«قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرًا، حِينَ قُتِلَ الْقُرَّاءُ، فَمَا رَأَيْتُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٠٠

الحديث رقم ١٣٠٠ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٣٠٠ في صحيح البخاري

«قَنَتَ رَسُولُ اللهِ شَهْرًا، حِينَ قُتِلَ الْقُرَّاءُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ.»

بَابُ مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ الْجَزَعُ الْقَوْلُ السَّيِّئُ وَالظَّنُّ السَّيِّئُ وَقَالَ يَعْقُوبُ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾

إسناد حديث رقم ١٣٠٠ من صحيح البخاري

١٣٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٣٠٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٣٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ شَهْرًا حِينَ قُتِلَ الْقُرَّاءُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ جَلَسَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ.) يُعْرَفُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، وَمَنْ: مَوْصُولَةٌ، وَالضَّمِيرُ لَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَصْدَرِ جَلَسَ؛ أَيْ جُلُوسًا يُعْرَفُ، وَلَمْ يُفْصِحِ الْمُصَنِّفُ بِحُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا الَّتِي بَعْدَهَا حَيْثُ تَرْجَمَ: مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ. لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَابِلٌ لِلتَّرْجِيحِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِكَوْنِهِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ، وَالثَّانِي مِنْ تَقْرِيرِهِ، وَمَا يُبَاشِرُهُ بِالْفِعْلِ أَرْجَحُ غَالِبًا.

وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ فِعْلٌ أَبْلَغُ فِي الصَّبْرِ، وَأَزْحَرُ لِلنَّفْسِ فَيَرْجَحُ، وَيُحْمَلُ فِعْلُهُ الْمَذْكُورُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، وَيَكُونُ فِعْلُهُ فِي حَقِّهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَوْلَى. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُلَخَّصُهُ: مَوْقِعُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الِاعْتِدَالَ فِي الْأَحْوَالِ هُوَ الْمَسْلَكُ الْأَقْوَمُ، فَمَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ عَظِيمَةٍ لَا يُفْرِطُ فِي الْحُزْنِ، حَتَّى يَقَعَ فِي الْمَحْذُورِ مِنَ اللَّطْمِ وَالشَّقِّ وَالنَّوْحِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يُفْرِطُ فِي التَّجَلُّدِ حَتَّى يُفْضِيَ إِلَى الْقَسْوَةِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِقَدْرِ الْمُصَابِ، فَيُقْتَدَى بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِأَنْ يَجْلِسَ الْمُصَابُ جِلْسَةً خَفِيفَةً بِوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ تَظْهَرُ عَلَيْهِ مَخَايِلُ الْحُزْنِ، وَيُؤْذِنُ بِأَنَّ الْمُصِيبَةَ عَظِيمَةٌ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ.

قَوْلُهُ: (لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ. وَالْفَاعِلُ قَوْلُهُ: (قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ)، وَهُوَ زَيْدٌ، وَأَبُوهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ. وَجَعْفَرٌ هُوَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ رَوَاحَةَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ. وَكَانَ قَتْلُهُمْ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي رَابِعِ بَابٍ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَوَقَعَ تَسْمِيَةُ الثَّلَاثَةِ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَسَاقَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهُ دُونَ الْمَتْنِ.

قَوْلُهُ: (جَلَسَ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ يَحْيَى: فِي الْمَسْجِدِ.

قَوْلُهُ: (يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُ كَظَمَ الْحُزْنَ كَظْمًا، فَظَهَرَ مِنْهُ مَا لَا بُدَّ لِلْجِبِلَّةِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (صَائِرِ الْبَابِ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ، وَقَعَ تَفْسِيرُهُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ: شَقِّ الْبَابِ وَهُوَ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُنْظَرُ مِنْهُ، وَلَمْ يَرِدْ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيِ النَّاحِيَةِ إِذْ لَيْسَتْ مُرَادَةٌ هُنَا قَالَهُ ابْنُ التِّينِ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ بَعْدَهَا، قَالَ الْمَازِرِيُّ: كَذَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ هُنَا صَائِرِ وَالصَّوَابُ: صِيرِ؛ أَيْ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَهُوَ الشَّقُّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ: مَنْ نَظَرَ مِنْ صِيرِ الْبَابِ فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ، فَهِيَ هَدَرٌ. الصِّيرُ: الشَّقُّ، وَلَمْ نَسْمَعْهُ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: صَائِرٌ وَصِيرٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَفِي كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَكَأَنَّهُ أُبْهِمَ عَمْدًا لِمَا وَقَعَ فِي حَقِّهِ مِنْ غَضِّ عَائِشَةَ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ) أَيِ امْرَأَتُهُ - وَهِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةُ - وَمَنْ حَضَرَ عِنْدَهَا مِنْ أَقَارِبِهَا، وَأَقَارِبِ جَعْفَرٍ، وَمَنْ فِي مَعْنَاهُنَّ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالِاخْتِبَارِ لِجَعْفَرٍ امْرَأَةً غَيْرَ أَسْمَاءَ.

