الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣١٤
الحديث رقم ١٣١٤ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حمل الرجال الجنازة دون النساء.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٨٦⦘
وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا، يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ.»
بَابُ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ وَقَالَ أَنَسٌ ﵁ أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ وَامْشِ بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ شِمَالِهَا وَقَالَ غَيْرُهُ قَرِيبًا مِنْهَا
١٣١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِنْ طَرِيقِ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَطَلَعَتْ جِنَازَةٌ، فَلَمَّا رَآهَا قَامَ، وَقَامَ أَصْحَابُهُ حَتَّى بَعُدَتْ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مِنْ شَأْنِهَا أَوْ مِنْ تَضَايُقِ الْمَكَانِ، وَمَا سَأَلْنَاهُ عَنْ قِيَامِهِ. وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ جِنَازَةٍ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى الْيَهُودِيِّ وُقُوفًا مَعَ لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَقَالَ: هَذَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا أَوْ يَكُونَ قَامَ لِعِلَّةٍ، وَأَيُّهُمَا كَانَ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَرَكَهُ بَعْدَ فِعْلِهِ، وَالْحُجَّةُ فِي الْآخِرِ مِنْ أَمْرِهِ، وَالْقُعُودُ أَحَبُّ إِلَيَّ. انْتَهَى. وَأَشَارَ بِالتَّرْكِ إِلَى حَدِيثِ عَلِيٍّ: أَنَّهُ ﷺ قَامَ لِلْجِنَازَةِ، ثُمَّ قَعَدَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يَحْتَمِلُ قَوْلَ عَلِيٍّ: ثُمَّ قَعَدَ. أَيْ بَعْدَ أَنْ جَاوَزَتْهُ وَبَعُدَتْ عَنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ كَانَ يَقُومُ فِي وَقْتٍ، ثُمَّ تَرَكَ الْقِيَامَ أَصْلًا، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِعْلُهُ الْأَخِيرُ قَرِينَةً فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ النَّدْبُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا لِلْوُجُوبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ ظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْمَجَازِ - يَعْنِي فِي الْأَمْرِ - أَوْلَى مِنْ دَعْوَى النَّسْخِ. انْتَهَى. وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ يَدْفَعُهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْمٍ قَامُوا: أَنْ يَجْلِسُوا، ثُمَّ حَدَّثَهُمُ الْحَدِيثَ.
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بِكَرَاهَةِ الْقِيَامِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ سُلَيْمٌ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: قُعُودُهُ ﷺ بَعْدَ أَمْرِهِ بِالْقِيَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا، لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِنَهْيٍ أَوْ بِتَرْكٍ مَعَهُ نَهْيٌ. انْتَهَى. وَقَدْ وَرَدَ مَعْنَى النَّهْيِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُومُ لِلْجِنَازَةِ، فَمَرَّ بِهِ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ: هَكَذَا نَفْعَلُ، فَقَالَ: اجْلِسُوا وَخَالِفُوهُمْ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيَّ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِسْنَادُهُ ضَعِيفًا لَكَانَ حُجَّةً فِي النَّسْخِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقِيَامِ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ، وَهُوَ هُنَا مُمْكِنٌ. قَالَ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَبِهِ قَالَ الْمُتَوَلِّي. انْتَهَى. وَقَوْلُ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ: هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ، كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْمُتَقَدِّمِ لِمَا تَقْتضِيهِ صِيغَةُ أَفْعَلَ مِنَ الِاشْتِرَاكِ، وَلَكِنَّ الْقُعُودَ عِنْدَهُ أَوْلَى، وَعَكْسُهُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: كَانَ قُعُودُهُ ﷺ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، فَمَنْ جَلَسَ فَهُوَ فِي سَعَةٍ، وَمَنْ قَامَ فَلَهُ أَجْرٌ.
وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى جَوَازِ إِخْرَاجِ جَنَائِزِ أَهْلِ الذِّمَّةِ نَهَارًا غَيْرِ مُتَمَيِّزَةٍ عَنْ جَنَائِزِ الْمُسْلِمِينَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ، قَالَ: وَإِلْزَامُهُمْ بِمُخَالَفَةِ رُسُومِ الْمُسْلِمِينَ وَقَعَ اجْتِهَادًا مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا ثَبَتَ النَّسْخُ لِلْقِيَامِ تَبِعَهُ مَا عَدَاهُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ مَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَامِ، فَلَمَّا تُرِكَ الْقِيَامُ مُنِعَ مِنَ الْإِظْهَارِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ) هُوَ السُّكَّرِيُّ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ مُرَّةَ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَانَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، وَلَفْظُهُ نَحْوُ حَدِيثِ شُعْبَةَ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: فَمَرَّتْ عَلَيْهِمَا جِنَازَةٌ فَقَامَا، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ: بِالْقَادِسِيَّةِ.
وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ سَمَاعِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ سَهْلٍ وَقَيْسٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ) هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، وَطَرِيقُهُ هَذِهِ مَوْصُولَةٌ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ. وَأَبُو مَسْعُودٍ الْمَذْكُورُ فِيهَا هُوَ الْبَدْرِيُّ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ بِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى ذَكَرَ قَيْسًا، وَسَهْلًا مُفْرَدَيْنِ لِكَوْنِهِمَا رَفَعَا لَهُ الْحَدِيثَ، وَذَكَرَهُ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ قَيْسٍ، وَأَبِي مَسْعُودٍ لِكَوْنِ أَبِي مَسْعُودٍ لَمْ يَرْفَعْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥٠ - بَاب حَمْلِ الرِّجَالِ الْجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ
١٣١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن قال (١): (كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو (٢) الأنصاريُّ (وَقَيْسٌ) هو ابن سعدٍ المذكور (يَقُومَانِ لِلْجِنَازَةِ) قال الحافظ ابن حجرٍ: ويُجمَع بين ما وقع فيه مِن (٣) الاختلاف بأنَّ عبد الرَّحمن بن أبي ليلى ذكر قيسًا وسهلًا مفردَين (٤)؛ لكونهما رفعا له الحديث، وذكره مرَّة أخرى عن قيسٍ وأبي مسعودٍ؛ لكون أبي مسعودٍ لم يرفعه، والله أعلم.
(٥٠) (باب حَمْلِ الرِّجَالِ الجِنَازَةَ دُونَ) حمل (النِّسَاءِ) إيَّاها؛ لضعفهنَّ عن مشاهدة الموتى غالبًا، فكيف بالحمل مع ما يُتوقَّع من صراخهنَّ عند حمله ووضعه وغير ذلك من وجوه المفاسد.
