابْن معِين صَدُوق وَلَيْسَ بِحجَّة وَعنهُ ثِقَة ثِقَة وَعَن ابْن عدي رُبمَا يغلط فِي الشَّيْء وَأَرْجُو أَنه صَدُوق مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة مِائَتَيْنِ الثَّالِث أَبوهُ تقدم فِي زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه الرَّابِع قَتَادَة بن دعامة الْخَامِس أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والإفراد وَفِيه الْإِخْبَار والعنعنة وَمِنْهَا أَن رُوَاته بصريون مَا خلا إِسْحَاق وَهُوَ أَيْضا دخل الْبَصْرَة وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الْأَبْنَاء عَن الْآبَاء (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن إِسْحَق بن مَنْصُور عَن معَاذ بن هِشَام عَن أَبِيه بِهِ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله رديفه أَي رَاكب خَلفه قَالَ ابْن سَيّده ردف الرجل وأردفه وارتدفه جعله خَلفه على الدَّابَّة ورديفك الَّذين يرادفك وَالْجمع ردفاء وردافى والردف الرَّاكِب خَلفك والرداف مَوضِع مركب الرديف وَفِي الصِّحَاح كل شَيْء تبع شَيْئا فَهُوَ ردفه وَفِي مجمع الغرائب ردفته أَي ركبت خَلفه وأردفته أركبته خَلْفي وَفِي الْجَامِع للقزاز أنكر بَعضهم الرديف وَقَالَ إِنَّمَا هُوَ الردف وَحكى ردفت الرجل وأردفته إِذا ركبت وَرَاءه وَإِذا جِئْت بعده وأرداف الْمُلُوك فِي الْجَاهِلِيَّة هم الَّذين كَانُوا يخلفون الْمُلُوك كالوزراء وَعند ابْن حبيب يركب مَعَ الْملك عديله أَو خَلفه وَإِذا قَامَ الْملك جلس مَكَانَهُ وَإِذا سقِِي الْملك سقِِي بعده وَقد جمع ابْن مَنْدَه أرداف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فبلغوا نيفا وَثَلَاثِينَ ردفا قَوْله على الرحل بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ للبعير وَهُوَ أَصْغَر من القتب وَلَكِن معَاذًا رَضِي الله عَنهُ كَانَ فِي تِلْكَ الْحَالة رديفه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على حمَار كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجِهَاد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَفِي الْعباب الرحل رَحل الْبَعِير وَهُوَ أَصْغَر من القتب وَهُوَ من مراكب الرِّجَال دون النِّسَاء وَثَلَاثَة أرحل وَالْكثير رحال ورحلت الْبَعِير أرحله رحلا إِذا شددت على ظَهره رحلا والقتب بِالتَّحْرِيكِ رَحل صَغِير على قدر السنام قَوْله لبيْك بِفَتْح اللَّام تَثْنِيَة لب وَمَعْنَاهُ الْإِجَابَة وَقَالَ الْخَلِيل لب بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ حَكَاهُ عَنهُ أَبُو عُبَيْدَة قَالَ الْفراء وَمِنْه قَوْلهم لبيْك أَي أَنا مُقيم على طَاعَتك وَكَانَ حَقه أَن يُقَال لبالك فَثنى على معنى التَّأْكِيد أَي إلبابا لَك بعد إلباب وَإِقَامَة بعد إِقَامَة قَالَ الْخَلِيل هَذَا من قَوْلهم دَار فلَان تلب دَاري أَي تحاذيها أَي مواجهك بِمَا تحب إِجَابَة لَك وَالْيَاء للتثنية وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي لبيْك أَرْبَعَة أَقْوَال أَحدهَا إجَابَتِي لَك مَأْخُوذ من لب بِالْمَكَانِ وألب بِهِ إِذا أَقَامَ بِهِ وَقَالُوا لبيْك فثنوا لأَنهم أَرَادوا إِجَابَة بعد إِجَابَة كَمَا قَالُوا حنانيك أَي رَحْمَة بعد رَحْمَة وَقَالَ بعض النَّحْوِيين أصل لبيْك لبيْك فاستثقل الْجمع بَين ثَلَاث باآت فأبدلوا من الثَّالِثَة بَاء كَمَا قَالُوا تظنيت أَصله تظننت وَالثَّانِي اتجاهي يَا رب وقصدي لَك فَثنى للتَّأْكِيد أخذا من قَوْلهم دَاري تلب دَارك أَي تواجهها وَالثَّالِث محبتي لَك يَا رب من قَول الْعَرَب امْرَأَة لبة إِذا كَانَت محبَّة لولدها عاطفة عَلَيْهِ وَالرَّابِع إخلاصي لَك يَا رب من قَوْلهم حسب لباب إِذا كَانَ خَالِصا مَحْضا وَمن ذَلِك لب الطَّعَام ولبابه قَوْله وَسَعْديك بِفَتْح السِّين تَثْنِيَة سعد وَالْمعْنَى إسعادا بعد إسعاد أَي أَنا مسعد طَاعَتك إسعادا بعد إسعاد فَثنى للتَّأْكِيد كَمَا فِي لبيْك قَوْله يتكلوا بتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من الاتكال وَهُوَ الِاعْتِمَاد وَأَصله الاوتكال لِأَنَّهُ من وكل أمره إِلَى آخر فقلبت الْوَاو تَاء وأدغمت التَّاء فِي التَّاء وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ والكشميهني يتكلوا بِسُكُون النُّون من النّكُول وَهُوَ الِامْتِنَاع يَعْنِي يمتنعوا عَن الْعَمَل اعْتِمَادًا على مُجَرّد القَوْل بِلَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بعض الرِّوَايَة ينكلُوا بالنُّون من النكال قلت لَيْسَ بِصَحِيح وَإِنَّمَا هُوَ من النّكُول كَمَا ذَكرْنَاهُ والنكال الْعقُوبَة الَّتِي تنكل النَّاس عَن فعل مَا جعلت لَهُ جَزَاء وَقَالَ تَعَالَى {فجعلناها نكالا} قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ أَي جعلنَا المسخة عِبْرَة تنكل من اعْتبر بهَا أَي تَمنعهُ وَمِنْه النكل للقيد النكل بِكَسْر النُّون قَوْله تأثما بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق والهمزة وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة أَي تجنبا عَن الْإِثْم يُقَال تأثم فلَان إِذا فعل فعلا خرج بِهِ عَن الْإِثْم وَالْإِثْم الَّذِي يخرج بِهِ كتمان مَا أَمر
الله بتبليغه حَيْثُ قَالَ {وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب ليبيننه للنَّاس وَلَا يكتمونه} وَقَالَ الْجَوْهَرِي تأثم أَي تحرج عَنهُ وكف قلت هَذَا من بَاب تفعل وَله معَان مِنْهَا التجنب يَعْنِي ليدل على أَن الْفَاعِل جَانب أصل الْفِعْل نَحْو تأثم وتحرج أَي جَانب الْإِثْم والحرج (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله ومعاذ بِالرَّفْع مُبْتَدأ أَو رَدِيف خَبره أَو الْجُمْلَة حَال قَوْله على الرحل حَال أَيْضا قَوْله قَالَ يَا معَاذ فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ خبر إِن أَعنِي أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله يَا معَاذ بن جبل يجوز فِي معَاذ وَجْهَان من الْإِعْرَاب أَحدهمَا النصب على أَنه مَعَ مَا بعده كاسم وَاحِد مركب والمنادى الْمُضَاف مَنْصُوب وَالْآخر الرّفْع على أَنه منادى مُفْرد علم وَأما ابْن فَهُوَ مَنْصُوب بِلَا خلاف وَاخْتَارَ ابْن الْحَاجِب النصب فِي معَاذ وَقَالَ ابْن مَالك الِاخْتِيَار فِيهِ الضَّم لِأَنَّهُ لَا يحْتَاج إِلَى اعتذار وَقَالَ ابْن التِّين يجوز النصب على أَن قَوْله معَاذ زَائِد فالتقدير يَابْنَ جبل وَفِيه مَا فِيهِ قَوْله لبيْك من المصادر الَّتِي يجب حذف فعلهَا ونصبها وَكَانَ حَقه أَن يُقَال لبالك كَمَا ذكرنَا وَلكنه ثنى على معنى التَّأْكِيد وَكَذَا قَوْله وَسَعْديك مثله وَقَالَ الْأَزْهَرِي معنى لبيْك أَنا مُقيم على طَاعَتك إِقَامَة بعد إِقَامَة أَصْلهَا لبين فحذفت النُّون للإضافة قَالَ الْفراء نصب على المصدرية وَقَالَ ابْن السّكيت كَقَوْلِك حمدا وشكرا قَوْله ثَلَاثًا يتَعَلَّق بقول كل وَاحِد من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومعاذ أَي ثَلَاث مَرَّات يَعْنِي النداء والإجابة قيلا ثَلَاثًا وَصرح بذلك من رِوَايَة مُسلم وَقَالَ الْكرْمَانِي وَيحْتَمل أَن يتَعَلَّق بقول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا معَاذ ثَلَاث مَرَّات وَقَالَ معَاذ لبيْك ثَلَاث مَرَّات فَيكون من بَاب تنَازع العاملين قلت لَا معنى لذكر الِاحْتِمَال بل الْمَعْنى على مَا ذكرنَا وَأَرَادَ بتنازع لفظ قَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَعنِي قَوْله قَالَ يَا معَاذ وَقَوله قَالَ لبيْك فَإِن كلا مِنْهُمَا يَقْتَضِي الْعَمَل فِي ثَلَاثًا قَوْله مَا من أحد كلمة مَا للنَّفْي وَكلمَة من زَائِدَة لتأكيد النَّفْي وَاحِد اسْم مَا وَيشْهد خَبَرهَا وَكلمَة أَن مفسرة قَوْله صدقا يجوز فِي انتصابه وَجْهَان أَحدهمَا أَن يكون حَالا بِمَعْنى صَادِقا وَالْآخر أَن يكون صفة مصدر مَحْذُوف أَي شَهَادَة صدقا قَوْله من قلبه يجوز أَن يتَعَلَّق بقوله صدقا فالشهادة لفظية وَيجوز أَن يتَعَلَّق بقوله يشْهد فالشهادة قلبية قَوْله إِلَّا حرمه الله اسْتثِْنَاء من أَعم عَام الصِّفَات أَي مَا أحد يشْهد كَائِنا بِصفة التَّحْرِيم قَوْله أَفلا أخبر الْهمزَة للاستفهام ومعطوف الْفَاء مَحْذُوف تَقْدِيره أقلت ذَلِك فَلَا أخبر وَبِهَذَا يُجَاب عَمَّا قيل أَن الْهمزَة تَقْتَضِي الصدارة وَالْفَاء تَقْتَضِي عدم الصدارة فَمَا وَجه جَمعهمَا وَاعْلَم أَن همزَة الِاسْتِفْهَام إِذا كَانَت فِي جملَة معطوفة بِالْوَاو أَو بِالْفَاءِ أَو بثم قدمت على العاطف تَنْبِيها على أصالتها فِي التصدر نَحْو {أولم ينْظرُوا} {أفلم يَسِيرُوا} {أَثم إِذا مَا وَقع آمنتم بِهِ} وَأَخَوَاتهَا وتتأخر عَن حُرُوف الْعَطف كَمَا هُوَ قِيَاس جَمِيع أَجزَاء الْكَلِمَة المعطوفة نَحْو {وَكَيف تكفرون} {فَأَيْنَ تذهبون} {فَأنى تؤفكون} {فَهَل يهْلك إِلَّا الْقَوْم الْفَاسِقُونَ} {فَأَي الْفَرِيقَيْنِ} {فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين} هَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور قَوْله النَّاس بِالنّصب لِأَنَّهُ مفعول أخبر قَوْله فيستبشروا بِحَذْف النُّون لِأَن الْفِعْل ينصب بعد الْفَاء المجاب بهَا بعد النَّفْي والاستفهام وَالْعرض وَالتَّقْدِير فَإِن يستبشروا وَفِي رِوَايَة أبي ذَر يستبشرون بِإِثْبَات النُّون وَالتَّقْدِير فهم يستبشرون قَوْله إِذا جَوَاب وَجَزَاء أَي إِن أَخْبَرتهم يتكلوا كَأَنَّهُ قَالَ لَا تخبرهم لأَنهم حِينَئِذٍ يتكلون على الشَّهَادَة الْمُجَرَّدَة فَلَا يشتغلون بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة قَوْله تأثما نصب على أَنه مفعول لَهُ أَي مَخَافَة التأثم (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله ومعاذ هُوَ معَاذ بن جبل رَضِي الله عَنهُ قَوْله صدقا من قلبه احْتَرز بِهِ عَن شَهَادَة الْمُنَافِقين وَقَالَ بَعضهم الصدْق كَمَا يعبر بِهِ قولا عَن مُطَابقَة القَوْل الْمخبر عَنهُ قد يعبر بِهِ فعلا عَن تحري الْأَفْعَال الْكَامِلَة قَالَ الله تَعَالَى {وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ} أَي حقق مَا أوردهُ قولا بِمَا تحراه فعلا قلت أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنى أَيْضا الطَّيِّبِيّ حَيْثُ قَالَ قَوْله صدقا هُنَا أقيم مقَام الاسْتقَامَة وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى دفع مَا قيل فِي أَن ظَاهر الْخَبَر يَقْتَضِي عدم دُخُول جَمِيع من شهد الشَّهَادَتَيْنِ النَّار لما فِيهِ من التَّعْمِيم والتأكيد وَذَلِكَ لِأَن الْأَدِلَّة القطعية قد دلّت عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن طَائِفَة من عصاة الْمُوَحِّدين يُعَذبُونَ ثمَّ يخرجُون من النَّار بالشفاعة قَالَ الطَّيِّبِيّ وَلأَجل خَفَاء ذَلِك لم يُؤذن لِمعَاذ رَضِي الله عَنهُ فِي التبشير بِهِ وَقد أُجِيب عَن هَذَا بأجوبة أُخْرَى مِنْهَا أَن هَذَا مُقَيّد بِمن يَأْتِي بِالشَّهَادَتَيْنِ تَائِبًا ثمَّ مَاتَ على ذَلِك وَمِنْهَا أَنه أخرج مخرج الْغَالِب إِذْ الْغَالِب أَن الموحد يعْمل الطَّاعَة ويجتنب الْمعْصِيَة وَمِنْهَا أَن المُرَاد بِتَحْرِيمِهِ على النَّار تَحْرِيم خلوده فِيهَا لَا أصل دُخُوله فِيهَا وَمِنْهَا أَن
المُرَاد تَحْرِيم جملَته لِأَن النَّار لَا تَأْكُل مَوَاضِع السُّجُود من الْمُسلم وَكَذَا لِسَانه النَّاطِق بِالتَّوْحِيدِ وَمِنْهَا أَن ذَلِك لمن قَالَه الْكَلِمَة وَأدّى حَقّهَا وفريضتها وَهُوَ قَول الْحسن وَمِنْهَا مَا قيل أَن هَذَا كَانَ قبل نزُول الْفَرَائِض وَالْأَمر وَالنَّهْي وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب وَجَمَاعَة وَقَالَ بَعضهم فِيهِ نظر لِأَن مثل هَذَا الحَدِيث وَقع لأبي هُرَيْرَة كَمَا رَوَاهُ مُسلم وصحبته مُتَأَخِّرَة عَن نزُول أَكثر الْفَرَائِض وَكَذَا ورد نَحوه من حَدِيث أبي مُوسَى رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل بِإِسْنَاد حسن وَكَانَ قدومه فِي السّنة الَّتِي قدم فِيهَا أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قلت فِي النّظر نظر لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَأَبُو مُوسَى عَن أنس رَضِي الله عَنهُ كِلَاهُمَا قد روياه عَنهُ مَا رَوَاهُ قبل نزُول الْفَرَائِض وَوَقعت رِوَايَتهَا بعد نزُول أَكثر الْفَرَائِض قَوْله إِلَّا حرمه الله على النَّار معنى التَّحْرِيم الْمَنْع كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَحرَام على قَرْيَة أهلكناها} فَإِن قلت هَل فِي الْمَعْنى فرق بَين حرمه الله على النَّار وَحرم الله عَلَيْهِ النَّار قلت لَا اخْتِلَاف إِلَّا فِي المفهومين وَأما المعنيان فمتلازمان فَإِن قلت هَل تفَاوت بَين مَا فِي الحَدِيث وَمَا ورد فِي الْقُرْآن {حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة} قلت يحْتَمل أَن يُقَال النَّار منصرفة وَالْجنَّة منصرف مِنْهَا وَالتَّحْرِيم إِنَّمَا هُوَ على المنصرف أنسب فروعي الْمُنَاسبَة قَوْله قَالَ إِذا يتكلوا قد قُلْنَا أَن مَعْنَاهُ إِن أَخْبَرتهم يمتنعوا عَن الْعَمَل اعْتِمَادًا على الْكَلِمَة وروى الْبَزَّار من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ فِي هَذِه الْقَضِيَّة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أذن لِمعَاذ رَضِي الله عَنهُ فِي التبشير فَلَقِيَهُ عمر رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ لَا تعجل ثمَّ دخل فَقَالَ يَا نَبِي الله أَنْت أفضل رَأيا أَن النَّاس إِذا سمعُوا ذَلِك اتكلوا عَلَيْهَا قَالَ فَرده فَرده وَهَذَا معدوده موافقات عمر رَضِي الله عَنهُ قلت فِيهِ جَوَاز الِاجْتِهَاد بِحَضْرَتِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله عِنْد مَوته أَي عِنْد موت معَاذ رَضِي الله عَنهُ وَقَالَ الْكرْمَانِي الضَّمِير فِي مَوته يرجع إِلَى معَاذ وَإِن احْتمل أَن يرجع إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والعندية على هَذَا الِاحْتِمَال بِاعْتِبَار التَّأَخُّر عَن الْمَوْت وعَلى الأول أَي على مَا هُوَ الظَّاهِر بِاعْتِبَار التَّقَدُّم على الْمَوْت وَقَالَ بَعضهم أغرب الْكرْمَانِي فَقَالَ يحْتَمل أَن يرجع الضَّمِير إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت وَيَردهُ مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بِسَنَد صَحِيح عَن جَابر بن عبد الله رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ أَخْبرنِي من شهد معَاذًا حِين حَضرته الْوَفَاة يَقُول سَمِعت من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيثا لم يَمْنعنِي أَن أحدثكموه إِلَّا مَخَافَة أَن يتكلوا فَذكر الحَدِيث انْتهى كَلَامه قلت الحَدِيث الْمَذْكُور لَا يرد مَا قَالَه الْكرْمَانِي وَلَا يُنَافِيهِ لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون أخبر بِهِ النَّاس عِنْد موت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والآخرين عِنْد موت نَفسه وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا ثمَّ إِن صَنِيع معَاذ رَضِي الله عَنهُ أَن النَّهْي عَن التبشير كَانَ على التَّنْزِيه لَا على التَّحْرِيم وَإِلَّا لما كَانَ يخبر بِهِ أصلا وَقد قيل أَن النَّهْي كَانَ مُقَيّدا بالاتكال فَأخْبر بِهِ من لَا يخْشَى عَلَيْهِ ذَلِك وَبِهَذَا خرج الْجَواب عَمَّا قيل هَب أَنه تأثم من الكتمان فَكيف لَا يتأثم من مُخَالفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي التبشير وَقيل أَن الْمَنْع لم يكن إِلَّا من الْعَوام لِأَنَّهُ من الْأَسْرَار الإلهية لَا يجوز كشفها إِلَّا للخواص خوفًا من أَن يسمع ذَلِك من لَا علم لَهُ فيتكل عَلَيْهِ وَلِهَذَا لم يخبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا من أَمن عَلَيْهِ الاتكال من أهل الْمعرفَة وسلك معَاذ أَيْضا هَذَا المسلك حَيْثُ أخبر بِهِ من الْخَاص من رَآهُ أَهلا لذَلِك وَلَا يبعد أَيْضا أَن يُقَال نِدَاء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم معَاذًا ثَلَاث مَرَّات كَانَ للتوقف فِي إفشاء هَذَا السِّرّ عَلَيْهِ أَيْضا وَقَالَ عِيَاض لَعَلَّ معَاذًا لم يفهم النَّهْي لَكِن كسر عزمه عَمَّا عرض لَهُ من تبشيرهم وَقَالَ بَعضهم الرِّوَايَة الْآتِيَة صَرِيحَة فِي النَّهْي قلت لَا نسلم أَن النَّهْي صَرِيح فِي الحَدِيث الْآتِي وَإِنَّمَا فهم النَّهْي من الْحَدِيثين كليهمَا بِدلَالَة النَّص وَهِي فحوى الْخطاب قَوْله وَأخْبر بهَا الخ مدرج من أنس رَضِي الله عَنهُ (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ أَنه يجب أَن يخص بِالْعلمِ قوم فيهم الضَّبْط وَصِحَّة الْفَهم وَلَا يبْذل الْمَعْنى اللَّطِيف لمن لَا يستأهله من الطّلبَة وَمن يخَاف عَلَيْهِ التَّرَخُّص والاتكال لتقصير فهمه الثَّانِي فِيهِ جَوَاز ركُوب الِاثْنَيْنِ على دَابَّة وَاحِدَة الثَّالِث فِيهِ منزلَة معَاذ رَضِي الله عَنهُ وعزته عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرَّابِع فِيهِ تكْرَار الْكَلَام لنكتة وَقصد معنى الْخَامِس فِيهِ جَوَاز الاستفسار من الإِمَام عَمَّا يتَرَدَّد فِيهِ واستئذانه فِي إِشَاعَة مَا يعلم بِهِ وَحده السَّادِس فِيهِ الْإِجَابَة بلبيك وَسَعْديك السَّابِع فِيهِ بِشَارَة عَظِيمَة للموحدين
٦٨ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا مُعْتَمر قَالَ سَمِعت أبي قَالَ سَمِعت أنسا قَالَ ذكر لي أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لِمعَاذ من لَقِي الله لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا دخل الْجنَّة قَالَ أَلا أبشر النَّاس قَالَ لَا إِنِّي أَخَاف أَن يتكلوا)
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق. (بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. الأول مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي مُعْتَمر بن سُلَيْمَان بن طرخان التَّيْمِيّ الْبَصْرِيّ لم يكن من بني تيم وَإِنَّمَا كَانَ نازلا فيهم وَهُوَ مولى بني مرّة روى عَن أَبِيه وَمَنْصُور وَغَيرهمَا وَعنهُ ابْن مهْدي وَغَيره وَكَانَ ثِقَة صَدُوقًا رَأْسا فِي الْعلم وَالْعِبَادَة كأبيه ولد سنة سِتّ وَمِائَة وَمَات سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة بِالْبَصْرَةِ وَيُقَال كَانَ أكبر من سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِسنة روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث أَبوهُ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ وَكَانَ ينزل فِي بني مرّة فَلَمَّا تكلم بِالْقدرِ أَخْرجُوهُ فَقبله بَنو تَمِيم وقدموه وَصَارَ إِمَامًا لَهُم قَالَ شُعْبَة مَا رَأَيْت أصدق من سُلَيْمَان كَانَ إِذا حدث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تغير لَونه وَكَانَ من الْعباد الْمُجْتَهدين يُصَلِّي اللَّيْل كُله بِوضُوء الْعشَاء الْآخِرَة كَانَ هُوَ وَابْنه مُعْتَمر يدوران بِاللَّيْلِ فِي الْمَسَاجِد فيصليان فِي هَذَا الْمَسْجِد مرّة وَفِي ذَلِك أُخْرَى مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَة وَكَانَ مائلا إِلَى عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الرَّابِع أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث وَالسَّمَاع مكررا وَمِنْهَا أَن رُوَاته كلهم بصريون وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الابْن عَن الْأَب وَمِنْهَا أَنه من الرباعيات العوالي وَهَذَا حَدِيث لم يُخرجهُ غير البُخَارِيّ. (بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني) قَوْله قَالَ ذكر لي الضَّمِير فِي قَالَ يرجع إِلَى أنس وَهِي جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال وَقَوله ذكر على صِيغَة الْمَجْهُول وَلم يسم أنس من ذكر لَهُ ذَلِك رَوَاهُ عَن معَاذ رَضِي الله عَنهُ وَكَذَلِكَ جَابر بن عبد الله قَالَ أَخْبرنِي من شهد معَاذًا حِين حَضرته الْوَفَاة الحَدِيث كَمَا بَيناهُ عَن قريب وَلم يسم من ذكر لَهُ وَذَلِكَ لِأَن معَاذًا رَضِي الله عَنهُ إِنَّمَا حدث بِهِ عِنْد مَوته بِالشَّام وَجَابِر وَأنس حِينَئِذٍ كَانَا بِالْمَدِينَةِ وَلم يشهداه وَقد حضر فِي ذَلِك من معَاذ عَمْرو بن مَيْمُون الأودي أحد المخضرمين كَمَا سَيَأْتِي فِي كتاب الْجِهَاد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة الصَّحَابِيّ أَنه سمع ذَلِك من معَاذًا أَيْضا فَيحْتَمل أَن يكون الذاكر لأنس رَضِي الله عَنهُ إِمَّا عَمْرو بن مَيْمُون وَإِمَّا عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة وَالله أعلم وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت لفظ ذكر يَقْتَضِي أَن يكون هَذَا تَعْلِيقا من أنس وَلما لم يكن الذاكر لَهُ مَعْلُوما كَانَ من بَاب الرِّوَايَة عَن الْمَجْهُول فَهَل هُوَ قَادِح فِي الحَدِيث قلت التَّعْلِيق لَا يُنَافِي الصِّحَّة إِذا كَانَ الْمَتْن ثَابتا من طَرِيق آخر وَكَذَا الْجَهَالَة إِذْ مَعْلُوم أَن أنسا لَا يروي إِلَّا عَن الْعدْل سَوَاء رَوَاهُ عَن الصَّحَابِيّ أَو غَيره فَفِي الْجُمْلَة يحْتَمل فِي المتابعات والشواهد مَا لَا يحْتَمل فِي الْأُصُول قلت هَذَا لَيْسَ بتعليق أصلا والذاكر لَهُ مَعْلُوم عِنْده غير أَنه أبهمه عِنْد رِوَايَته وَلَيْسَ ذَلِك قادحا فِي رِوَايَة الصَّحَابِيّ قَوْله من لَقِي الله مقول القَوْل وَكلمَة من مَوْصُولَة فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء وَقَوله دخل الْجنَّة خَبره وَالْمعْنَى من لَقِي الْأَجَل الَّذِي قدره الله يَعْنِي الْمَوْت قَوْله لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا جملَة وَقعت حَالا وَالْمعْنَى من مَاتَ حَال كَونه موحدا حِين الْمَوْت وَبِهَذَا يُجَاب عَمَّا قيل الْإِشْرَاك لَا يتَصَوَّر فِي الْقِيَامَة وَحقّ الظَّاهِر أَن يُقَال وَلم يُشْرك بِهِ أَي فِي الدُّنْيَا وَجَوَاب آخر أَن أَحْكَام الدُّنْيَا مستصحبة إِلَى الْآخِرَة فَإِذا لم يُشْرك فِي الدُّنْيَا عِنْد الِانْتِقَال إِلَى الْآخِرَة صدق أَنه لَا يُشْرك فِي الْآخِرَة فَإِن قلت التَّوْحِيد بِدُونِ إِثْبَات الرسَالَة كَيفَ يَنْفَعهُ فَلَا بُد من انضمام مُحَمَّد رَسُول الله إِلَى قَوْله لَا إِلَه إِلَّا الله قلت هُوَ مثل من تَوَضَّأ صحت صلَاته أَي عِنْد حُصُول شَرَائِط الصِّحَّة فَمَعْنَاه من لَقِي الله موحدا عِنْد الْإِيمَان بِسَائِر مَا يجب الْإِيمَان بِهِ أَو علم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن من النَّاس من يعْتَقد أَن الْمُشرك أَيْضا يدْخل الْجنَّة فَقَالَ ردا لذَلِك الِاعْتِقَاد الْفَاسِد من لَقِي الله لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا دخل الْجنَّة فَإِن قلت هَل يدْخل الْجنَّة وَإِن لم يعْمل عملا صَالحا قلت يدْخل وَإِن لم يعْمل إِمَّا قبل دُخُول النَّار وَإِمَّا بعده وَذَلِكَ بِمَشِيئَة الله تَعَالَى إِن شَاءَ عَفا عَنهُ وَإِن شَاءَ عذبه ثمَّ أدخلهُ الْجنَّة وَقَالَ بَعضهم قَوْله لَا يُشْرك بِهِ اقْتصر على نفي الْإِشْرَاك لِأَنَّهُ يَسْتَدْعِي التَّوْحِيد بالاقتضاء ويستدعي إِثْبَات الرسَالَة باللزوم إِذْ من كذب رسل الله فقد كذب الله وَمن كذب الله فَهُوَ مُشْرك قلت هَذَا تصور لَا يُوجد مَعَه التَّصْدِيق فَإِن أَرَادَ بالاقتضاء على اصْطِلَاح أهل الْأُصُول فَلَيْسَ كَذَلِك على مَا لَا يخفى وَإِن أَرَادَ بِهِ على اصْطِلَاح غير أهل الْأُصُول فَلم يذهب أحد مِنْهُم إِلَى هَذِه الْعبارَة فِي الدلالات وَقَوله أَيْضا وَمن كذب الله فَهُوَ مُشْرك لَيْسَ كَذَلِك فَإِن المكذب لَا يُقَال لَهُ إِلَّا كَافِر قَوْله قَالَ أَي معَاذ إِلَّا أبشر النَّاس أَي بذلك وَإِلَّا للتّنْبِيه وأبشر النَّاس جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول قَوْله قَالَ أَي النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم إِنِّي أَخَاف أَن يتكلوا وَهَذِه رِوَايَة كَرِيمَة أَعنِي بِإِثْبَات إِنِّي وَفِي رِوَايَة غَيرهَا قَالَ لَا أَخَاف بِغَيْر إِنِّي فكلمة لَا للنَّهْي وَلَيْسَت دَاخِلَة على أَخَاف وَإِنَّمَا الْمَعْنى لَا تبشر ثمَّ اسْتَأْنف فَقَالَ أَخَاف وَفِي رِوَايَة الْحسن بن سُفْيَان فِي مُسْنده عَن عبيد الله بن معَاذ عَن مُعْتَمر قَالَ لَا دعهم فليتنافسوا فِي الْأَعْمَال فَإِنِّي أَخَاف أَن يتكلوا
وَكلمَة أَن مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير إِنِّي أَخَاف اتكالهم على مُجَرّد الْكَلِمَة
(بَاب الْحيَاء فِي الْعلم)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحيَاء فِي الْعلم وَالْحيَاء مَمْدُود وَهُوَ تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان عِنْد خوف مَا يعاب أَو يذم وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي فَإِن قلت مَا مُرَاده بِالْحَيَاءِ فِي الْعلم اسْتِعْمَاله فِيهِ أَو تَركه قلت مُرَاده كِلَاهُمَا وَلَكِن بِحَسب الْموضع فاستعماله مَطْلُوب فِي مَوضِع وَتَركه مَطْلُوب فِي مَوضِع فَالْأول هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ بِحَدِيث أم سَلمَة رَضِي الله عَنْهَا وَحَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ بالأثر الْمَرْوِيّ عَن مُجَاهِد وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُمَا فالحياء فِي الْقسم الأول ممدوح وَفِي الثَّانِي مَذْمُوم وَلَكِن إِطْلَاق الْحيَاء على هَذَا الْقسم بطرِيق الْمجَاز لِأَنَّهُ لَيْسَ بحياء حَقِيقَة وَإِنَّمَا هُوَ عجز وكسل وَسمي حَيَاء لشبهه بِالْحَيَاءِ الْحَقِيقِيّ فِي التّرْك فَافْهَم فَإِن قلت مَا الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ قلت من حَيْثُ أَنه لما كَانَ الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق تَخْصِيص قوم دون قوم بِالْعلمِ لِمَعْنى ذكر فِيهِ ذكر هَذَا الْبَاب عَقِيبه تَنْبِيها على أَنه لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يستحي من السُّؤَال مِمَّا لَهُ فِيهِ حَاجَة زاعما أَن الْعلم مَخْصُوص بِقوم دون قوم بل عَلَيْهِ أَن يسْأَل عَن كل مَا لَا يُعلمهُ من أَمر دينه ودنياه (وَقَالَ مُجَاهِد لَا يتَعَلَّم الْعلم مستحي وَلَا مستكبر) مُطَابقَة هَذَا الْأَثر الَّذِي أخرجه مُعَلّقا على مُجَاهِد بن جبر التَّابِعِيّ الْكَبِير لترجمة الْبَاب فِي الْوَجْه الثَّانِي من الْوَجْهَيْنِ اللَّذين ذكرناهما فِي الْحيَاء وَهُوَ الْوَجْه الَّذِي فِيهِ ترك الْحيَاء مَطْلُوب وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ قَوْله مستحي بِإِسْكَان الْحَاء وباليائين ثَانِيهمَا سَاكِنة من اسْتَحى يستحي فَهُوَ مستحي على وزن مستفعل وَيجوز فِيهِ مستحي بياء وَاحِدَة من اسْتَحى يستحي فَهُوَ مستحي على وزن مستفع وَيجوز مستح أَيْضا بِدُونِ الْيَاء على وزن مستف وَيكون الذَّاهِب فِيهِ عين الْفِعْل ولامه وفاؤه بَاقٍ وَكَذَلِكَ يُقَال فِي استحييت استحيت بياء وَاحِدَة فأعلوا الْيَاء الأولى وألقوا حركتها على الْحَاء قبلهَا استثقالا لما دخلت عَلَيْهِ الزَّوَائِد قَالَ سِيبَوَيْهٍ حذفت لالتقاء الساكنين لِأَن الْيَاء الأولى تقلب ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا قَالَ وَإِنَّمَا فعلوا ذَلِك حَيْثُ كثر فِي كَلَامهم وَقَالَ الْمَازرِيّ لم تحذف لالتقاء الساكنين لِأَنَّهَا لَو حذفت لذَلِك لردوها إِذا قَالُوا هُوَ يستحي ولقالوا يستحيي كَمَا قَالُوا يستبيع وَقَالَ الْأَخْفَش اسْتَحى بياء وَاحِدَة لُغَة تَمِيم وبيائين لُغَة أهل الْحجاز وَهُوَ الأَصْل لِأَن مَا كَانَ مَوضِع لامه مُعْتَلًّا لم يعلوا عينه أَلا ترى أَنهم قَالُوا أَحييت وحويت وَيَقُولُونَ قلت وبعت فيعلون الْعين لما لم تعتل اللَّام وَإِنَّمَا حذفوا الْيَاء لِكَثْرَة استعمالهم لهَذِهِ الْكَلِمَة كَمَا قَالُوا لَا أدر فِي لَا أَدْرِي قَوْله وَلَا مستكبر أَي مستعظم فِي نَفسه وَهُوَ الَّذِي يتعاظم ويستنكف أَن يتَعَلَّم الْعلم والاستكبار والتكبر هُوَ التعظم وللعلم آفَات فأعظمها الاستنكاف وثمرته الْجَهْل والذلة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَسُئِلَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ بِمَ حصلت الْعلم الْعَظِيم فَقَالَ مَا بخلت بالإفادة وَلَا استنكفت عَن الاستفادة (وَقَالَت عَائِشَة نعم النِّسَاء نسَاء الْأَنْصَار لم يمنعهن الْحيَاء أَن يتفقهن فِي الدّين) مُطَابقَة هَذَا الْأَثر الْمُعَلق أَيْضا مثل مُطَابقَة الْأَثر الْمَرْوِيّ عَن مُجَاهِد وَقَالَ الْكرْمَانِي وَقَالَت عطف على وَقَالَ مُجَاهِد وَيحْتَمل أَن يكون عطفا على لَا يتَعَلَّم فَيكون من مقول مُجَاهِد أَيْضا وَالأَصَح أَن مُجَاهدًا سمع من عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قلت هَذَا تعسف وَالصَّوَاب مَا قَالَه أَولا من أَنه عطف على قَالَ مُجَاهِد فَهَذَا من كَلَام مُجَاهِد وَهَذَا من كَلَام عَائِشَة وَلَيْسَ لأَحَدهمَا تعلق بِالْآخرِ وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عبيد الله بن معَاذ حَدثنَا أبي حَدثنَا شُعْبَة عَن إِبْرَاهِيم بن مهَاجر عَن صَفِيَّة بنت شيبَة عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت نعم النِّسَاء نسَاء الْأَنْصَار لم يكن يمنعهن الْحيَاء أَن يسألن عَن الدّين ويتفقهن فِيهِ قَوْله نعم النِّسَاء كلمة نعم من أَفعَال الْمَدْح كَمَا أَن بئس من أَفعَال الذَّم وَهِي مَا وضع لإنشاء مدح أَو ذمّ وَشَرطهَا أَن يكون الْفَاعِل مُعَرفا بِاللَّامِ أَو مُضَافا إِلَى