قَوْلُهُ: (وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ) كَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ حَالٌ عَنِ الْمُسْتَتِرِ فِي قَوْلِهِ: فَقَالَ. وَحَذْفُ خَبَرِ إِنَّ مِنَ الْقَوْلِ الْمَحْكِيِّ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ. وَالْمَعْنَى: قَالَ الرَّجُلُ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ فَعَلْنَ كَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي مِنَ الْبُكَاءِ الْمُشْتَمِلِ مَثَلًا عَلَى النَّوْحِ. انْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى: قَدْ كَثُرَ بُكَاؤُهُنَّ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَصْحِيفًا فَلَا حَذْفَ وَلَا تَقْدِيرَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ يَحْيَى بِلَفْظِ: قَدْ أَكْثَرْنَ بُكَاءَهُنَّ.

قَوْلُهُ: (فَذَهَبَ)؛ أَيْ فَنَهَاهُنَّ فَلَمْ يُطِعْنَهُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ لَمْ يُطِعْنَهُ)؛ أَيْ أَتَى النَّبِيَّ الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: إِنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ الْمَذْكُورَةِ: فَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: وَاللَّهِ غَلَبْنَنَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَقَدْ غَلَبْنَنَا.

قَوْلُهُ: (فَزَعَمَتْ) أَيْ عَائِشَةُ وَهُوَ مَقُولُ عَمْرَةَ، وَالزَّعْمُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْقَوْلِ الْمُحَقَّقِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا.

قَوْلُهُ: (أَنَّهُ قَالَ) فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ.

قَوْلُهُ: (فَاحْثُ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَبِكَسْرِهَا، يُقَالُ: حَثَا يَحْثُو وَيَحْثِي.

قَوْلُهُ: (التُّرَابَ) فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ: مِنَ التُّرَابِ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ رَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ بِالْبُكَاءِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْتَهِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَسُدَّ أَفْوَاهَهُنَّ بِذَلِكَ، وَخَصَّ الْأَفْوَاهَ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مَحَلُّ النَّوْحِ بِخِلَافِ الْأَعْيُنِ مَثَلًا. انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ، أَوِ الْمَعْنَى: أَعْلِمْهُنَّ أَنَّهُنَّ خَائِبَاتٌ مِنَ الْأَجْرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الصَّبْرِ لِمَا أَظْهَرْنَ مِنَ الْجَزَعِ كَمَا يُقَالُ لِلْخَائِبِ: لَمْ يُحَصِّلْ فِي يَدِهِ إِلَّا التُّرَابَ. لَكِنْ يُبْعِدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ قَوْلُ عَائِشَةَ الْآتِي. وَقِيلَ: لَمْ يُرَدْ بِالْأَمْرِ حَقِيقَتُهُ. قَالَ عِيَاضٌ: هُوَ بِمَعْنَى التَّعْجِيزِ، أَيْ أَنَّهُنَّ لَا يَسْكُتْنَ إِلَّا بِسَدِّ أَفْوَاهِهِنَّ، وَلَا يَسُدُّهَا إِلَّا أَنْ تُمْلَأَ بِالتُّرَابِ، فَإِنْ أَمْكَنَكَ فَافْعَلْ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَ النَّاهِيَ لِكَوْنِهِ لَمْ يُصَرِّحْ لَهُنَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ نَهَاهُنَّ، فَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مُرْشِدٌ لِلْمَصْلَحَةِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، أَوْ عَلِمْنَ ذَلِكَ لَكِنْ غَلَبَ عَلَيْهِنَّ شِدَّةُ الْحُزْنِ لِحَرَارَةِ الْمُصِيبَةِ. ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ فِي بُكَائِهِنَّ زِيَادَةٌ عَلَى الْقَدْرِ الْمُبَاحِ، فَيَكُونُ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ كَرَّرَهُ، وَبَالَغَ فِيهِ، وَأَمَرَ بِعُقُوبَتِهِنَّ إِنْ لَمْ يَسْكُتْنَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بُكَاءً مُجَرَّدًا، وَالنَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ، وَلَوْ كَانَ لِلتَّحْرِيمِ لَأَرْسَلَ غَيْرَ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ لِمَنْعِهِنَّ، لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ.