١٣١٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ المدنيُّ الأعرج قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) كيسان: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الأنصاريَّ (الخُدْرِيَّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ) أي: الميِّت على النَّعش (وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ) هذا موضع التَّرجمة لكنَّه استُشكِلَ لكونه إخبارًا، فكيف يكون حجَّةً في منع النِّساء؟ وأُجيبَ بأنَّ كلام الشَّارع مهما أمكن يُحمَل على التَّشريع، لا مجرَّد الإخبار عن الواقع، وفي حديث أنسٍ عند أبي يَعلى، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازةٍ، فرأى نسوةً، فقال: «أتحملنه؟» قلن:
لا، قال: «أتدفنَّه؟» قلن: لا، قال: «فارجعن مأزوراتٍ غير مأجوراتٍ»، ولعلَّ المؤلِّف أشار إليه بالتَّرجمة (١) ولم يخرِّجه لكونه على غير شرطه، وحينئذٍ فالحمل خاصٌّ بالرِّجال وإن كان الميِّت امرأةً لضعف النِّساء غالبًا، وقد ينكشف منهنَّ شيءٌ لو حَمْلن كما مرَّ، فيُكره لهنَّ الحمل لذلك، فإن لم يوجد غيرهنَّ تعيَّن عليهنَّ (فَإِنْ كَانَتْ) أي: الجنازة (صَالِحَةً قَالَتْ) قولًا حقيقيًّا: (قَدِّمُونِي) لثواب العمل الصَّالح الَّذي عملته، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «قدِّموني» مرَّةً ثانيًة (وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا) أي: يا حزني، احضر، هذا أوانك، وكان القياس أن يكون: يا ويلي (٢)، لكنَّه أُضيف إلى الغائب حملًا على المعنى، كأنَّه لمَّا أبصر نفسه غير صالحةٍ؛ نفر عنها، وجعلها كأنَّها غيره (٣)، أو كره أن يضيف الويل إلى نفسه، قاله في «شرح المشكاة» (أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا؟) قالته لأنَّها تعلم أنَّها لم تقدِّم خيرًا، أو أنَّها تُقدِم على ما يسوْءُها، فتكره القدوم عليه (يَسْمَعُ (٤) صَوْتَهَا) المنكَر بذلك الويل (كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ) أي: مات، وللحَمُّويي والمُستملي: «لصعق»، قال ابن بطَّالٍ: وإنَّما يتكلَّم روح الجنازة؛ لأنَّ الجسد لا يتكلَّم بعد خروج الرُّوح منه إلَّا أن يردَّها الله إليه، وهذا بناءً منه على أنَّ الكلام شرطه الحياة، وليس كذلك إذا كان الكلام الحروف والأصوات، فيجوز أن يُخلَق في الميِّت، ويكون الكلام النَّفسيُّ قائمًا بالرُّوح، وإنَّما تسمع الأصوات وهو المراد بالحديث.
وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ.
(٥١) (باب السُّرْعَةِ بِالجِنَازَةِ) بعد الحمل.
(وَقَالَ أَنَسٌ ﵁) ممَّا وصله عبد الوهَّاب بن عطاءٍ الخفَّافُ في «كتاب الجنائز» له، وابن أبي شيبة بنحوه عن حُمَيدٍ عن أنسٍ أنه سُئِل عن المشي في الجنازة؟ فقال: (أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ، فَامْشوا) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ بالجمع، ولغيرهما: «وامشِ» بالواو مع الإفراد، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «فامشِ» بالفاء والإفراد، والأوَّل أنسب (١) (بَيْنَ يَدَيْهَا، وَخَلْفَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا، وَعَنْ شِمَالِهَا) قال الزَّين بن المُنيِّر: مطابقة هذا الأثر للتَّرجمة: أنَّ الأثر يتضمَّن التَّوسعة على المشيِّعين، وعدم التزامهم (٢) جهةً معيَّنةً وذلك لما علم من تفاوت أحوالهم في المشي، وقضيَّة الإسراع بالجنازة ألَّا يُلزَموا بمكانٍ واحدٍ يمشون فيه؛ لئلَّا يشقَّ على بعضهم ممَّن يضعف في المشي عمَّن (٣) يقوى عليه، ومحصِّله: أنَّ السُّرعة لا تتَّفق غالبًا إلَّا مع عدم (٤) التزام المشي في جهةٍ معيَّنةٍ، فتناسبا (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير أنسٍ: امشِ (قَرِيبًا مِنْهَا) أي: من الجنازة من أيِّ جهةٍ كان؛ لاحتمال أن يحتاج حاملوها إلى المعاونة، والغير المذكور: قال في «الفتح»: أظنُّه عبد الرَّحمن بن قُرْطٍ -بضمِّ القاف وسكون الرَّاء بعدها طاءٌ مهملةٌ- وهو صحابيٌّ، وكان (٥) من أهل الصُّفَّة، ثمَّ ذكر حديثًا عن عروة عن (٦) رُوَيمٍ عنه، عند سعيد بن منصورٍ قال: شهد عبد الرَّحمن بن قُرْطٍ جنازةً، فرأى ناسًا تقدَّموا، وآخرين استأخروا، فأمر بالجنازة فوُضِعَت، ثمَّ رماهم بالحجارة حتَّى اجتمعوا إليه، ثمَّ أمر بها فحُمِلَت، ثم قال (٧):