الْمُعَرّف بهَا وهما فعلان بِدَلِيل جَوَاز اتِّصَال تَاء التَّأْنِيث الساكنة بهما فِي كل اللُّغَات وَيجوز حذفهَا وَإِن كَانَ الْفَاعِل مؤنثا حَقِيقِيًّا لِأَنَّهُ غير متصرف فَأشبه الْحَرْف وَمِنْه قَول عَائِشَة حَيْثُ قَالَت نعم النِّسَاء وَلم تقل نعمت النِّسَاء فارتفاع النِّسَاء على الفاعلية وارتفاع النِّسَاء الثَّانِيَة على أَنَّهَا مَخْصُوصَة بالمدح كَمَا فِي قَوْلك نعم الرجل زيد فَهُوَ مُبْتَدأ وَمَا قبله من الْجُمْلَة خَبره قَوْله الْحيَاء فَاعل لم يمنعهن قَوْله أَن يتفقهن تَقْدِيره عَن أَن يتفقهن وَأَن مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير عَن التفقه فِي أُمُور الدّين وَالْمرَاد من نسَاء الْأَنْصَار نسَاء أهل الْمَدِينَة
٦٩ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام قَالَ أخبرنَا أَبُو مُعَاوِيَة قَالَ حَدثنَا هِشَام عَن أَبِيه عَن زَيْنَب ابْنة أم سَلمَة عَن أم سَلمَة قَالَت جَاءَت أم سليم إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت يَا رَسُول الله إِن الله لَا يستحي من الْحق فَهَل على الْمَرْأَة من غسل إِذا احْتَلَمت قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا رَأَتْ المَاء فغطت أم سَلمَة تَعْنِي وَجههَا وَقَالَت يَا رَسُول الله وتحتلم الْمَرْأَة قَالَ نعم تربت يَمِينك فَبِمَ يشبهها وَلَدهَا) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْوَجْه الأول من وَجْهي الْحيَاء اللَّذين ذكرناهما فِي أول الْبَاب. (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول مُحَمَّد بن سَلام بتَخْفِيف اللَّام على الْأَكْثَر البيكندي الثَّانِي أَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم بالمعجمتين الضَّرِير التَّيْمِيّ الثَّالِث هِشَام بن عُرْوَة الرَّابِع أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام الْخَامِس زَيْنَب بنت أم سَلمَة وَهِي زَيْنَب بنت عبد الله بن عبد الْأسد المَخْزُومِي أبي سَلمَة ونسبت إِلَى الْأُم الَّتِي هِيَ أم الْمُؤمنِينَ بَيَانا لشرفها لِأَنَّهَا ربيبة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإشعارا بِأَن رِوَايَتهَا عَن أمهَا وَاسْمهَا كَانَ برة فَغَيره النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَى زَيْنَب وَكَانَت من أفقه نسَاء زمانها ولدتها أمهَا بِأَرْض الْحَبَشَة وقدمت بهَا وَهِي أُخْت عمر وَسَلَمَة ودرة روى لَهَا البُخَارِيّ حَدِيثا وَاحِدًا وَمُسلم آخر مَاتَت سنة ثَلَاث وَسبعين وروى لَهَا الْجَمَاعَة السَّادِس أم سَلمَة زوج النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَاسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة وَقد تقدم ذكرهَا فِي بَاب الْعلم والعظة بِاللَّيْلِ. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الصحابية عَن الصحابية وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الْبِنْت عَن الْأُم. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي الْأَدَب عَن إِسْمَعِيل كِلَاهُمَا عَن مَالك وَفِيه أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى وَفِي خلق آدم عَن زُهَيْر ثَلَاثَتهمْ عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب كِلَاهُمَا عَن وَكِيع وَعَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان كِلَاهُمَا عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الطَّهَارَة عَن ابْن أبي عمر بِهِ وَقَالَ حسن صَحِيح وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْعلم عَن شُعَيْب بن يُوسُف عَن يحيى بن سعيد بِهِ وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعلي بن مُحَمَّد كِلَاهُمَا عَن وَكِيع بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة من حَدِيث عَائِشَة عَن أَحْمد بن صَالح عَن عَنْبَسَة عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة أَن أم سليم الْأَنْصَارِيَّة وَهِي أم أنس بن مَالك قَالَت قَالَ يَا رَسُول الله إِن الله لَا يستحي من الْحق الحَدِيث (بَيَان اللُّغَات) قَوْله لَا يستحي فِيهِ لُغَتَانِ أفصحهما بالياءين وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب مُسْتَوْفِي قَوْله من الْحق وَهُوَ ضد الْبَاطِل قَوْله من غسل بِضَم الْغَيْن وَهُوَ اسْم للْفِعْل الْمَشْهُور وبفتح الْغَيْن الْمصدر وَأما الْغسْل بِالْكَسْرِ فَهُوَ اسْم مَا يغسل بِهِ كالسدر وَنَحْوه وَفِي الْمُحكم غسل الشَّيْء يغسلهُ غسلا وغسلا وَقيل الْغسْل الْمصدر وَالْغسْل الِاسْم قلت الْحَاصِل أَن الْغسْل بِالْفَتْح وَالضَّم مصدران عِنْد أَكثر أهل اللُّغَة وَبَعْضهمْ فرق بَينهمَا فَقَالُوا بِالْفَتْح الْمصدر وبالضم الِاسْم قَوْله إِذا احْتَلَمت مُشْتَقّ من الْحلم بِالضَّمِّ وَهُوَ مَا يرَاهُ النَّائِم تَقول مِنْهُ حلم بِالْفَتْح واحتلم تَقول حلمت بِكَذَا وحلمته أَيْضا والحلم بِالْكَسْرِ الأناة تَقول مِنْهُ حلم الرجل بِالضَّمِّ وتحلم تكلّف الْحلم بِالْكَسْرِ وتحلم إِذا ادّعى الرُّؤْيَا كَاذِبًا قَوْله تربت يَمِينك بِكَسْر الرَّاء من ترب الرجل إِذا افْتقر أَي لصق بِالتُّرَابِ وأترب إِذا اسْتغنى وَهَذِه الْكَلِمَة جَارِيَة على أَلْسِنَة الْعَرَب لَا يُرِيدُونَ
بهَا الدُّعَاء على الْمُخَاطب وَلَا وُقُوع الْأَمر بهَا كَمَا يَقُولُونَ قَاتله الله وَقيل مَعْنَاهُ لله دَرك وَقيل أَرَادَ بهَا الْمثل ليرى الْمَأْمُور بذلك الْجد وَأَنه إِن خَالفه فقد أَسَاءَ وَقَالَ بَعضهم هُوَ دُعَاء على الْحَقِيقَة وَلَيْسَ بِصَحِيح وَكَثِيرًا مَا يرد للْعَرَب أَلْفَاظ ظَاهرهَا الذَّم وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بهَا الْمَدْح كَقَوْلِهِم لَا أَب لَك وَلَا أم لَك وهوت أمه وَلَا أَرض لَك وَنَحْو ذَلِك قَالَ الْهَرَوِيّ وَمِنْه قَوْله فِي حَدِيث خُزَيْمَة أنعم صباحا تربت يداك فَأَرَادَ الدُّعَاء لَهُ وَلم يرد الدُّعَاء عَلَيْهِ وَالْعرب تَقول لَا أم لَك وَلَا أَب لَك يُرِيدُونَ لله دَرك وَقَالَ عِيَاض هَذَا خطاب على عَادَة الْعَرَب فِي اسْتِعْمَال هَذِه الْأَلْفَاظ عِنْد الْإِنْكَار للشَّيْء والتأنيس أَو الْإِعْجَاب أَو الاستعظام لَا يُرِيدُونَ مَعْنَاهَا الْأَصْلِيّ قلت ولذوي الْأَلْبَاب فِي هَذَا الْبَاب أَن ينْظرُوا إِلَى اللَّفْظ وقائله فَإِن كَانَ وليا فَهُوَ الْوَلَاء وَإِن خشن وَإِن كَانَ عدوا فَهُوَ الْبلَاء وَإِن حسن (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله لَا يستحي جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر إِن قَوْله فَهَل للاستفهام وَكلمَة من فِي من غسل زَائِدَة أَي هَل غسل يجب على الْمَرْأَة قَوْله إِذا رَأَتْ المَاء كلمة إِذا ظرفية تَقْدِيره عَلَيْهَا غسل حِين رَأَتْ الْمَنِيّ إِذا انْتَبَهت وَيجوز أَن تكون شَرْطِيَّة تَقْدِيره إِذا رَأَتْ وَجب عَلَيْهَا غسل وَالْمَاء مَنْصُوب بقوله رَأَتْ من رُؤْيَة الْعين قَوْله فغطت فعل وَأم سَلمَة فَاعله ووجهها مَفْعُوله قَوْله وتحتلم الْمَرْأَة عطف على مُقَدّر يَقْتَضِيهِ السِّيَاق أَي أَتَقول ذَلِك أَو أَتَرَى الْمَرْأَة المَاء وتحتلم وَنَحْوه وروى أَو تحتلم الْمَرْأَة بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام قَوْله تربت فعل ويمينك كَلَام إضافي فَاعله وَالْجُمْلَة خبرية فِي الأَصْل وَلكنهَا دُعَاء فِي الِاسْتِعْمَال وَقيل على حَالهَا خبر لِأَنَّهُ لَا يُرَاد حَقِيقَتهَا قَوْله فَبِمَ أَصله فبمَا فحذفت الْألف قَوْله يشبهها فعل ومفعول وَالضَّمِير يرجع إِلَى الْمَرْأَة قَوْله وَلَدهَا بِالرَّفْع فَاعل (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله إِن الله لَا يستحي أَي لَا يمْتَنع من بَيَان الْحق فَكَذَا أَنا لَا أمتنع من سُؤَالِي عَمَّا أَنا محتاجة إِلَيْهِ مِمَّا تَسْتَحي النِّسَاء فِي الْعَادة من السُّؤَال عَنهُ لِأَن نزُول الْمَنِيّ مِنْهُنَّ يدل على شدَّة شهوتهن للرِّجَال وَإِنَّمَا فسرناه هَكَذَا لِأَن الْحيَاء تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان من تخوف مَا يعاب بِهِ أَو يذم وَهَذَا محَال على الله تَعَالَى فَيكون هَذَا جَارِيا على سَبِيل الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة التمثيلية كَمَا فِي حَدِيث سلمَان قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الله حَيّ كريم يستحي إِذا رفع العَبْد يَدَيْهِ أَن يردهما صفرا حَتَّى يضع فيهمَا خيرا شبه ترك الله إِجَابَة العَبْد ورد يَدَيْهِ إِلَيْهِ صفرا بترك الْكَرِيم ورده الْمُحْتَاج حَيَاء فَقيل ترك الله الرَّد حَيَاء كَمَا قيل ترك الْكَرِيم رد الْمُحْتَاج حَيَاء فَأطلق الْحيَاء ثمَّة كَمَا أطلق الْحيَاء هَهُنَا فَلذَلِك استعير ترك الله المستحيي لترك الْحق ثمَّ نفى عَنهُ قَوْله فغطت أم سَلمَة الظَّاهِر أَن هَذَا من كَلَام زَيْنَب فَالْحَدِيث ملفق من رِوَايَة صحابيتين وَيحْتَمل أَن يكون من أم سَلمَة على سَبِيل الِالْتِفَات كَأَنَّهَا جردت من نَفسهَا شخصا فأسندت إِلَيْهِ التغطية إِذْ أصل الْكَلَام فغطيت وَجْهي وَقلت يَا رَسُول الله قَوْله يَعْنِي وَجههَا هَذَا الإدراج من عُرْوَة ظَاهرا وَيحْتَمل أَن يكون من راو آخر وَهَذَا إدراج فِي إدراج قَوْله فَبِمَ يشبهها وَلَدهَا وَفِي الصَّحِيح من حَدِيث أنس فَمن أَيْن يكون الشّبَه مَاء الرجل غليظ أَبيض وَمَاء الْمَرْأَة رَقِيق أصفر فمني أَيهمَا علا أَو سبق يكون مِنْهُ الشّبَه وَفِي حَدِيث عَائِشَة وَهل يكون الشّبَه إِلَّا من قبل ذَلِك إِذا علا مَاؤُهَا مَاء الرجل أشبه الْوَلَد أَخْوَاله وَإِذا علا مَاء الرجل ماءها أشبه أَعْمَامه وَقَالَ بَعضهم فِيهِ رد على من يَقُول أَن مَاء الرجل يخالط دم الْمَرْأَة وَأَن مَاء الرجل كالأنفحة ودمها كاللبن الحليب (فَائِدَة) جَاءَ عَن جمَاعَة من الصحابيات أَنَّهُنَّ سألن كسؤال أم سليم مِنْهُنَّ خَوْلَة بنت حَكِيم أخرجه ابْن مَاجَه وَفِي إِسْنَاده عَليّ بن زيد بن جدعَان وبسرة ذكره ابْن أبي شيبَة وسهلة بنت سُهَيْل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة وَالْأَحَادِيث فِيهِ عَن أم سَلمَة وَعَائِشَة وَأنس رَضِي الله عَنْهُم وَلم يخرج البُخَارِيّ غير حَدِيث أم سَلمَة وَأخرج مُسلم أَحَادِيث الثَّلَاثَة وَحَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ جَاءَت أم سليم إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت لَهُ وَعَائِشَة عِنْده يَا رَسُول الله الْمَرْأَة ترى مَا يرى الرجل فِي الْمَنَام وَترى من نَفسهَا مَا يرى الرجل من نَفسه فَقَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فضحت النِّسَاء تربت يَمِينك وَحَدِيث عَائِشَة رَوَاهُ عُرْوَة عَنْهَا أَنَّهَا أخْبرته أَن أم سليم دخلت على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذكر الحَدِيث وَفِيه قَالَت عَائِشَة فَقلت لَهَا أُفٍّ لَك أَتَرَى الْمَرْأَة ذَلِك قلت أم سليم بِضَم السِّين وَفتح اللَّام بنت ملْحَان بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون اللَّام وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وبالنون النجارية الْأَنْصَارِيَّة اسْمهَا سهلة أَو رميلة أَو رميثة بالراء فيهمَا وبالمثلثة فِي الثَّانِي