وَيَبْعُدُ تَمَادِي الصَّحَابِيَّاتِ بَعْدَ تَكْرَارِ النَّهْيِ عَلَى فِعْلِ الْأَمْرِ الْمُحَرَّمِ، وَفَائِدَةُ نَهْيِهِنَّ عَنِ الْأَمْرِ الْمُبَاحِ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَرْسِلْنَ فِيهِ، فَيُفْضِي بِهِنَّ إِلَى الْأَمْرِ الْمُحَرَّمِ لِضَعْفِ صَبْرِهِنَّ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ النَّهْيِ عَنِ الْمُبَاحِ عِنْدَ خَشْيَةِ إِفْضَائِهِ إِلَى مَا يَحْرُمُ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ) هُوَ مَقُولُ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ) بِالرَّاءِ وَالْمُعْجَمَةِ أَيِ أِلْصَقَهُ بِالرَّغَامِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ التُّرَابُ إِهَانَةً وَإِذْلَالًا، وَدَعَتْ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ مَا أَمَرَ أَنْ يَفْعَلَهُ بِالنِّسْوَةِ لِفَهْمِهَا مِنْ قَرَائِنِ الْحَالِ أَنَّهُ أَحْرَجَ النَّبِيَّ بِكَثْرَةِ تَرَدُّدِهِ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (لَمْ تَفْعَلْ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَيْ لَمْ تُبَلِّغِ النَّهْيَ، وَنَفَتْهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ نَهَى، وَلَمْ يُطِعْنَهُ، لِأَنَّ نَهْيَهُ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ لَمْ تَفْعَلْ؛ أَيِ الْحَثْوَ بِالتُّرَابِ. قُلْتُ: لَفْظَةُ لَمْ يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الْمَاضِي، وَقَوْلُهَا ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَجَّهَ، فَمِنْ أَيْنَ عَلِمَتْ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ؟ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا قَامَتْ عِنْدَهَا قَرِينَةٌ بِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ، فَعَبَّرَتْ عَنْهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي مُبَالَغَةً فِي نَفْيِ ذَلِكَ عَنْهُ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ كَانَ مَنِ أَلْزَامِ (١) النِّسْوَةِ الْمَذْكُورَاتِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ: فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ ذَلِكَ. وَكَذَا لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، فَظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ.

قَوْلُهُ: (مِنَ الْعَنَاءِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَالْمَدِّ؛ أَيِ الْمَشَقَّةِ وَالتَّعَبِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: مِنَ الْعِيِّ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْعُذْرِيِّ: الْغَيِّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، بِلَفْظٍ ضِدَّ الرُّشْدِ. قَالَ عِيَاضٌ: وَلَا وَجْهَ لَهُ هُنَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ لَهُ وَجْهًا، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَلْيَقُ لِمُوَافَقَتِهِ لِمَعْنَى الْعَنَاءِ الَّتِي هِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مُرَادُهَا أَنَّ الرَّجُلَ قَاصِرٌ عَنِ الْقِيَامِ بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الْإِنْكَارِ وَالتَّأْدِيبِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُفْصِحْ بِعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ لِيُرْسِلَ غَيْرَهُ فَيَسْتَرِيحَ مِنَ التَّعَبِ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا جَوَازُ الْجُلُوسِ لِلْعَزَاءِ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ، وَجَوَازُ نَظَرِ النِّسَاءِ الْمُحْتَجِبَاتِ إِلَى الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ، وَتَأْدِيبِ مَنْ نُهِيَ عَمَّا لَا يَنْبَغِي لَهُ فِعْلُهُ إِذَا لَمْ يَنْتَهِ، وَجَوَازُ الْيَمِينِ لِتَأْكِيدِ الْخَبَرِ.

(تَنْبِيهٌ): هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عَمْرَةَ إِلَّا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَفِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي أَوَّلِهِ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَدْ نَهَانَا خَيْرُ النَّاسِ عَنِ التَّكَلُّفِ (٢).

قَوْلُهُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أنَّه أحرج النَّبيَّ بكثرة (١) تردُّده إليه في ذلك (لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ) به (رَسُولُ اللهِ ) أي: من نهيهنَّ، وإن كان نهاهنَّ؛ لأنَّه لم يترتَّب على فعله الامتثال، فكأنَّه لم يفعله، أو لم يفعل الحثو بالتُّراب (وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللهِ مِنَ العَنَاءِ) بفتح العين المهملة (٢) والنُّون والمدِّ، أي: المشقَّة والتَّعب، قال النَّوويُّ: معناه: أنَّك قاصرٌ عمَّا أُمرت به، ولم تخبره بأنَّك قاصرٌ حتَّى يرسل غيرك، ويستريح (٣) من العناء، وقول ابن حجرٍ: لفظة: «لم»، يُعبَّر بها عن الماضي، وقولها (٤) ذلك وقع قبل أن يتوجَّه، فمن أين علمت أنَّه لم يفعل؟ فالظَّاهر أنَّها قامت عندها قرينةٌ بأنَّه لا يفعل، فعبَّرت عنه بلفظ الماضي مبالغةً في نفي ذلك عنه، وفي الرِّواية الآتية بعد أربعة أبواب: فوالله ما أنت بفاعلٍ [خ¦١٣٠٥]، وكذا لمسلمٍ وغيره، فظهر أنَّه من تصرُّف الرُّواة، تعقَّبه العينيُّ فقال: لا يقال لفظة: «لم» يُعبَّر بها عن الماضي، وإنَّما يقال: «لم» حرف جزمٍ لنفي المضارع وقلبه ماضيًا، وهذا هو الَّذي قاله أهل العربيَّة، وقوله: فعبَّرت عنه بلفظ الماضي، ليس كذلك؛ لأنَّه غير ماضٍ بل هو مضارعٌ، ولكن صار معناه معنى الماضي بدخول «لم» عليه (٥).

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٣٠٥] و «المغازي» [خ¦٤٢٦٣]، ومسلمٌ في «الجنائز» وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.

١٣٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين فيهما، الفلاس الصَّيرفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المعجمة مصغَّرًا، ابن غَزْوان -بفتح المعجمة وسكون الزَّاي- الضَّبِّيُّ مولاهم الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ ( قَالَ:

قَنَتَ رَسُولُ اللهِ شَهْرًا حِينَ قُتِلَ القُرَّاءُ) وكانوا ينزلون الصُّفَّة يتعلَّمون القرآن، وهُمْ (١) عُمَّار المسجد، ولُيوث الملاحم، بعثهم رسول الله إلى أهل نجدٍ؛ ليقرؤوا عليهم القرآن، ويدعوهم إلى الإسلام، فلمَّا نزلوا ببئر معونة قصدهم عامر بن الطُّفيل في أحياء من سليمٍ: رعلٍ وذكوان وعصيَّة، فقاتلوهم، فقتلوا أكثرهم، وذلك في السَّنة الرَّابعة من الهجرة (فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ).

(٤١) (باب مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ) حلول (المُصِيبَةِ) فترك ما أُبيح له من إظهاره قهرًا للنَّفس بالصَّبر الَّذي هو خيرٌ، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ [النحل: ١٢٦] و «يُظهِر» بضمِّ أوَّله من الرُّباعي، و «حزنَه» نصبٌ على المفعوليَّة (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ) حليف الأوس: (الجَزَعُ: القَوْلُ السَّيِّئُ) أي: الَّذي يبعث الحزن غالبًا (وَالظَّنُّ السَّيِّئُ) هو اليأس من تعويض الله المصاب في العاجل ما هو أنفع له من الفائت (٢)، أو الاستبعاد لحصول ما وعد به من الثَّواب على الصَّبر، ومناسبة هذا لما تُرجم له من حيث المقابلة -وهي ذكر الشيء وما يضادُّه معه- وذلك: أنَّ ترك إظهار الحزن من القول الحسن والظَّنِّ الحسن، وإظهاره مع الجزع الَّذي يؤدَّيه إلى ما حظره الشَّارع قولٌ سيِّئٌ وظنٌّ سيِّئٌ (وَقَالَ يَعْقُوبُ : ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي﴾) هو أصعب همٍّ لا يصبر صاحبه على كتمانه، فيبثُّه وينشره للنَّاس (﴿وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]) لا إلى غيره، ومناسبته للتَّرجمة من جهة أنَّه لما ابتُلِي صبر، ولم يَشْكِ إلى أحدٍ، ولا بثَّ حزنه إلَّا إلى الله (٣) تعالى.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٣٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ شَهْرًا حِينَ قُتِلَ الْقُرَّاءُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ جَلَسَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ.) يُعْرَفُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، وَمَنْ: مَوْصُولَةٌ، وَالضَّمِيرُ لَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَصْدَرِ جَلَسَ؛ أَيْ جُلُوسًا يُعْرَفُ، وَلَمْ يُفْصِحِ الْمُصَنِّفُ بِحُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا الَّتِي بَعْدَهَا حَيْثُ تَرْجَمَ: مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ. لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَابِلٌ لِلتَّرْجِيحِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِكَوْنِهِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ، وَالثَّانِي مِنْ تَقْرِيرِهِ، وَمَا يُبَاشِرُهُ بِالْفِعْلِ أَرْجَحُ غَالِبًا.

وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ فِعْلٌ أَبْلَغُ فِي الصَّبْرِ، وَأَزْحَرُ لِلنَّفْسِ فَيَرْجَحُ، وَيُحْمَلُ فِعْلُهُ الْمَذْكُورُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، وَيَكُونُ فِعْلُهُ فِي حَقِّهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَوْلَى. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُلَخَّصُهُ: مَوْقِعُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الِاعْتِدَالَ فِي الْأَحْوَالِ هُوَ الْمَسْلَكُ الْأَقْوَمُ، فَمَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ عَظِيمَةٍ لَا يُفْرِطُ فِي الْحُزْنِ، حَتَّى يَقَعَ فِي الْمَحْذُورِ مِنَ اللَّطْمِ وَالشَّقِّ وَالنَّوْحِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يُفْرِطُ فِي التَّجَلُّدِ حَتَّى يُفْضِيَ إِلَى الْقَسْوَةِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِقَدْرِ الْمُصَابِ، فَيُقْتَدَى بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِأَنْ يَجْلِسَ الْمُصَابُ جِلْسَةً خَفِيفَةً بِوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ تَظْهَرُ عَلَيْهِ مَخَايِلُ الْحُزْنِ، وَيُؤْذِنُ بِأَنَّ الْمُصِيبَةَ عَظِيمَةٌ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ.

قَوْلُهُ: (لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ. وَالْفَاعِلُ قَوْلُهُ: (قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ)، وَهُوَ زَيْدٌ، وَأَبُوهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ. وَجَعْفَرٌ هُوَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ رَوَاحَةَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ. وَكَانَ قَتْلُهُمْ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي رَابِعِ بَابٍ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَوَقَعَ تَسْمِيَةُ الثَّلَاثَةِ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَسَاقَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهُ دُونَ الْمَتْنِ.

قَوْلُهُ: (جَلَسَ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ يَحْيَى: فِي الْمَسْجِدِ.

قَوْلُهُ: (يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُ كَظَمَ الْحُزْنَ كَظْمًا، فَظَهَرَ مِنْهُ مَا لَا بُدَّ لِلْجِبِلَّةِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (صَائِرِ الْبَابِ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ، وَقَعَ تَفْسِيرُهُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ: شَقِّ الْبَابِ وَهُوَ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُنْظَرُ مِنْهُ، وَلَمْ يَرِدْ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيِ النَّاحِيَةِ إِذْ لَيْسَتْ مُرَادَةٌ هُنَا قَالَهُ ابْنُ التِّينِ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ بَعْدَهَا، قَالَ الْمَازِرِيُّ: كَذَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ هُنَا صَائِرِ وَالصَّوَابُ: صِيرِ؛ أَيْ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَهُوَ الشَّقُّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ: مَنْ نَظَرَ مِنْ صِيرِ الْبَابِ فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ، فَهِيَ هَدَرٌ. الصِّيرُ: الشَّقُّ، وَلَمْ نَسْمَعْهُ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: صَائِرٌ وَصِيرٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَفِي كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَكَأَنَّهُ أُبْهِمَ عَمْدًا لِمَا وَقَعَ فِي حَقِّهِ مِنْ غَضِّ عَائِشَةَ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ) أَيِ امْرَأَتُهُ - وَهِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةُ - وَمَنْ حَضَرَ عِنْدَهَا مِنْ أَقَارِبِهَا، وَأَقَارِبِ جَعْفَرٍ، وَمَنْ فِي مَعْنَاهُنَّ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالِاخْتِبَارِ لِجَعْفَرٍ امْرَأَةً غَيْرَ أَسْمَاءَ.