امشوا (١) بين يديها وخلفها وعن يسارها وعن يمينها وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ ما ذكره تخمينٌ وحسبانٌ، ولئن سلَّمنا أنَّه هو ذلك الغير؛ فلا نسلِّم أنَّ هذا مناسبٌ لما ذكره الغير، بل هو بعينه مثل ما قاله أنسٌ، وفي إيراد المؤلِّف لأثر أنسٍ المذكور دليلٌ على اختياره لهذا المذهب، وهو التَّخيير في المشي مع الجنازة -وهو قول الثَّوريِّ وغيره- وبه قال ابن حزمٍ، لكنَّه قيَّده بالماشي؛ لحديث المغيرة بن شعبة المرويِّ في «السُّنن الأربعة»، وصحَّحه ابن حِبَّان والحاكم مرفوعًا: «الرَّاكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها»، والجمهور: أنَّ المشي وكونه أمامها أفضل للاتِّباع، رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ، ولأنَّه شفيعٌ، وحقُّ الشَّفيع أن يتقدَّم، وأمَّا ما رواه سعيد بن منصورٍ وغيره عن عليٍّ موقوفًا (٢): المشي خلفها أفضل؛ فضعيفٌ، وكونه قريبًا منها بحيث يراها إن التفت إليها أفضلُ منه بعيدًا بألَّا يراها لكثرة الماشين معها، ولو مشى خلفها حصل له أصل فضيلة المتابعة، وفاته كمالها، ويُكرَه ركوبه في ذهابه معها؛ لحديث التِّرمذيِّ: أنَّه ﷺ رأى ناسًا ركبانًا مع جنازةٍ، فقال: «ألا تستحيون (٣)؟ إنَّ ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدَّوابِّ». نعم إن كان له عذرٌ كمرض، أو في رجوعه فلا كراهة (٤) فيه.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِنْ طَرِيقِ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَطَلَعَتْ جِنَازَةٌ، فَلَمَّا رَآهَا قَامَ، وَقَامَ أَصْحَابُهُ حَتَّى بَعُدَتْ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مِنْ شَأْنِهَا أَوْ مِنْ تَضَايُقِ الْمَكَانِ، وَمَا سَأَلْنَاهُ عَنْ قِيَامِهِ. وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ جِنَازَةٍ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى الْيَهُودِيِّ وُقُوفًا مَعَ لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَقَالَ: هَذَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا أَوْ يَكُونَ قَامَ لِعِلَّةٍ، وَأَيُّهُمَا كَانَ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَرَكَهُ بَعْدَ فِعْلِهِ، وَالْحُجَّةُ فِي الْآخِرِ مِنْ أَمْرِهِ، وَالْقُعُودُ أَحَبُّ إِلَيَّ. انْتَهَى. وَأَشَارَ بِالتَّرْكِ إِلَى حَدِيثِ عَلِيٍّ: أَنَّهُ ﷺ قَامَ لِلْجِنَازَةِ، ثُمَّ قَعَدَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يَحْتَمِلُ قَوْلَ عَلِيٍّ: ثُمَّ قَعَدَ. أَيْ بَعْدَ أَنْ جَاوَزَتْهُ وَبَعُدَتْ عَنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ كَانَ يَقُومُ فِي وَقْتٍ، ثُمَّ تَرَكَ الْقِيَامَ أَصْلًا، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِعْلُهُ الْأَخِيرُ قَرِينَةً فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ النَّدْبُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا لِلْوُجُوبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ ظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْمَجَازِ - يَعْنِي فِي الْأَمْرِ - أَوْلَى مِنْ دَعْوَى النَّسْخِ. انْتَهَى. وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ يَدْفَعُهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْمٍ قَامُوا: أَنْ يَجْلِسُوا، ثُمَّ حَدَّثَهُمُ الْحَدِيثَ.