أَو مليكَة أَو الغميصاء أَو الرميصاء بالصَّاد الْمُهْملَة فيهمَا والخمسة الْأَخِيرَة بِصِيغَة التصغير تزَوجهَا مَالك بن النَّضر بالضاد الْمُعْجَمَة أَبُو أنس بن مَالك فَولدت لَهُ أنسا ثمَّ قتل عَنْهَا مُشْركًا فَأسْلمت فَخَطَبَهَا أَبُو طَلْحَة وَهُوَ مُشْرك فَأَبت ودعته إِلَى الْإِسْلَام فَأسلم فَقَالَت إِنَّنِي أتزوجك وَلَا آخذ مِنْك صَدَاقا لإسلامك فَتَزَوجهَا أَبُو طَلْحَة رُوِيَ لَهَا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرْبَعَة عشر حَدِيثا أخرج البُخَارِيّ مِنْهَا ثَلَاثَة وَأخرج مُسلم حديثين واتفقا على وَاحِد روى لَهَا الْجَمَاعَة سوى ابْن مَاجَه (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ ترك الاستحياء لمن عرضت لَهُ مَسْأَلَة الثَّانِي فِيهِ وجوب الْغسْل على الْمَرْأَة إِذا وجدت المَاء وَكَذَا على الرجل لِأَن حكمه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام على وَاحِد حكمه على الْجَمَاعَة إِلَّا إِذا دلّ دَلِيل على تَخْصِيصه بِهِ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم عبد الْكَرِيم الْقزْوِينِي الشَّافِعِي حكم الْمَرْأَة فِي ثُبُوت الْغسْل بِخُرُوج منيها كَالرّجلِ وَالرجل لمنيه خَواص ثَلَاث إِحْدَاهَا الرَّائِحَة المشبهة برائحة الطّلع أَو الْعَجِين إِذا كَانَ رطبا وَإِذا جف أشبه رَائِحَة الْبيض الثَّانِيَة التدفق بدفقات الثَّالِثَة اللَّذَّة بِخُرُوجِهِ ويعقبه فتور وَقَالَ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي وَالْغَزالِيّ فِي الْوَسِيط لَا يعرف فِي حَقّهَا إِلَّا بالشهوة وَقَالَ فِي كِتَابه الْوَجِيز إِذا تلذذت بِخُرُوج مَائِهَا لَزِمَهَا الْغسْل وَهَذَا إِشْعَار مِنْهُمَا أَن طَريقَة معرفَة الْمَنِيّ فِي حَقّهَا الشَّهْوَة والتلذذ لَا غير وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ بالتسوية بَين مني الرجل ومني الْمَرْأَة فِي طرد الْخَواص الثَّلَاث قَالَ الْبَغَوِيّ إِذا خرج مني الْمَرْأَة بِشَهْوَة أَو غير شَهْوَة وَجب الْغسْل كمني الرجل وَقَالَ الرَّافِعِيّ وَإِذا وَجب مَعَ انْتِفَاء الشَّهْوَة كَانَ الِاعْتِمَاد على بَقِيَّة الْخَواص وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بن الصّلاح مُعْتَرضًا على الْقزْوِينِي فِي قَوْله أَن قَول الْأَكْثَرين التَّسْوِيَة بَين مني الرجل وَالْمَرْأَة فِي الْخَواص الثَّلَاث وَأنكر أَنه قَول الْأَكْثَرين قَالَ وَإِنَّمَا لَهُ خاصيتان الرَّائِحَة والشهوة فالشهوة ذكرهَا الإِمَام وَالْغَزالِيّ والرائحة ذكرهَا الرَّوْيَانِيّ وَأنكر الثَّالِثَة وَهِي التدفق بدفقات للْمَرْأَة وَقَالَ الشَّيْخ مُحي الدّين وَالْمَرْأَة كَالرّجلِ إِلَّا أَنَّهَا إِن كَانَ الْمَنِيّ ينزل إِلَى فرجهَا وَوصل إِلَى الْموضع الَّذِي يجب عَلَيْهَا غسله فِي الْجَنَابَة والاستنجاء وَهُوَ الَّذِي يظْهر حَال قعودها لقَضَاء الْحَاجة يجب عَلَيْهَا الْغسْل لِأَنَّهُ فِي حكم الظَّاهِر وَإِن كَانَت بكرا لم يلْزمهَا مَا لم يخرج من فرجهَا لِأَن دَاخل فرجهَا كداخل احليل الرجل قلت لَا خلاف فِي مَذْهَب الشَّافِعِي أَنه لَا يجب عَلَيْهَا الْغسْل إِلَّا بِرُؤْيَة المَاء وَمُرَاد الْغَزالِيّ وَغَيره بقوله لَا يعرف من جِهَتهَا إِلَّا بالشهوة والتلذذ يُرِيد بِهِ تعْيين هَذِه الْخَاصَّة فِي حَقّهَا دون الخاصيتين الموجودتين فِي مني الرجل على اخْتِيَاره لَا غير ذَلِك وَقد ذكر الْغَزالِيّ فِي الْوَجِيز إِذا تلذذت الْمَرْأَة بِخُرُوج منيها فَأثْبت خُرُوجه قلت هَذَا تَحْرِير مَذْهَب الشَّافِعِي فِي هَذَا الْموضع وَطول الْكَلَام فِيهِ لغلط جمَاعَة من الشَّافِعِيَّة فِيهِ الثَّالِث فِيهِ إِثْبَات أَن الْمَرْأَة لَهَا مَاء الرَّابِع فِيهِ إِثْبَات الْقيَاس وإلحاق حكم النظير بالنظير
٧٠ - (حَدثنَا إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنِي مَالك عَن عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن من الشّجر شَجَرَة لَا يسْقط وَرقهَا وَهِي مثل الْمُسلم حَدثُونِي مَا هِيَ فَوَقع النَّاس فِي شجر الْبَادِيَة وَوَقع فِي نَفسِي أَنَّهَا النَّخْلَة قَالَ عبد الله فَاسْتَحْيَيْت فَقَالُوا يَا رَسُول الله أخبرنَا بهَا فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هِيَ النَّخْلَة قَالَ عبد الله فَحدثت أبي بِمَا وَقع فِي نَفسِي فَقَالَ لِأَن تكون قلتهَا أحب إِلَيّ من أَن يكون لي كَذَا وَكَذَا) مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة كمطابقة الحَدِيث السَّابِق وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي بَاب قَول الْمُحدث حَدثنَا وَأخْبرنَا وَذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع تعلقاته وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس بن أُخْت الإِمَام مَالك بن أنس رَضِي الله عَنهُ قَوْله فَحدثت أبي أَي عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ قَوْله لِأَن تكون بِفَتْح اللَّام وَإِنَّمَا قَالَ قلتهَا بالماضي مَعَ قَوْله تكون وَهُوَ مضارع لِأَن الْغَرَض مِنْهُ لِأَن تكون فِي الْحَال مَوْصُوفا بِهَذَا القَوْل الصَّادِر فِي الْمَاضِي قَوْله أحب إِلَيّ من أَن يكون لي كَذَا وَكَذَا أَي من حمر النعم وَغَيرهَا وَلَفظ كَذَا مَوْضُوع للعدد الْمُبْهم وَهُوَ من الْكِنَايَات قَالَ ابْن بطال وَفِي تمني عمر رَضِي الله عَنهُ أَن يُجَاوب ابْنه النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم بِمَا وَقع فِي نَفسه فِيهِ من الْفِقْه أَن الرجل يباخ لَهُ الْحِرْص على ظُهُور ابْنه فِي الْعلم على الشُّيُوخ وسروره بذلك. وَقيل إِنَّمَا تمنى ذَلِك رَجَاء أَن يسر النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم بإصابته
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَأْكُلُ مَوَاضِعَ السُّجُودِ مِنَ الْمُسْلِمِ كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا، وَكَذَا لِسَانُهُ النَّاطِقُ بِالتَّوْحِيدِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (فَيَسْتَبْشِرُونَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ أَيْ فَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَلِلْبَاقِينَ بِحَذْفِ النُّونِ، وَهُوَ أَوْجَهُ لِوُقُوعِ الْفَاءِ بَعْدَ النَّفْيِ أَوِ الِاسْتِفْهَامِ أَوِ الْعَرْضِ وَهِيَ تَنْصِبُ فِي كُلِّ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (إِذًا يَتَّكِلُوا) بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَفْتُوحَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ، وَهُوَ جَوَابٌ وَجَزَاءٌ أَيْ: إِنْ أَخْبَرْتَهُمْ يَتَّكِلُوا. وَلِلْأَصِيلِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ يَنْكُلُوا - بِإِسْكَانِ النُّونِ وَضَمِّ الْكَافِ - أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنَ الْعَمَلِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا يَتَبَادَرُ مِنْ ظَاهِرِهِ، وَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لِمُعَاذٍ فِي التَّبْشِيرِ، فَلَقِيَهُ عُمَرُ فَقَالَ: لَا تَعْجَلْ. ثُمَّ دَخَلَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَنْتَ أَفْضَلُ رَأْيًا، إِنَّ النَّاسَ إِذَا سَمِعُوا ذَلِكَ اتَّكَلُوا عَلَيْهَا، قَالَ فَرَدَّهُ. وَهَذَا مَعْدُودٌ مِنْ مُوَافَقَاتِ عُمَرَ، وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ بِحَضْرَتِهِ ﷺ. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ مُتَكَلِّمِي الْأَشَاعِرَةِ مِنْ قَوْلِهِ: يَتَّكِلُوا عَلَى أَنَّ لِلْعَبْدِ اخْتِيَارًا كَمَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ (١).
قَوْلُهُ: (عِنْدَ مَوْتِهِ) أَيْ: مَوْتِ مُعَاذٍ. وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قُلْتُ: وَيَرُدُّهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ مُعَاذًا حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ يَقُولُ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ إِلَّا مَخَافَةَ أَنْ تَتَّكِلُوا. . فَذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (تَأَثُّمًا) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ الْمَضْمُومَةِ، أَيْ: خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي الْإِثْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي حَدِيثِ بَدْءِ الْوَحْيِ فِي قَوْلِهِ: يَتَحَنَّثُ. وَالْمُرَادُ بِالْإِثْمِ الْحَاصِلُ مِنْ كِتْمَانِ الْعِلْمِ، وَدَلَّ صَنِيعُ مُعَاذٍ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّبْشِيرِ كَانَ عَلَى التَّنْزِيهِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ يُخْبِرُ بِهِ أَصْلًا. أَوْ عَرَفَ أَنَّ النَّهْيَ مُقَيَّدٌ بِالِاتِّكَالِ فَأَخْبَرَهُ بِهِ مَنْ لَا يَخْشَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِذَا زَالَ الْقَيْدُ زَالَ الْمُقَيَّدُ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِكَوْنِهِ أَخَّرَ ذَلِكَ إِلَى وَقْتِ مَوْتِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَعَلَّ مُعَاذًا لَمْ يَفْهَمِ النَّهْيَ، لَكِنْ كُسِرَ عَزْمُهُ عَمَّا عَرَضَ لَهُ مِنْ تَبْشِيرِهِمْ. قُلْتُ: وَالرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ صَرِيحَةٌ فِي النَّهْيِ، فَالْأَوْلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْإِرْدَافِ، وَبَيَانُ تَوَاضُعِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَنْزِلَةُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِنَ الْعِلْمِ لِأَنَّهُ خَصَّهُ بِمَا ذَكَرَ. وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِفْسَارِ الطَّالِبِ عَمَّا يَتَرَدَّدُ فِيهِ، وَاسْتِئْذَانِهِ فِي إِشَاعَةِ مَا يَعْلَمُ بِهِ وَحْدَهُ.
١٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذِ: مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ. قَالَ: أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: لَا، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَذَكَرَ الْجَيَّانِيُّ أَنَّ عَبْدُوسًا، وَالْقَابِسِيَّ رَوَيَاهُ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ بِإِسْقَاطِ مُسَدَّدٍ مِنَ السَّنَدِ، قَالَ: وَهُوَ وَهْمٌ وَلَا يَتَّصِلُ السَّنَدُ إِلَّا بِذِكْرِهِ، انْتَهَى. وَمُعْتَمِرٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ إِلَّا مُعَاذًا، وَكَذَا الَّذِي قَبْلَهُ إِلَّا إِسْحَاقَ فَهُوَ مَرْوَزِيٌّ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهْوَيْهِ.
قَوْلُهُ: (ذُكِرَ لِي) هُوَ بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَلَمْ يُسَمِّ أَنَسٌ مَنْ ذَكَرَ لَهُ فِي ذَلِكَ جَمِيعَ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الطُّرُقِ، وَكَذَلِكَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ عِنْدِ أَحْمَدَ ; لِأَنَّ مُعَاذًا إِنَّمَا حَدَّثَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ بِالشَّامِ، وَجَابِرٌ، وَأَنَسٌ إِذْ ذَاكَ بِالْمَدِينَةِ فَلَمْ يَشْهَدَاهُ وَقَدْ حَضَرَ ذَلِكَ مِنْ مُعَاذٍ، عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيُّ أَحَدُ الْمُخَضْرَمِينَ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا فِي سِيَاقِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ ثَمَّ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان بن طرخان البصريُّ نزيل بني تيمٍ (١)، المُتوفَّى بالبصرة سنة سبعٍ وثمانين ومئةٍ (٢) (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سليمانُ، المُتوفَّى بالبصرة سنة ثلاثٍ وأربعين ومئةٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «أنس بن مالكٍ» (قَالَ: ذُكِرَ لِي) على صيغة المجهول، ولم يسمِّ أنسٌ مَنْ ذَكَرَ له ذلك، وهو غير قادحٍ في صحَّة الحديث لأنَّ متنه ثابتٌ من طريقٍ أخرى، وأيضًا: فأنسٌ لا يروي إلَّا عن عدلٍ صحابيٍّ أو غيره، فلا تضرُّ الجهالة هنا، ويحتمل أن يكون: عَمرو بن ميمونٍ، أو عبد الرَّحمن بن سَمُرة (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ) زاد في رواية غير أبوي ذَرٍّ والوقت: «ابن جبلٍ» ومقول القول: (مَنْ لَقِيَ اللهَ) أي: مات حال كونه (لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) حين الموت (دَخَلَ الجَنَّةَ) وإن لم يعمل صالحًا إمَّا قبل دخوله النَّار أو بعده بفضل الله ورحمته، واقتصر على نفي الإشراك لأنَّه يستدعي التَّوحيد بالاقتضاء، ولم يذكر إثبات الرِّسالة لأنَّ نفيَ الإشراك يستدعي إثباتها؛ للزوم أنَّ من كذَّب رسل (٣) الله فقد كذَّب اللهَ، ومن كذَّب الله، فهو كافرٌ، أو هو نحو: من توضَّأ صحَّت صلاته، أي: عند وجود سائر الشُّروط، فالمُرَاد: مَنْ لَقِيَ اللهَ مُوحِّدًا بسائر ما يجب الإيمان به (قَالَ) معاذٌ، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «فقال»: (أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ) بذلك؟ (قَالَ) النَّبيُّ ﷺ: (لَا) تبشِّرهم، ثمَّ استأنف، فقال: (أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، أي: أخاف اتِّكالهم على مُجرَّد التَّوحيد، وفي رواية كريمة وأبي الوقت: قال: «لا، إنِّي أخاف» وعلى الرِّواية الأولى: ليست كلمة النَّهيِ داخلةً على «أخاف»، فافهم.
(٥٠) هذا (بابُ الحَيَاءِ) بالمدِّ (فِي) تعلُّم (العِلْمِ) وتعليمه (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) أي: ابن جبرٍ، التَّابعيُّ الكبير، ممَّا وصله أبو نُعيمٍ في «الحلية» من طريق عليِّ بن المدينيِّ، عن ابن عُيَيْنَةَ، عن منصورٍ، عنه بإسنادٍ صحيحٍ على شرط المؤلِّف: (لَا يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحْيِيْ) بإسكان الحاء وبياءين أخيرتهما (١) ساكنةٌ، من: استحيا يستحيي على وزن «مُسْتَفْعِلٍ»، ويجوز فيه «مستحيٍ» أي: بياءٍ واحدةٍ (٢) من «استحى يستحي» على وزن «مُسْتَفْعٍ»، ويجوز «مستحٍ» من غير ياءٍ على وزن «مُسْتَفٍ» (وَلَا مُسْتَكْبِرٌ) يتعاظم ويستنكف أن يتعلَّم العلم ويستكثر منه، وهو أعظم آفات العلم، فالحياء هنا مذمومٌ لكونه سببًا لترك أمرٍ شرعيٍّ، و «لا» ليست ناهيةً، بل نافيةٌ، ومن ثمَّ كانت ميم «يتعلَّمُ» مضمومةً.