قَوْلُهُ: (وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ) كَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ حَالٌ عَنِ الْمُسْتَتِرِ فِي قَوْلِهِ: فَقَالَ. وَحَذْفُ خَبَرِ إِنَّ مِنَ الْقَوْلِ الْمَحْكِيِّ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ. وَالْمَعْنَى: قَالَ الرَّجُلُ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ فَعَلْنَ كَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي مِنَ الْبُكَاءِ الْمُشْتَمِلِ مَثَلًا عَلَى النَّوْحِ. انْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى: قَدْ كَثُرَ بُكَاؤُهُنَّ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَصْحِيفًا فَلَا حَذْفَ وَلَا تَقْدِيرَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ يَحْيَى بِلَفْظِ: قَدْ أَكْثَرْنَ بُكَاءَهُنَّ.

قَوْلُهُ: (فَذَهَبَ)؛ أَيْ فَنَهَاهُنَّ فَلَمْ يُطِعْنَهُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ لَمْ يُطِعْنَهُ)؛ أَيْ أَتَى النَّبِيَّ الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: إِنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ الْمَذْكُورَةِ: فَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: وَاللَّهِ غَلَبْنَنَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَقَدْ غَلَبْنَنَا.

قَوْلُهُ: (فَزَعَمَتْ) أَيْ عَائِشَةُ وَهُوَ مَقُولُ عَمْرَةَ، وَالزَّعْمُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْقَوْلِ الْمُحَقَّقِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا.

قَوْلُهُ: (أَنَّهُ قَالَ) فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ.

قَوْلُهُ: (فَاحْثُ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَبِكَسْرِهَا، يُقَالُ: حَثَا يَحْثُو وَيَحْثِي.

قَوْلُهُ: (التُّرَابَ) فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ: مِنَ التُّرَابِ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ رَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ بِالْبُكَاءِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْتَهِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَسُدَّ أَفْوَاهَهُنَّ بِذَلِكَ، وَخَصَّ الْأَفْوَاهَ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مَحَلُّ النَّوْحِ بِخِلَافِ الْأَعْيُنِ مَثَلًا. انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ، أَوِ الْمَعْنَى: أَعْلِمْهُنَّ أَنَّهُنَّ خَائِبَاتٌ مِنَ الْأَجْرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الصَّبْرِ لِمَا أَظْهَرْنَ مِنَ الْجَزَعِ كَمَا يُقَالُ لِلْخَائِبِ: لَمْ يُحَصِّلْ فِي يَدِهِ إِلَّا التُّرَابَ. لَكِنْ يُبْعِدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ قَوْلُ عَائِشَةَ الْآتِي. وَقِيلَ: لَمْ يُرَدْ بِالْأَمْرِ حَقِيقَتُهُ. قَالَ عِيَاضٌ: هُوَ بِمَعْنَى التَّعْجِيزِ، أَيْ أَنَّهُنَّ لَا يَسْكُتْنَ إِلَّا بِسَدِّ أَفْوَاهِهِنَّ، وَلَا يَسُدُّهَا إِلَّا أَنْ تُمْلَأَ بِالتُّرَابِ، فَإِنْ أَمْكَنَكَ فَافْعَلْ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَ النَّاهِيَ لِكَوْنِهِ لَمْ يُصَرِّحْ لَهُنَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ نَهَاهُنَّ، فَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مُرْشِدٌ لِلْمَصْلَحَةِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، أَوْ عَلِمْنَ ذَلِكَ لَكِنْ غَلَبَ عَلَيْهِنَّ شِدَّةُ الْحُزْنِ لِحَرَارَةِ الْمُصِيبَةِ. ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ فِي بُكَائِهِنَّ زِيَادَةٌ عَلَى الْقَدْرِ الْمُبَاحِ، فَيَكُونُ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ كَرَّرَهُ، وَبَالَغَ فِيهِ، وَأَمَرَ بِعُقُوبَتِهِنَّ إِنْ لَمْ يَسْكُتْنَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بُكَاءً مُجَرَّدًا، وَالنَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ، وَلَوْ كَانَ لِلتَّحْرِيمِ لَأَرْسَلَ غَيْرَ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ لِمَنْعِهِنَّ، لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ.