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بِكَرَاهَةِ الْقِيَامِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ سُلَيْمٌ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: قُعُودُهُ ﷺ بَعْدَ أَمْرِهِ بِالْقِيَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا، لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِنَهْيٍ أَوْ بِتَرْكٍ مَعَهُ نَهْيٌ. انْتَهَى. وَقَدْ وَرَدَ مَعْنَى النَّهْيِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُومُ لِلْجِنَازَةِ، فَمَرَّ بِهِ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ: هَكَذَا نَفْعَلُ، فَقَالَ: اجْلِسُوا وَخَالِفُوهُمْ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيَّ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِسْنَادُهُ ضَعِيفًا لَكَانَ حُجَّةً فِي النَّسْخِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقِيَامِ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ، وَهُوَ هُنَا مُمْكِنٌ. قَالَ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَبِهِ قَالَ الْمُتَوَلِّي. انْتَهَى. وَقَوْلُ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ: هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ، كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْمُتَقَدِّمِ لِمَا تَقْتضِيهِ صِيغَةُ أَفْعَلَ مِنَ الِاشْتِرَاكِ، وَلَكِنَّ الْقُعُودَ عِنْدَهُ أَوْلَى، وَعَكْسُهُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: كَانَ قُعُودُهُ ﷺ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، فَمَنْ جَلَسَ فَهُوَ فِي سَعَةٍ، وَمَنْ قَامَ فَلَهُ أَجْرٌ.
وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى جَوَازِ إِخْرَاجِ جَنَائِزِ أَهْلِ الذِّمَّةِ نَهَارًا غَيْرِ مُتَمَيِّزَةٍ عَنْ جَنَائِزِ الْمُسْلِمِينَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ، قَالَ: وَإِلْزَامُهُمْ بِمُخَالَفَةِ رُسُومِ الْمُسْلِمِينَ وَقَعَ اجْتِهَادًا مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا ثَبَتَ النَّسْخُ لِلْقِيَامِ تَبِعَهُ مَا عَدَاهُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ مَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَامِ، فَلَمَّا تُرِكَ الْقِيَامُ مُنِعَ مِنَ الْإِظْهَارِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ) هُوَ السُّكَّرِيُّ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ مُرَّةَ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَانَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، وَلَفْظُهُ نَحْوُ حَدِيثِ شُعْبَةَ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: فَمَرَّتْ عَلَيْهِمَا جِنَازَةٌ فَقَامَا، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ: بِالْقَادِسِيَّةِ.
وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ سَمَاعِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ سَهْلٍ وَقَيْسٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ) هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، وَطَرِيقُهُ هَذِهِ مَوْصُولَةٌ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ. وَأَبُو مَسْعُودٍ الْمَذْكُورُ فِيهَا هُوَ الْبَدْرِيُّ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ بِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى ذَكَرَ قَيْسًا، وَسَهْلًا مُفْرَدَيْنِ لِكَوْنِهِمَا رَفَعَا لَهُ الْحَدِيثَ، وَذَكَرَهُ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ قَيْسٍ، وَأَبِي مَسْعُودٍ لِكَوْنِ أَبِي مَسْعُودٍ لَمْ يَرْفَعْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥٠ - بَاب حَمْلِ الرِّجَالِ الْجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ
١٣١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن قال (١): (كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو (٢) الأنصاريُّ (وَقَيْسٌ) هو ابن سعدٍ المذكور (يَقُومَانِ لِلْجِنَازَةِ) قال الحافظ ابن حجرٍ: ويُجمَع بين ما وقع فيه مِن (٣) الاختلاف بأنَّ عبد الرَّحمن بن أبي ليلى ذكر قيسًا وسهلًا مفردَين (٤)؛ لكونهما رفعا له الحديث، وذكره مرَّة أخرى عن قيسٍ وأبي مسعودٍ؛ لكون أبي مسعودٍ لم يرفعه، والله أعلم.
(٥٠) (باب حَمْلِ الرِّجَالِ الجِنَازَةَ دُونَ) حمل (النِّسَاءِ) إيَّاها؛ لضعفهنَّ عن مشاهدة الموتى غالبًا، فكيف بالحمل مع ما يُتوقَّع من صراخهنَّ عند حمله ووضعه وغير ذلك من وجوه المفاسد.
١٣١٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ المدنيُّ الأعرج قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) كيسان: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الأنصاريَّ (الخُدْرِيَّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ) أي: الميِّت على النَّعش (وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ) هذا موضع التَّرجمة لكنَّه استُشكِلَ لكونه إخبارًا، فكيف يكون حجَّةً في منع النِّساء؟ وأُجيبَ بأنَّ كلام الشَّارع مهما أمكن يُحمَل على التَّشريع، لا مجرَّد الإخبار عن الواقع، وفي حديث أنسٍ عند أبي يَعلى، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازةٍ، فرأى نسوةً، فقال: «أتحملنه؟» قلن:
لا، قال: «أتدفنَّه؟» قلن: لا، قال: «فارجعن مأزوراتٍ غير مأجوراتٍ»، ولعلَّ المؤلِّف أشار إليه بالتَّرجمة (١) ولم يخرِّجه لكونه على غير شرطه، وحينئذٍ فالحمل خاصٌّ بالرِّجال وإن كان الميِّت امرأةً لضعف النِّساء غالبًا، وقد ينكشف منهنَّ شيءٌ لو حَمْلن كما مرَّ، فيُكره لهنَّ الحمل لذلك، فإن لم يوجد غيرهنَّ تعيَّن عليهنَّ (فَإِنْ كَانَتْ) أي: الجنازة (صَالِحَةً قَالَتْ) قولًا حقيقيًّا: (قَدِّمُونِي) لثواب العمل الصَّالح الَّذي عملته، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «قدِّموني» مرَّةً ثانيًة (وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا) أي: يا حزني، احضر، هذا أوانك، وكان القياس أن يكون: يا ويلي (٢)، لكنَّه أُضيف إلى الغائب حملًا على المعنى، كأنَّه لمَّا أبصر نفسه غير صالحةٍ؛ نفر عنها، وجعلها كأنَّها غيره (٣)، أو كره أن يضيف الويل إلى نفسه، قاله في «شرح المشكاة» (أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا؟) قالته لأنَّها تعلم أنَّها لم تقدِّم خيرًا، أو أنَّها تُقدِم على ما يسوْءُها، فتكره القدوم عليه (يَسْمَعُ (٤) صَوْتَهَا) المنكَر بذلك الويل (كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ) أي: مات، وللحَمُّويي والمُستملي: «لصعق»، قال ابن بطَّالٍ: وإنَّما يتكلَّم روح الجنازة؛ لأنَّ الجسد لا يتكلَّم بعد خروج الرُّوح منه إلَّا أن يردَّها الله إليه، وهذا بناءً منه على أنَّ الكلام شرطه الحياة، وليس كذلك إذا كان الكلام الحروف والأصوات، فيجوز أن يُخلَق في الميِّت، ويكون الكلام النَّفسيُّ قائمًا بالرُّوح، وإنَّما تسمع الأصوات وهو المراد بالحديث.
وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ.
(٥١) (باب السُّرْعَةِ بِالجِنَازَةِ) بعد الحمل.
(وَقَالَ أَنَسٌ ﵁) ممَّا وصله عبد الوهَّاب بن عطاءٍ الخفَّافُ في «كتاب الجنائز» له، وابن أبي شيبة بنحوه عن حُمَيدٍ عن أنسٍ أنه سُئِل عن المشي في الجنازة؟ فقال: (أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ، فَامْشوا) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ بالجمع، ولغيرهما: «وامشِ» بالواو مع الإفراد، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «فامشِ» بالفاء والإفراد، والأوَّل أنسب (١) (بَيْنَ يَدَيْهَا، وَخَلْفَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا، وَعَنْ شِمَالِهَا) قال الزَّين بن المُنيِّر: مطابقة هذا الأثر للتَّرجمة: أنَّ الأثر يتضمَّن التَّوسعة على المشيِّعين، وعدم التزامهم (٢) جهةً معيَّنةً وذلك لما علم من تفاوت أحوالهم في المشي، وقضيَّة الإسراع بالجنازة ألَّا يُلزَموا بمكانٍ واحدٍ يمشون فيه؛ لئلَّا يشقَّ على بعضهم ممَّن يضعف في المشي عمَّن (٣) يقوى عليه، ومحصِّله: أنَّ السُّرعة لا تتَّفق غالبًا إلَّا مع عدم (٤) التزام المشي في جهةٍ معيَّنةٍ، فتناسبا (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير أنسٍ: امشِ (قَرِيبًا مِنْهَا) أي: من الجنازة من أيِّ جهةٍ كان؛ لاحتمال أن يحتاج حاملوها إلى المعاونة، والغير المذكور: قال في «الفتح»: أظنُّه عبد الرَّحمن بن قُرْطٍ -بضمِّ القاف وسكون الرَّاء بعدها طاءٌ مهملةٌ- وهو صحابيٌّ، وكان (٥) من أهل الصُّفَّة، ثمَّ ذكر حديثًا عن عروة عن (٦) رُوَيمٍ عنه، عند سعيد بن منصورٍ قال: شهد عبد الرَّحمن بن قُرْطٍ جنازةً، فرأى ناسًا تقدَّموا، وآخرين استأخروا، فأمر بالجنازة فوُضِعَت، ثمَّ رماهم بالحجارة حتَّى اجتمعوا إليه، ثمَّ أمر بها فحُمِلَت، ثم قال (٧):
امشوا (١) بين يديها وخلفها وعن يسارها وعن يمينها وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ ما ذكره تخمينٌ وحسبانٌ، ولئن سلَّمنا أنَّه هو ذلك الغير؛ فلا نسلِّم أنَّ هذا مناسبٌ لما ذكره الغير، بل هو بعينه مثل ما قاله أنسٌ، وفي إيراد المؤلِّف لأثر أنسٍ المذكور دليلٌ على اختياره لهذا المذهب، وهو التَّخيير في المشي مع الجنازة -وهو قول الثَّوريِّ وغيره- وبه قال ابن حزمٍ، لكنَّه قيَّده بالماشي؛ لحديث المغيرة بن شعبة المرويِّ في «السُّنن الأربعة»، وصحَّحه ابن حِبَّان والحاكم مرفوعًا: «الرَّاكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها»، والجمهور: أنَّ المشي وكونه أمامها أفضل للاتِّباع، رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ، ولأنَّه شفيعٌ، وحقُّ الشَّفيع أن يتقدَّم، وأمَّا ما رواه سعيد بن منصورٍ وغيره عن عليٍّ موقوفًا (٢): المشي خلفها أفضل؛ فضعيفٌ، وكونه قريبًا منها بحيث يراها إن التفت إليها أفضلُ منه بعيدًا بألَّا يراها لكثرة الماشين معها، ولو مشى خلفها حصل له أصل فضيلة المتابعة، وفاته كمالها، ويُكرَه ركوبه في ذهابه معها؛ لحديث التِّرمذيِّ: أنَّه ﷺ رأى ناسًا ركبانًا مع جنازةٍ، فقال: «ألا تستحيون (٣)؟ إنَّ ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدَّوابِّ». نعم إن كان له عذرٌ كمرض، أو في رجوعه فلا كراهة (٤) فيه.