(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ ممَّا وصله مسلمٌ: (نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ) برفع «نساءُ» في الموضعين، فالأولى: على الفاعليَّة، والثَّانية: على أنَّها مخصوصةٌ بالمدح، والمُرَاد من نساءِ الأنصار نساء أهل المدينة (لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ) عن (أَنْ يَتَفَقَّهْنَ) أي: عنِ التَّفقُّه (فِي) أمور (الدِّينِ).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
من تَتِمَّة الحَدِيث أَو غَرَضه أَنِّي لما رويت أول الحَدِيث بَادر ابْن الزبير إِلَى رِوَايَة آخِره إشعارا بِأَن الحَدِيث مَعْلُوم لَهُ أَيْضا أَو أَن الْأسود أَشَارَ إِلَى أول الحَدِيث كَمَا يُقَال قَرَأت {الم ذَلِك الْكتاب} وَأَرَادَ بِهِ السُّورَة بِتَمَامِهَا فَبين ابْن الزبير أَن آخِره ذَلِك قلت هَذِه ثَلَاثَة أجوبة وَلَيْسَ الصَّوَاب مِنْهَا إِلَّا الْجَواب الثَّانِي لِأَن عبد الله بن الزبير روى الحَدِيث أَيْضا عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا ثمَّ قَالَ أَيْضا فَإِن قلت فالقدر الَّذِي ذكره ابْن الزبير هَل هُوَ مَوْقُوف عَلَيْهِ قلت اللَّفْظ يَقْتَضِي الْوُقُوف إِذْ لم يسْندهُ إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَكِن السِّيَاق يدل على أَنه مَرْفُوع وَالرِّوَايَات الْأُخَر أَيْضا دَالَّة على رَفعه قلت من علم أَن ابْن الزبير أَيْضا روى هَذَا الحَدِيث عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا السُّؤَال وَلَا إِلَى جَوَابه قَوْله فَفعله ابْن الزبير أَي فعل الْمَذْكُور من النَّقْض وَجعل الْبَابَيْنِ قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين قَالُوا بني الْبَيْت خمس مَرَّات بنته الْمَلَائِكَة ثمَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ثمَّ قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة وَحضر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا الْبناء وَهُوَ ابْن خمس وَثَلَاثِينَ وَقيل خمس وَعشْرين وَفِيه سقط على الأَرْض حِين رفع إزَاره ثمَّ بناه ابْن الزبير ثمَّ بناه حجاج بن يُوسُف وَاسْتمرّ. ويروى أَن هَارُون سَأَلَ مَالِكًا عَن هدمها وردهَا إِلَى بِنَاء ابْن الزبير للأحاديث الْمَذْكُورَة فَقَالَ مَالك نشدتك الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن لَا تجْعَل هَذَا الْبَيْت لعبة للملوك لَا يَشَاء أحد إِلَّا نقضه وبناه فتذهب هيبته من صُدُور النَّاس انْتهى قلت بنته الْمَلَائِكَة أَولا ثمَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ثمَّ العمالقة ثمَّ جرهم ثمَّ قُرَيْش وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمئِذٍ رجل شَاب ثمَّ ابْن الزبير ثمَّ حجاج (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول قَالَ ابْن بطال فِيهِ أَنه قد يتْرك يسير من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ إِذا خشِي مِنْهُ أَن يكون سَببا لفتنة قوم ينكرونه. الثَّانِي فِيهِ أَن النُّفُوس تحب أَن تساس كلهَا لما تأنس إِلَيْهِ فِي دين الله من غير الْفَرَائِض. الثَّالِث قَالَ النَّوَوِيّ فِيهِ أَنه إِذا تَعَارَضَت مصلحَة ومفسدة وَتعذر الْجمع بَين فعل الْمصلحَة وَترك الْمفْسدَة بَدَأَ بالأهم لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخبر أَن رد الْكَعْبَة إِلَى قَوَاعِد إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مصلحَة وَلَكِن يُعَارضهُ مفْسدَة أعظم مِنْهُ وَهِي خوف فتْنَة بعض من أسلم قَرِيبا لما كَانُوا يرَوْنَ تغييرها عَظِيما فَتَركهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرَّابِع فِيهِ فكر ولي الْأَمر فِي مصَالح رَعيته وَاجْتنَاب مَا يخَاف مِنْهُ تولد ضَرَر عَلَيْهِم فِي دين أَو دنيا إِلَّا الْأُمُور الشَّرْعِيَّة كأخذ الزَّكَاة وَإِقَامَة الْحَد الْخَامِس فِيهِ تأليف قُلُوبهم وَحسن حياطتهم وَأَن لَا ينفروا وَلَا يتَعَرَّض لما يخَاف تنفيرهم بِسَبَبِهِ مَا لم يكن فِيهِ ترك أَمر شَرْعِي السَّادِس اسْتدلَّ بِهِ أَبُو مُحَمَّد الْأصيلِيّ مِنْهُ فِي مسَائِل من النِّكَاح فِي جَارِيَة يتيمة غنية كَانَ لَهَا ابْن عَم وَكَانَ فِيهِ ميل إِلَى الصباء فَخَطب ابنت عَمه وخطبها رجل غَنِي فَمَال إِلَيْهِ الْوَصِيّ وَكَانَت الْيَتِيمَة تحب ابْن عَمها ويحبها فَأبى وصيها أَن يُزَوّجهَا مِنْهُ وَرفع ذَلِك إِلَى القَاضِي وشاور فُقَهَاء بَلَده فكلهم أفتى أَن لَا يُزَوّج ابْن عَمها وَأفْتى الْأصيلِيّ أَن تزوج مِنْهُ خشيَة أَن يقعا فِي الْمَكْرُوه اسْتِدْلَالا بِهَذَا الحَدِيث فزوجت مِنْهُ
(بَاب من خص بِالْعلمِ قوما دون قوم كَرَاهِيَة أَن لَا يفهموا)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان من خص وَكلمَة من مَوْصُولَة وَقَوله دون قوم بِمَعْنى غير قوم قَوْله كَرَاهِيَة بِالنّصب على التَّعْلِيل مُضَاف إِلَى قَوْله أَن لَا يفهموا وَأَن مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير لأجل كَرَاهِيَة عدم فهم الْقَوْم الَّذين هم غير الْقَوْم الَّذين خصهم بِالْعلمِ والكراهية بتَخْفِيف الْيَاء مصدر الْكَرَاهَة من كره الشَّيْء يكرههُ كَرَاهَة وكراهية. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ أَن فِي الْبَاب الأول ترك بعض الْمُخْتَار مَخَافَة قُصُور فهم بعض النَّاس وَهَهُنَا أَيْضا ترك بعض النَّاس من التَّخْصِيص بِالْعلمِ لقُصُور فهمهم والترجمتان متقاربتان غير أَن الأولى فِي الْأَفْعَال وَهَذِه فِي الْأَقْوَال (وَقَالَ عَليّ حدثوا النَّاس بِمَا يعْرفُونَ أتحبون أَن يكذب الله وَرَسُوله) أَي عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ كَذَا وَقع هَذَا الْأَثر مُبْتَدأ بِهِ بِصُورَة التَّعْلِيق فِي أصل الْهَرَوِيّ والدمياطي ثمَّ عقب بِالْإِسْنَادِ وَسقط كُله فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني قَوْله حدثوا بِصِيغَة الْأَمر أَي كلموا النَّاس بِمَا يعْرفُونَ أَي بِمَا يفهمون وَالْمرَاد كلموهم على قدر عُقُولهمْ وَفِي كتاب الْعلم لآدَم بن أبي إِيَاس عَن عبد الله بن دَاوُد عَن مَعْرُوف فِي آخِره
ودعوا مَا يُنكرُونَ أَي مَا يشْتَبه عَلَيْهِم فهمه وَفِيه دَلِيل على أَن الْمُتَشَابه لَا يَنْبَغِي أَن يذكر عِنْد الْعَامَّة وَمثله قَوْله ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ ذكره مُسلم فِي مُقَدّمَة كِتَابه بِسَنَد صَحِيح قَالَ مَا أَنْت بمحدث قوما حَدِيثا لَا يبلغهُ عُقُولهمْ إِلَّا كَانَ لبَعْضهِم فتْنَة قَوْله أتحبون الْهمزَة للاستفهام وتحبون بِالْخِطَابِ قَوْله أَن يكذب بِصِيغَة الْمَجْهُول وَذَلِكَ لِأَن الشَّخْص إِذا سمع مَا لَا يفهمهُ وَمَا لَا يتَصَوَّر إِمْكَانه يعْتَقد استحالته جهلا فَلَا يصدق وجوده فَإِذا أسْند إِلَى الله وَرَسُوله يلْزم تكذيبهما
حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى عَن مَعْرُوف بن خَرَّبُوذ عَن أبي الطُّفَيْل عَن عَليّ بذلك أَي حَدثنَا بالأثر الْمَذْكُور عَن عَليّ عبيد الله بن مُوسَى بن باذام عَن مَعْرُوف بن خَرَّبُوذ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره ذال مُعْجمَة وَقد روى بَعضهم بِضَم الْخَاء الْمَكِّيّ مولى قُرَيْش قَالَ يحيى بن معِين ضَعِيف وَقَالَ أَبُو حَاتِم يكْتب حَدِيثه وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سواهُ وَأخرج لَهُ مُسلم حَدِيثا فِي الْحَج وروى لَهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَهُوَ يروي عَن أبي الطُّفَيْل بِضَم الطَّاء وَفتح الْفَاء عَامر بن وَاثِلَة وَقيل عَمْرو بن وَاثِلَة بالثاء الْمُثَلَّثَة ابْن عبد الله بن عَمْرو بن جحش بن جرير بن سعد بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة الْكِنَانِي اللَّيْثِيّ ولد عَام أحد كَانَ يسكن الْكُوفَة ثمَّ انْتقل إِلَى مَكَّة وَعَن سعيد الْجريرِي عَن أبي الطُّفَيْل قَالَ لَا يحدثك أحد الْيَوْم على وَجه الأَرْض أَنه رأى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام غَيْرِي وَكَانَ من أَصْحَاب عَليّ المحبين لَهُ وَشهد مَعَه مشاهده كلهَا وَكَانَ ثِقَة ثِقَة مَأْمُونا يعْتَرف بِفضل أبي بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وروى لَهُ عَن رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام تِسْعَة أَحَادِيث وَهُوَ آخر من مَاتَ من أَصْحَاب النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام على الْإِطْلَاق أخرج لَهُ البُخَارِيّ هَذَا الْأَثر خَاصَّة عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ وَأخرج لَهُ مُسلم فِي الْحَج وَصفَة النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَعَن معَاذ وَعمر وَابْن عَبَّاس وَحُذَيْفَة وَغَيرهم سكن الْكُوفَة ثمَّ أَقَامَ بِمَكَّة إِلَى أَن مَاتَ بهَا سنة عشر وَمِائَة وروى لَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي كتاب الكنى لَهُ كَانَ من كبار التَّابِعين وَكَانَ صَاحب بلاغة وَبَيَان شَاعِرًا محسنا ثِقَة فَاضلا بليغا عَاقِلا إِلَّا أَنه كَانَ فِيهِ تشيع وَذكر ابْن دُرَيْد فِي كتاب الِاشْتِقَاق الْكَبِير عَن عكراش بن ذُؤَيْب قَالَ لَقِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَله حَدِيث وَشهد الْجمل مَعَ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فَقَالَ الْأَحْنَف كأنكم بِهِ وَقد أُتِي بِهِ قَتِيلا وَبِه جِرَاحَة لَا تُفَارِقهُ حَتَّى يَمُوت فَضرب يَوْمئِذٍ ضَرْبَة على أَنفه فَعَاشَ بعْدهَا مائَة سنة وَأثر الضَّرْبَة بِهِ فعلى هَذَا تكون وَفَاته بعد سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَوَقع فِي بعض النّسخ حَدثنَا عبد الله هُوَ ابْن مُوسَى عَن مَعْرُوف بن خَرَّبُوذ عَن أبي الطُّفَيْل عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ بذلك أَي بالأثر الْمَذْكُور وَهَذَا الْإِسْنَاد من عوالي البُخَارِيّ لِأَنَّهُ مُلْحق بالثلاثيات من حَيْثُ أَن الرَّاوِي الثَّالِث مِنْهُ صَحَابِيّ وَهُوَ أَبُو الطُّفَيْل الْمَذْكُور وعَلى قَول من يَقُول أَنه تَابِعِيّ لَيْسَ مِنْهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت لم أخر الْإِسْنَاد عَن ذكر الْمَتْن قلت إِمَّا للْفرق بَين طَريقَة إِسْنَاد الحَدِيث وَإسْنَاد الْأَثر وَإِمَّا لِأَن المُرَاد ذكر الْمَتْن دَاخِلا تَحت تَرْجَمَة الْبَاب وَأما لضعف فِي الْإِسْنَاد بِسَبَب ابْن خَرَّبُوذ وَإِمَّا للتفنن وَبَيَان جَوَاز الْأَمريْنِ بِلَا تفَاوت فِي الْمَقْصُود وَلِهَذَا وَقع فِي بعض النّسخ مقدما على الْمَتْن قلت وَإِمَّا لِأَنَّهُ لم يظفر بِالْإِسْنَادِ إِلَّا بعد وضع الْأَثر مُعَلّقا وَهَذَا أقرب من كل مَا ذكره وأبعده جَوَابه الأول لعدم اطراده والأبعد من الْكل جَوَابه الْأَخير على مَا لَا يخفى
٦٧ - (حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنَا معَاذ بن هَاشم قَالَ حَدثنِي أبي عَن قَتَادَة قَالَ حَدثنَا أنس بن مَالك أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومعاذ رديفه على الرحل قَالَ يَا معَاذ بن جبل قَالَ لبيْك يَا رَسُول الله وَسَعْديك قَالَ يَا معَاذ قَالَ لبيْك يَا رَسُول الله وَسَعْديك ثَلَاثًا قَالَ مَا من أحد يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله صدقا من قلبه إِلَّا حرمه الله على النَّار قَالَ يَا رَسُول الله أَفلا أخبر بِهِ النَّاس فيستبشروا قَالَ إِذا يتكلوا وَأخْبر بهَا معَاذ عِنْد مَوته تأثما) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى وَهُوَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خص معَاذًا بِهَذِهِ الْبشَارَة الْعَظِيمَة دون قوم آخَرين مَخَافَة أَن يقصروا فِي الْعَمَل متكلين على هَذِه الْبشَارَة فَإِن قلت تَرْجَمَة الْبَاب لتخصيص قوم وَمَا فِي الحَدِيث دلّ على تَخْصِيص شخص وَاحِد وَهُوَ معَاذ قلت الْمَقْصُود جَوَاز التَّخْصِيص إِمَّا بشخص وَإِمَّا بِأَكْثَرَ أما أَمر اخْتِلَاف الْعبارَة فسهل أَو نقُول
لَيْسَ هَهُنَا مَخْصُوصًا بشخص لِأَن أنسا أَيْضا سَمعه من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا دلّ عَلَيْهِ السِّيَاق وَأَقل اسْم الْجمع اثْنَان أَو معَاذ كَانَ أمة قَانِتًا لله حَنِيفا قَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ وَقيل لَهُ يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة قَانِتًا فَقَالَ إِنَّا كُنَّا نشبه معَاذًا بإبراهيم عَلَيْهِ السَّلَام (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ الْمَشْهُور بِابْن رَاهَوَيْه وَتقدم ذكره فِي بَاب فضل من علم وَعلم الثَّانِي معَاذ بِضَم الْمِيم ابْن هِشَام بِكَسْر الْهَاء وَتَخْفِيف الْمُعْجَمَة ابْن أبي عبد الله الدستوَائي بِالْهَمْزَةِ وَقيل بالنُّون وَقيل بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف الْبَصْرِيّ روى عَن أَبِيه وَابْن عون وَعنهُ أَحْمد وَغَيره قَالَ ابْن معِين صَدُوق وَلَيْسَ بِحجَّة وَعنهُ ثِقَة ثِقَة وَعَن ابْن عدي رُبمَا يغلط فِي الشَّيْء وَأَرْجُو أَنه صَدُوق مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة مِائَتَيْنِ الثَّالِث أَبوهُ تقدم فِي زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه الرَّابِع قَتَادَة بن دعامة الْخَامِس أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والإفراد وَفِيه الْإِخْبَار والعنعنة وَمِنْهَا أَن رُوَاته بصريون مَا خلا إِسْحَاق وَهُوَ أَيْضا دخل الْبَصْرَة وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الْأَبْنَاء عَن الْآبَاء (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن إِسْحَق بن مَنْصُور عَن معَاذ بن هِشَام عَن أَبِيه بِهِ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله رديفه أَي رَاكب خَلفه قَالَ ابْن سَيّده ردف الرجل وأردفه وارتدفه جعله خَلفه على الدَّابَّة ورديفك الَّذين يرادفك وَالْجمع ردفاء وردافى والردف الرَّاكِب خَلفك والرداف مَوضِع مركب الرديف وَفِي الصِّحَاح كل شَيْء تبع شَيْئا فَهُوَ ردفه وَفِي مجمع الغرائب ردفته أَي ركبت خَلفه وأردفته أركبته خَلْفي وَفِي الْجَامِع للقزاز أنكر بَعضهم الرديف وَقَالَ إِنَّمَا هُوَ الردف وَحكى ردفت الرجل وأردفته إِذا ركبت وَرَاءه وَإِذا جِئْت بعده وأرداف الْمُلُوك فِي الْجَاهِلِيَّة هم الَّذين كَانُوا يخلفون الْمُلُوك كالوزراء وَعند ابْن حبيب يركب مَعَ الْملك عديله أَو خَلفه وَإِذا قَامَ الْملك جلس مَكَانَهُ وَإِذا سقِِي الْملك سقِِي بعده وَقد جمع ابْن مَنْدَه أرداف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فبلغوا نيفا وَثَلَاثِينَ ردفا قَوْله على الرحل بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ للبعير وَهُوَ أَصْغَر من القتب وَلَكِن معَاذًا رَضِي الله عَنهُ كَانَ فِي تِلْكَ الْحَالة رديفه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على حمَار كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجِهَاد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَفِي الْعباب الرحل رَحل الْبَعِير وَهُوَ أَصْغَر من القتب وَهُوَ من مراكب الرِّجَال دون النِّسَاء وَثَلَاثَة أرحل وَالْكثير رحال ورحلت الْبَعِير أرحله رحلا إِذا شددت على ظَهره رحلا والقتب بِالتَّحْرِيكِ رَحل صَغِير على قدر السنام قَوْله لبيْك بِفَتْح اللَّام تَثْنِيَة لب وَمَعْنَاهُ الْإِجَابَة وَقَالَ الْخَلِيل لب بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ حَكَاهُ عَنهُ أَبُو عُبَيْدَة قَالَ الْفراء وَمِنْه قَوْلهم لبيْك أَي أَنا مُقيم على طَاعَتك وَكَانَ حَقه أَن يُقَال لبالك فَثنى على معنى التَّأْكِيد أَي إلبابا لَك بعد إلباب وَإِقَامَة بعد إِقَامَة قَالَ الْخَلِيل هَذَا من قَوْلهم دَار فلَان تلب دَاري أَي تحاذيها أَي مواجهك بِمَا تحب إِجَابَة لَك وَالْيَاء للتثنية وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي لبيْك أَرْبَعَة أَقْوَال أَحدهَا إجَابَتِي لَك مَأْخُوذ من لب بِالْمَكَانِ وألب بِهِ إِذا أَقَامَ بِهِ وَقَالُوا لبيْك فثنوا لأَنهم أَرَادوا إِجَابَة بعد إِجَابَة كَمَا قَالُوا حنانيك أَي رَحْمَة بعد رَحْمَة وَقَالَ بعض النَّحْوِيين أصل لبيْك لبيْك فاستثقل الْجمع بَين ثَلَاث باآت فأبدلوا من الثَّالِثَة بَاء كَمَا قَالُوا تظنيت أَصله تظننت وَالثَّانِي اتجاهي يَا رب وقصدي لَك فَثنى للتَّأْكِيد أخذا من قَوْلهم دَاري تلب دَارك أَي تواجهها وَالثَّالِث محبتي لَك يَا رب من قَول الْعَرَب امْرَأَة لبة إِذا كَانَت محبَّة لولدها عاطفة عَلَيْهِ وَالرَّابِع إخلاصي لَك يَا رب من قَوْلهم حسب لباب إِذا كَانَ خَالِصا مَحْضا وَمن ذَلِك لب الطَّعَام ولبابه قَوْله وَسَعْديك بِفَتْح السِّين تَثْنِيَة سعد وَالْمعْنَى إسعادا بعد إسعاد أَي أَنا مسعد طَاعَتك إسعادا بعد إسعاد فَثنى للتَّأْكِيد كَمَا فِي لبيْك قَوْله يتكلوا بتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من الاتكال وَهُوَ الِاعْتِمَاد وَأَصله الاوتكال لِأَنَّهُ من وكل أمره إِلَى آخر فقلبت الْوَاو تَاء وأدغمت التَّاء فِي التَّاء وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ والكشميهني يتكلوا بِسُكُون النُّون من النّكُول وَهُوَ الِامْتِنَاع يَعْنِي يمتنعوا عَن الْعَمَل اعْتِمَادًا على مُجَرّد القَوْل بِلَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بعض الرِّوَايَة ينكلُوا بالنُّون من النكال قلت لَيْسَ بِصَحِيح وَإِنَّمَا هُوَ من النّكُول كَمَا ذَكرْنَاهُ والنكال الْعقُوبَة الَّتِي تنكل النَّاس عَن فعل مَا جعلت لَهُ جَزَاء وَقَالَ تَعَالَى {فجعلناها نكالا} قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ أَي جعلنَا المسخة عِبْرَة تنكل من اعْتبر بهَا أَي تَمنعهُ وَمِنْه النكل للقيد النكل بِكَسْر النُّون قَوْله تأثما بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق والهمزة وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة أَي تجنبا عَن الْإِثْم يُقَال تأثم فلَان إِذا فعل فعلا خرج بِهِ عَن الْإِثْم وَالْإِثْم الَّذِي يخرج بِهِ كتمان مَا أَمر
الله بتبليغه حَيْثُ قَالَ {وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب ليبيننه للنَّاس وَلَا يكتمونه} وَقَالَ الْجَوْهَرِي تأثم أَي تحرج عَنهُ وكف قلت هَذَا من بَاب تفعل وَله معَان مِنْهَا التجنب يَعْنِي ليدل على أَن الْفَاعِل جَانب أصل الْفِعْل نَحْو تأثم وتحرج أَي جَانب الْإِثْم والحرج (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله ومعاذ بِالرَّفْع مُبْتَدأ أَو رَدِيف خَبره أَو الْجُمْلَة حَال قَوْله على الرحل حَال أَيْضا قَوْله قَالَ يَا معَاذ فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ خبر إِن أَعنِي أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله يَا معَاذ بن جبل يجوز فِي معَاذ وَجْهَان من الْإِعْرَاب أَحدهمَا النصب على أَنه مَعَ مَا بعده كاسم وَاحِد مركب والمنادى الْمُضَاف مَنْصُوب وَالْآخر الرّفْع على أَنه منادى مُفْرد علم وَأما ابْن فَهُوَ مَنْصُوب بِلَا خلاف وَاخْتَارَ ابْن الْحَاجِب النصب فِي معَاذ وَقَالَ ابْن مَالك الِاخْتِيَار فِيهِ الضَّم لِأَنَّهُ لَا يحْتَاج إِلَى اعتذار وَقَالَ ابْن التِّين يجوز النصب على أَن قَوْله معَاذ زَائِد فالتقدير يَابْنَ جبل وَفِيه مَا فِيهِ قَوْله لبيْك من المصادر الَّتِي يجب حذف فعلهَا ونصبها وَكَانَ حَقه أَن يُقَال لبالك كَمَا ذكرنَا وَلكنه ثنى على معنى التَّأْكِيد وَكَذَا قَوْله وَسَعْديك مثله وَقَالَ الْأَزْهَرِي معنى لبيْك أَنا مُقيم على طَاعَتك إِقَامَة بعد إِقَامَة أَصْلهَا لبين فحذفت النُّون للإضافة قَالَ الْفراء نصب على المصدرية وَقَالَ ابْن السّكيت كَقَوْلِك حمدا وشكرا قَوْله ثَلَاثًا يتَعَلَّق بقول كل وَاحِد من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومعاذ أَي ثَلَاث مَرَّات يَعْنِي النداء والإجابة قيلا ثَلَاثًا وَصرح بذلك من رِوَايَة مُسلم وَقَالَ الْكرْمَانِي وَيحْتَمل أَن يتَعَلَّق بقول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا معَاذ ثَلَاث مَرَّات وَقَالَ معَاذ لبيْك ثَلَاث مَرَّات فَيكون من بَاب تنَازع العاملين قلت لَا معنى لذكر الِاحْتِمَال بل الْمَعْنى على مَا ذكرنَا وَأَرَادَ بتنازع لفظ قَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَعنِي قَوْله قَالَ يَا معَاذ وَقَوله قَالَ لبيْك فَإِن كلا مِنْهُمَا يَقْتَضِي الْعَمَل فِي ثَلَاثًا قَوْله مَا من أحد كلمة مَا للنَّفْي وَكلمَة من زَائِدَة لتأكيد النَّفْي وَاحِد اسْم مَا وَيشْهد خَبَرهَا وَكلمَة أَن مفسرة قَوْله صدقا يجوز فِي انتصابه وَجْهَان أَحدهمَا أَن يكون حَالا بِمَعْنى صَادِقا وَالْآخر أَن يكون صفة مصدر مَحْذُوف أَي شَهَادَة صدقا قَوْله من قلبه يجوز أَن يتَعَلَّق بقوله صدقا فالشهادة لفظية وَيجوز أَن يتَعَلَّق بقوله يشْهد فالشهادة قلبية قَوْله إِلَّا حرمه الله اسْتثِْنَاء من أَعم عَام الصِّفَات أَي مَا أحد يشْهد كَائِنا بِصفة التَّحْرِيم قَوْله أَفلا أخبر الْهمزَة للاستفهام ومعطوف الْفَاء مَحْذُوف تَقْدِيره أقلت ذَلِك فَلَا أخبر وَبِهَذَا يُجَاب عَمَّا قيل أَن الْهمزَة تَقْتَضِي الصدارة وَالْفَاء تَقْتَضِي عدم الصدارة فَمَا وَجه جَمعهمَا وَاعْلَم أَن همزَة الِاسْتِفْهَام إِذا كَانَت فِي جملَة معطوفة بِالْوَاو أَو بِالْفَاءِ أَو بثم قدمت على العاطف تَنْبِيها على أصالتها فِي التصدر نَحْو {أولم ينْظرُوا} {أفلم يَسِيرُوا} {أَثم إِذا مَا وَقع آمنتم بِهِ} وَأَخَوَاتهَا وتتأخر عَن حُرُوف الْعَطف كَمَا هُوَ قِيَاس جَمِيع أَجزَاء الْكَلِمَة المعطوفة نَحْو {وَكَيف تكفرون} {فَأَيْنَ تذهبون} {فَأنى تؤفكون} {فَهَل يهْلك إِلَّا الْقَوْم الْفَاسِقُونَ} {فَأَي الْفَرِيقَيْنِ} {فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين} هَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور قَوْله النَّاس بِالنّصب لِأَنَّهُ مفعول أخبر قَوْله فيستبشروا بِحَذْف النُّون لِأَن الْفِعْل ينصب بعد الْفَاء المجاب بهَا بعد النَّفْي والاستفهام وَالْعرض وَالتَّقْدِير فَإِن يستبشروا وَفِي رِوَايَة أبي ذَر يستبشرون بِإِثْبَات النُّون وَالتَّقْدِير فهم يستبشرون قَوْله إِذا جَوَاب وَجَزَاء أَي إِن أَخْبَرتهم يتكلوا كَأَنَّهُ قَالَ لَا تخبرهم لأَنهم حِينَئِذٍ يتكلون على الشَّهَادَة الْمُجَرَّدَة فَلَا يشتغلون بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة قَوْله تأثما نصب على أَنه مفعول لَهُ أَي مَخَافَة التأثم (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله ومعاذ هُوَ معَاذ بن جبل رَضِي الله عَنهُ قَوْله صدقا من قلبه احْتَرز بِهِ عَن شَهَادَة الْمُنَافِقين وَقَالَ بَعضهم الصدْق كَمَا يعبر بِهِ قولا عَن مُطَابقَة القَوْل الْمخبر عَنهُ قد يعبر بِهِ فعلا عَن تحري الْأَفْعَال الْكَامِلَة قَالَ الله تَعَالَى {وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ} أَي حقق مَا أوردهُ قولا بِمَا تحراه فعلا قلت أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنى أَيْضا الطَّيِّبِيّ حَيْثُ قَالَ قَوْله صدقا هُنَا أقيم مقَام الاسْتقَامَة وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى دفع مَا قيل فِي أَن ظَاهر الْخَبَر يَقْتَضِي عدم دُخُول جَمِيع من شهد الشَّهَادَتَيْنِ النَّار لما فِيهِ من التَّعْمِيم والتأكيد وَذَلِكَ لِأَن الْأَدِلَّة القطعية قد دلّت عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن طَائِفَة من عصاة الْمُوَحِّدين يُعَذبُونَ ثمَّ يخرجُون من النَّار بالشفاعة قَالَ الطَّيِّبِيّ وَلأَجل خَفَاء ذَلِك لم يُؤذن لِمعَاذ رَضِي الله عَنهُ فِي التبشير بِهِ وَقد أُجِيب عَن هَذَا بأجوبة أُخْرَى مِنْهَا أَن هَذَا مُقَيّد بِمن يَأْتِي بِالشَّهَادَتَيْنِ تَائِبًا ثمَّ مَاتَ على ذَلِك وَمِنْهَا أَنه أخرج مخرج الْغَالِب إِذْ الْغَالِب أَن الموحد يعْمل الطَّاعَة ويجتنب الْمعْصِيَة وَمِنْهَا أَن المُرَاد بِتَحْرِيمِهِ على النَّار تَحْرِيم خلوده فِيهَا لَا أصل دُخُوله فِيهَا وَمِنْهَا أَن
المُرَاد تَحْرِيم جملَته لِأَن النَّار لَا تَأْكُل مَوَاضِع السُّجُود من الْمُسلم وَكَذَا لِسَانه النَّاطِق بِالتَّوْحِيدِ وَمِنْهَا أَن ذَلِك لمن قَالَه الْكَلِمَة وَأدّى حَقّهَا وفريضتها وَهُوَ قَول الْحسن وَمِنْهَا مَا قيل أَن هَذَا كَانَ قبل نزُول الْفَرَائِض وَالْأَمر وَالنَّهْي وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب وَجَمَاعَة وَقَالَ بَعضهم فِيهِ نظر لِأَن مثل هَذَا الحَدِيث وَقع لأبي هُرَيْرَة كَمَا رَوَاهُ مُسلم وصحبته مُتَأَخِّرَة عَن نزُول أَكثر الْفَرَائِض وَكَذَا ورد نَحوه من حَدِيث أبي مُوسَى رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل بِإِسْنَاد حسن وَكَانَ قدومه فِي السّنة الَّتِي قدم فِيهَا أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قلت فِي النّظر نظر لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَأَبُو مُوسَى عَن أنس رَضِي الله عَنهُ كِلَاهُمَا قد روياه عَنهُ مَا رَوَاهُ قبل نزُول الْفَرَائِض وَوَقعت رِوَايَتهَا بعد نزُول أَكثر الْفَرَائِض قَوْله إِلَّا حرمه الله على النَّار معنى التَّحْرِيم الْمَنْع كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَحرَام على قَرْيَة أهلكناها} فَإِن قلت هَل فِي الْمَعْنى فرق بَين حرمه الله على النَّار وَحرم الله عَلَيْهِ النَّار قلت لَا اخْتِلَاف إِلَّا فِي المفهومين وَأما المعنيان فمتلازمان فَإِن قلت هَل تفَاوت بَين مَا فِي الحَدِيث وَمَا ورد فِي الْقُرْآن {حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة} قلت يحْتَمل أَن يُقَال النَّار منصرفة وَالْجنَّة منصرف مِنْهَا وَالتَّحْرِيم إِنَّمَا هُوَ على المنصرف أنسب فروعي الْمُنَاسبَة قَوْله قَالَ إِذا يتكلوا قد قُلْنَا أَن مَعْنَاهُ إِن أَخْبَرتهم يمتنعوا عَن الْعَمَل اعْتِمَادًا على الْكَلِمَة وروى الْبَزَّار من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ فِي هَذِه الْقَضِيَّة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أذن لِمعَاذ رَضِي الله عَنهُ فِي التبشير فَلَقِيَهُ عمر رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ لَا تعجل ثمَّ دخل فَقَالَ يَا نَبِي الله أَنْت أفضل رَأيا أَن النَّاس إِذا سمعُوا ذَلِك اتكلوا عَلَيْهَا قَالَ فَرده فَرده وَهَذَا معدوده موافقات عمر رَضِي الله عَنهُ قلت فِيهِ جَوَاز الِاجْتِهَاد بِحَضْرَتِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله عِنْد مَوته أَي عِنْد موت معَاذ رَضِي الله عَنهُ وَقَالَ الْكرْمَانِي الضَّمِير فِي مَوته يرجع إِلَى معَاذ وَإِن احْتمل أَن يرجع إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والعندية على هَذَا الِاحْتِمَال بِاعْتِبَار التَّأَخُّر عَن الْمَوْت وعَلى الأول أَي على مَا هُوَ الظَّاهِر بِاعْتِبَار التَّقَدُّم على الْمَوْت وَقَالَ بَعضهم أغرب الْكرْمَانِي فَقَالَ يحْتَمل أَن يرجع الضَّمِير إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت وَيَردهُ مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بِسَنَد صَحِيح عَن جَابر بن عبد الله رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ أَخْبرنِي من شهد معَاذًا حِين حَضرته الْوَفَاة يَقُول سَمِعت من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيثا لم يَمْنعنِي أَن أحدثكموه إِلَّا مَخَافَة أَن يتكلوا فَذكر الحَدِيث انْتهى كَلَامه قلت الحَدِيث الْمَذْكُور لَا يرد مَا قَالَه الْكرْمَانِي وَلَا يُنَافِيهِ لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون أخبر بِهِ النَّاس عِنْد موت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والآخرين عِنْد موت نَفسه وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا ثمَّ إِن صَنِيع معَاذ رَضِي الله عَنهُ أَن النَّهْي عَن التبشير كَانَ على التَّنْزِيه لَا على التَّحْرِيم وَإِلَّا لما كَانَ يخبر بِهِ أصلا وَقد قيل أَن النَّهْي كَانَ مُقَيّدا بالاتكال فَأخْبر بِهِ من لَا يخْشَى عَلَيْهِ ذَلِك وَبِهَذَا خرج الْجَواب عَمَّا قيل هَب أَنه تأثم من الكتمان فَكيف لَا يتأثم من مُخَالفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي التبشير وَقيل أَن الْمَنْع لم يكن إِلَّا من الْعَوام لِأَنَّهُ من الْأَسْرَار الإلهية لَا يجوز كشفها إِلَّا للخواص خوفًا من أَن يسمع ذَلِك من لَا علم لَهُ فيتكل عَلَيْهِ وَلِهَذَا لم يخبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا من أَمن عَلَيْهِ الاتكال من أهل الْمعرفَة وسلك معَاذ أَيْضا هَذَا المسلك حَيْثُ أخبر بِهِ من الْخَاص من رَآهُ أَهلا لذَلِك وَلَا يبعد أَيْضا أَن يُقَال نِدَاء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم معَاذًا ثَلَاث مَرَّات كَانَ للتوقف فِي إفشاء هَذَا السِّرّ عَلَيْهِ أَيْضا وَقَالَ عِيَاض لَعَلَّ معَاذًا لم يفهم النَّهْي لَكِن كسر عزمه عَمَّا عرض لَهُ من تبشيرهم وَقَالَ بَعضهم الرِّوَايَة الْآتِيَة صَرِيحَة فِي النَّهْي قلت لَا نسلم أَن النَّهْي صَرِيح فِي الحَدِيث الْآتِي وَإِنَّمَا فهم النَّهْي من الْحَدِيثين كليهمَا بِدلَالَة النَّص وَهِي فحوى الْخطاب قَوْله وَأخْبر بهَا الخ مدرج من أنس رَضِي الله عَنهُ (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ أَنه يجب أَن يخص بِالْعلمِ قوم فيهم الضَّبْط وَصِحَّة الْفَهم وَلَا يبْذل الْمَعْنى اللَّطِيف لمن لَا يستأهله من الطّلبَة وَمن يخَاف عَلَيْهِ التَّرَخُّص والاتكال لتقصير فهمه الثَّانِي فِيهِ جَوَاز ركُوب الِاثْنَيْنِ على دَابَّة وَاحِدَة الثَّالِث فِيهِ منزلَة معَاذ رَضِي الله عَنهُ وعزته عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرَّابِع فِيهِ تكْرَار الْكَلَام لنكتة وَقصد معنى الْخَامِس فِيهِ جَوَاز الاستفسار من الإِمَام عَمَّا يتَرَدَّد فِيهِ واستئذانه فِي إِشَاعَة مَا يعلم بِهِ وَحده السَّادِس فِيهِ الْإِجَابَة بلبيك وَسَعْديك السَّابِع فِيهِ بِشَارَة عَظِيمَة للموحدين
٦٨ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا مُعْتَمر قَالَ سَمِعت أبي قَالَ سَمِعت أنسا قَالَ ذكر لي أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لِمعَاذ من لَقِي الله لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا دخل الْجنَّة قَالَ أَلا أبشر النَّاس قَالَ لَا إِنِّي أَخَاف أَن يتكلوا)
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق. (بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. الأول مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي مُعْتَمر بن سُلَيْمَان بن طرخان التَّيْمِيّ الْبَصْرِيّ لم يكن من بني تيم وَإِنَّمَا كَانَ نازلا فيهم وَهُوَ مولى بني مرّة روى عَن أَبِيه وَمَنْصُور وَغَيرهمَا وَعنهُ ابْن مهْدي وَغَيره وَكَانَ ثِقَة صَدُوقًا رَأْسا فِي الْعلم وَالْعِبَادَة كأبيه ولد سنة سِتّ وَمِائَة وَمَات سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة بِالْبَصْرَةِ وَيُقَال كَانَ أكبر من سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِسنة روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث أَبوهُ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ وَكَانَ ينزل فِي بني مرّة فَلَمَّا تكلم بِالْقدرِ أَخْرجُوهُ فَقبله بَنو تَمِيم وقدموه وَصَارَ إِمَامًا لَهُم قَالَ شُعْبَة مَا رَأَيْت أصدق من سُلَيْمَان كَانَ إِذا حدث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تغير لَونه وَكَانَ من الْعباد الْمُجْتَهدين يُصَلِّي اللَّيْل كُله بِوضُوء الْعشَاء الْآخِرَة كَانَ هُوَ وَابْنه مُعْتَمر يدوران بِاللَّيْلِ فِي الْمَسَاجِد فيصليان فِي هَذَا الْمَسْجِد مرّة وَفِي ذَلِك أُخْرَى مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَة وَكَانَ مائلا إِلَى عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الرَّابِع أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث وَالسَّمَاع مكررا وَمِنْهَا أَن رُوَاته كلهم بصريون وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الابْن عَن الْأَب وَمِنْهَا أَنه من الرباعيات العوالي وَهَذَا حَدِيث لم يُخرجهُ غير البُخَارِيّ. (بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني) قَوْله قَالَ ذكر لي الضَّمِير فِي قَالَ يرجع إِلَى أنس وَهِي جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال وَقَوله ذكر على صِيغَة الْمَجْهُول وَلم يسم أنس من ذكر لَهُ ذَلِك رَوَاهُ عَن معَاذ رَضِي الله عَنهُ وَكَذَلِكَ جَابر بن عبد الله قَالَ أَخْبرنِي من شهد معَاذًا حِين حَضرته الْوَفَاة الحَدِيث كَمَا بَيناهُ عَن قريب وَلم يسم من ذكر لَهُ وَذَلِكَ لِأَن معَاذًا رَضِي الله عَنهُ إِنَّمَا حدث بِهِ عِنْد مَوته بِالشَّام وَجَابِر وَأنس حِينَئِذٍ كَانَا بِالْمَدِينَةِ وَلم يشهداه وَقد حضر فِي ذَلِك من معَاذ عَمْرو بن مَيْمُون الأودي أحد المخضرمين كَمَا سَيَأْتِي فِي كتاب الْجِهَاد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة الصَّحَابِيّ أَنه سمع ذَلِك من معَاذًا أَيْضا فَيحْتَمل أَن يكون الذاكر لأنس رَضِي الله عَنهُ إِمَّا عَمْرو بن مَيْمُون وَإِمَّا عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة وَالله أعلم وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت لفظ ذكر يَقْتَضِي أَن يكون هَذَا تَعْلِيقا من أنس وَلما لم يكن الذاكر لَهُ مَعْلُوما كَانَ من بَاب الرِّوَايَة عَن الْمَجْهُول فَهَل هُوَ قَادِح فِي الحَدِيث قلت التَّعْلِيق لَا يُنَافِي الصِّحَّة إِذا كَانَ الْمَتْن ثَابتا من طَرِيق آخر وَكَذَا الْجَهَالَة إِذْ مَعْلُوم أَن أنسا لَا يروي إِلَّا عَن الْعدْل سَوَاء رَوَاهُ عَن الصَّحَابِيّ أَو غَيره فَفِي الْجُمْلَة يحْتَمل فِي المتابعات والشواهد مَا لَا يحْتَمل فِي الْأُصُول قلت هَذَا لَيْسَ بتعليق أصلا والذاكر لَهُ مَعْلُوم عِنْده غير أَنه أبهمه عِنْد رِوَايَته وَلَيْسَ ذَلِك قادحا فِي رِوَايَة الصَّحَابِيّ قَوْله من لَقِي الله مقول القَوْل وَكلمَة من مَوْصُولَة فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء وَقَوله دخل الْجنَّة خَبره وَالْمعْنَى من لَقِي الْأَجَل الَّذِي قدره الله يَعْنِي الْمَوْت قَوْله لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا جملَة وَقعت حَالا وَالْمعْنَى من مَاتَ حَال كَونه موحدا حِين الْمَوْت وَبِهَذَا يُجَاب عَمَّا قيل الْإِشْرَاك لَا يتَصَوَّر فِي الْقِيَامَة وَحقّ الظَّاهِر أَن يُقَال وَلم يُشْرك بِهِ أَي فِي الدُّنْيَا وَجَوَاب آخر أَن أَحْكَام الدُّنْيَا مستصحبة إِلَى الْآخِرَة فَإِذا لم يُشْرك فِي الدُّنْيَا عِنْد الِانْتِقَال إِلَى الْآخِرَة صدق أَنه لَا يُشْرك فِي الْآخِرَة فَإِن قلت التَّوْحِيد بِدُونِ إِثْبَات الرسَالَة كَيفَ يَنْفَعهُ فَلَا بُد من انضمام مُحَمَّد رَسُول الله إِلَى قَوْله لَا إِلَه إِلَّا الله قلت هُوَ مثل من تَوَضَّأ صحت صلَاته أَي عِنْد حُصُول شَرَائِط الصِّحَّة فَمَعْنَاه من لَقِي الله موحدا عِنْد الْإِيمَان بِسَائِر مَا يجب الْإِيمَان بِهِ أَو علم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن من النَّاس من يعْتَقد أَن الْمُشرك أَيْضا يدْخل الْجنَّة فَقَالَ ردا لذَلِك الِاعْتِقَاد الْفَاسِد من لَقِي الله لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا دخل الْجنَّة فَإِن قلت هَل يدْخل الْجنَّة وَإِن لم يعْمل عملا صَالحا قلت يدْخل وَإِن لم يعْمل إِمَّا قبل دُخُول النَّار وَإِمَّا بعده وَذَلِكَ بِمَشِيئَة الله تَعَالَى إِن شَاءَ عَفا عَنهُ وَإِن شَاءَ عذبه ثمَّ أدخلهُ الْجنَّة وَقَالَ بَعضهم قَوْله لَا يُشْرك بِهِ اقْتصر على نفي الْإِشْرَاك لِأَنَّهُ يَسْتَدْعِي التَّوْحِيد بالاقتضاء ويستدعي إِثْبَات الرسَالَة باللزوم إِذْ من كذب رسل الله فقد كذب الله وَمن كذب الله فَهُوَ مُشْرك قلت هَذَا تصور لَا يُوجد مَعَه التَّصْدِيق فَإِن أَرَادَ بالاقتضاء على اصْطِلَاح أهل الْأُصُول فَلَيْسَ كَذَلِك على مَا لَا يخفى وَإِن أَرَادَ بِهِ على اصْطِلَاح غير أهل الْأُصُول فَلم يذهب أحد مِنْهُم إِلَى هَذِه الْعبارَة فِي الدلالات وَقَوله أَيْضا وَمن كذب الله فَهُوَ مُشْرك لَيْسَ كَذَلِك فَإِن المكذب لَا يُقَال لَهُ إِلَّا كَافِر قَوْله قَالَ أَي معَاذ إِلَّا أبشر النَّاس أَي بذلك وَإِلَّا للتّنْبِيه وأبشر النَّاس جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول قَوْله قَالَ أَي النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم إِنِّي أَخَاف أَن يتكلوا وَهَذِه رِوَايَة كَرِيمَة أَعنِي بِإِثْبَات إِنِّي وَفِي رِوَايَة غَيرهَا قَالَ لَا أَخَاف بِغَيْر إِنِّي فكلمة لَا للنَّهْي وَلَيْسَت دَاخِلَة على أَخَاف وَإِنَّمَا الْمَعْنى لَا تبشر ثمَّ اسْتَأْنف فَقَالَ أَخَاف وَفِي رِوَايَة الْحسن بن سُفْيَان فِي مُسْنده عَن عبيد الله بن معَاذ عَن مُعْتَمر قَالَ لَا دعهم فليتنافسوا فِي الْأَعْمَال فَإِنِّي أَخَاف أَن يتكلوا
وَكلمَة أَن مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير إِنِّي أَخَاف اتكالهم على مُجَرّد الْكَلِمَة
(بَاب الْحيَاء فِي الْعلم)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحيَاء فِي الْعلم وَالْحيَاء مَمْدُود وَهُوَ تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان عِنْد خوف مَا يعاب أَو يذم وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي فَإِن قلت مَا مُرَاده بِالْحَيَاءِ فِي الْعلم اسْتِعْمَاله فِيهِ أَو تَركه قلت مُرَاده كِلَاهُمَا وَلَكِن بِحَسب الْموضع فاستعماله مَطْلُوب فِي مَوضِع وَتَركه مَطْلُوب فِي مَوضِع فَالْأول هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ بِحَدِيث أم سَلمَة رَضِي الله عَنْهَا وَحَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ بالأثر الْمَرْوِيّ عَن مُجَاهِد وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُمَا فالحياء فِي الْقسم الأول ممدوح وَفِي الثَّانِي مَذْمُوم وَلَكِن إِطْلَاق الْحيَاء على هَذَا الْقسم بطرِيق الْمجَاز لِأَنَّهُ لَيْسَ بحياء حَقِيقَة وَإِنَّمَا هُوَ عجز وكسل وَسمي حَيَاء لشبهه بِالْحَيَاءِ الْحَقِيقِيّ فِي التّرْك فَافْهَم فَإِن قلت مَا الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ قلت من حَيْثُ أَنه لما كَانَ الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق تَخْصِيص قوم دون قوم بِالْعلمِ لِمَعْنى ذكر فِيهِ ذكر هَذَا الْبَاب عَقِيبه تَنْبِيها على أَنه لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يستحي من السُّؤَال مِمَّا لَهُ فِيهِ حَاجَة زاعما أَن الْعلم مَخْصُوص بِقوم دون قوم بل عَلَيْهِ أَن يسْأَل عَن كل مَا لَا يُعلمهُ من أَمر دينه ودنياه (وَقَالَ مُجَاهِد لَا يتَعَلَّم الْعلم مستحي وَلَا مستكبر) مُطَابقَة هَذَا الْأَثر الَّذِي أخرجه مُعَلّقا على مُجَاهِد بن جبر التَّابِعِيّ الْكَبِير لترجمة الْبَاب فِي الْوَجْه الثَّانِي من الْوَجْهَيْنِ اللَّذين ذكرناهما فِي الْحيَاء وَهُوَ الْوَجْه الَّذِي فِيهِ ترك الْحيَاء مَطْلُوب وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ قَوْله مستحي بِإِسْكَان الْحَاء وباليائين ثَانِيهمَا سَاكِنة من اسْتَحى يستحي فَهُوَ مستحي على وزن مستفعل وَيجوز فِيهِ مستحي بياء وَاحِدَة من اسْتَحى يستحي فَهُوَ مستحي على وزن مستفع وَيجوز مستح أَيْضا بِدُونِ الْيَاء على وزن مستف وَيكون الذَّاهِب فِيهِ عين الْفِعْل ولامه وفاؤه بَاقٍ وَكَذَلِكَ يُقَال فِي استحييت استحيت بياء وَاحِدَة فأعلوا الْيَاء الأولى وألقوا حركتها على الْحَاء قبلهَا استثقالا لما دخلت عَلَيْهِ الزَّوَائِد قَالَ سِيبَوَيْهٍ حذفت لالتقاء الساكنين لِأَن الْيَاء الأولى تقلب ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا قَالَ وَإِنَّمَا فعلوا ذَلِك حَيْثُ كثر فِي كَلَامهم وَقَالَ الْمَازرِيّ لم تحذف لالتقاء الساكنين لِأَنَّهَا لَو حذفت لذَلِك لردوها إِذا قَالُوا هُوَ يستحي ولقالوا يستحيي كَمَا قَالُوا يستبيع وَقَالَ الْأَخْفَش اسْتَحى بياء وَاحِدَة لُغَة تَمِيم وبيائين لُغَة أهل الْحجاز وَهُوَ الأَصْل لِأَن مَا كَانَ مَوضِع لامه مُعْتَلًّا لم يعلوا عينه أَلا ترى أَنهم قَالُوا أَحييت وحويت وَيَقُولُونَ قلت وبعت فيعلون الْعين لما لم تعتل اللَّام وَإِنَّمَا حذفوا الْيَاء لِكَثْرَة استعمالهم لهَذِهِ الْكَلِمَة كَمَا قَالُوا لَا أدر فِي لَا أَدْرِي قَوْله وَلَا مستكبر أَي مستعظم فِي نَفسه وَهُوَ الَّذِي يتعاظم ويستنكف أَن يتَعَلَّم الْعلم والاستكبار والتكبر هُوَ التعظم وللعلم آفَات فأعظمها الاستنكاف وثمرته الْجَهْل والذلة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَسُئِلَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ بِمَ حصلت الْعلم الْعَظِيم فَقَالَ مَا بخلت بالإفادة وَلَا استنكفت عَن الاستفادة (وَقَالَت عَائِشَة نعم النِّسَاء نسَاء الْأَنْصَار لم يمنعهن الْحيَاء أَن يتفقهن فِي الدّين) مُطَابقَة هَذَا الْأَثر الْمُعَلق أَيْضا مثل مُطَابقَة الْأَثر الْمَرْوِيّ عَن مُجَاهِد وَقَالَ الْكرْمَانِي وَقَالَت عطف على وَقَالَ مُجَاهِد وَيحْتَمل أَن يكون عطفا على لَا يتَعَلَّم فَيكون من مقول مُجَاهِد أَيْضا وَالأَصَح أَن مُجَاهدًا سمع من عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قلت هَذَا تعسف وَالصَّوَاب مَا قَالَه أَولا من أَنه عطف على قَالَ مُجَاهِد فَهَذَا من كَلَام مُجَاهِد وَهَذَا من كَلَام عَائِشَة وَلَيْسَ لأَحَدهمَا تعلق بِالْآخرِ وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عبيد الله بن معَاذ حَدثنَا أبي حَدثنَا شُعْبَة عَن إِبْرَاهِيم بن مهَاجر عَن صَفِيَّة بنت شيبَة عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت نعم النِّسَاء نسَاء الْأَنْصَار لم يكن يمنعهن الْحيَاء أَن يسألن عَن الدّين ويتفقهن فِيهِ قَوْله نعم النِّسَاء كلمة نعم من أَفعَال الْمَدْح كَمَا أَن بئس من أَفعَال الذَّم وَهِي مَا وضع لإنشاء مدح أَو ذمّ وَشَرطهَا أَن يكون الْفَاعِل مُعَرفا بِاللَّامِ أَو مُضَافا إِلَى
الْمُعَرّف بهَا وهما فعلان بِدَلِيل جَوَاز اتِّصَال تَاء التَّأْنِيث الساكنة بهما فِي كل اللُّغَات وَيجوز حذفهَا وَإِن كَانَ الْفَاعِل مؤنثا حَقِيقِيًّا لِأَنَّهُ غير متصرف فَأشبه الْحَرْف وَمِنْه قَول عَائِشَة حَيْثُ قَالَت نعم النِّسَاء وَلم تقل نعمت النِّسَاء فارتفاع النِّسَاء على الفاعلية وارتفاع النِّسَاء الثَّانِيَة على أَنَّهَا مَخْصُوصَة بالمدح كَمَا فِي قَوْلك نعم الرجل زيد فَهُوَ مُبْتَدأ وَمَا قبله من الْجُمْلَة خَبره قَوْله الْحيَاء فَاعل لم يمنعهن قَوْله أَن يتفقهن تَقْدِيره عَن أَن يتفقهن وَأَن مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير عَن التفقه فِي أُمُور الدّين وَالْمرَاد من نسَاء الْأَنْصَار نسَاء أهل الْمَدِينَة
٦٩ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام قَالَ أخبرنَا أَبُو مُعَاوِيَة قَالَ حَدثنَا هِشَام عَن أَبِيه عَن زَيْنَب ابْنة أم سَلمَة عَن أم سَلمَة قَالَت جَاءَت أم سليم إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت يَا رَسُول الله إِن الله لَا يستحي من الْحق فَهَل على الْمَرْأَة من غسل إِذا احْتَلَمت قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا رَأَتْ المَاء فغطت أم سَلمَة تَعْنِي وَجههَا وَقَالَت يَا رَسُول الله وتحتلم الْمَرْأَة قَالَ نعم تربت يَمِينك فَبِمَ يشبهها وَلَدهَا) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْوَجْه الأول من وَجْهي الْحيَاء اللَّذين ذكرناهما فِي أول الْبَاب. (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول مُحَمَّد بن سَلام بتَخْفِيف اللَّام على الْأَكْثَر البيكندي الثَّانِي أَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم بالمعجمتين الضَّرِير التَّيْمِيّ الثَّالِث هِشَام بن عُرْوَة الرَّابِع أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام الْخَامِس زَيْنَب بنت أم سَلمَة وَهِي زَيْنَب بنت عبد الله بن عبد الْأسد المَخْزُومِي أبي سَلمَة ونسبت إِلَى الْأُم الَّتِي هِيَ أم الْمُؤمنِينَ بَيَانا لشرفها لِأَنَّهَا ربيبة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإشعارا بِأَن رِوَايَتهَا عَن أمهَا وَاسْمهَا كَانَ برة فَغَيره النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَى زَيْنَب وَكَانَت من أفقه نسَاء زمانها ولدتها أمهَا بِأَرْض الْحَبَشَة وقدمت بهَا وَهِي أُخْت عمر وَسَلَمَة ودرة روى لَهَا البُخَارِيّ حَدِيثا وَاحِدًا وَمُسلم آخر مَاتَت سنة ثَلَاث وَسبعين وروى لَهَا الْجَمَاعَة السَّادِس أم سَلمَة زوج النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَاسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة وَقد تقدم ذكرهَا فِي بَاب الْعلم والعظة بِاللَّيْلِ. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الصحابية عَن الصحابية وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الْبِنْت عَن الْأُم. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي الْأَدَب عَن إِسْمَعِيل كِلَاهُمَا عَن مَالك وَفِيه أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى وَفِي خلق آدم عَن زُهَيْر ثَلَاثَتهمْ عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب كِلَاهُمَا عَن وَكِيع وَعَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان كِلَاهُمَا عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الطَّهَارَة عَن ابْن أبي عمر بِهِ وَقَالَ حسن صَحِيح وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْعلم عَن شُعَيْب بن يُوسُف عَن يحيى بن سعيد بِهِ وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعلي بن مُحَمَّد كِلَاهُمَا عَن وَكِيع بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة من حَدِيث عَائِشَة عَن أَحْمد بن صَالح عَن عَنْبَسَة عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة أَن أم سليم الْأَنْصَارِيَّة وَهِي أم أنس بن مَالك قَالَت قَالَ يَا رَسُول الله إِن الله لَا يستحي من الْحق الحَدِيث (بَيَان اللُّغَات) قَوْله لَا يستحي فِيهِ لُغَتَانِ أفصحهما بالياءين وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب مُسْتَوْفِي قَوْله من الْحق وَهُوَ ضد الْبَاطِل قَوْله من غسل بِضَم الْغَيْن وَهُوَ اسْم للْفِعْل الْمَشْهُور وبفتح الْغَيْن الْمصدر وَأما الْغسْل بِالْكَسْرِ فَهُوَ اسْم مَا يغسل بِهِ كالسدر وَنَحْوه وَفِي الْمُحكم غسل الشَّيْء يغسلهُ غسلا وغسلا وَقيل الْغسْل الْمصدر وَالْغسْل الِاسْم قلت الْحَاصِل أَن الْغسْل بِالْفَتْح وَالضَّم مصدران عِنْد أَكثر أهل اللُّغَة وَبَعْضهمْ فرق بَينهمَا فَقَالُوا بِالْفَتْح الْمصدر وبالضم الِاسْم قَوْله إِذا احْتَلَمت مُشْتَقّ من الْحلم بِالضَّمِّ وَهُوَ مَا يرَاهُ النَّائِم تَقول مِنْهُ حلم بِالْفَتْح واحتلم تَقول حلمت بِكَذَا وحلمته أَيْضا والحلم بِالْكَسْرِ الأناة تَقول مِنْهُ حلم الرجل بِالضَّمِّ وتحلم تكلّف الْحلم بِالْكَسْرِ وتحلم إِذا ادّعى الرُّؤْيَا كَاذِبًا قَوْله تربت يَمِينك بِكَسْر الرَّاء من ترب الرجل إِذا افْتقر أَي لصق بِالتُّرَابِ وأترب إِذا اسْتغنى وَهَذِه الْكَلِمَة جَارِيَة على أَلْسِنَة الْعَرَب لَا يُرِيدُونَ
بهَا الدُّعَاء على الْمُخَاطب وَلَا وُقُوع الْأَمر بهَا كَمَا يَقُولُونَ قَاتله الله وَقيل مَعْنَاهُ لله دَرك وَقيل أَرَادَ بهَا الْمثل ليرى الْمَأْمُور بذلك الْجد وَأَنه إِن خَالفه فقد أَسَاءَ وَقَالَ بَعضهم هُوَ دُعَاء على الْحَقِيقَة وَلَيْسَ بِصَحِيح وَكَثِيرًا مَا يرد للْعَرَب أَلْفَاظ ظَاهرهَا الذَّم وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بهَا الْمَدْح كَقَوْلِهِم لَا أَب لَك وَلَا أم لَك وهوت أمه وَلَا أَرض لَك وَنَحْو ذَلِك قَالَ الْهَرَوِيّ وَمِنْه قَوْله فِي حَدِيث خُزَيْمَة أنعم صباحا تربت يداك فَأَرَادَ الدُّعَاء لَهُ وَلم يرد الدُّعَاء عَلَيْهِ وَالْعرب تَقول لَا أم لَك وَلَا أَب لَك يُرِيدُونَ لله دَرك وَقَالَ عِيَاض هَذَا خطاب على عَادَة الْعَرَب فِي اسْتِعْمَال هَذِه الْأَلْفَاظ عِنْد الْإِنْكَار للشَّيْء والتأنيس أَو الْإِعْجَاب أَو الاستعظام لَا يُرِيدُونَ مَعْنَاهَا الْأَصْلِيّ قلت ولذوي الْأَلْبَاب فِي هَذَا الْبَاب أَن ينْظرُوا إِلَى اللَّفْظ وقائله فَإِن كَانَ وليا فَهُوَ الْوَلَاء وَإِن خشن وَإِن كَانَ عدوا فَهُوَ الْبلَاء وَإِن حسن (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله لَا يستحي جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر إِن قَوْله فَهَل للاستفهام وَكلمَة من فِي من غسل زَائِدَة أَي هَل غسل يجب على الْمَرْأَة قَوْله إِذا رَأَتْ المَاء كلمة إِذا ظرفية تَقْدِيره عَلَيْهَا غسل حِين رَأَتْ الْمَنِيّ إِذا انْتَبَهت وَيجوز أَن تكون شَرْطِيَّة تَقْدِيره إِذا رَأَتْ وَجب عَلَيْهَا غسل وَالْمَاء مَنْصُوب بقوله رَأَتْ من رُؤْيَة الْعين قَوْله فغطت فعل وَأم سَلمَة فَاعله ووجهها مَفْعُوله قَوْله وتحتلم الْمَرْأَة عطف على مُقَدّر يَقْتَضِيهِ السِّيَاق أَي أَتَقول ذَلِك أَو أَتَرَى الْمَرْأَة المَاء وتحتلم وَنَحْوه وروى أَو تحتلم الْمَرْأَة بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام قَوْله تربت فعل ويمينك كَلَام إضافي فَاعله وَالْجُمْلَة خبرية فِي الأَصْل وَلكنهَا دُعَاء فِي الِاسْتِعْمَال وَقيل على حَالهَا خبر لِأَنَّهُ لَا يُرَاد حَقِيقَتهَا قَوْله فَبِمَ أَصله فبمَا فحذفت الْألف قَوْله يشبهها فعل ومفعول وَالضَّمِير يرجع إِلَى الْمَرْأَة قَوْله وَلَدهَا بِالرَّفْع فَاعل (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله إِن الله لَا يستحي أَي لَا يمْتَنع من بَيَان الْحق فَكَذَا أَنا لَا أمتنع من سُؤَالِي عَمَّا أَنا محتاجة إِلَيْهِ مِمَّا تَسْتَحي النِّسَاء فِي الْعَادة من السُّؤَال عَنهُ لِأَن نزُول الْمَنِيّ مِنْهُنَّ يدل على شدَّة شهوتهن للرِّجَال وَإِنَّمَا فسرناه هَكَذَا لِأَن الْحيَاء تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان من تخوف مَا يعاب بِهِ أَو يذم وَهَذَا محَال على الله تَعَالَى فَيكون هَذَا جَارِيا على سَبِيل الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة التمثيلية كَمَا فِي حَدِيث سلمَان قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الله حَيّ كريم يستحي إِذا رفع العَبْد يَدَيْهِ أَن يردهما صفرا حَتَّى يضع فيهمَا خيرا شبه ترك الله إِجَابَة العَبْد ورد يَدَيْهِ إِلَيْهِ صفرا بترك الْكَرِيم ورده الْمُحْتَاج حَيَاء فَقيل ترك الله الرَّد حَيَاء كَمَا قيل ترك الْكَرِيم رد الْمُحْتَاج حَيَاء فَأطلق الْحيَاء ثمَّة كَمَا أطلق الْحيَاء هَهُنَا فَلذَلِك استعير ترك الله المستحيي لترك الْحق ثمَّ نفى عَنهُ قَوْله فغطت أم سَلمَة الظَّاهِر أَن هَذَا من كَلَام زَيْنَب فَالْحَدِيث ملفق من رِوَايَة صحابيتين وَيحْتَمل أَن يكون من أم سَلمَة على سَبِيل الِالْتِفَات كَأَنَّهَا جردت من نَفسهَا شخصا فأسندت إِلَيْهِ التغطية إِذْ أصل الْكَلَام فغطيت وَجْهي وَقلت يَا رَسُول الله قَوْله يَعْنِي وَجههَا هَذَا الإدراج من عُرْوَة ظَاهرا وَيحْتَمل أَن يكون من راو آخر وَهَذَا إدراج فِي إدراج قَوْله فَبِمَ يشبهها وَلَدهَا وَفِي الصَّحِيح من حَدِيث أنس فَمن أَيْن يكون الشّبَه مَاء الرجل غليظ أَبيض وَمَاء الْمَرْأَة رَقِيق أصفر فمني أَيهمَا علا أَو سبق يكون مِنْهُ الشّبَه وَفِي حَدِيث عَائِشَة وَهل يكون الشّبَه إِلَّا من قبل ذَلِك إِذا علا مَاؤُهَا مَاء الرجل أشبه الْوَلَد أَخْوَاله وَإِذا علا مَاء الرجل ماءها أشبه أَعْمَامه وَقَالَ بَعضهم فِيهِ رد على من يَقُول أَن مَاء الرجل يخالط دم الْمَرْأَة وَأَن مَاء الرجل كالأنفحة ودمها كاللبن الحليب (فَائِدَة) جَاءَ عَن جمَاعَة من الصحابيات أَنَّهُنَّ سألن كسؤال أم سليم مِنْهُنَّ خَوْلَة بنت حَكِيم أخرجه ابْن مَاجَه وَفِي إِسْنَاده عَليّ بن زيد بن جدعَان وبسرة ذكره ابْن أبي شيبَة وسهلة بنت سُهَيْل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة وَالْأَحَادِيث فِيهِ عَن أم سَلمَة وَعَائِشَة وَأنس رَضِي الله عَنْهُم وَلم يخرج البُخَارِيّ غير حَدِيث أم سَلمَة وَأخرج مُسلم أَحَادِيث الثَّلَاثَة وَحَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ جَاءَت أم سليم إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت لَهُ وَعَائِشَة عِنْده يَا رَسُول الله الْمَرْأَة ترى مَا يرى الرجل فِي الْمَنَام وَترى من نَفسهَا مَا يرى الرجل من نَفسه فَقَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فضحت النِّسَاء تربت يَمِينك وَحَدِيث عَائِشَة رَوَاهُ عُرْوَة عَنْهَا أَنَّهَا أخْبرته أَن أم سليم دخلت على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذكر الحَدِيث وَفِيه قَالَت عَائِشَة فَقلت لَهَا أُفٍّ لَك أَتَرَى الْمَرْأَة ذَلِك قلت أم سليم بِضَم السِّين وَفتح اللَّام بنت ملْحَان بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون اللَّام وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وبالنون النجارية الْأَنْصَارِيَّة اسْمهَا سهلة أَو رميلة أَو رميثة بالراء فيهمَا وبالمثلثة فِي الثَّانِي
أَو مليكَة أَو الغميصاء أَو الرميصاء بالصَّاد الْمُهْملَة فيهمَا والخمسة الْأَخِيرَة بِصِيغَة التصغير تزَوجهَا مَالك بن النَّضر بالضاد الْمُعْجَمَة أَبُو أنس بن مَالك فَولدت لَهُ أنسا ثمَّ قتل عَنْهَا مُشْركًا فَأسْلمت فَخَطَبَهَا أَبُو طَلْحَة وَهُوَ مُشْرك فَأَبت ودعته إِلَى الْإِسْلَام فَأسلم فَقَالَت إِنَّنِي أتزوجك وَلَا آخذ مِنْك صَدَاقا لإسلامك فَتَزَوجهَا أَبُو طَلْحَة رُوِيَ لَهَا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرْبَعَة عشر حَدِيثا أخرج البُخَارِيّ مِنْهَا ثَلَاثَة وَأخرج مُسلم حديثين واتفقا على وَاحِد روى لَهَا الْجَمَاعَة سوى ابْن مَاجَه (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ ترك الاستحياء لمن عرضت لَهُ مَسْأَلَة الثَّانِي فِيهِ وجوب الْغسْل على الْمَرْأَة إِذا وجدت المَاء وَكَذَا على الرجل لِأَن حكمه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام على وَاحِد حكمه على الْجَمَاعَة إِلَّا إِذا دلّ دَلِيل على تَخْصِيصه بِهِ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم عبد الْكَرِيم الْقزْوِينِي الشَّافِعِي حكم الْمَرْأَة فِي ثُبُوت الْغسْل بِخُرُوج منيها كَالرّجلِ وَالرجل لمنيه خَواص ثَلَاث إِحْدَاهَا الرَّائِحَة المشبهة برائحة الطّلع أَو الْعَجِين إِذا كَانَ رطبا وَإِذا جف أشبه رَائِحَة الْبيض الثَّانِيَة التدفق بدفقات الثَّالِثَة اللَّذَّة بِخُرُوجِهِ ويعقبه فتور وَقَالَ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي وَالْغَزالِيّ فِي الْوَسِيط لَا يعرف فِي حَقّهَا إِلَّا بالشهوة وَقَالَ فِي كِتَابه الْوَجِيز إِذا تلذذت بِخُرُوج مَائِهَا لَزِمَهَا الْغسْل وَهَذَا إِشْعَار مِنْهُمَا أَن طَريقَة معرفَة الْمَنِيّ فِي حَقّهَا الشَّهْوَة والتلذذ لَا غير وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ بالتسوية بَين مني الرجل ومني الْمَرْأَة فِي طرد الْخَواص الثَّلَاث قَالَ الْبَغَوِيّ إِذا خرج مني الْمَرْأَة بِشَهْوَة أَو غير شَهْوَة وَجب الْغسْل كمني الرجل وَقَالَ الرَّافِعِيّ وَإِذا وَجب مَعَ انْتِفَاء الشَّهْوَة كَانَ الِاعْتِمَاد على بَقِيَّة الْخَواص وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بن الصّلاح مُعْتَرضًا على الْقزْوِينِي فِي قَوْله أَن قَول الْأَكْثَرين التَّسْوِيَة بَين مني الرجل وَالْمَرْأَة فِي الْخَواص الثَّلَاث وَأنكر أَنه قَول الْأَكْثَرين قَالَ وَإِنَّمَا لَهُ خاصيتان الرَّائِحَة والشهوة فالشهوة ذكرهَا الإِمَام وَالْغَزالِيّ والرائحة ذكرهَا الرَّوْيَانِيّ وَأنكر الثَّالِثَة وَهِي التدفق بدفقات للْمَرْأَة وَقَالَ الشَّيْخ مُحي الدّين وَالْمَرْأَة كَالرّجلِ إِلَّا أَنَّهَا إِن كَانَ الْمَنِيّ ينزل إِلَى فرجهَا وَوصل إِلَى الْموضع الَّذِي يجب عَلَيْهَا غسله فِي الْجَنَابَة والاستنجاء وَهُوَ الَّذِي يظْهر حَال قعودها لقَضَاء الْحَاجة يجب عَلَيْهَا الْغسْل لِأَنَّهُ فِي حكم الظَّاهِر وَإِن كَانَت بكرا لم يلْزمهَا مَا لم يخرج من فرجهَا لِأَن دَاخل فرجهَا كداخل احليل الرجل قلت لَا خلاف فِي مَذْهَب الشَّافِعِي أَنه لَا يجب عَلَيْهَا الْغسْل إِلَّا بِرُؤْيَة المَاء وَمُرَاد الْغَزالِيّ وَغَيره بقوله لَا يعرف من جِهَتهَا إِلَّا بالشهوة والتلذذ يُرِيد بِهِ تعْيين هَذِه الْخَاصَّة فِي حَقّهَا دون الخاصيتين الموجودتين فِي مني الرجل على اخْتِيَاره لَا غير ذَلِك وَقد ذكر الْغَزالِيّ فِي الْوَجِيز إِذا تلذذت الْمَرْأَة بِخُرُوج منيها فَأثْبت خُرُوجه قلت هَذَا تَحْرِير مَذْهَب الشَّافِعِي فِي هَذَا الْموضع وَطول الْكَلَام فِيهِ لغلط جمَاعَة من الشَّافِعِيَّة فِيهِ الثَّالِث فِيهِ إِثْبَات أَن الْمَرْأَة لَهَا مَاء الرَّابِع فِيهِ إِثْبَات الْقيَاس وإلحاق حكم النظير بالنظير
٧٠ - (حَدثنَا إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنِي مَالك عَن عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن من الشّجر شَجَرَة لَا يسْقط وَرقهَا وَهِي مثل الْمُسلم حَدثُونِي مَا هِيَ فَوَقع النَّاس فِي شجر الْبَادِيَة وَوَقع فِي نَفسِي أَنَّهَا النَّخْلَة قَالَ عبد الله فَاسْتَحْيَيْت فَقَالُوا يَا رَسُول الله أخبرنَا بهَا فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هِيَ النَّخْلَة قَالَ عبد الله فَحدثت أبي بِمَا وَقع فِي نَفسِي فَقَالَ لِأَن تكون قلتهَا أحب إِلَيّ من أَن يكون لي كَذَا وَكَذَا) مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة كمطابقة الحَدِيث السَّابِق وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي بَاب قَول الْمُحدث حَدثنَا وَأخْبرنَا وَذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع تعلقاته وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس بن أُخْت الإِمَام مَالك بن أنس رَضِي الله عَنهُ قَوْله فَحدثت أبي أَي عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ قَوْله لِأَن تكون بِفَتْح اللَّام وَإِنَّمَا قَالَ قلتهَا بالماضي مَعَ قَوْله تكون وَهُوَ مضارع لِأَن الْغَرَض مِنْهُ لِأَن تكون فِي الْحَال مَوْصُوفا بِهَذَا القَوْل الصَّادِر فِي الْمَاضِي قَوْله أحب إِلَيّ من أَن يكون لي كَذَا وَكَذَا أَي من حمر النعم وَغَيرهَا وَلَفظ كَذَا مَوْضُوع للعدد الْمُبْهم وَهُوَ من الْكِنَايَات قَالَ ابْن بطال وَفِي تمني عمر رَضِي الله عَنهُ أَن يُجَاوب ابْنه النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم بِمَا وَقع فِي نَفسه فِيهِ من الْفِقْه أَن الرجل يباخ لَهُ الْحِرْص على ظُهُور ابْنه فِي الْعلم على الشُّيُوخ وسروره بذلك. وَقيل إِنَّمَا تمنى ذَلِك رَجَاء أَن يسر النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم بإصابته
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56