وَيَبْعُدُ تَمَادِي الصَّحَابِيَّاتِ بَعْدَ تَكْرَارِ النَّهْيِ عَلَى فِعْلِ الْأَمْرِ الْمُحَرَّمِ، وَفَائِدَةُ نَهْيِهِنَّ عَنِ الْأَمْرِ الْمُبَاحِ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَرْسِلْنَ فِيهِ، فَيُفْضِي بِهِنَّ إِلَى الْأَمْرِ الْمُحَرَّمِ لِضَعْفِ صَبْرِهِنَّ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ النَّهْيِ عَنِ الْمُبَاحِ عِنْدَ خَشْيَةِ إِفْضَائِهِ إِلَى مَا يَحْرُمُ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ) هُوَ مَقُولُ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ) بِالرَّاءِ وَالْمُعْجَمَةِ أَيِ أِلْصَقَهُ بِالرَّغَامِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ التُّرَابُ إِهَانَةً وَإِذْلَالًا، وَدَعَتْ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ مَا أَمَرَ أَنْ يَفْعَلَهُ بِالنِّسْوَةِ لِفَهْمِهَا مِنْ قَرَائِنِ الْحَالِ أَنَّهُ أَحْرَجَ النَّبِيَّ بِكَثْرَةِ تَرَدُّدِهِ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (لَمْ تَفْعَلْ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَيْ لَمْ تُبَلِّغِ النَّهْيَ، وَنَفَتْهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ نَهَى، وَلَمْ يُطِعْنَهُ، لِأَنَّ نَهْيَهُ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ لَمْ تَفْعَلْ؛ أَيِ الْحَثْوَ بِالتُّرَابِ. قُلْتُ: لَفْظَةُ لَمْ يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الْمَاضِي، وَقَوْلُهَا ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَجَّهَ، فَمِنْ أَيْنَ عَلِمَتْ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ؟ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا قَامَتْ عِنْدَهَا قَرِينَةٌ بِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ، فَعَبَّرَتْ عَنْهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي مُبَالَغَةً فِي نَفْيِ ذَلِكَ عَنْهُ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ كَانَ مَنِ أَلْزَامِ (١) النِّسْوَةِ الْمَذْكُورَاتِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ: فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ ذَلِكَ. وَكَذَا لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، فَظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ.

قَوْلُهُ: (مِنَ الْعَنَاءِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَالْمَدِّ؛ أَيِ الْمَشَقَّةِ وَالتَّعَبِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: مِنَ الْعِيِّ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْعُذْرِيِّ: الْغَيِّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، بِلَفْظٍ ضِدَّ الرُّشْدِ. قَالَ عِيَاضٌ: وَلَا وَجْهَ لَهُ هُنَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ لَهُ وَجْهًا، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَلْيَقُ لِمُوَافَقَتِهِ لِمَعْنَى الْعَنَاءِ الَّتِي هِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مُرَادُهَا أَنَّ الرَّجُلَ قَاصِرٌ عَنِ الْقِيَامِ بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الْإِنْكَارِ وَالتَّأْدِيبِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُفْصِحْ بِعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ لِيُرْسِلَ غَيْرَهُ فَيَسْتَرِيحَ مِنَ التَّعَبِ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا جَوَازُ الْجُلُوسِ لِلْعَزَاءِ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ، وَجَوَازُ نَظَرِ النِّسَاءِ الْمُحْتَجِبَاتِ إِلَى الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ، وَتَأْدِيبِ مَنْ نُهِيَ عَمَّا لَا يَنْبَغِي لَهُ فِعْلُهُ إِذَا لَمْ يَنْتَهِ، وَجَوَازُ الْيَمِينِ لِتَأْكِيدِ الْخَبَرِ.

(تَنْبِيهٌ): هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عَمْرَةَ إِلَّا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَفِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي أَوَّلِهِ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَدْ نَهَانَا خَيْرُ النَّاسِ عَنِ التَّكَلُّفِ (٢).

قَوْلُهُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أنَّه أحرج النَّبيَّ بكثرة (١) تردُّده إليه في ذلك (لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ) به (رَسُولُ اللهِ ) أي: من نهيهنَّ، وإن كان نهاهنَّ؛ لأنَّه لم يترتَّب على فعله الامتثال، فكأنَّه لم يفعله، أو لم يفعل الحثو بالتُّراب (وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللهِ مِنَ العَنَاءِ) بفتح العين المهملة (٢) والنُّون والمدِّ، أي: المشقَّة والتَّعب، قال النَّوويُّ: معناه: أنَّك قاصرٌ عمَّا أُمرت به، ولم تخبره بأنَّك قاصرٌ حتَّى يرسل غيرك، ويستريح (٣) من العناء، وقول ابن حجرٍ: لفظة: «لم»، يُعبَّر بها عن الماضي، وقولها (٤) ذلك وقع قبل أن يتوجَّه، فمن أين علمت أنَّه لم يفعل؟ فالظَّاهر أنَّها قامت عندها قرينةٌ بأنَّه لا يفعل، فعبَّرت عنه بلفظ الماضي مبالغةً في نفي ذلك عنه، وفي الرِّواية الآتية بعد أربعة أبواب: فوالله ما أنت بفاعلٍ [خ¦١٣٠٥]، وكذا لمسلمٍ وغيره، فظهر أنَّه من تصرُّف الرُّواة، تعقَّبه العينيُّ فقال: لا يقال لفظة: «لم» يُعبَّر بها عن الماضي، وإنَّما يقال: «لم» حرف جزمٍ لنفي المضارع وقلبه ماضيًا، وهذا هو الَّذي قاله أهل العربيَّة، وقوله: فعبَّرت عنه بلفظ الماضي، ليس كذلك؛ لأنَّه غير ماضٍ بل هو مضارعٌ، ولكن صار معناه معنى الماضي بدخول «لم» عليه (٥).

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٣٠٥] و «المغازي» [خ¦٤٢٦٣]، ومسلمٌ في «الجنائز» وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.

١٣٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين فيهما، الفلاس الصَّيرفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المعجمة مصغَّرًا، ابن غَزْوان -بفتح المعجمة وسكون الزَّاي- الضَّبِّيُّ مولاهم الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ ( قَالَ:

قَنَتَ رَسُولُ اللهِ شَهْرًا حِينَ قُتِلَ القُرَّاءُ) وكانوا ينزلون الصُّفَّة يتعلَّمون القرآن، وهُمْ (١) عُمَّار المسجد، ولُيوث الملاحم، بعثهم رسول الله إلى أهل نجدٍ؛ ليقرؤوا عليهم القرآن، ويدعوهم إلى الإسلام، فلمَّا نزلوا ببئر معونة قصدهم عامر بن الطُّفيل في أحياء من سليمٍ: رعلٍ وذكوان وعصيَّة، فقاتلوهم، فقتلوا أكثرهم، وذلك في السَّنة الرَّابعة من الهجرة (فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ).

(٤١) (باب مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ) حلول (المُصِيبَةِ) فترك ما أُبيح له من إظهاره قهرًا للنَّفس بالصَّبر الَّذي هو خيرٌ، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ [النحل: ١٢٦] و «يُظهِر» بضمِّ أوَّله من الرُّباعي، و «حزنَه» نصبٌ على المفعوليَّة (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ) حليف الأوس: (الجَزَعُ: القَوْلُ السَّيِّئُ) أي: الَّذي يبعث الحزن غالبًا (وَالظَّنُّ السَّيِّئُ) هو اليأس من تعويض الله المصاب في العاجل ما هو أنفع له من الفائت (٢)، أو الاستبعاد لحصول ما وعد به من الثَّواب على الصَّبر، ومناسبة هذا لما تُرجم له من حيث المقابلة -وهي ذكر الشيء وما يضادُّه معه- وذلك: أنَّ ترك إظهار الحزن من القول الحسن والظَّنِّ الحسن، وإظهاره مع الجزع الَّذي يؤدَّيه إلى ما حظره الشَّارع قولٌ سيِّئٌ وظنٌّ سيِّئٌ (وَقَالَ يَعْقُوبُ : ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي﴾) هو أصعب همٍّ لا يصبر صاحبه على كتمانه، فيبثُّه وينشره للنَّاس (﴿وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]) لا إلى غيره، ومناسبته للتَّرجمة من جهة أنَّه لما ابتُلِي صبر، ولم يَشْكِ إلى أحدٍ، ولا بثَّ حزنه إلَّا إلى الله (٣) تعالى.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله